رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يبدو أن المتحكمين في تسيير القطاع المالي العالمي مستمرون في تعظيم الثروات من خلال التلاعب بالمشتقات والمضاربات الحادة في البورصات وأسواق المال، وهم لم يستثنوا في ذلك أيا من السلع، بما في ذلك السلع الغذائية. والحقيقة، أنه لم يسبق وأن تعرضت أسعار السلع في الأسواق الدولية لمثل هذه التقلبات الحادة، مثلما يحصل حاليا، وإذا كان ذلك مفهوما في السلع الثمينة، كالذهب والنفط، فإنه غير مفهوم بالنسبة للمواد المرتبطة بحياة الناس اليومية وصحتهم. وإذا كانت أسعار الذرة قد تضاعفت بسبب استخدام منتجاتها في إنتاج الوقود الحيوي، فإن ارتفاع أسعار القمح في ظل وفرة في الإنتاج أمر لا يفسر بغير محاولة لتعظيم الأرباح من قبل المجمع المالي العالمي المهيمن على أسواق السلع. وفي كل الأحوال، فإن الأسباب والمسببات لارتفاع الأسعار تكون قد جهزت وروج لها إعلاميا ليتم تقبلها، فأسعار القهوة على سبيل المثال تضاعفت في الآونة الأخيرة ليصل سعر الرطل الواحد إلى 3.22 دولار، مقابل أقل من دولارين قبل سنتين، مما حدا ببعض المراقبين إلى إطلاق اسم "الذهب الأسود" على القهوة، تلك التسمية التي كانت تطلق على النفط في أيام تألقه، مما يشير إلى التغيرات الجارية في أسواق السلع العالمية، علما بأن أسعار القهوة مرشحة للارتفاع بنسبة 90 بالمئة إلى أكثر من 6 دولارات للرطل بعد أقل من عامين أي في عام 2014. أما المبررات المطروحة، فإنها تتمحور حول زيادة استهلاك كل من الصين والهند بعد ارتفاع معدلات النمو هناك وتحسن مستويات المعيشة، مما أدى إلى تنازلهم عن مشروبهم التقليدي الشاي والانتقال إلى شرب القهوة الأكثر رقيا من وجهة نظر الكثيرين هناك، باعتبار الشاي مشروب الفقراء عندهم. أما في منطقة الشرق الأوسط، فإن دولة الإمارات وبحكم مركزها التجاري المرموق في المنطقة، فقد تحولت إلى خامس أكبر مستورد ومستهلك للقهوة في العالم، متجاوزة في ذلك بلدانا ذات كثافة سكانية كبيرة. وبين القمح والذهب الأسود "القهوة" والذهب الأصفر والنفط يتنقل المضاربون في الأسواق الدولية محققين أرباحا خيالية ومتسببين في أزمات، بعضها مفتعل بفضل توازن العرض والطلب في الأسواق، إلا أن احتكار بعض السلع أو تخزينها المؤقت يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وإلى دفع مبالغ مضاعفة مقابل استيرادها. وتشكل مسألة سيطرة القطاع المالي المغامر على تجارة السلع تحديا خطيرا لمختلف بلدان العالم، وبالأخص للبلدان التي تعتمد بصورة كبيرة على وارداتها من الغذاء لسد احتياجاتها من المواد الغذائية الرئيسية. لذلك، فقد أصبح من المهم اتخاذ خطوات عملية من قبل هذه البلدان لضمان أمن الغذاء والذي يشكل أهمية قصوى لكافة بلدان العالم، من هنا تأتي أهمية القرار الذي اتخذته مؤخرا الهيئة العربية للاستثمار والإنماء الزراعي والقاضي بإنشاء نظام لتخزين احتياطيات من الحبوب لمنطقة الخليج العربي في الفجيرة تغطي استهلاك دول المجلس لمدة تتراوح ما بين 3 – 6 أشهر، وهو مشابهه لاحتياطيات النفط الغربية المحددة بستة أشهر. وحسنا فعلت الهيئة باختيار ميناء الفجيرة الواقع على خليج عمان والمحيط الهندي لإقامة هذه المخازن، فهذا الموقع الإستراتيجي يقع خارج مضيق هرمز المهدد بالمخاطر بشكل دائم، مما يجنب عملية الاستيراد تحديات عديدة ويضمن لدول المجلس إمدادات من الغذاء في ظل مختلف الظروف الأمنية المحيطة بالمنطقة. واستكمالا لهذا المشروع، فإن الهيئة تدرس تأسيس شركة للاستثمار الزراعي برأسمال 60 مليون دولار بالتعاون مع مستثمرين خليجيين لشراء وزراعة أراض في مصر والسودان وكازاخستان، وذلك لتوفير إمدادات مضمونة ومتكاملة مع مشروع المخازن في الفجيرة. وإضافة إلى ذلك، فإن لدى الهيئة توجها آخر مهما يتعلق بدعوة القطاع الخاص الخليجي للاستثمار في هذا المشروع، وذلك رغم أن الهيئة أسستها حكومات عربية في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، مما يعني إفساح المجال أمام القطاع الخاص الخليجي الذي يملك قدرات مالية كبيرة للمساهمة في التنمية وفي ضمان الأمن الغذائي في دول المجلس. ويشكل ذلك إحدى أهم التوجهات الرامية إلى مواجهة تذبذبات الأسعار واحتكارها من قبل المجمع المالي العالمي، إلا أن مثل هذا التوجه بحاجة لإجراءات إضافية ودعم لزيادة فعاليته واستقلاله ليتمكن من المساهمة في حل إحدى المعضلات المتوقع مواجهتها في المستقبل بسبب المضاربات والتلاعب بأسعار السلع، بما فيها السلع الغذائية في الأسواق الدولية.
426
| 19 مارس 2012
تشير كافة الدلائل الى ان الاتحاد الخليجي سوف يعلن عن قيامه في القمة التشاورية لقادة دول مجلس التعاون في شهر مايو القادم، مما سيشكل نقلة نوعية مهمة في العمل الخليجي المشترك ونموذجا للتعاون الاقليمي، وبالاخص للبلدان العربية. ومع ان العديد من المحللين تناول آفاق هذا الاتحاد، الا ان القاء نظرة اكثر موضوعية ربما تتيح تقييم هذه الخطوة بالاستناد الى تجربة التعاون والتي استمرت اكثر من ثلاثة عقود تخللتها مراحل من التفاؤل احيانا وفترات اخرى من الحذر والترقب، الا ان محصلتها النهائية كانت ايجابية بشكل عام وقادت الى الانتقال لمرحلة اكثر تقدما وتكاملا بين دول المجلس. لذلك، فان الاتحاد المزمع اعلانه سوف لن يختلف في بداية عمله كثيرا عن مرحلة التعاون، الا ان وجوده سوف يساهم في حلحلة العديد من قضايا التعاون المعلقة، فالتبادل التجاري وفق تصريحات الامين العام لغرف التجارة الخليجي لا زال يعاني من معوقات وعراقيل عديد رغم وجود الاتحاد الجمركي، اما السوق الخليجية المشتركة وبعد مرور خمس سنوات تقريبا اعلانها، فانها لم تستكمل حتى الان، وذلك ناهيك عن الاتحاد النقدي. من الناحية المبدئية حققت دول مجلس التعاون الخليجي تجربة تنموية ناجحة وتعتبر نموذجا لبلدان منطقة الشرق الاوسط والكثير من بلدان العالم، مما يعني ضرورة المحافظة على هذه التجربة وتطويرها من خلال العمل الجماعي الذي تتطلبه المرحلة القادمة وما يصاحبها من تغيرات اقليمية وعالمية اوجدت تحديات خطيرة. لذلك من المهم الاشارة الى اننا في دول المجلس لسنا بحاجة لاستيراد تجارب جاهزة من الخارج، اذ لدينا تجربتنا الخاصة، مع حرصنا على الاستفادة من التجارب العالمية الناجحة، كتجربة سنغافورة وكوريا الجنوبية وبعض تجارب البلدان الصاعدة، كتركيا والبرازيل. وفي سبيل تطوير هذه التجربة، فانه لا بد من تجاوز مرحلة التعاون والانتقال لمرحلة الاتحاد مع الاستفادة القصوى من تجربة الاتحاد الاوروبي الغنية، وبالاخص كيفية التعامل مع تفاوت المواقف بين الدول الاعضاء والتوافق بين السيادة الوطنية والاتفاقيات الاتحادية الملزمة، وهذه مسألة لم تستطع دول المجلس التعامل معها بنجاح خلال الفترة الماضية بسبب بعض المخاوف وغياب الدراسات التي يمكن من خلالها تقييم هذه المخاوف بصورة صحيحة من قبل كافة دول المجلس والتعامل معها من خلال التأكيد على العمل الجماعي المشترك والحد من تأثيراتها على عرقلة تنفيذ القرارات المتفق عليها. وبالاشارة الى تجربة الاتحاد الاوروبي، فانه باقرار اتفاقية الالتزامات المالية الاسبوع الماضي تكون المجموعة الاوروبية قد استكملت تقريبا وحدتها الاقتصادية واستفادت الى اقصى حد من ازمة الديون والصعوبات التي واجهتها عملتها الموحدة اليورو مؤخرا، كما جرى التناوب على رئاسة البنك المركزي وتجرى التحضيرات لتعيين وزير مالية اتحادي. اما في المجال السياسي، فان وجود وزيرا اوروبيا اتحاديا للخارجية لم يقلل ابدا من دور وزراء الخارجية الاروروبيون وانما ادى الى زيادة التنسيق وتوحيد المواقف بينهما، وهو ما كان له دور فعال في تنفيذ السياسات الاوروبية في لمحافل الدولية. وحقيقة، فقد راينا مؤخرا تنسيقا مشابها على المستوى الخليجي والذي حقق بدوه مكاسب مهمة لدول المجلس، وبالاخص التعامل مع احداث المنطقة العربية، اذ يمكن اعتبار ذلك مقدمة مهمة لوجود تناوب بين دول المجلس لوزير المالية ومحافظ المصرف المركزي ووزير خارجية خليجي يتحدث باسم دول المجلس، بحيث يقوم هؤلأ جميعا بتنسيق السياسات وتطبيق القرارات المتخذة في ظل الاتحاد القادم. وفي هذا الصدد يمكن الاشارة الى ناحية ايجابية تكمن في تشابه السياسات المالية في دول المجلس الى حد التطابق بين الدول الست، وهذه مسألة مهمة يفتقدها الاتحاد الاوروبي بسبب التفاوت الشاسع بين بلدانه في هذا الشأن، مما سيسهل كثيرا من توحيد السياسات المالية الخليجية واصدار العملة الموحدة متى ما اتفقت دول المجلس على وذللت الصعوبات القائمة بكافة اوجهها. والحال، فان امام الاتحاد الخليجي مشاور طويل ستتخله بعض الصعوبات، الا ان محصلته النهائية ستكون ايجابية كذلك ومفيدا للحفاظ على أمن دول المجلس وسيحقق مكاسب كبيرة لشعوبه، حاله في ذلك حال مرحلة التعاون والتي رغم بطىء مسيرتها، الا انها حققت العديد من الاهداف المشتركة. لذلك، فان العقلانية تدعو الى التفاؤل في حدوده الموضوعية التي تراعي التفاوتات الموجودة، مع التقليل من الحذر السابق والذي كان سائدا في مرحلة التعاون، فالوقائع والمستجدات الاقليمية والعالمية سوف تدفع دول الاتحاد الخليجي نحو المزيد من التكامل في كافة المجالات، خصوصا وان هناك تناقما غير مسبوق بين القوى الثلاث الفاعلة في الاتحاد الخليجي والدعومة من بقية الاعضاء.
275
| 10 مارس 2012
تسعى الولايات المتحدة بشكل خاص والغرب بشكل عام منذ أزمة النفط الأولى في منتصف السبعينيات للابتعاد عن اعتمادهما القوي على مصادر الطاقة من منطقة الشرق الأوسط المضطربة باستمرار، إلا أن هذا التوجه اكتسى طابعا ممنهجا في فترة رئاسة الرئيس الأمريكي السابق بيل كلنتون في تسعينيات القرن الماضي. وعلى مدى العقدين الماضيين حققت الولايات المتحدة تقدما ملحوظا في هذا الاتجاه، بحيث أصبحت أكثر اعتمادا على مصادر داخلية وخارجية أخرى بعيدا عن الشرق الأوسط إلا أن الجديد في هذا الأمر المهم، هو تحديد موعد نهائي أقرب من المواعيد التي حددت سابقا لاستقلال الولايات المتحدة والغرب عن النفط العربي، حيث يشير تقرير صدر مؤخرا عن شركة "بي.بي" البريطانية إلى أنه " بحلول عام 2030 ستكون أمريكا قد حققت استقلالا شبه كامل في مجال الطاقة بعد توسيع قدرات الإنتاج المحلية من النفط والغاز وزيادة الاستيراد من كندا المجاورة، ما يضعف من أهمية نفط الشرق الأوسط بالنسبة لها". وفيما يتعلق بتطوير مصادر الطاقة الداخلية في الولايات المتحدة، فقد تم في السنوات القليلة الماضية تحقيق إنجازات تقنية متطورة للغاية، تمكنت واشنطن من خلالها من المحافظة على مستويات مرتفعة من إنتاج النفط، في الوقت الذي تم فيه اكتشاف واستخدام تقنيات جديدة أدت إلى مضاعفة إنتاج الغاز في الولايات المتحدة، مما أوجد فائضا كبيرا في الأسواق العالمية وأدى إلى أن تهوى أسعار الغاز من أكثر من 11 دولارا للعقد الآجل إلى 2.5 دولار في الوقت الحاضر، وذلك رغم استمرار أسعار النفط في الارتفاع لتحقق مستويات قياسية، حيث تبلغ أسعار الغاز ربع أسعار النفط فقط عند معادلتهما، كمصدر للطاقة. وستتيح هذه التقنيات الجديدة الوصول لمكامن غاز باحتياطيات هائلة، كما أنها ستؤدي إلى تخفيض تكاليف الاستخراج والتي كانت مرتفعة في الولايات المتحدة، إذا ما قورنت بمثيلتها في المناطق الأخرى من العالم، وبالأخص في منطقة الخليج العربي. أما تلبية بقية الاحتياجات، فإنه سوف يتم تلبيتها بالاعتماد على البلدان النفطية القريبة في الأمريكيتين، ككندا والمكسيك وفنزويلا والتي حققت العام الماضي اكتشافات نفطية كبيرة وضعتها في مقدمة بلدان العالم في حجم هذه الاحتياطيات. في المقابل أشار تقرير شركة "بي.بي" إلى أن كلا من الصين والهند قد باتتا تعتمدان بصورة شبه كاملة على النفط المستورد من منطقة الشرق الأوسط، والخليج تحديدا، حيث تستورد الصين %80 من احتياجاتها، في الوقت الذي تستورد فيه الهند %90 من حاجاتها من النفط والغاز من هذه المنطقة. من هنا سوف نجد في السنوات القادمة تغيرات دراماتيكية في طبيعة التحالفات وتوزيعات مراكز القوى، حيث تشكل أحداث ما يسمى بالربيع العربي مقدمة للتغيرات القادمة، فالاصطفاف الجديد للقوى في منطقة الشرق الأوسط يحمل من بين طياته جوانب إستراتيجية واقتصادية وعسكرية عميقة ومؤثرة على مجمل التغيرات المتوقعة في العقدين القادمين. وإذا كانت البلدان المستهلكة للنفط والغاز تعد العدة لكل الاحتمالات وتضع الإستراتيجيات المستقبلية التي تضمن لها موارد مستمرة للطاقة من خلال تطوير مصادرها الداخلية ومن خلال نسج تحالفات جديدة تتيح لها إيجاد شراكات اقتصادية وإستراتيجية مع البلدان المنتجة للنفط، فإن الدول المصدرة، وبالأخص العربية لا يمكنها التعامل مع رد فعل البلدان المستهلكة بانتظار ما سوف يتمخض عنه صراعها من أجل تأمين مصادرها الخارجية من الطاقة. وبما أن العواقب سوف تتعدى موضوع إيجاد مصادر تصديرية لنفط البلدان المصدرة لتصل لتشمل جوانب سياسية وأمنية وعسكرية معقدة، فإن الاكتفاء بالتعامل مع ردود الأفعال فقط سيعرضها لتجاذبات حادة ومؤلمة، إذ إن الكثير من حسابات تحالفات دول المنطقة تعتمد وبصورة أساسية على تقديرات البلدان المستهلكة للنفط واحتياجاتها من مصادر الطاقة. وإذا ما صحت تقديرات النفط المكتشفة في فنزويلا والتي تتجاوز احتياطيات المملكة العربية السعودية، باعتبارها تملك أكبر احتياطي للنفط بالعالم في الوقت الحاضر، فسوف يبرز في العقد القادم أكثر من مركز رئيسي لإنتاج النفط والغاز في العالم، احدها في الشرق الأوسط والآخر في أمريكا الجنوبية وثالث في روسيا الغنية بمصادر الطاقة الهايدروكربونية. وفي هذه الحالة سيكون العالم قد شهد تغيرا جذريا في اصطفاف البلدان المنتجة والمستهلكة، مما سيترتب عليه توزيع جديد لموازين القوى والتحالفات العالمية ويتطلب من بلدان المنطقة من الآن وضع الإستراتيجيات والتحضير لهذا التغيير القادم.
486
| 04 مارس 2012
4 مليارات دولار الأموال المتوقع أن تجمعها أوروبا من ضريبة كربون الأجواء التزمت معظم شركات الطيران في العالم بضريبة الكربون في الأجواء التي فرضها الاتحاد الأوروبي من جانب واحد على شركات الطيران المستخدمة والعابرة للأجواء الأوروبية ابتداء من أول يناير الماضي 2012، حيث رفض العديد من البلدان، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية والهند والصين والمملكة العربية السعودية هذه الضريبة، إلا أن الحكومة الصينية وحدها طلبت من شركاتها عدم الالتزام بهذه الضريبة، مبررة ذلك بالتصرف الأحادي الجانب والذي تم خارج نطاق الاتفاق داخل الاتحاد الدولي للنقل الجوي " الأياتا". الغريب أن الاتحاد الأوروبي التزم الصمت على غير عادته في مثل هذه الأمور، إذ ما زالت شركات الطيران الصينية تعبر الأجواء الأوروبية دون دفع هذه الضريبة، في الوقت الذي أخذت فيه ضريبة الطاقة أو ضريبة الكربون في الأجواء الأوروبية تثقل كاهل شركات الطيران الأخرى، بما فيها والعربية والتي أحالت هذا العبء الجديد إلى المسافرين من خلال إضافتها على تذاكر السفر إلى القارة العجوز وما وراءها من بلدان في الأمريكتين. ويفسر الصمت الاتحاد الأوروبي بحاجته الماسة إلى المساعدة الصينية في مجالات أهم وأكثر حيوية، حيث حاولت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في زيارتها للصين بداية الشهر الجاري إقناعها بالمساهمة في مساعدة منطقة اليورو على الخروج من الأزمة الطاحنة التي تتعرض لها في الوقت الحاضر، وبالأخص ديون كل من اليونان وإيطاليا، حيث أعربت الصين مؤخرا عن استعدادها لمساعدة البلدان الأوروبية والتي ترتبط معها بعلاقات اقتصادية وتجارية وثيقة. والواقع أن أوروبا تبحث عن الأموال بشتى الطرق، فقبل ضريبة الكربون في الأجواء بحجة التلوث، قد رفعت البلدان الأوروبية في الأعوام الثلاثة الماضية بصورة كبيرة رسوم إصدار التأشيرات والتي ارتفعت بالنسبة للتأشيرة البريطانية وحدها ثلاثة أضعاف دون مبررات موضوعية. ويشبه هذا التوجه إلى حد بعيد وضع حصالة كبيرة على طول القارة الأوروبية، على أن يضع كل مسافر حتى إذا لم ينزل أحد بلدان الاتحاد الأوروبي، وإنما هو مجرد عابر في طريقه إلى وجهات أخرى، عليه أن يضع مبلغا يتراوح ما بين 4-5 دولارات في الحصالة الأوروبية. ويتوقع أن تجمع أوروبا مبلغا يتراوح ما بين 3-4 مليارات دولار من ضريبة كربون الأجواء، وهو مبلغ كبير تعتبر أوروبا في أمس الحاجة إليه للمساهمة في حل أزمتها المالية وأزمة قروضها المستفحلة، مما يعني أن هذا الأمر لا يتعلق بموضوع البيئة وحمايتها من التلوث، كما يدعي الاتحاد الأوروبي. ولو كان الأمر كذلك لسعت أوروبا التي تتزعم وتحدد الكثير من التشريعات العالمية إلى التعاون مع الاتحاد الدولي للنقل الجوي وحاولت استصدار قرار دولي بفرض هذه الضريبة في كافة البلدان، فموضوع البيئة لا يخص قارة بعينها، وإنما هو قضية تخص الإنسانية والتنمية المستدامة في كافة البلدان الغنية منها والفقيرة.، خصوصا أن هناك محاولات للاتفاق حول هذه الضريبة في نطاق المنظمات الدولية. لقد كان ذلك هو التوجه الذي قادته أوروبا قبل أكثر من عقد من الزمن عندما تزعمت بلدان العالم لتوقيع اتفاقية "كيوتو" للانبعاثات الكربونية الضارة بالمناخ والتي اتخذت طابعا عالميا، إلا أن أوروبا في ذلك الوقت لم تكن في أزمة، بل على العكس من ذلك كانت في أوج انتعاشها الاقتصادي وفي ذروة نشوتها بإصدار عملتها الموحدة. والسؤال المهم المطروح هو: إلى أي مدى ستستمر الصين في التغريد خارج نطاق الضريبة الأوروبية؟ هل سينتهي ذلك مع انتهاء أزمة ديون الاتحاد الأوروبي؟ أم أن الصين ستجر معها بلدانا أخرى، بما في ذلك أوروبية، كروسيا للوقوف في وجه ما تعتبره تصرفا أوروبيا يرمي إلى تحميل شعوب وشركات الطيران في العالم جزءا من الأعباء المالية الناجمة عن أزمات خلقها الأوروبيون أنفسهم ولا دخل للآخرين في وجودها. الوقائع تشير إلى أنه ستكون هناك عملية شد وجذب ستحكمها المصالح بصورة أساسية، بل إنها قد تخضع للمساومات بين أكثر من طرف، أما استمرار الاستثناء الصيني من الضريبة الأوروبية وتحليق طائراته بكل حرية في أجوائها، فإنه أمر غير مقبول ويحمل الكثير من الغبن لشركات الطيران الأخرى، كما أنه يمس مصداقية الاتحاد الأوروبي ذاته الذي عادة ما يشير دائما إلى حرية الأسواق والمنافسة العادلة.
457
| 26 فبراير 2012
مع أن الأزمة المالية العالمية شملت كافة بلدان العالم تقريبا، إلا أن التعامل معها ومع انعكاساتها الخطيرة تفاوت بين بلدان وأخرى، مما خفف من حدة تداعيات هذه الأزمة على بعض البلدان وألقى بظلال كثيفة ومؤلمة على بلدان أخرى. ولنأخذ نموذجين من معقل الأزمة الأخيرة في منطقة "اليورو" ففي بداية الأزمة تشابهت إلى حد بعيد ظروف أيرلندا واليونان، فالدولتان كانتا تعانيان من أزمة عميقة وتتساويان إلى حد بعيد في عجز الموازنة المرتفع وفي حجم الدين الكبير للناتج المحلي الإجمالي. أما الوضع الحالي لكل من أيرلندا واليونان، فإنه مختلف تماما، فأيرلندا حققت تقدما ملحوظا على طريق معالجة تداعيات الأزمة للخروج منها بأقل التكاليف، في الوقت الذي ما زالت أثينا تتخبط في مشاكلها المتفاقمة، وهي معرضة للإفلاس والخروج من منطقة الوحدة النقدية الأوروبية، وذلك رغم تلقيها دعما ماليا ضخما يفوق كثيرا ما تلقته أيرلندا. وبالتأكيد، فإن لهذا التفاوت أسبابا عديدة وتجربة يمكن أن تكون مفيدة للكثير من الشعوب والبلدان التي يمكن أن تتعرض لأزمات اقتصادية واجتماعية في أي وقت، حيث تكمن هذه الأسباب في ثلاثة عوامل رئيسية: ولنبدأ بالعاملين والنقابات العمالية والمهنية، ففي أيرلندا تنازل العمال عن بعض مطالبهم مؤقتا للمساعدة في انتشال بلدهم من الأزمة وعملوا بصورة جادة لزيادة الإنتاجية والتخفيف من حدة البطالة، مما أسهم في عودة تدريجية للأنشطة الاقتصادية وتوفير المزيد من الوظائف. أما في اليونان، فإن العاملين ونقاباتهم لم يكفوا وعلى مدى أكثر من عام ونصف عن التظاهر وترك أماكن العمل، مما أدى إلى تدني الإنتاجية وتدهور الأوضاع الاقتصادية وتعميق الأزمة، بل إن المساعدات الهائلة التي قدمت من الاتحاد الأوروبية وصندوق النقد الدولي تبخرت دون أن يكون لها مردود على تحسين الأوضاع المالية هناك. وعلى مستوى قطاع الأعمال، فإن الشركات والمؤسسات المالية ورجال الأعمال في أيرلندا التزموا التزاما كاملا بدفع الضرائب وتسديد التزاماتهم تجاه الدولة لدعم قدراتها المالية، في الوقت الذي تتهرب فيه معظم الشركات ورجال الأعمال في اليونان من دفع الضرائب، حيث تراكمت المبالغ الناجمة عن ذلك لتفوق 14 مليار يورو وهو مبلغ كبير يمكن أن يساعد في حل العديد من القضايا ذات العلاقة بالأزمة العميقة التي تواجهها أثينا. وأخيرا، فإن عمل الحكومة الأيرلندية يتميز بالشفافية والمحاسبة والمراقبة البرلمانية الصارمة، مما ساعد على الحفاظ على موارد الدولة وتوجيهها لخدمة التنمية ومعالجة تداعيات الأزمة، وذلك على العكس من اليونان التي تعاقبت عليها إدارات فاسدة، مما أدى إلى انتشار الفساد بكافة أشكاله، بما فيه التهرب الضريبي وسوء تنفيذ المشاريع العامة والحصول على عمولات واتخاذ إجراءات غير قانونية، مما أسهم في التقليل من جذب الاستثمارات الأجنبية وتفويت الكثير من الفرص الاستثمارية التي كانت تمكنها زيادة معدلات النمو وتحسين عائدات الدولة. ولكن ما الذي يجعل هذا التفاوت قائما بين البلدين بهذه الصورة الصارخة، في الوقت الذي ينتمي فيه البلدان إلى نفس المجموعة الأوروبية الراقية والشفافة والمتقدمة؟ سؤال مهم لا بد من دراسته للاستفادة من الخلاصات التي يمكن الخروج بها، خصوصا وأن الأمر لا يتوقف على جهة معينة، فالتفاوت يشمل الناس والنقابات المهنية ورجال الأعمال والمسؤولين الرسميين، مما يشكل ظاهرة لافتة للنظر. فمن جهة يقف العالم أمام بلد متحضر مثل أيرلندا ومتعاون بين كافة مكونات المجتمع الرئيسية، مما حوله إلى نموذج للتضامن بين هذه المكونات من أجل إنقاذ بلدهم وتقدمه، ومن الجهة الأخرى هناك بلد مثل اليونان يشبه إلى حد بعيد ضحية تتعرض للذبح وتقاسم الرمق الأخير مما تبقى من خيرات ومساعدات من قبل كافة مكونات المجتمع، وكأن لا أحد هناك يعنيه انهيار البلد الذي يملك مقومات النمو والتنمية. هل تكمن المشكلة في العقلية اليونانية الأقرب لمحيطها الشرقي والذي يعتبر نقيضا للعقلية الأيرلندية الغربية؟ أم أن الأمر يكمن في طبيعة الشعبين، فالأيرلندي مثل شقيقه الإنجليزي يتميز ببرودة الأعصاب ومعالجة القضايا بحكمة وترو، في الوقت الذي يغلب على اليونان التوتر والمبالغة في التفاوتات الاجتماعية. هذان نموذجان للتعامل ليس مع تداعيات الأزمة المالية فحسب، وإنما لمعالجة الكثير من القضايا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، حيث يمكن لمختلف بلدان العالم، بما فيها العربية الاستفادة منها للتخفيف من التناقضات الاجتماعية للمساعدة في وضع بلدانهم على طريق التقدم والنجاح الاقتصادي والتقني.
420
| 19 فبراير 2012
عادة ما تكون للتغيرات الاقتصادية انعكاسات اجتماعية وبنيوية تطال فئات مؤثرة في المجتمع وتمس مستوياتهم المعيشية ومتطلباتهم الأساسية، يحدث ذلك أثناء الركود والأزمات الاقتصادية والتي يتم العمل للتقليل من تأثيراتها السلبية، سواء من قبل الحكومات ومن قبل الأفراد ذاتهم. وما حدث من انعكاسات اجتماعية للأزمة المالية التي ضربت العالم في السنوات الثلاث الماضية وما زالت تداعياتها تتوالى أدى إلى تدني المستويات المعيشية لمعظم سكان العالم، وبالأخص في البلدان الفقيرة، إلا أن شدة هذه التأثيرات وانعكاساتها تفاوتت بين بلد وآخر، وذلك وفقا للقدرات المالية لكل بلد ولتركيبته الديمغرافية. وفي العالم العربي، فإن هذه التغيرات والانعكاسات السلبية كان لها إلى جانب تراكمات أخرى دور رئيسي في الأحداث التي شهدتها العديد من البلدان العربية في العالم الماضي وبداية هذا العام، في الوقت الذي استطاعت بلدان عربية أخرى استخدام قدراتها المالية المتنامية في محاصرة هذه التأثيرات والتقليل من تداعياتها. وفي هذا الشأن الخاص بالتأثيرات الاجتماعية للأزمة، فإن البلدان العربية تنقسم إلى مجموعتين، الأولى فقيرة نسبيا، كتونس واليمن أو أن أنظمتها الاقتصادية لا تلبي احتياجات مواطنيها، وذلك رغم غنائها الفاحش، كالعراق وليبيا. أما المجموعة الأخرى، فإنها ممثلة في دول مجلس التعاون الخليجي والتي تتمتع بمستويات معيشية مرتفعة وتوفر خدمات جيدة بشكل عام لمواطنيها، إلا أنها رغم ذلك تأثرت من جراء الأزمة وخسر المستثمرون، وبالأخص الصغار منهم معظم مدخراتهم بسبب انهيار أسواق المال والتي تشكل قنوات استثمار رئيسية في هذه البلدان. وشملت هذه التأثيرات الطبقة الوسطى في المجتمع بشكل خاص والتي تشكل لبنية المجتمعات الزئبق الذي يؤشر للتوازن بين طرفي أجهزة المقاييس، فالخلل الذي يصيب هذه الفئة عادة ما تكون له تداعيات مؤثرة وعميقة. ونتيجة لظروف الأزمة تقلصت الفئة الوسطى في المجتمعات الخليجية، حيث خسر صغار المستثمرين نسبة تتراوح ما بين 70 – %90 من إجمالي استثماراتهم في أسواق المال الخليجية، وذلك بعد أن تدنت أسعار بعض الشركات إلى ما دون سعر الاكتتاب بنسبة %80، أما المستثمرون الذين قاموا بشراء أسهمهم بعد عمليات الاكتتابات الأولية، فإن خسائرهم كانت مضاعفة. وحتى الآن لا توجد مبررات منطقية لما تعرضت له البورصات الخليجية في السنوات الثلاث الماضية، إلا أن ما تم من ارتفاعات ومضاربات في فترة ما قبل الأزمة وما تلاه من انخفاضات في فترة ما بعد الأزمة يعبر وبصورة صارخة عن عدم نضوج هذه الأسواق. ومع أن الإجراءات الحكومية التي اتخذت، وبالأخص زيادة الأجور والرواتب على دفعات قد عوضت شريحة معينة من الفئة الوسطى، أي تلك العاملة في المؤسسات العامة، إلا أن بقية شرائح هذه الفئة من صغار المستثمرين، فإنها ما زالت تعاني من تدهور عائدات استثماراتها والتي تشكل نسبة كبيرة من إجمالي دخلها السنوي. ويشير ذلك إلى ضرورة إعادة التوازن للفئة الوسطى في المجتمع، فاستقرارها يعتبر مسألة في غاية الأهمية لاستقرار المجتمع، حيث كان يتوقع على نطاق واسع أن تؤدي الارتفاعات المستمرة لأسعار النفط ومعدلات النمو المرتفعة إلى نمو أعداد الفئة الوسطى في المجتمعات الخليجية، وبالتالي زيادة دورها الإيجابي في استقرار هذه المجتمعات. - 2 - وترجع هذه التوقعات إلى الشبه الكبير بين الأوضاع الاقتصادية في دول المجلس والأوضاع الاقتصادية الجيدة للبلدان الصاعدة والتي نمت فيها الطبقة الوسطى بصورة لافتة للنظر في السنوات القليلة الماضية، كالصين والبرازيل والهند، إلا أن ما حدث هو العكس بسبب تدهور قيمة الأصول التي تمتلكها الفئة الوسطى الخليجية. وإذا ما أخذنا بعض بلدان أمريكا اللاتينية والتي تضم بلدانا من بينها بلدان صاعدة وأخرى نفطية، فإنه ووفقا للجنة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية والكاريبي التابعة للأمم المتحدة، فإن 56 مليون عائلة انضمت إلى الطبقة الوسطى في أمريكا اللاتينية خلال فترة العقد ونصف العقد الماضي، مما يعكس الأوضاع الاقتصادية الجيدة والنمو المتسارع لاقتصادات هذه البلدان. والحال، فإن تدني حجم وتأثيرات الطبقة الوسطى في المجتمعات الخليجية ليس له ما يبرره ولا يعكس طبيعة النمو السريع الذي تحققه الاقتصادات الخليجية، مما يتطلب دراسة هذه الظاهرة غير الطبيعية ومعالجتها، وذلك لما لها من تأثيرات مهمة على مجمل الأوضاع. والحقيقة أن دول المجلس تملك الأدوات والقدرات المالية التي تؤهلها لمعالجة هذه الظاهرة، إذ ليس المطلوب العمل باتجاه فقاعة أخرى في البورصات أو أسواق الأصول الأخرى في دول المجلس، وإنما العمل على تنظيم هذه الأسواق ووصولها إلى حالة من التوازن التي تعكس العائد الاقتصادي الحقيقي للمستثمرين والذي يعبر عن الأداء الفعلي للشركات المدرجة والتي تدنت أسعار بعضها بصورة مخيفة. ويبدو أن بوادر مثل هذا التوجه برزت مؤخرا في دولة قطر من خلال الاستثمار المؤسسي المدعوم من الدولة للاستثمار في أسواق الأسهم المحلية والذي أدى إلى الاستحواذ على جزء مهم من أسهم البنوك التي تحقق عوائد مجزية وأداء جيدا، مما أعاد لسوق الدوحة للأوراق المالية جزءا من رونقها واستعادت جزءا من الثقة التي افتقدتها، إذ أسهم ذلك في إعادة التوازن للطبقة الوسطى في المجتمع، مما يعني المزيد من الاستقرار والنمو للأوضاع في قطر. - 3 - وكدليل على ذلك، فإن سوق الدوحة للأوراق المالية كانت السوق الوحيدة التي حققت ارتفاعا في العام الماضي 2011 من بين سبع أسواق خليجية حققت نموا سلبيا وبنسب كبيرة ومؤلمة للمستثمرين، وذلك ليس بسبب الأداء السيئ للشركات المدرجة، وإنما بسبب فقدان الثقة والمضاربات وغياب الاستثمار المؤسسي. وإذا كان توجه الاستثمار المؤسسي للأسواق الخارجية يعتبر توجها إستراتيجيا مهما يهدف إلى التنوع، فإن الاستثمار المؤسسي الداخلي لا بد وأن يكون ضمن الأولويات الاستثمارية الإستراتيجية أيضا، وذلك لما يمثله من أهمية قصوى للنمو وللاستقرار المجتمعي، وبالأخص استقرار مختلف فئات المجتمع، بما فيها الفئة الوسطى التي تعبر عن التوازن وتساهم بصورة فعالة في تطور المجتمع وتقدمه، باعتبارها أكثر الفئات تعلما واكتسابا للمهن وللتقنيات الحديثة.
1399
| 12 فبراير 2012
شهدت دول منطقة الخليج في النصف الثاني من العقد الماضي موجات متواصلة من ارتفاع الأسعار، بحيث وصلت معدلات التضخم إلى مستويات غير مسبوقة والذي بلغ 15% في بعض البلدان، قابلها إجراءات للحد من هذه الظاهرة، سواء من خلال زيادات الأجور أو من خلال مراقبة الأسعار والتي لم تحرز الكثير من التقدم بسبب عدم تقنينها. ومع أن ظاهرة الغلاء، ظاهرة عالمية، إلا أنها ارتبطت في دول الخليج بتضاعف أسعار النفط وبوجود احتكار لتجارة السلع والخدمات من خلال نظام الوكالات التجارية والذي بلغ عددها 120 ألف وكالة في دول المجلس والذي لم تتغير نصوصه الأساسية منذ أكثر من خمسين عاما، وذلك رغم انضمام معظم بلدان المنطقة لمنظمة التجارة العالمية التي تمنع الاحتكار بكافة أشكاله، لما له من ضرر على التجارة وعلى المستهلكين بشكل عام. وفي الأسبوع الماضي اتخذ مجلس الوزراء قرارا مهما للغاية يتعلق بتحرير تجارة السلع الغذائية الرئيسية، حيث يشكل مثل هذا القرار منعطفا ستكون له آثار إيجابية عديدة ليس على مستويات الأسعار، وإنما على هيكلية التجارة الداخلية والتي ستتخذ منحى تنافسيا ستمنح أسواق الدولة أفضليات في تجارة السلع المحررة. ومع أن القرار واجه بعض الحذر من قبل أصحاب وكالات هذه السلع، إلا أن هذه المحاذير لا يوجد لها ما يبررها، فعمان والبحرين سبق لهما وأن قاما بتحرير التجارة، حيث كان لذلك نتائج إيجابية على مستوى الأسعار وعلى مستوى التجارة الداخلية، فمستويات الأسعار أصبحت أكثر قبولا، في الوقت الذي لم يتضرر الوكيل الأصلي والذي أبدى تخوفا مماثلا في بداية التطبيق، بل إنه عمد إلى تحسين مستويات الخدمة لديه واكتسب خبرات تسويقية جديدة ساهمت في زيادة مبيعاته، مما شجعه على القبول بالأسعار الجديدة، خصوصا وأن أرباحه تزايدت بفضل حجم المبيعات المرتفع. في المقابل دخل السوقين العماني والبحريني موزعون جدد ووجدوا لأنفسهم مكانا تنافسيا، ومع أن حصتهم في السوق بقيت متواضعة، إذ ما قورنت بحصة الأسد التي بقيت للوكيل الأصلي والذي بذل جهودا تطويرية للمحافظة على حصته، إلا أن الموزعين الجدد شكلوا عامل توازن لجودة المنتجات وللأسعار في السوقين الخليجيين. ويشكل نظام الموزعين المعمول به في معظم بلدان العالم، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بديلا نموذجيا لنظام الوكيل، ففي النظام الأول المعمول يتيح القانون لأكثر من موزع يقوم باستيراد نفس السلعة ضمن المواصفات المعتمدة ويحاول تقديم أفضل الخدمات والأسعار، حيث يكون البقاء للأفضل وتزدهر الأسواق وترتفع قدراتها التنافسية، بما في ذلك تجارة إعادة التصدير والتي لن تقتصر على جهة واحدة. ومع أنه لا يمكن أن تتم عملية تعميم تحرير تجارة السلع دفعة واحدة، إلا أن التدرج الذي اتبعه مجلس الوزراء يفتح المجال أمام تحرير تجارة سلع أخرى أساسية للمستهلك، وسيدفع باتجاه الأخذ بنظام الموزع الذي يشكل أهمية كبيرة للاقتصاديات الحديثة. من جانب آخر، فإن العديد من الأنظمة الاقتصادية والتجارية المعمول بها سابقا في بلدان المنطقة لم تعد ملائمة ولا تتناسب مع التغيرات الاقتصادية التي حدثت في السنوات القليلة الماضية، وبالأخص النمو اللافت للاقتصاد المحلي والاقتصاديات الخليجية، بما في ذلك إقامة السوق الخليجية المشتركة. لذلك، فإن الأنظمة التجارية السابقة أصبحت عائقا ليس أمام تقديم الأفضل والأقل سعرا فحسب، وإنما أمام الاندماج الاقتصادي الخليجي أيضا، فمجلس الشوري القطري على سبيل المثال يسعى للمرة الثالثة على التوالي إلى رفض السماح للخليجيين بامتلاك الوكالات التجارية، حيث توجد موانع مماثلة في بقية دول المجلس، مما يعني أن نظام الوكالات أصبح قضية حساسة لما يوفره من امتيازات يمكن تلافيها من خلال توفير فرص المنافسة المتساوية. والحال، فإن قرار مجلس الوزراء بتحرير تجارة المواد الغذائية ستكون له تداعيات إيجابية ستؤدي إلى تخفيض الأسعار ومعدلات التضخم، خصوصا إذا ما تجاوب أصحاب وكالات تجارة السلع الغذائية وتجنبوا رفع الأسعار بصورة مصطنعة لا تتناسب وارتفاع الأسعار عالميا، كما أنه يمكن لمخازن الأغذية، كالجمعيات التعاونية ومراكز التسوق الكبيرة التجاوب مع هذا القرار والمباشرة في الاستيراد المباشر في حالة ارتفاع الأسعار عن معدلاتها الطبيعية، مما سيصب في نهاية المطاف في صالح الاقتصاد المحلي وفي صالح المستهلكين الذين سيحصلون على سلع وخدمات أفضل جودة وبأسعار مناسبة.
507
| 05 فبراير 2012
رغم تضاعف الصيرفة الإسلامية وتناميها بصورة سريعة في العقود الثلاثة الماضية، إلا أن حجمها لم يتعد 1086 مليار دولار في العام الماضي 2011 وهو ما يشكل نسبة 1% فقط من إجمالي الصيرفة العالمية، ذلك ما تناولته الندوة التي نظمها الأسبوع الماضي مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية بأبوظبي بالتعاون مع معهد الدراسات الجيو- سياسية في باريس والتي أبرزت اهتماما أوروبيا بالصيرفة الإسلامية، وذلك لاعتبارات عديدة، يأتي في مقدمتها تزايد الأهمية الاقتصادية للبلدان الإسلامية وارتفاع أعداد المسلمين في أوروبا، حيث افتتح أول مصرف إسلامي في القارة العجوز في بريطانيا في عام 2004، وهو مصرف بريطانيا الإسلامي. ويبدو أن الصين تحاول دخول هذا العالم من خلال منح أول تصريح لإقامة أول مصرف إسلامي في ثاني أكبر اقتصاد في العالم، إذ يعمل في الوقت الحاضر أكثر من 310 مؤسسات مالية إسلامية في أكثر من 75 دولة، حيث تلعب دول مجلس التعاون الخليجي دورا محوريا في عالم الصيرفة الإسلامية، خصوصا بعد الإعلان عن النية لتأسيس أكبر مصرف إسلامي برأسمال 100 مليار دولار، حيث اختيرت البحرين لتكون مقرا لهذا المصرف العملاق. ويأتي تأسيس هذا المصرف لسد ثغرة كبيرة في عمل المصارف الإسلامية والتي استحوذت حتى الآن على نسبة مهمة من الصيرفة المحلية في كل بلد إسلامي، إذ تبلغ هذه النسبة %20 على سبيل المثال في دولة الإمارات، إلا أنها لم تتمكن حتى الآن من دخول سوق التمويل الدولي والذي يحتاج لقدرات مالية كبيرة لا تتوفر في المؤسسات الإسلامية القائمة حاليا. ورغم هذا الاهتمام والتوجهات العالمية، إلا أن الصيرفة الإسلامية تواجه العديد من التحديات التي ربما تعيق توجهها نحو العالمية إذا لم يتم تذليل هذه التحديات والتي تكتسي طابعا شرعيا ومهنيا معقدا، ففي الجانب الشرعي هناك تفاوت كبير في الفتاوى التي تصدرها هيئات الفتوى في كل مصرف إسلامي، بل إن بعضها يتناقض تماما مع فتاوى مماثلة، مما يخلق إشكاليات عديدة لسير العمل في المصارف الإسلامية. ويعبر هذا التفاوت في الفتاوى عن المنافسة بين المصارف الإسلامية، فبعض الأدوات المالية التي يتم التعامل بها في بعض المصارف، تعتبر محرمة أو غير مرغوبة في مصارف إسلامية أخرى، مما قد يؤدي إلى عرقلة الأخذ بهذه الأدوات والتي تعتبر مهمة للعمل المصرفي بوجه عام. أما في الجانب المهني ومع أن أحد أهم أسس الصيرفة الإسلامية يقوم على مبدأ الاشتراك في الربح والخسارة، فإن معدل الفائدة في المصارف الإسلامية يسير بخط متوازن مع الفوائد في البنوك التقليدية، صعودا وهبوطا، وذلك وفق سعر الفائدة على "الليبر" في سوق لندن المالية. ومع أن دوائر الفتوى في المصارف الإسلامية تنظر حاليا في إيجاد بديل لهذا الارتباط، إلا أن الحقيقة الراهنة تشير إلى أن الصيرفة الإسلامية، هي جزء من الصيرفة العالمية، وستبقى كذلك بحكم ارتباط اقتصادات البلدان الإسلامية بالاقتصاد العالمي وتكاملها معه، فالعولمة الاقتصادية لا تتيح مثل هذا الفصل، خصوصا أنه كما رأينا آنفا أن هناك توجها جديدا يرمي إلى نقل الصيرفة الإسلامية للسوق العالمية والتي لا يمكن تجزئتها. ومما يؤكد عملية الارتباط القوية بين الصيرفة الإسلامية والعالمية، تلك التأثيرات التي طالت الصيرفة الإسلامية جراء الأزمة المالية العالمية، وذلك رغم أن هذه التأثيرات كانت أقل وطأة من تلك التي نالت المصارف التقليدية، وذلك بسبب تحريم تعظيم الأصول دون أسس مادية وعدم تعامل المصارف الإسلامية بالمشتقات المالية والتلاعب بها والتي كانت سببا رئيسا للأزمة. إن توجه الصيرفة الإسلامية للعالمية أمر مهم ولابد منه، إذا ما أرادت أن تخرج من النطاق المحلي، وتستجيب للاهتمام عالميا بها، مثلما هو الحال لدى المصارف الفرنسية، إلا أن ذلك يتطلب حل الإشكاليات الشرعية والمهنية القائمة في الوقت الحاضر، فالتعامل في أسواق المال الدولية مختلف تماما عن الأسواق المحلية والإقليمية، فهناك أدوات ومشتقات مالية معقدة ويصعب التعامل معها من نواح فقهية فقط، كما أن هناك بورصات كبيرة للسلع والذهب والنفط، وهي تتعامل بمليارات الدولارات يوميا، مما يضع أعباء كبيرة على المؤسسات المالية بسبب حجم وسرعة التعاملات. أما في حالة حل هذه الإشكاليات أو التقليل من تناقضاتها، فإنه يمكن للصيرفة الإسلامية أن تشكل جزءا مهما من الصيرفة العالمية وتتكامل معها ضمن توافق بين ما هو شرعي ومهني، إذ لا يمكن لأحد منهما أن يلغي الآخر في ظل الصيرفة الإسلامية.
586
| 29 يناير 2012
بانطلاق مجمع محمد بن راشد للطاقة الشمسية في الربع الثاني من العام الجاري تكون دولة الإمارات قد حققت أحد أهم التوجهات الرامية إلى وضع الأسس اللازمة للتنمية المستدامة، وذلك إلى جانب أسس أخرى تم وضعها سابقا تمثلت في مدينة مصدر لطاقة المستقبل. ويشكل هذا المشروع الحيوي انطلاقة قوية لإنتاج طاقة نظيفة ومستدامة لتساهم في تنويع ليس مصادر الطاقة البديلة فحسب، وإنما في تنويع مصادر الدخل القومي في دولة الإمارات، إذ إنه سيقام على مساحة 48 كيلومترا مربعا وبتكلفة 12 مليار درهم (3.27 مليار دولار) وهو ما يعني المساهمة في تلبية الطلب المتنامي على الطاقة في دبي وفي دولة الإمارات بشكل عام، وبالأخص الطلب السريع على الطاقة الكهربائية والذي يعتبر واحدا من أعلى معدلات ارتفاع الطلب في العالم. وإلى جانب ذلك أعلنت دبي مؤخرا عن إقامة أكبر منصة لطاقة الرياح في العالم، حيث سيكون لهذه التوجهات في مجال الطاقة انعكاسات اقتصادية وبيئية كبيرة، فمن جهة سيؤدي ذلك إلى تخفيض واردات دبي من الطاقة والتي تعتبر مكلفة حاليا، وذلك إضافة إلى الاعتماد على مصادر طاقة دائمة ونظيفة وبأسعار منخفضة نسبيا، حيث يتوقع أن تنخفض تكلفة إنتاج الطاقة الشمسية بنسبة 67% خلال السنوات الثلاث القادمة، وذلك بعد أن دخلت الصين على مسار إنتاج الخلايا الشمسية بتكلفة منخفضة، مما أثار انزعاج الولايات المتحدة والتي استثمرت مبالغ طائلة في إنتاج وتطوير الخلايا الشمسية. ومن جهة أخرى، فإن مثل هذا التوجه سيؤدي إلى تطوير العديد من المشاريع التنموية، مما سيعزز من مكانة الدولة في إنتاج مصادر الطاقة البديلة، وذلك إلى جانب كونها أحد أهم بلدان العالم المنتجة والمصدرة للنفط. ويبدو أنه من خلال هذه المشاريع سوف تتحول دولة الإمارات إلى مركز عالمي لطاقة المستقبل، خصوصا وأن العالم يزداد اعتمادا على الطاقة المتجددة، حيث أشار الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في مقالة بصحيفة "نيويورك تايمز " إلى أن " الطاقة تغير شكل الحياة، ولا يمكن حدوث تطور من دون الطاقة، والغرض الأساسي هو تزويد الجميع بالطاقة المستدامة، داعيا الجميع إلى العمل لإنجاز ما لا يمكن لجهة بمفردها أن تنجزه " أما فيما يتعلق بالتوجهات الإماراتية، فقد أوجزتها وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للتنمية بأبوظبي " ريبكا غرينسبان " قائلة " أنتم تساهمون في ثورة الطاقة العالمية بمبادراتكم والتي ستغير تفكيرنا في توليد الطاقة وتوزيعها واستهلاكها، من خلال أنكم تساعدون في خلق البيئة المؤسسية العالمية التي من شأنها تعزيز أشكال الطاقة المتجددة ونشرها بين بلدان العالم " ومن بيت الأفضليات التي تتمتع بها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، هو ملاءمتها للبيئة وعدم اعتمادها على مواد خام أولية، كما هو الحال مع مصادر الطاقة الرئيسية الأخرى، كالمصادر الهايدروكربونية أو الطاقة النووية. ونظرا لتمتع الدولة ودول مجلس التعاون الخليجي بأجواء مشمسة طوال العام، فإن الجهود في هذا المجال يمكن أن تتعدى تلبية الاحتياجات المحلية من مصادر الطاقة النظيفة لتمتد الاستثمارات في هذا المجال لإقامة مشاريع كبيرة لتصدير الطاقة الشمسية مع حلول 2030 وهو ما سوف يضيف الكثير للاقتصاد المحلي والاقتصاديات الخليجية بشكل عام. وتتيح الظروف الحالية الخاصة بأسعار النفط إمكانية زيادة الاستثمار في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ففي الوقت الذي ترتفع فيه أسعار النفط لتبقى مرتفعة في الأعوام القادمة وفق معظم التوقعات، فإن تكاليف إنتاج الطاقة الشمسية تسير نحو الانخفاض السريع، مما قد يجعلها في غضون عقد من الزمن رخيصة إذا ما قورنت بكافة أشكال الطاقة، بما فيها لطاقة النووية الرخيصة نسبيا في الوقت الحاضر. ومثلما وجدنا تنسيقا بين دول المجلس في شؤون الطاقة الأخرى، فإن مشروع محمد بن راشد للطاقة الشمسية يمكن أن يشكل أرضية قوية لمشروع خليجي ضخم، ليس لاستيراد التكنولوجيا الخاصة بها وإنتاجها فقط، وإنما لتوطين تقنية إنتاج هذه الطاقة والمساهمة في تخفيض تكاليف إنتاجها وتطويرها لتكون لدول المجلس حصة كبيرة في طاقة المستقبل، مثلما لها حصة كبيرة في إنتاج النفط والغاز في الوقت الحاضر.
505
| 22 يناير 2012
العقوبات الاقتصادية الغربية المفروضة على إيران انتقلت إلى مجالات مفصلية بالنسبة للطرفين، فالغرب وعلى مدى ثلاثين عاما تحاشى وبكل السبل الاقتراب من العوامل التي يمكن أن تؤثر في إمدادات النفط للأسواق العالمية، وذلك لاعتماده الكبير على النفط المستورد، أما إيران، فإن قطاع النفط بالنسبة لها يعني إما الازدهار وتمويل برامجها النووية والعسكرية وإما الانهيار الاقتصادي. لذلك، فإن الصراع خلال العقود الثلاثة الماضية بين الطرفين تجنب موضوع النفط لما له من تأثيرات كبيرة على اقتصاداتها وعلى الاقتصاد العالمي ككل، إلا أن ازدياد حدة التوتر وإصرار إيران على المضي قدما في برنامجها النووي والتغيرات المتسارعة في المنطقة اكسب هذا الصراع مضامين جديدة في الوقت الحاضر تتعدى مسألة إمدادات النفط لتشمل قضايا اقتصادية وأمنية وسياسية معقدة وتحمل طابعا استراتيجيا للجانبين. ويرى الغرب أنه حان الوقت لتطال العقوبات الاقتصادية العمود الفقري للاقتصاد الإيراني ومصدر دخله الأساسي، وذلك بعد أن تمكنت إيران من مواجهة أشكال الحصار الاقتصادي الأخرى، وذلك بفضل العائدات الهائلة من النفط والتي منحتها مرونة كبيرة للتعامل مع الإجراءات الأوروبية الرامية إلى إخضاع برنامجها النووي لوكالة الطاقة الذرية. ومع أن بلدان أوروبية أعلنت عن إجراءات لتقليص وارداتها من النفط الإيراني، إلا أن الولايات المتحدة اتخذت إجراء آخر غير مباشر ربما تكون له تداعيات أشد على صادرات النفط الإيرانية، وهو فرض عقوبات على البنك المركزي الإيراني بقرار من الرئيس الأمريكي، مما سيؤدي إلى الحد من قدرة المشترين للنفط الإيراني من تسديد قيمة مشترياتهم، خصوصا وان مبيعات النفط العالمية تتم بالدولار الأمريكي وتمر معظم الصفقات عبر النظام المالي والمصرفي في نيويورك. وفي البداية حاولت واشنطن فرض حظر على إمدادات النفط الإيرانية، إلا أن الأسواق الآسيوية تجاهلت هذه الدعوة لاحتياجاتها المتنامية للطاقة، علما أن إيران تمنح مدد طويلة لتسديد مبيعاتها من النفط، مما أدى إلى تراكم المبالغ المستحقة على الهند إلى أكثر من ملياري دولار. وبالإضافة إلى تأخر تسديد مبيعات النفط، فإن البلدان الآسيوية، وبالأخص الصين والهند تستغل هذا الخلاف بين إيران والغرب للحصول على خصومات على مشترياتها من النفط الإيراني، حيث تضطر إيران إلى تقديم هذه الخصومات من جهة وإلى مقايضة النفط بسلع أخرى من هذين البلدين، مما يحملها خسائر فادحة. لذلك، فإن الحصار المالي لمبيعات إيران من النفط ربما يكون من وجهة النظر الأمريكية أكثر جدوى وفعالية، خصوصا وان محاولات إيران وقبلها نظام صدام حسين لبيع النفط بعملة غير الدولار لم يحالفها النجاح، إذ يتوقع أن تساهم الإجراءات الأميركية الجديدة في تخفيض مبيعات النفط الإيرانية بمقدار الربع، علما بان إنتاج إيران من النفط بلغ 3.6 مليون برميل يوميا في شهر ديسمبر الماضي. وبالإضافة إلى تراجع مبيعات النفط، فإن وضع قيود على المعاملات المالية للبنك المركزي الإيراني سيؤدي أيضاً إلى تأثر الصادرات والواردات الإيرانية بشكل عام، وبالأخص إذا ما انضمت بلدان الاتحاد الأوروبي وبنكها المركزي لهذه العقوبات الجديدة. الرد الإيراني على هذه الإجراءات الجديدة لم يكن اقتصاديا لأنها ببساطة لا تملك ما تحارب به على هذه الجبهة، بل إنه حتى قراراتها المتسرعة التي اتخذتها ضد التجارة مع بعض بلدان المنطقة سرعان ما تراجعت عنها، فالضرر في حالة استمرارها سيصيب الاقتصاد الإيراني في مقتل، بدليل إخفاض قيمة العملة الإيرانية "التومان" 10 % بمجرد الإعلان عن تقييد التجارة مع دول الخليج العربي من جانب واحد. وبما أن هذه الأداة الاقتصادية غير متوفرة، فإن الرد الإيراني جاء من خلال استعراض القوة والقيام بمناورات بحرية في مضيق هرمز والمحيط الهندي في الأسبوع الماضي في إشارة قوية على أن في وسع إيران إغلاق المضيق في حالة تعرض صادراتها للمزيد من العقوبات من جانب الغرب. والحقيقة أن المضيق لم يعد بالأهمية الاستراتيجية السابقة، وذلك بعد أن امتدت خطوط نقل النفط والغاز في كل الاتجاهات، من الخليج إلى البحر الأحمر والبحر المتوسط وخليج عمان على المحيط الهندي، كما أن الغرب بقيادة الولايات المتحدة دفع بالعديد من البلدان في إفريقيا مثل انغولا وغانا وبعض بلدان أمريكا اللاتينية الغنية بالنفط إلى زيادة الإنتاج في الآونة الأخيرة. أما بلدان منظمة الأوبك ومن ضمنها دول مجلس التعاون الخليجي، فإنها ملتزمة حتى الآن بحصصها المقررة ضمن سقف الاوبك، وذلك رغم وجود فائض لديها في طاقتها الإنتاجية. هل يستحق تطوير برنامج نووي كل هذه التضحيات التي أضرت بالاقتصاد الإيراني وأسهمت في ارتفاع معدلات التضخم والبطالة وخفضت من نسب النمو ومستويات المعيشة؟ سؤال ربما يستطيع الإنسان العادي الإجابة عليه قبل متخذ القرارات الرسمية والمسؤول عن التنمية في بلد بحجم إيران وأهميتها لاستقرار المنطقة وازدهارها الاقتصادي.
536
| 15 يناير 2012
يعتبر عام 2011 الأسوأ اقتصاديا منذ الكساد العظيم في بداية القرن الماضي، فبعد عام من الأزمة المالية العالمية في عام 2008 بدأت اقتصادات بعض بلدان العالم وكأنها تعود تدريجيا إلى طبيعتها، خصوصا بعد الإجراءات الجماعية التي اتخذت على المستوى العالمي ومن قبل المنظمات الدولية، كصندوق النقد الدولي. وللأسف، فإن الكثير من التوقعات المتفائلة في ذلك الوقت لم تتحقق، بل وازداد الأمر سوءا مع انضمام بلدان منطقة اليورو لدائرة الخطر لتتراكم الديون وتبلغ مستويات قياسية فاقت قدرة الكثير من البلدان على السداد وتحمل تبعاتها المؤلمة. ومع أن البلدان التي ما زالت صامدة حتى الآن، كألمانيا وفرنسا ضخت مليارات من اليورو سواء من خلال صندوق الإنقاذ الأوروبي أو من خلال صندوق النقد الدولي، إلا أن هذه البلدان والمصارف التابعة لها معرضة لتخفيض أوضاعها الائتمانية من قبل وكالات التصنيف العالمية، مما قد يحدث المزيد من الفوضى في الأسواق ويعرض منطقة اليورو والاقتصاد العالمي لهزات جديدة في عام 2012. لذلك فقد أصبح من المهم استشراف الآفاق المستقبلية للأوضاع الاقتصادية في العالم والتي لن تكون متشابهة في كافة البلدان والتكتلات الاقتصادية، حيث يعتبر ذلك أمرا مهما للمستثمرين ومتخذي القرارات الاقتصادية والسياسات الاستثمارية. وإذا ما تطرقنا لمنطقة اليورو، باعتبارها مركز الأزمة في الوقت الحاضر، فإن كافة الدلائل تشير إلى أن معاناتها سوف تستمر في العام الجديد، إلا أن سياسات التقشف التي اتخذت حتى الآن سوف تؤدي إلى التحكم بصورة أكبر في عجز الموازنات، كما أن الدعم المالي من داخل الاتحاد الأوروبي وخارجه سوف يساهم على أقل تقدير في وقف تدهور الأوضاع المالية، مما سيبعد شبح انهيار العملة الأوروبية واستعادة أهميتها بصورة تدريجية، علما بأن خروج بعض بلدانها من اليورو سيبقى قائما إذا لم تتمكن هذه البلدان، وبالأخص اليونان التي ما زالت تسودها الإضرابات وعدم الاستقرار من تحسين أوضاعها الاقتصادية باستغلال الفرصة الذهبية التي تتوفر لها بفضل عضويتها في العملة الأوروبية. أما الولايات المتحدة، فإنه رغم تصاعد استغلال الأوضاع الاقتصادية وتسخيرها لأهداف انتخابية في عام 2012 إلا أن الاقتصاد الأمريكي سيمر بحالة من عدم اليقين، وبالأخص بسبب ارتباطه القوي بأوضاع شقيقه الاقتصاد الأوروبي المصدر للأزمات غربا وشرقا في الوقت الحاضر. من هنا قالت "وول ستريت جورنال" في عددها الصادر نهاية الأسبوع الماضي إن الاقتصاد الأمريكي يستعد لاستقبال عام آخر من التخبط وأن معدل النمو لن يتجاوز 2%. وستبقى البلدان الصاعدة سيدة الموقف الاقتصادي في العام الجديد وستحقق معدلات نمو مرتفعة وستبذل المزيد من الجهود لمساعدة البلدان الأوروبية والتي تشكل أسواقها منافذ مهمة لصادرات البلدان الصاعدة، إلا أنها ربما تصاب ببعض التأثيرات السلبية لتدني معدلات التنمية في أوروبا والولايات المتحدة، كما أن عدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط سوف يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، مما سيؤثر على معدلات النمو في الصين والهند بصورة أساسية. وفي البلدان العربية، فإن إطالة عمر الربيع السياسي العربي سيؤدي بدوره إلى إطالة خريفها الاقتصادي وستحتاج مصر وتونس واليمن وليبيا وسوريا إلى استثمارات كبيرة لتتمكن من إعادة النشاط لاقتصاداتها المتدهورة بفعل الأحداث السياسية. في مقابل ذلك ستنضم دول مجلس التعاون الخليجي الست إلى البلدان الصاعدة في تحقيق معدلات نمو مرتفعة في عام 2012 حيث يتوقع أن يتجاوز متوسط النمو في دول المجلس حاجز 5%، مدفوعا بارتفاع عائدات النفط وبنمو القطاعات الاقتصادية غير النفطية، وبالأخص الصناعات التحويلية والتجارة والقطاع السياحي والنقل. وفي الوقت نفسه سيرتفع الإنفاق الحكومي في دول المجلس، بما في ذلك في قطاع الإسكان وسينمو سوق العمل وستتوفر المزيد من الوظائف في القطاعين الحكومي والخاص، مما سيقلل من الانعكاسات السلبية لأزمة منطقة اليورو على الاقتصادات الخليجية والتي ستتعزز روابطها التجارية مع بلدان آسيا. ومع أنه توجد بعض المخاوف الخاصة بالأوضاع الأمنية في منطقة الخليج العربي بسبب تصاعد التوترات بشتى أشكالها، إلا أن منافذ صادرات النفط الخليجية أصبحت أكثر تنوعا مع افتتاح خط تصدير النفط بين أبو ظبي والفجيرة على بحر عمان. والحال، فإن الاقتصاد العالمي برمته في عام 2012 سيعاني من تقلبات متواصلة وستعاني الأسواق المالية من تذبذبات حادة قبل أن تستقر إذا ما تمكنت بلدان العالم ومؤسساته المالية من التعامل بمرونة للتغلب على العديد من الأزمات، وبالأخص أزمة منطقة اليورو.
636
| 08 يناير 2012
للمرة الثالثة على التوالي ترفض مؤسسة MSCI كوربوريشن إدراج سوقي الإمارات وقطر للأوراق المالية ضمن مؤشرها للأسواق الناشئة، مما أضر بسمعة السوقين في الأوساط المالية العالمية وأفقدهما بعض الزخم الذي حدث قبل الإعلان عن تأجيل إدراجهما حتى شهر يونيو القادم 2012. ومن غير المعروف هل سيتم إدراج سوقي الإمارات وقطر بعد ستة أشهر أم سيتم تأجيل الإدراج مرة أخرى، خصوصا وأن هذه المؤسسة تطرح في كل مرة شروطا جديدة لقضايا قديمة، كالتي تتعلق بعملية التسييل في سوق الإمارات أو ما يتعلق بالملكية الأجنبية في سوق قطر والتي وردت في التأجيل الأخير، علما بأنه كان بالإمكان التطرق إليها في التأجيل الأول لتتخذ إدارة السوقين الإجراءات اللازمة لمعالجتها ضمن متطلبات هذه المؤسسة العالمية. ومن حيث المبدأ، فإن إدارة السوقين لم توفق في اختيار توقيت طلب الانضمام لهذا المؤشر للأسواق الناشئة، حيث جاء الطلب في ظروف الأزمة المالية العالمية وأزمة منطقة اليورو والكساد الذي يلف الاقتصاد العالمي، مما يعني أنه حتى في حالة تأهل السوقين للمؤشر، فإن العوائد الإيجابية المتوخاة ستكون محدودة للغاية. لذلك يبدو أن إدارة السوقين لم تأخذ بعين الاعتبار الظروف المحلية للأسواق الخليجية أو الأوضاع المالية والمصرفية المتأزمة في العالم، فالأسواق المحلية تعاني من خلل كبير ومن شح في السيولة لا يشجع على الاستثمار المحلي، فكيف يمكن جذب استثمارات خارجية في ظل عزوف الاستثمار المحلي، وبالأخص المؤسسي منه. أما وضع السيولة العالمية، فإنه ليس أفضل حالا من مثيله الخليجي، علما، بأن اقتصادات الخليج تتمتع بسيولة كبيرة، كما أن أوضاعها العامة جيدة، إلا أن المشكلة تكمن في ابتعاد هذه السيولة عن الأسواق المالية في الوقت الحاضر. لقد كان من المفترض أخذ مجمل هذه العوامل بعين الاعتبار قبل التسرع في تقديم طلب الترقية والتي ترتب عليه نتائج عكسية استفاد منها المضاربون اليوميون، كما رأينا في الأيام القليلة الماضية، خصوصا وأن بعض الأسواق فتحت آفاقا جديدة للمضاربين من خلال السماح بالتداول بأجزاء من الفلس مما أسهم في ارتفاع حدة المضاربات، وبالأخص من قبل صغار المضاربين وتدني أسعار العديد من الأسهم إلى الحضيض، وهو ما أشرنا إليه سابقا دون أن تحاول إدارة السوق تصحيح هذا الإجراء الذي لم يعد مناسبا. لقد كان أحد أهم الأهداف من وراء السعي للانضمام لهذا المؤشر يكمن في رفع مستوى السوقين من خلال جذب المزيد من رؤوس الأموال الأجنبية وإضفاء الطابع العالمي عليهما، وهو أمر مهم، إلا أنه كيف يمكن تحقيق ذلك في ظل شح السيولة المحلية والقيود المفروضة على الملكية الأجنبية، وبالأخص في قطاع البنوك في البلدين؟ وإلى جانب عملية الانضمام لمؤشر الأسواق الناشئة، فإن تنشيط الأسواق الخليجية بحاجة لإجراءات عاجلة تتمثل في تطوير هيكلية هذه الأسواق بحيث تتم حمايتها من عمليات المضاربات اليومية على أجزاء من الفلس من خلال وجود شركات صانعة السوق والتي يمكن من خلالها الحد من عمليات المضاربة وتعزيز الاستثمار الفردي والمؤسسي متوسط وبعيد المدى. وفي الوقت نفسه من المهم زيادة جرعات الشفافية والإفصاح والحوكمة في أسواق المال الخليجية، إذ أن الانتقال إلى مؤشر عالمي بهذه الأهمية لهذين السوقين ولبقية الأسواق الخليجي في المستقبل سوف يفرض عليها رقابة أشد من قبل المستثمرين والمؤسسات المالية العالمية، مما قد يوقعها في إشكالات بسبب كثافة الاستثمار الأجنبي فيها. إذاً، الأمر يتعدى كثيرا الأهداف الخاصة بمحاولة جذب الاستثمارات من الخارج للانضمام لمؤشر الأسواق الناشئة ليشمل تطوير هذه الأسواق نفسها لترتقي إلى مستوى الأهمية التي تتمتع بها الاقتصادات الخليجية والتي سبقت أسواق المال في انضمامها إلى الاقتصادات الناشئة في العالم والتي تعلق عليها الآمال إلى جانب الاقتصادات الناشئة الأخرى لانتشال الاقتصاد العالمي من حالة الركود التي يمر بها، فالاقتصادات الخليجية وعلى النقيض من أسواقها المالية تحقق معدلات نمو مرتفعة حالها في ذلك حال الاقتصادات الناشئة في العالم، كالصين والهند والبرازيل. وبالنتيجة، فإن الاهتمام بتطوير أسواق المال الخليجية لتصبح في مستوى أسواق المال الناشئة الأخرى والتي ارتفعت في الفترة الماضية إلى مستويات قياسية في الوقت الذي كانت أسواق المال في العالم، وبالأخص الخليجية تتراجع بحدة، وهذه مسألة أهم من الانضمام لمؤشر مؤسسة MSCI، إذ أن عملية التطوير ستؤدي إلى نضوج الأسواق الخليجية وستجعل من عملية انضمامها لمؤشر الأسواق الناشئة عملية تحصيل حاصل من الناحية العملية.
397
| 01 يناير 2012
مساحة إعلانية
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما...
8643
| 08 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث...
4590
| 09 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس...
1398
| 11 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين،...
1248
| 11 مارس 2026
أولاً: تمهيد - الضجيج الرقمي ومفارقة المواقف في...
1056
| 11 مارس 2026
وصلنا إلى اليوم الحادي عشر من حرب ايران...
957
| 10 مارس 2026
عندما تشتد الأزمات، لا يكمن الفارق الحقيقي في...
846
| 09 مارس 2026
عند الشروع في تأسيس أي نشاطٍ تجاري، مهما...
729
| 12 مارس 2026
في عالم تتسارع فيه التغيرات الاقتصادية والتنظيمية، وتزداد...
654
| 12 مارس 2026
ما الأزمات التي تحاصرنا اليوم إلا فصول ثقيلة...
648
| 13 مارس 2026
-زيارة سمو الأمير إلى مركزي العمليات الجوية والقيادة...
636
| 08 مارس 2026
لا شك أن إيران تمثل خطرا لا يستهان...
531
| 10 مارس 2026
مساحة إعلانية