رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

خولة البوعينين


[email protected]
@Khawlalbu3inain

مساحة إعلانية

مقالات

798

خولة البوعينين

ألهاكم التكاثر !

25 فبراير 2025 , 02:00ص

ليس أشدّ على المرء ضراوةً من شعوره بالقلة وعدم الكفاية، وما يترتب على ذلك كله من ضعف تقديره لذاته، فقط لأنه اعتاد أن يعيش في محيطٍ يقيّمه بناءً على نجاحاته الباهرة، أو إنجازاته الساطعة، يُعدّد فيها مكتسباته من الشهادات والأموال والأبناء والمناصب والممتلكات، ويتطاول بها مع الأقران، ويتفاخر بها مُعلناً ظهوره، ومُثبتاً نجاعته ورسوّ أرضه بما حقّق.

وليس في ذلك بأس، فالإنجازات المُفيدة، وكثرة الأموال والأولاد والإرث المادي بكل صوره من النعم التي تستحق الشكر، ومن الأدوات التي يترك بها الإنسان أثره وإرثه النافع في الأرض.

ولكن الاكتفاء بتعريف التوفيق والنجاح، واستلهام القدر والقيمة منها وحدها هو ما يجعل الإنسان خاوياً، خالياً من معناه، قد أشغل نفسه بالتناطح والتطاول، والتهى بـ (التكاثر) الذي أعماه عن تكثير ما عنده من النعم الأصيلة بالحمد والشكر، والحرص على ترك الأثر النافع مهما قل.

فلرب جسيم برّاق الثنايا، يُعجبك منه حضور الجسد، وشهرة الصيت، وفصاحة اللسان وكثرة الإنجازات وتعدد المناصب، وهو في حقيقته أحد الذين وصفهم الرحمن (كأنهم خُشبٌ مُسنَّدة) لا حياة فيها ولا روح !

وفي المقابل هناك من يرى نفسه قليلاً بعلمه، ضئيلا في ماله، لم يصل إلى ما يتبارى لوصوله من حوله من الأموال والمناصب والمقتنيات، قد قلّ قدره ربما في عين من حوله، وربما استُصغر لقلة نجاحاته، إلا أنه عالي المقام عند ربه، أثير حظيظ عند مولاه، لو أقسم عليه لأبرّه !

ربما ترك من الأثر ما يصغر حجمه المنظور، ولكنه يفوق قدره المحجوب في القلوب والأرواح، فلربما ترك من حسن الأدب، ورقة المنطوق، وإخلاص النصح، والتبسّم الصادق، والابن الصالح، وحُسن الصحبة، وصحة المودّة، بل ولربما من كف الأذى وحب الخير للغير، والتسامح والتغافل ما يجعله غنياً بأثره، من الأبرار المقربين، مرفوع القدر عند بارئه، محبوب السيرة عند خلقه.

وليس في ذلك من دعوة إلى التخلّي عن كل أثرٍ مادّي نافع، أو التشجيع على ترك كل ما هو برّاق لامع من النجاحات والإنجازات، وإنما هي إشارة لتذكر ألا يحصر الإنسان نفسه في دوائرها، وألا ينسى أن مقامه ورفعته بكرامة وجوده أولاً قبل كل شيء، ومن حُسن الأثر النابع من صفاء السريرة، ونقاء النوايا، والإخلاص لله في كل عمل، وأن لا تدفعه الدُنيا إلى التسابق في التكاثر والتطاول على حساب خواء المعنى وصدق التوجّه.

فما الميزان إلا صراط الله المستقيم، فلا ينسيك باطنك عن نصيبك من الدنيا، ولا تُنسيك دُنياك نصيبك من صفاء طويتك.

لحظة إدراك:

متى ما تسامى الإنسان أدرك أن الدنيا في يده لا في قلبه، وأن قيمته الحقّة هي في خلقه منذ الابتداء، لأن (الإكرام) هدية الله لكل بني آدم، ومن يُهن الله فما له من مُكرم، ومتى ما نسي المرء ذلك، سعى في طلب العزة والكرامة من غير موضعها، فتوّه نفسه، وضيّع دربه.

مساحة إعلانية