رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

حين تهمس الحكمة!

لا يأتي النضج الحق تلقائيًا من تراكم الأيام وعبور الساعات؛ فالنضج الحقيقي ينبع من لمحات وعي، ولحظات إدراك، من ألم فُهِم، ومن تجربة أُعيد تأويلها. فكم من أناس في العشرين أكثر نضجًا من آخرين في الستين والسبعين، لأنهم قرروا ألّا يبقوا في دوائر الضحية، ولا أن يُداروا ردود أفعالهم بطفولية. ذلك لأن النضج هدية التجارب، ووليد الاختبار، مرهون بدوام الممارسة والمران على المواقف ومع الأشخاص. وما مآل ذلك إلا إدراكًا حقًا، ووعيًا ناضحًا لا يلوم، بل يفهم. يدفع المرء إلى أن يختار أن يحتضن شعوره بدلًا من إسقاطه، ويرتب إحساسه عوضًا عن شتاته، فتُمنح له بصيرة الناضجين، وحكمة الراشدين، فيزن الأمور بميزانها، ويعرف متى يكون الصمت حضورًا، ومتى يكون الكلام أثرًا. والناضج رصينٌ في حبّه وكُرهه، وإقباله وصدوده، فهو يختار الحب لا عن حاجة، بل من كفاية، ويمنحه من امتلاء، ويفيض به عن كفاية، ولا يُعلّق سلامه على وجود أحد، ولا يحارب ليُثبت ذاته في حضرة الآخر. بل النضج يُهدي اتزانه حتى في الألم وهبّات الوجع، فيُحيل المرء متفكرًا في نفسه: هل بات يُكرّر نفس أنماطه الشعورية؟ أم أنه تدارس الألم، فعلم كيف يحتضنه، ويستخرج من بين غياهبه نسخًا منه أكثر عمقًا ووعيًا؟ لأنه يُدرك أن الرصانة لا تعني ألّا يتألم، بل أن يُحسن الرُشد في التعامل معه، واحتضان أشواكه. النضج عطية الأوّابين إلى ذواتهم، أولئك الذين غاصوا في أعماقهم حتى تبيّن لهم صداها، فصاروا يختارون بما تهديه البصيرة لا بما يهمس به الهوى. يتخلّون عمّا قد تتوق إليه النفس، لأنهم أدركوا أن ما يُشبه الأعماق أصدق مما يلمع على السطح. والرُشد فيهم يتجلّى حين يُقرّرون المضي أو التراجع، لا بانفعال الخوف أو غشاوة التعلّق، بل بثبات الوعي وطمأنينة الفهم. وقبل ذلك كله، النضج هو نوافح النفس للنفس، وعطوفات الذات على الذات، يتجلّى في هبات الرحمة، والتسامح معها، وفي الإنصات العميق لها، حتى يدرك المرء متى قسا على روحه، ومتى كانت في شوقٍ إلى حضنٍ من الرحمة. وبذلك، لا يكون النضج صخبًا ولا إعلانًا، بل سكونًا داخليًا يُضيء على مهل، وهدوءًا يترسّب في النظرة، ويظهر في اللمحة، ويُعلن عن نفسه في ردة الفعل، وفي القرار. هو عودة صادقة إلى الذات، ومآلٌ أوّابٌ لما للحكمة من صفات، ومصالحة جريئة مع تقلبات النفس ومرايا أهوائها. فمن اختار أن ينضج، اختار أن يُبصر، أن يرحم، أن يُحب دون قيد، ويترك دون مرارة، ويعيش دون أن يُفرّط بنفسه في أحد. فالنضج ليس خاتمة الحكاية، بل بدء حديث السريرة بين المرء وذاته، حيث الوعي أصفى، والحب أنقى، والأثر أهدأ وأجلى. لحظة إدراك: النضج ليس محطة تُنال بالعمر، ولا هدفًا يُدرك بتقادم الأيام، بل مسار يُنتقى بإدراك، وطريق يُختار بوعي، وبرحمة القلب، وحكمة الإنصات للذات. هو قطاف ثمر التجارب حين تُفهم، وهبة المرء لنفسه حين يقرر أن يرى بعمق، ويُحب بكفاية، ويختار بثبات.

474

| 13 مايو 2025

أبهة من غير اصطناع !

لطالما كان الهدوء الساكن مفتاحاً من أهم مفاتيح النضج، وباباً من أبواب الارتقاء بلا ضجيج ! وطالما كان الهدوء من مظاهر السكينة والوقار الداخلي، أصبح أكثر أصالة وصدقاً، فمن الهدوء ما يكمن في المظهر فحسب يغطي صفيحا ساخنا من الغضب والمشاعر المضطربة، ومن الهدوء ما هو كالماء الصافي الرقراق، يجلي البصيرة، ويُنير القلب، يُقرّب المرء من نفسه، ويستعيد به اتزانه كل حين. وليس معنى أن يكون الإنسان هادئاً ساكن القلب أن يكون متبلّد الإحساس، بل المقصد أن يمتلك من صفاء النفس، واتزان الشعور، وسكينة الروح، وطمأنينة الخاطر، وسلام الروح ما يُمكّنه من أن يكون رائقاً وضاءً، متأملاً ومحتوياً لكل ما حوله من الحركة والاضطراب، متمركزاً في موضعه لا عن تصلّب في الرأي، أو قسوة في القلب، بل ليكون راسخاً متجذراً في سلامه، كالشجرة الباسقة أصلها ثابت وفرعها في السماء، مرنة الأغصان، كريمة الطرح، وارفة الظلال، لا يأنس إليها راحل إلا استظل وسكن، شامخة رغم الهبوب، ومرنة لا تجابه الخطوب بتصلّب يكسر فروعها! وليس مآل ذاك الصنف من الهدوء الحقّ إلا اتزان للشعور، وحكمة في القرارات، وتعظيم لسر الحياة بالحضور والانسياب في دقائقها وثوانيها، فيكون هو في ذاته السلام الذي يفشي السلام، والهدوء الذي ينشر الهدوء، والطمأنينة التي يبحث عن المآل إليها كل مضطرب ! فيكون الحضور الساكن أُبَّهَة من غير اصطناع، ورُقيّا من غير ابتذال، وبهاء من غير افتعال، لا يلحظ هذا النور إلا من يلامسه، ويدرك قيمته، فيتشرّب من فيضه كؤوساً تروي ظمأ اضطرابه، وتهديه من أوراقها ظلاً يحتمي به ولو برهة يعيد إليه اتزانه، ويتسع معها إدراكه بأن ضيق شعوره لا يُقارن مع براح سلامه ! وما تلك الأناة إلا محمدة في المسلك، وما الروّية إلا حكمة لا تُدرك إلا بالصفاء، ولذلك سُمّي الحُلم بسيّد الأخلاق. فما إن يروض المرء نفسه، ويعيدها إلى رحاب الهدوء والسكينة حتى يرجع إلى حقيقة نوره، وأصل وجوده، فلا يأخذ الأمور على محمل العجلة والتسرّع، ولا يُكدّر صفو خاطره كل عابر، ويعتاد الرّوية والعيش الرائق، ويُدرك أن سكونه هو مكانه الأثير، ورأس ماله الأحق بالاستثمار فيه. لحظة إدراك: ما إن يعتاد المرء السكون حتى يُدرك أنه أصله الذي لا يصح أن يتخلّى عنه، وأن كل اضطرابٍ في الفكر أو الشعور أو المسلك هو من الطارئ الذي لا يُعوّل عليه في إمضاء شأنه وإدارة حياته، فمهما ساقته أمواج الاضطراب إلى صراعٍ لا قِبل له به، أعادته سكينته إلى مرافئها سالماً.

1068

| 06 مايو 2025

لا تجزع لحالك.. بل تذّكر !

كثيرٌ ما تمر بالمرء أطياف الحزن، تحيله بين براثنه أسيراً، حبيس زنازينه، غارق في غياهب الألم، و في قتام الخسائر المتتالية، مخنوق من ثقل الجراح التي لا تندمل، أطياف شتّى يتلقاها الإنسان من كل اتجاه: النفس، المال، الحب، العلاقات، وحتى الأحلام التي كانت تتلألأ في قلبه كالنجوم ! وليس الحزن على ما فُقد، سواءً كان شخصًا، أو وظيفة، أو حتى لحظة ضائعة، سوى مجرد محطة في رحلة الحياة الطويلة وإن عظُم، تلك الحياة التي لا تتوقف عند حدود ما فات، ولا تنتظر عند أبواب الخسارات، ولا ينتظرها الزمن ليكون مكتملًا كما نريد، فكل أمر هو درب، وكل لحظة هي فرصة سانحة لاستملاك القوة من جديد، من غير سخطٍ أو عتب. ولعل ما يكفكف الدمع، ويمسح برفق على قلب المرء أن يُدرك في تلك اللحظات التي يشعر فيها بثقل الخذلان، أنه ما زال يملك الفرصة للانتعاش من جديد، و للنهوض بعد كبوات لم يتوقعها من مرارة الخيبة. فيسترجع القدرة على بذر أزهار الفلاح، تلك القوة التي يعرفها المرء عندما يجابه الحياة بدون ظلال الماضي، باتزان يحفظ قوته الحاضرة وتركيزه الآني في ما بين يديه من الأيام والنعم، ولسان حاله يقول أنه مقبلٌ: (زاهداً فيما سيأتي، ناسياً ما قد مضى). والمبهر أن يدرك الإنسان أن فضل الله عليه عظيم، وعوضه سابغ، فكل فقدٍ يوازيه اكتساب، وكل نهاية تحمل في طياتها بداية جديدة، ولنسخ أقوى منه صنعتها التجارب، ونسجتها خيوط الألم والمرونة، فيدرك حينها أن حتى الحزن والألم أفضال إلهية غامرة إن أحالها إلى استفادة تغذيه بروحٍ جديدة، فما يكون مآل الفؤاد حينئذٍ إلا الاطمئنان وسلوة الخاطر. ولعل في ذاك كله نوراً يُنبئ المرء بأن الأحزان ليست نهاية المطاف، ولا ختام القصة، بل هي مما يعين المرء على التهذيب والارتقاء، والصقل والاقتدار، فيغدو بعد تجاربه تلك حراً قد علا وحلّق.

747

| 29 أبريل 2025

إن الحكم إلا لله

من مباهج الحياة أن يعي المرء باكراً أن تخليّه عن مقعد القاضي هو من الحكمة التي تحفظ عليه نفسه، ويهذب بها عقله، ويترفع بها مقاماً عن الشر وسوء الظن. فمتى ما خرج الإنسان من دوائر الحكم على ذاته وعلى غيره، فقد ترشد في استهلاك طاقته فيما لا يفيد، وحفظ ذاته من التخويف والتحجير، فلا يغدو بعد تلك الأحكام سوى بائس قد احتجز نفسه بيديه، وحكم على روحه بالأفول في غياهب السجون، وظلام التقتير والتعذيب. وليس ذاك إلا لأن الحكم على الناس من أشر الأفعال، ومن أكذب الاستنتاجات، ومن أوهن الطرق التي يتعامل بها المرء مع ذاته والحياة. ولأن غالب الناس لا يُحكمّون عقلاً ولا ضميراً، وليس لهم من المنطق والحكمة ما يهذبون به أنفسهم، فهم يسقطون تحليلاتهم الهشة دون دلائل ولا بصيرة، وضمائرهم المتوارية على ما يرونه من أمر الناس، فيسهل عليهم أن يلقوا الحكم على عواهنه دون دراية بالسياق، وما خلف الظاهر من الأسباب، أو حتى معرفة ما يترتب على هذا الحكم من السوء والتعدي، فما أسهل أن يطلق أحدهم حكماً على الآخر بالكسل على سبيل المثال، وهو لا يعي أن من أسباب ما يصمه بالكسل هو حالة اكتئاب غير معلومة يمر بها صاحبها، أو لربما ختم عليه بحكم الكسل وفق مفهومه هو، فيرى مثلاً من يحفظ لنفسه راحتها وطمأنينتها كسولاً قد أضاع عمره في الاستكانة والدعة، أو قد يكون حكماً صادراً بوعي غائب لا يُمثل سوى إسقاطه لحكمه على نفسه، ورمياً لمثالبه هو على غيره!. ولعل تلك الأسباب وغيرها مما يعين على استسهال إصدار الأحكام، والتعدي بسوء الظن على غيره دون التماس عذر أو حفظ النفس عن الفضول ومد عينه لما عند الآخرين، ونسي أن الحكم لا يكون إلا لله وحده، العليم بما نفوس العالمين بالنوايا، والخبير بما يقدمونه من أعمال في سياقها الكامل لا المبتور. فمن سولت له نفسه الاجتراء على إطلاق حكم على غيره، فليتذكر أن عمله ذاك تعدٍ على الحكيم الخبير في حكمه، و أن ما يُسره في بواطنه من الحكم والتفسير، وما ينطق به لسانه من القول، وما تجترح به جوارحه من الفعل هي خرق لحد لا ينبغي له أن يُنتهك وإن بدا للناس أنه من الصغائر، أو من أوضح الواضحات. والأمرّ من ذاك أن يجترأ الإنسان على نفسه بالحكم، فيعتدي على مقامها المكُرّم من رب العالمين، ويظن أنه لا بأس عليه أن يفتي عليها بالدنو والتحقير، أو بانعدام الفائدة، أو بالرفض أو بالضلالة والضياع. فيغدو عدواً قائماً بين جنبيه لا يفتأ آلاء الليل وأطراف النهار يُبكت نفسه، ويهدم حصنه، ويقضي على إكرامه بيديه. وليته يعلم أن الأشرف أن يعود المرء لنفسه يتفحص ما هو بشأنه قاض، أو تجاه نفسه جلاد ومؤذ، فيعيد ترتيب أوراقه، ويدع الخلق للخالق. *لحظة إدراك: للاستسهال في التعاطي مع الأحكام على النفس أو الغير مآل غير محمود، فهي من الظلم الخفي، وكل ساق سيُسقى بما سقى، ولكل اجتراح في حق الإكرام منقلب غير سارٍ ولا نافع.

501

| 22 أبريل 2025

ترياقٌ بعد الانكسار !

ما أسهل على المرء أن ينحدر إلى مهاوى الردى، وجل الاضطرابات الوجدانية والعقلية إن لم يحفظ لنفسه قدرها. فمدار الأمن الداخلي لدى الإنسان يبدأ من إدراكه أنه كائنٌ مُكرّم، عالي الشأن وإن سقط، عزيزٌ عند ربه وإن انحرف، مُقدّر القيمة وإن أخطأ، مقبول حتى بنقصه وعيوبه. وهذا الإدراك الجليل بالقيمة الذاتية ليس وهماً متخيلاً، أو حجة مكذوبة، تهدهد المخاوف الدفينة، وتدفع الإنسان إلى وهم مضلل، بل هو إدراكٌ نقيّ، يحاكي روعة وجوده، وتكريمه من خالقه، مهما بلغ في عين نفسه، وفي عين غيره نقص جدارته!. وهذا الفهم يُعين المرء على إقامة نفسه مقامها، وإلى الانفتاح على اليسر بعد العسر، ودلف أبوابٍ لم تكن لتُفتح له عندما كان يظن أن شأنه متضائل الصغر. ومما يُحتّم الوصول إلى ذاك المقام، التيقّن القلبي بأنه إنسان جيّد، وأن جوهره صافٍ، وأنه يستحق من الإكرام بما تكرّم الباري عليه، وما فتح له من أبواب الفرص للتعلّم من خلال السقوط والقيام من جديد كطبيعة في فطرة خلقه لا شأن طارئاً على وجوده وقد يواجه المرء في رحلته الإدراكية تلك، ما قد يزعزعها، فهو يموج في لجة عميقة من الأفكار والتصورات والأحكام المجتمعية التي بنت لنفسها صُرحا عتيقة من المفاهيم والأحكام التي تنبذه بسهولة إن لم يكن وفق معاييرها الصارمة، في الشكل والجوهر، والمثالية دون الخطأ، فلا يلبث أن يعاني مع ذلك كله سباحته ضد تيار متعاظم، يؤكد سلبه مكانته دون شروط، وتذكره بخطئه دون داعٍ، وتُذنبّه وتقصيه مع أصغر خطأ يسقط به. فهو مرفوض إن اجترح، ومنبوذ إن اقترف، أو تكالبت عليه النقائص، لابد أن يمتثل لشروط الجمع وإن بدت مستحيلة أو قاسية! وهذا مما يُعظـّم الأثر عليه، ويجعله يدور في ساقية الرفض والألم، و تعذّر بناء القناعة الذاتية بالقيمة، والشعور الداخلي بالتكريم. فإن أدرك المرء تلك الفخاخ، وأنه صورة من صور الانسلاخ، نجا بنفسه من براثن داخله وقوانين مجتمعه الجائرة، ونظر بعين الفاحص الصادق إلى علوّ منزلته عند خالقه ومولاه، وتساقطت أمامه أقنعة الزيف، وأدرك أن حقّه محفوظ من الإكرام، والإذن بالوجود من الواجد جل في علاه. فلا يلبث أن تلم نفسها شعثها، وتصطف في ذاته قيمها وأولوياتها، فلا يغتر بالزيف وإن عظُم، ولا ينخدع بالإفك وإن كانت جذوره ممتدة. فلا أدنى بعد ذاك كله من أن يصل إلى ترياقه بعد كل انكسار، وأن يُحلّق بعد كل سقوط، وأن يتعافى بعد كل ألم. لحظة إدراك: ليس أشق على المرء من قيود يُكلبّ بها نفسه، من التصورات والأحكام وكاذب الشعور، وما أن يجرؤ على فك قيده حتى يُحلّق في سماوات التكريم، ويُعمّر بنيانه قصوراً شاهقة على أراضٍ صلبة لا تتزلزل، لأنه استند إلى نور حقيقته ولم يُضلل بظلام قشوره.

543

| 15 أبريل 2025

ليست كل نفسٍ ذائقة الحياة!

من أجل الإدراكات أن نعي أن النضج ليس حصاد أعوامٍ تراكمت على تقاويمِ العمر، ولا عدّا للحظات تسابقت للرصد في تاريخ الحياة، بل هو نبوغُ الروحِ حين تعبرُ صمتَ التجارب وتخرجُ منها بوميض الإدراك الحقّ، والمعرفة البيّنة. فنحن لا نكبُر بتوالي تكرارات إشراقات الشمس على ملامحنا، ولا نشيخ بتتابع أفول الليالي على أحلامنا، بل نُعمّر لأننا نعيش انهزامات تترك فينا ندوباً ناطقة، وجروحاً نازفة، ونسجد في محاريب الألم حتى يُورق فينا وعيٌ لم يولد بعد في قلوب الغافلين، فكل سقطةٍ تعلمنا كيف ننهضُ بكرامة، وكل خسارةٍ هي مهد بصيرةٍ جديدة، وفطنة مُبتكرة. نحن نعيش حقاً عندما نعاصر اللحظات بحلوها ومرها، ونورق فعلاً مع توالي دهشاتنا التي تكاد تنطق حيرتنا، ونركب موجة الفرح تارةً، ونسقط في غياهب الألم تارات أخرى.. فنكون أبناء التجربة، لا أبناء الرفاه ! ومَن لم يذق مرارة السقوط، وينغمس في حلو الحياة ومرها لن يتعلم لذة الصعود، فالنضج ليس صنيعة الأزمان، ولا نتاج تكرار الأيام، بل هو فوز من يشتبكون مع الحياة، ويتفاعلون مع أحداثها، ممن يتلوثون بترابها، ويتطهرون بالحكمة التي تهطل بعد العواصف. النضجُ ليس وقارَ الشعرِ الأبيض، والفوز بعدد الأيام، مقابل خواء اللحظات، ورتابة الأحداث، بل هو إشراقُ البصيرة حين تخفت ضوضاء الدنيا، وتسمع النفسُ صوتها أخيراً. فلا أصدق من وصيةٍ تُنبئنا أن نمشي في دروب التجربة، ونملأ راحتينا من ندى الانكسار، ونغوص في أغوار عذب الشعور، فالحياة لم تُوجد لتُعاش بلُطفٍ فحسب، ولا لنتنعم بسعد أوقاتها ووفرة عطاءاتها فقط، بل خُلقت الحياة لتُحتضن بشغف، حتى وإن نزفت منها الأرواح، وعلت منها الآهات ! * لحظة إدراك: الحياة لم تُخلق لتكون مجرد مرور هادئ، ووجود ساكن محدود، بل مساحة نُمنح فيها حرية التجرِبة والتشكُّل، هي ساحة غنية بالتجارب التي تصقل أرواحنا لنُجرّب، نخطئ، نندهش، ونتحوّل. فأن تعيش لا يعني أن تكتفي بالبقاء على قيد الحياة، أو أن تتجنب التجربة، بل أن تخوض غمارها وتعبر من خلالها. كما قيل: (واعلم أن كل نفسٍ ذائقة الموت، ولكن ليست كل نفسٍ ذائقة الحياة). ‏[email protected] إنستغرام:‏Khawlalbu3inain@

1635

| 08 أبريل 2025

مواعيد العيد !

ما العيد إلا (عودٌ) لمواعيدٍ من نور تتحّرق الأرواح لها شوقاً: فموعدٌ مع الفرح.. بهجة تتجلّى تملأ الدُنيا أُنساً وانشراحاً وتفيض بشراً وسروراً، أغانيه قهقهات الأطفال، وأهازيجه ضحكات الغوالي. وموعدٌ مع الحُسن.. جمال الأرواح، وروعة النفوس الطيبة، ورونق الأردية، ونضارة الوجوه، وبهاء التباريك. وموعدٌ مع السلام.. عفو القلوب، وصفاء الخواطر، ونقاء المُهج.. وطهارة الألسن التي تلهج بصادق الأماني، وطيب التهاني.. موعدٌ لفض المنازعات وصُلح الأعزاء، وطمأنينة السرائر. وموعدٌ مع اللذة.. متعة لقاء الأحبّة، وقرار العين بالغوالي، وتلذذ المُهج بوصل الأهل والأصدقاء، والترّنم بحلو الكلام وشهيّ الطعام. مواعيدٌ تتألق برحابة القلوب، وصفاء الوجدان، والعودة إلى الأنس والمسرّة، حتى تتعاظم الأفراح في الصدور، ويكون للمرء من حياته عودٌ دائم لأبواب الغبطة والسرور، في شكلها الفريد الذي يعم كل الأفئدة، فلا يغدو الإنسان بعدها إلا وقد ارتاح باله، وسلى خاطره وشارك الأحباب والأغراب من الناس فرحة لا تُسلى، وبهجة لا تُنسى. ولعل ما يميّز تلك المواعيد النورانية كونها معززة للتآخي، منتشرةً في أثرها ومشاركتها، وأنها كذلك تأتي كمكافأة بعد طول الصيام، وتغيّر ما اعتاد عليه المرء من الحال، وكأنها تذكرة له بأن أبواب التغيير مفتوحة على مصراعيها، يدلف إليها من أبواب المجاهدة والفرح، والصيام والفطر، والتعبّد والابتهاج، فلا يغدو الإنسان بعد ذلك إلا فرحاً بما آتاه الله من فضله، محتفلاً ببداية جديدة، ومتفائلاً بالآتي الحديث. لحظة إدراك: العيد يُمن أبهى، وسعدٌ موّشى، ومسرات متوالية، وأفراحٌ قائمة، وبركاتٌ من الكريم تأتي مزدانة بالرضا والكرامة، ومرقومة بطيب الحال والخير الوفير.

534

| 01 أبريل 2025

طمأنينتك ليست كمينا!

لعل من أمكر ما قد يوقع فيه المرء نفسه من الأفخاخ هو أن يدمن الحذر، و يتآلف مع القلق، ويتآخى مع الخوف. وفي ظنه أن ذلك من موجبات الجد والالتزام، أو ربما من عواقب المسؤوليات ومواجهة التحديات. وهو في ديدنه ذاك قد غفل ربما عما يفوته من السكينة وراحة البال، ومتعة الأُنس والمسرات، لأنه أدمن انشغال البال وتكدّر الخاطر كأسلوب للحياة، ومنظور للإدراك، فلا يغدو سوى حبيس الظنون، تتلقفه الأفكار، وتعيث في جنبات فكره تشويشاً واضطراباً. فلا يلقى من ذلك مآلاً إلا هموم النفس، وانزعاجا دائما، لأنه يتعامل مع الحياة بعقلية النجاة، فهو في حرب لا تتوقف مع عقله ووجدانه. وعساه يبرر ذلك أنه من تمام الاستعداد، وكمال الجاهزية لمواجهة خطوب الحياة، وكأنه في حرب لا تفتأ، ومعركة لا تتوقف، بين كر وفر، يعد لها العدة من ذخيرة عقله ووجدانه، وكأنه يبذل نفسه حسرات متتالية دون أن يُدرك أنه ذاهب في درب الهلاك. ولعل من المفارقات الساخرة أن يتعامل مع أوقات سكونه وكأنها لحظات مكيدة، أو مصائد قد نصبت له، فمن اعتاد القلق ظن أن الطمأنينة كمين كما يُقال. فلا يستطيع في ذروة متعته أن يهنأ ويتنعم، ولا يتمكن في لحظات راحة باله أن يطمأن ويسكُن، فهو قد عاقر التعاطي مع شتات الفكر، وهمّ النفس، حتى استحث في ذاته ذاك الاضطراب الذي لا يهدأ. فما أن يُدرك المرء علته في زمنه المتسارع، حتى يعي أن ترياقه قائم بين يديه، وعلاجه متوفر أمام عينيه، كما قيل: دواؤك فيك وما تُبصر وداؤك منك وما تَشعر ومن أجلّ العلاجات أن يُدرك المرء أنه لا يملك من هذه الدنيا سوى لحظته الآنية، وأن الاستغراق فيها يعيد تركيز القلب والشعور، ويقوي الحضور والتبصر بما يتقلب فيه من الآلاء والنعيم، فلا يرتد إليه البصر إلا مُدركاً لسلام اللحظة، وسكون الخاطر، و الشكر الجزيل لوهاب النعم، والثقة بمدبر الأمور، الكريم العالم بما في الصدور من الألم. ومع الدُربة والمران يتريض العقل فيهدأ، ويطمئن القلب فيسكن، وهذا هو -لعمري- هو الإيمان، فمن يؤمن يأمن، فلا خوفٌ عليه ولا حزن. لحظة إدراك: من أحكم الحكم أن يضع المرء الأمور في نصابها، فلا يتعدى خوفه إلى اضطراب يمنع عنه التمتع بحياته، ولا يتجاوز تسليمه إلى تبلد يُرهق كيانه، فللسكون قيمة لا تُدرك سوى بالاتزان، ولراحة البال أسباب تُدرك بالعيش في التو واللحظة دون خوف من مستقبل أو حزن على ماضٍ، وبالخروج من معاقرة القلق والاضطراب، وسلوك مسلك الآمنين المؤمنين الذين أطعمهم الكريم من جوع وآمنهم الرحمن من خوف.

651

| 25 مارس 2025

حتى تُؤتي شجرتك أُكلها!

لعل من أبرز المشتتات الذهنية، والخدع العقلية أن يُوهم المرء نفسه بأهميّة تمام الأُهبة، واكتمال الجاهزية، وصحة الاستعداد قبل الإقبال على فعلٍ مخصوص، أو عملٍ معيّن! ومتى وقع الإنسان في براثن تلك الألاعيب التي ينسجها الذهن، فقد حكم على حياته بالتوّقف، وعلى سعيه بالمحدودية، وعلى عمله بقلة أو انعدام التطوّر. فتمام الجاهزية وهمٌ لا يوجد إلا في عقول الحالمين، المنفصلين عن الواقع، لأنهم يظنون أن الحياة مراحل مكتملة، لا يصّح الانتقال إلى مرحلةٍ أخرى فيها، أو الإقدام على فعلٍ إلا بعد استيفاء مثالي لكل ما يتطلبه الإقبال عليه من عُدّة. ويغفل عن أن الاستعداد هو حالة ثبوت النيّة، والأخذ بالمتاح والممكن، والسعي بما بين يديه من المتوفر من الأسباب، والتطوّر منه وعبره إلى مراحل أعلى. أما من جمّد عقله في أُطر الكمال والتمام، فلن يكون له من نصيبٍ سوى ضياع العمر، وتبدد الفرص، والإقامة على حاله ردحاً طويلاً لن يفارقه سوى بالتنبّه والاستيقاظ من هذا الوهم العاثر! فمن عقد العزم على الفعل، لن تقف في دروبه عثرات الأفكار الزائفة بأهمية اكتمال الاستعداد، ولن تزلّ به حاجته النفسية بأهمية ضمان النتائج حتى يتم البدء بما تم عقد العزم على فعله، فلا يوجد ضامنٌ إلا الله، وصدق التوكل عليه والأخذ بالأسباب، والسعي نحو إدارة وتقليل المخاطر قدر الإمكان. ومن سعى نال، ولن ينال تلك الثمرات من يريد أن يتم الأمر على مزاجه، ومن يريد البدء وهو في اكتمال عقلي وجسدي ووجداني، وإقبال متسع الصدر، مليء الدرب بالورود والمشاعر الجميلة المدهشة ! فليس هكذا تورد الأعمال، فالبدء رغم الخوف مطلب، والسعي رغم خفوت الدافع ضرورة أحياناً. وليس المعنى من هذا كُله أن يتهوّر المرء، ويرمي نفسه كيفما اتفق، أو أن يُجبر نفسه على مالا تحب، ويرغمها على غير هواها كديدنٍ يتعامل به مع ذاته والحياة، ولكن المقصد أن يتّزن المرء ويعقد عزمه ويتخذ من الأسباب المتاحة، ويبدأ بما عزم عليه متوكلاً رغم عدم كمال استعداده، وملتزماً بتنفيذ ما التزم به دون حتى لو تطلب ذلك أن يجاهد هوى نفسه حيناً على هذا الالتزام. حتى تؤتي شجرته أُكلها، وتُشرّع له الدنيا أبوابها لمزيدٍ من الرحابة والسعة، والكثير من الحكمة والحنكة، فلا يغدو إلا خبيرا قد صقلته الأيام، وهذبته التجارب. لحظة إدراك: ما أن ينزع المرء عن عقله رداء التحكّم، ويُنزله منزلته في إدارة المهام، والتعامل مع الظروف، حتى يضحى أسيراً تحت إمرته، فالعقل عبدٌ طيّع نافع، وسيّد مُقيِّد حاجب !

585

| 18 مارس 2025

سعيك سوف يُرى !

ليس النجاح الحقّ هدفاً نصل إليه، أو إنجازاً نحققه! فالنجاح رحلة، أصلها صلاح النية، وزادها السعي، ووقودها الأمل، ومعينها القوة على الاحتمال. ولعل من ألطف المفارقات أن يعي المرء أن بعض الأمور في الحياة لا تُطلب كغاية، وإنما تأتي كهدية ونتيجة غير مقصودة لذاتها ! فالنجاح الحقّ ليس غرضا في نفسه، والفلاح الجلّي ليس مرمى في حد ذاته، فهما عاقبة يتم الوصول إليها عندما تُكرّس نفسك لقضية أكبر، وكهدية لك عندما ينشغل فكرك وشعورك بالأرقى والأسمى، وعندما تسعى في سبيل الإحسان والتجويد، والخدمة والتعمير في هذه الأرض، حينها سوف ترى حصيلة سعيك بركةً وتوفيقاً وفلاحاً، ونصراً مؤزراً لأنك أحسنت، وليس جزاء الإحسان إلا الإحسان. وأبهى ما في النجاح الحقيقي أن يهبك القدرة الفذّة على منح المعنى لما تمر به من الخطوب، فيُريك السقوط تجربة للتعلم منها، ويُحيل لك ما تظنه فشلاً إلى طرقٍ مختصرة أخرى ليست في حسبانك، ويذلل لك عقبات الفكر والشعور، ليست تهويناً أو تسفيهاً لما قد تمر به من الإحباط واليأس، أو الخوف والتردد، ولكن لتقويك وتمنحك اليقين بمدبر الأمور، المعين الوكيل، الذي يصحبك في رحلتك مؤازراً يشد أزرك، ويغمرك برحماته، يذلل لك العقبات، ويريك الآيات والعلامات، ويُسخِّر لك من تحتاج وفق علمه وتدبيره، فتُصنع على عينه، آمناً مطمئناً، مستمراً في البذل والسعي، حاصداً من كرمه فوق ما تأملت، وأجمل مما توقعت. فإن أجدتَ أن تهذب نفسك وإعانتها بالدربة على صلاح المقصد، وعدم طلب النجاح كهدف في حد ذاته، وتمكنت من منح المعنى الذي يعينك على الفلاح لكل ما يواجهك في الطريق، فلقد (نجحت) فعلاً، وأحسنتَ حقاً، وأصبح لنجاحك ذاك البعد العميق من النجاعة والفائدة، وجودة المعنى، بدلاً من أن يكون نجاحاً لامعاً تغتر به العيون وهو في حقيقته هيكل خاوٍ على عروشه. * لحظة إدراك: أسمى ما قد يصل إليه المرء هو أن يقطف ثمرة جهده، ويحصد زرع توفيق الله له، بأن لا تغره المظاهر والأشكال، وبريق النجاحات اللامعة، التي لا تزيد المرء إلا زهواً وتبعده عن حقيقة أصله ونقاء جوهره، وأن يعلم أن سعيه الصادق سوف يُرى فلاحاً ونجاحاً إن أصلح المقصد، وبذل السعي، ليفرح بقطف ثمره اليانع كحصاد مُبارك لا يبلى أثره وإن فنى.

627

| 11 مارس 2025

ايش على الناس مني؟

لعل من موجبات الحكمة أن يُدرك المرء أن اهتمامه بما يقوله عنه الناس، والعناية برأيهم وانطباعاتهم عنه وعن تصرفاته واختياراته محض وهم لا يغني ولا يُسمن من جوع. ففي حقيقة الأمر، ولو تأمل الإنسان في حاله وحال الناس لأدرك أن الأنام لا يولون لك أي انتباه، وليس منهم من هو فارغ للتربص بك، أو تناقل ما تقول أو تفعل، بل إن جُل انتباههم مرصود لعوالمهم، ولرب جرحٍ صغير يُجرح به إصبع أحدهم مدعاة لشحذ انتباهه كله وجل اهتمامه، عن مفارقة بعض الأحبة !فربط تحركاتك وأقوالك برأي الناس، وما سيقولونه، أو التحيُّن لمذمتهم أو حتى مدحهم يُعدّ من موبقات الفكر والشعور. فلن يبقى للإنسان فكر ولا عقل، ولا سواء في وجدانه وشعوره إن أدمن ترصّد آراء الناس في حياته، فمقالهم في الحقيقة لا يهُم، لأنه نابعٌ من حكم عام، ومن إسقاط لحظي، ومن منطلقات جُلهّا غير حكيمة ولا مدركة، هي في الغالب تخشى حتى مجرد الاختلاف، أو ربما تحرص على مصالحها هي مهما كلفك أنت من التضحيات ! وليس في ذلك دعوة إلى تعمّد الاختلاف، أو التمادي في مقاومة كل ما هو سائد، أو عدم الاهتمام المطلق بآراء الآخرين، بل المقصد أن يعي الإنسان نفسه جيداً، ويُدرك أن اختياراته ليس لأحد عليه فيها سلطان، فمدار الأخلاق وطيب المسالك هو الإرادة الحرة دون اعتبار لأي شيء آخر سوى حكمة المقصد، والإحسان قدر الإمكان. فلا يكن (إمعة) تتخطفه أقوال الناس وأهواؤهم وما درجوا عليه من الأعراف البائدة، فيحصر حياته وراحة باله ولحظات متعته وأُنسه تحت رحمة آراء الآخرين الذين لا يعلمون شيئاً عنه، ولكن الأجدر أن يوطِّن نفسه على الاختيار، وتحمّل عواقب الأقوال والأفعال بعقلٍ ناضج متبصّر، ومسلك حكيم يعي مآلات اختياراته، فلا يتبع الناس على علاتهم، بل يتخيّر له ما يناسبه، ولا يبني في نفسه صروحا من الخوف الواهم من انتقادات الناس وآرائهم. * لحظة إدراك: من أدركه النضج، علم أن كلام الناس محض خطلٍ لا قيمة له ولا وزن، ومن قيّد نفسه أسيراً لأوهام ضخمها في فكره، لن ينال سوى الندامة على أيام ترك فيها متعة نفسه، وراحة باله اتقاءً لشرٍّ لم يوجد قط إلا في تلافيف عقله، وقد يكتشف لاحقاً أن من عاب عليه أمراً ما، هاهوذا يمارسه وبكل افتخار، وما كان له من ذلك كله سوى ضياع أيامه في الحرمان من أبسط حقوقه. وكما قال من الحكمة ذات يوم الشاعر الأندلسي (الششتري): ايش عليّ أنا من الناس ؟ وايش على الناس مني ؟ افعل الخير تنجو واتبع أهل الحقائق

645

| 04 مارس 2025

ألهاكم التكاثر !

ليس أشدّ على المرء ضراوةً من شعوره بالقلة وعدم الكفاية، وما يترتب على ذلك كله من ضعف تقديره لذاته، فقط لأنه اعتاد أن يعيش في محيطٍ يقيّمه بناءً على نجاحاته الباهرة، أو إنجازاته الساطعة، يُعدّد فيها مكتسباته من الشهادات والأموال والأبناء والمناصب والممتلكات، ويتطاول بها مع الأقران، ويتفاخر بها مُعلناً ظهوره، ومُثبتاً نجاعته ورسوّ أرضه بما حقّق. وليس في ذلك بأس، فالإنجازات المُفيدة، وكثرة الأموال والأولاد والإرث المادي بكل صوره من النعم التي تستحق الشكر، ومن الأدوات التي يترك بها الإنسان أثره وإرثه النافع في الأرض. ولكن الاكتفاء بتعريف التوفيق والنجاح، واستلهام القدر والقيمة منها وحدها هو ما يجعل الإنسان خاوياً، خالياً من معناه، قد أشغل نفسه بالتناطح والتطاول، والتهى بـ (التكاثر) الذي أعماه عن تكثير ما عنده من النعم الأصيلة بالحمد والشكر، والحرص على ترك الأثر النافع مهما قل. فلرب جسيم برّاق الثنايا، يُعجبك منه حضور الجسد، وشهرة الصيت، وفصاحة اللسان وكثرة الإنجازات وتعدد المناصب، وهو في حقيقته أحد الذين وصفهم الرحمن (كأنهم خُشبٌ مُسنَّدة) لا حياة فيها ولا روح ! وفي المقابل هناك من يرى نفسه قليلاً بعلمه، ضئيلا في ماله، لم يصل إلى ما يتبارى لوصوله من حوله من الأموال والمناصب والمقتنيات، قد قلّ قدره ربما في عين من حوله، وربما استُصغر لقلة نجاحاته، إلا أنه عالي المقام عند ربه، أثير حظيظ عند مولاه، لو أقسم عليه لأبرّه ! ربما ترك من الأثر ما يصغر حجمه المنظور، ولكنه يفوق قدره المحجوب في القلوب والأرواح، فلربما ترك من حسن الأدب، ورقة المنطوق، وإخلاص النصح، والتبسّم الصادق، والابن الصالح، وحُسن الصحبة، وصحة المودّة، بل ولربما من كف الأذى وحب الخير للغير، والتسامح والتغافل ما يجعله غنياً بأثره، من الأبرار المقربين، مرفوع القدر عند بارئه، محبوب السيرة عند خلقه. وليس في ذلك من دعوة إلى التخلّي عن كل أثرٍ مادّي نافع، أو التشجيع على ترك كل ما هو برّاق لامع من النجاحات والإنجازات، وإنما هي إشارة لتذكر ألا يحصر الإنسان نفسه في دوائرها، وألا ينسى أن مقامه ورفعته بكرامة وجوده أولاً قبل كل شيء، ومن حُسن الأثر النابع من صفاء السريرة، ونقاء النوايا، والإخلاص لله في كل عمل، وأن لا تدفعه الدُنيا إلى التسابق في التكاثر والتطاول على حساب خواء المعنى وصدق التوجّه. فما الميزان إلا صراط الله المستقيم، فلا ينسيك باطنك عن نصيبك من الدنيا، ولا تُنسيك دُنياك نصيبك من صفاء طويتك. لحظة إدراك: متى ما تسامى الإنسان أدرك أن الدنيا في يده لا في قلبه، وأن قيمته الحقّة هي في خلقه منذ الابتداء، لأن (الإكرام) هدية الله لكل بني آدم، ومن يُهن الله فما له من مُكرم، ومتى ما نسي المرء ذلك، سعى في طلب العزة والكرامة من غير موضعها، فتوّه نفسه، وضيّع دربه.

597

| 25 فبراير 2025

alsharq
آفة التسويف..

كما أن أخطر عدو للإنسان هو ذلك العدو...

3522

| 11 أبريل 2026

alsharq
«ما خفي أعظم» يفضح المزاعم الإيرانية

-«على خط النار» توثيق مهم لمرحلة دقيقة واستثنائية...

3129

| 12 أبريل 2026

alsharq
مضيق هرمز

بين أساطير الآلهة القديمة وحكايات الملوك القدام، يبرز...

1170

| 12 أبريل 2026

alsharq
الزواج مشروع حياة وليس مناسبة للاستعراض

لم يعد الزواج، عند شريحة من الشباب، مجرد...

831

| 16 أبريل 2026

alsharq
"الستر" في زمن "الفضيحة"..

تخيل هذا المشهد: شخص يتعثر ويسقط في مجمع...

774

| 15 أبريل 2026

alsharq
غداً تعود سفينتنا للإبحار

مرت على شواطئنا رياحٌ عاتية، تلاطمت فيها الأمواج...

756

| 14 أبريل 2026

alsharq
حاصرونا بين التيس والكنغر

في خضمّ التحولات العالمية والصراعات المتشابكة، يبرز تساؤل...

702

| 15 أبريل 2026

alsharq
المدينة التعليمية.. كيف تصبح المعرفة فعلًا للصمود؟

ليست المؤسسات الكبرى تلك التي تكتفي بما أنجزته،...

630

| 14 أبريل 2026

alsharq
حفظ المال العام والتعاون مع رقابة ديوان المحاسبة

يشكل المال العام عصب التنمية وركيزة الاستدامة الاقتصادية...

594

| 14 أبريل 2026

alsharq
خولة المناعي.. الخط والحروفية والسدو

يجتمع الخط والزخرفة والنسج، في السدو الذي تُبدعه...

585

| 17 أبريل 2026

alsharq
قطر نعمة

وصلتني رسالة من أحد الإخوة المقيمين الأعزاء الذين...

504

| 13 أبريل 2026

alsharq
هل قتلت إيران سرديتها حول "الأمن الجماعي الخليجي"؟

إلى جانب ما عرض من معلومات صادمة عن...

483

| 15 أبريل 2026

أخبار محلية