رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هديل رشاد

صحفية فلسطينية

مساحة إعلانية

مقالات

360

هديل رشاد

قطر.. وسياسة ضبط النفس

04 مارس 2026 , 02:53ص

اختارت دولة قطر منذ تأسيس سياستها الخارجية، أن تجنح للسلم لا لطبول الحرب، وأن تبني لنفسها دورا قائما على الوساطة وتغليب الحلول الدبلوماسية، لم تكن يوماً دولة تبحث عن الصراعات، بل عن مسارات الحوار من موقع قوة لا ضعف، غير أن التطورات الأخيرة وضعتها أمام مشهد لم تختره، حين امتدت المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لتطول أراضيها ومنشآتها الحيوية.

تدخل هذه المواجهة مرحلة شديدة الحساسية بعد تبادل الضربات العسكرية واتساع رقعتها لتشمل دولًا في الإقليم. الرد الإيراني الذي استهدف قوات أمريكية تتواجد في عدد من دول الخليج والأردن، ترافق مع استهداف منشآت حيوية، ما نقل الصراع إلى مستوى يمسّ الأمن الإقليمي مباشرة، لتجد قطر نفسها في قلب معادلة تتحمل تبعاتها دون أن تكون طرفًا فيها.

فاستهداف خزان مياه يتبع مصانع مسيعيد للطاقة، إضافة إلى أحد مرافق الطاقة في مدينة رأس لفان الصناعية، شكّل مؤشرات خطيرة على اتساع دائرة الأهداف لتشمل بنى تحتية مدنية وحيوية، هذه الوقائع جاءت مناقضة لتصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي أكد أن بلاده تستهدف القواعد العسكرية الأمريكية فقط، والسؤال المشروع هنا هل هذه منشآت عسكرية؟ هل هي مرافق تتبع الولايات المتحدة؟ الواقع أنها مرافق قطرية خدمية بامتياز، تمثل أعمدة أساسية في منظومة الأمن الاقتصادي والمائي والطاقة، واستهدافها لا يمكن تبريره تحت أي ذريعة، كما أنه يضعف معاني حسن الجوار، فضلاً عن انعكاساته الاقتصادية المباشرة.

التصعيد الإيراني لا يقتصر أثره على خسائر في المنشآت، بل ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة والتجارة العالمية، ويضع الممرات الحيوية تحت ضغط أمني متزايد، وقطر، باعتبارها أحد أبرز مصدري الغاز الطبيعي المسال عالمياً، تنافس على الصدارة مع الولايات المتحدة وأستراليا بصادرات تتجاوز 80 مليون طن متري سنويا، تدرك حساسية هذا الموقع، لذلك فإن استهداف مرافقها الحيوية لا يمس أمنها الوطني فحسب، بل يطول شبكة مصالح دولية مترابطة، ما يبرز خطورة الانزلاق نحو استهداف البنى الاقتصادية وما يحمله ذلك من رسائل تتجاوز حدود الجغرافيا.

قطر.. دولة حافظت وتحافظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، بما في ذلك طهران، مدفوعة باعتبارات الجغرافيا والمصالح المشتركة، وعلى رأسها التعاون في حقل الغاز المشترك، غير أن استهداف منشآت داخل الأراضي القطرية يضع هذه العلاقة أمام اختبار بالغ التعقيد، ويجعل إيران تبدو كمن لفّ حبل المشنقة على رقبته بإرادته سياسيا لا عسكريا، حين منحت خصومها ما يحتاجونه لتوسيع دائرة العزلة عليها، وضيّقت على نفسها هامش الحركة الذي طالما حرصت على الحفاظ عليه في الإقليم.

توسيع نطاق الضربات ليشمل دول الخليج يحمل دلالات تتجاوز الرد التكتيكي، فعندما تمتد النيران إلى دول لم تعلن انخراطها في المواجهة، فإن ذلك يمنح إسرائيل مادة إضافية لترسيخ سرديتها بأنها تواجه التهديد الأكبر لأمن المنطقة. هذه السردية، التي طالما رُوِّج لها في الخطاب الإسرائيلي والأمريكي، تجد في مثل هذه التطورات ما يعزز حضورها أمام الرأي العام الدولي، وبدلًا من تقليص الضغوط، قد يؤدي هذا المسار إلى توسيع دائرة الاصطفاف ضد إيران، ويفتح المجال أمام خطوات إسرائيلية أوسع تحت عنوان حماية الأمن الإقليمي، وتنفيذ مشروع إسرائيل الكبرى.

ورغم ما تواجهه دولة قطر، لا تزال تواصل خطابها المتزن الرصين، مؤكدة تمسكها بالقانون الدولي، ورفضها لأي انتهاك لسيادة الدول، وداعية إلى ضبط النفس وتغليب الحلول الدبلوماسية، هذا النهج يعكس سياسة تراكمت عبر سنوات، قامت على الوساطة واحتواء الأزمات، من أفغانستان إلى غزة، مرورا بملفات إقليمية معقدة، وفي لحظات التوتر، يظل الرهان على العقلانية خط الدفاع الأول عن الاستقرار.

داخلياً، تتطلب المرحلة وعيا مجتمعيا بحس عالٍ، فالحروب الحديثة لا تُخاض بالصواريخ وحدها، بل تُدار عبر الشائعات وحملات التضليل التي تستهدف بث القلق وإضعاف الجبهة الداخلية أيضاً، وقد أثبتت التجارب أن المجتمعات المتماسكة، الملتفة حول قيادتها ومؤسساتها، هي الأقدر على امتصاص الصدمات، إن الالتزام بالتوجيهات الصادرة عن الوزارات والجهات السيادية، واستقاء المعلومات من مصادرها الرسمية، يمثلان خطاً فاصلاً بين الوعي والفوضى.

ختاماً...

ما تشهده المنطقة يضع الجميع أمام مسؤولية مشتركة لتجنب توسيع دائرة الصراع، وحماية المصالح الوطنية، لاسيما في دولة قطر، فعلى كل مواطن ومقيم مسؤولية تتطلب منه أن يصد الشائعات، وأن لا يكن جزءا من الحرب النفسية، بالالتفاف حول القيادة، لإيماننا المطلق بحكمتها وحنكتها، وتمسكها بالحلول الدبلوماسية لإنهاء هذه الفوضى ليس من منطلق ضعف بل لامتلاكها كل مصادر القوة إلا أنها دوما تغلب صوت العقل، وتظل الحكمة السياسية والاصطفاف الداخلي الواعي عنصرين حاسمين في تجاوز المرحلة والحفاظ على تماسك الدولة ومكانتها الإقليمية.

مساحة إعلانية