رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عادة ما تكون للتغيرات الاقتصادية انعكاسات اجتماعية وبنيوية تطال فئات مؤثرة في المجتمع وتمس مستوياتهم المعيشية ومتطلباتهم الأساسية، يحدث ذلك أثناء الركود والأزمات الاقتصادية والتي يتم العمل للتقليل من تأثيراتها السلبية، سواء من قبل الحكومات ومن قبل الأفراد ذاتهم.
وما حدث من انعكاسات اجتماعية للأزمة المالية التي ضربت العالم في السنوات الثلاث الماضية وما زالت تداعياتها تتوالى أدى إلى تدني المستويات المعيشية لمعظم سكان العالم، وبالأخص في البلدان الفقيرة، إلا أن شدة هذه التأثيرات وانعكاساتها تفاوتت بين بلد وآخر، وذلك وفقا للقدرات المالية لكل بلد ولتركيبته الديمغرافية.
وفي العالم العربي، فإن هذه التغيرات والانعكاسات السلبية كان لها إلى جانب تراكمات أخرى دور رئيسي في الأحداث التي شهدتها العديد من البلدان العربية في العالم الماضي وبداية هذا العام، في الوقت الذي استطاعت بلدان عربية أخرى استخدام قدراتها المالية المتنامية في محاصرة هذه التأثيرات والتقليل من تداعياتها.
وفي هذا الشأن الخاص بالتأثيرات الاجتماعية للأزمة، فإن البلدان العربية تنقسم إلى مجموعتين، الأولى فقيرة نسبيا، كتونس واليمن أو أن أنظمتها الاقتصادية لا تلبي احتياجات مواطنيها، وذلك رغم غنائها الفاحش، كالعراق وليبيا.
أما المجموعة الأخرى، فإنها ممثلة في دول مجلس التعاون الخليجي والتي تتمتع بمستويات معيشية مرتفعة وتوفر خدمات جيدة بشكل عام لمواطنيها، إلا أنها رغم ذلك تأثرت من جراء الأزمة وخسر المستثمرون، وبالأخص الصغار منهم معظم مدخراتهم بسبب انهيار أسواق المال والتي تشكل قنوات استثمار رئيسية في هذه البلدان.
وشملت هذه التأثيرات الطبقة الوسطى في المجتمع بشكل خاص والتي تشكل لبنية المجتمعات الزئبق الذي يؤشر للتوازن بين طرفي أجهزة المقاييس، فالخلل الذي يصيب هذه الفئة عادة ما تكون له تداعيات مؤثرة وعميقة.
ونتيجة لظروف الأزمة تقلصت الفئة الوسطى في المجتمعات الخليجية، حيث خسر صغار المستثمرين نسبة تتراوح ما بين 70 – %90 من إجمالي استثماراتهم في أسواق المال الخليجية، وذلك بعد أن تدنت أسعار بعض الشركات إلى ما دون سعر الاكتتاب بنسبة %80، أما المستثمرون الذين قاموا بشراء أسهمهم بعد عمليات الاكتتابات الأولية، فإن خسائرهم كانت مضاعفة.
وحتى الآن لا توجد مبررات منطقية لما تعرضت له البورصات الخليجية في السنوات الثلاث الماضية، إلا أن ما تم من ارتفاعات ومضاربات في فترة ما قبل الأزمة وما تلاه من انخفاضات في فترة ما بعد الأزمة يعبر وبصورة صارخة عن عدم نضوج هذه الأسواق.
ومع أن الإجراءات الحكومية التي اتخذت، وبالأخص زيادة الأجور والرواتب على دفعات قد عوضت شريحة معينة من الفئة الوسطى، أي تلك العاملة في المؤسسات العامة، إلا أن بقية شرائح هذه الفئة من صغار المستثمرين، فإنها ما زالت تعاني من تدهور عائدات استثماراتها والتي تشكل نسبة كبيرة من إجمالي دخلها السنوي.
ويشير ذلك إلى ضرورة إعادة التوازن للفئة الوسطى في المجتمع، فاستقرارها يعتبر مسألة في غاية الأهمية لاستقرار المجتمع، حيث كان يتوقع على نطاق واسع أن تؤدي الارتفاعات المستمرة لأسعار النفط ومعدلات النمو المرتفعة إلى نمو أعداد الفئة الوسطى في المجتمعات الخليجية، وبالتالي زيادة دورها الإيجابي في استقرار هذه المجتمعات.
- 2 -
وترجع هذه التوقعات إلى الشبه الكبير بين الأوضاع الاقتصادية في دول المجلس والأوضاع الاقتصادية الجيدة للبلدان الصاعدة والتي نمت فيها الطبقة الوسطى بصورة لافتة للنظر في السنوات القليلة الماضية، كالصين والبرازيل والهند، إلا أن ما حدث هو العكس بسبب تدهور قيمة الأصول التي تمتلكها الفئة الوسطى الخليجية.
وإذا ما أخذنا بعض بلدان أمريكا اللاتينية والتي تضم بلدانا من بينها بلدان صاعدة وأخرى نفطية، فإنه ووفقا للجنة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية والكاريبي التابعة للأمم المتحدة، فإن 56 مليون عائلة انضمت إلى الطبقة الوسطى في أمريكا اللاتينية خلال فترة العقد ونصف العقد الماضي، مما يعكس الأوضاع الاقتصادية الجيدة والنمو المتسارع لاقتصادات هذه البلدان.
والحال، فإن تدني حجم وتأثيرات الطبقة الوسطى في المجتمعات الخليجية ليس له ما يبرره ولا يعكس طبيعة النمو السريع الذي تحققه الاقتصادات الخليجية، مما يتطلب دراسة هذه الظاهرة غير الطبيعية ومعالجتها، وذلك لما لها من تأثيرات مهمة على مجمل الأوضاع.
والحقيقة أن دول المجلس تملك الأدوات والقدرات المالية التي تؤهلها لمعالجة هذه الظاهرة، إذ ليس المطلوب العمل باتجاه فقاعة أخرى في البورصات أو أسواق الأصول الأخرى في دول المجلس، وإنما العمل على تنظيم هذه الأسواق ووصولها إلى حالة من التوازن التي تعكس العائد الاقتصادي الحقيقي للمستثمرين والذي يعبر عن الأداء الفعلي للشركات المدرجة والتي تدنت أسعار بعضها بصورة مخيفة.
ويبدو أن بوادر مثل هذا التوجه برزت مؤخرا في دولة قطر من خلال الاستثمار المؤسسي المدعوم من الدولة للاستثمار في أسواق الأسهم المحلية والذي أدى إلى الاستحواذ على جزء مهم من أسهم البنوك التي تحقق عوائد مجزية وأداء جيدا، مما أعاد لسوق الدوحة للأوراق المالية جزءا من رونقها واستعادت جزءا من الثقة التي افتقدتها، إذ أسهم ذلك في إعادة التوازن للطبقة الوسطى في المجتمع، مما يعني المزيد من الاستقرار والنمو للأوضاع في قطر.
- 3 -
وكدليل على ذلك، فإن سوق الدوحة للأوراق المالية كانت السوق الوحيدة التي حققت ارتفاعا في العام الماضي 2011 من بين سبع أسواق خليجية حققت نموا سلبيا وبنسب كبيرة ومؤلمة للمستثمرين، وذلك ليس بسبب الأداء السيئ للشركات المدرجة، وإنما بسبب فقدان الثقة والمضاربات وغياب الاستثمار المؤسسي.
وإذا كان توجه الاستثمار المؤسسي للأسواق الخارجية يعتبر توجها إستراتيجيا مهما يهدف إلى التنوع، فإن الاستثمار المؤسسي الداخلي لا بد وأن يكون ضمن الأولويات الاستثمارية الإستراتيجية أيضا، وذلك لما يمثله من أهمية قصوى للنمو وللاستقرار المجتمعي، وبالأخص استقرار مختلف فئات المجتمع، بما فيها الفئة الوسطى التي تعبر عن التوازن وتساهم بصورة فعالة في تطور المجتمع وتقدمه، باعتبارها أكثر الفئات تعلما واكتسابا للمهن وللتقنيات الحديثة.
توازن التهدئة وفرص السلام
برغم التحذيرات المبكرة التي صدرت عن دول مجلس التعاون الخليجي إلى أمريكا من مخاطر الانخراط العسكري المباشر إلى... اقرأ المزيد
66
| 24 مارس 2026
أنت لها يا سمو الأمير
يحق لي أن أكتب عنك اليوم بعد تردد، ليس لشيء سوى أن الحديث عن الأمراء والقادة عبر وسائل... اقرأ المزيد
111
| 24 مارس 2026
اللهم أخرجنا منها سالمين
أحدثكم اليوم من مكتبي وقد عدنا إلى مقار أعمالنا بعد أن أصدرت الأمانة العامة لمجلس الوزراء عودة العمل... اقرأ المزيد
63
| 24 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم: "ومن عجيب أمره (أي: الثعلب) أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا، فلم يطق، فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير، ففزع منه. فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى تواظب الطير على ذلك وألفته، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها، وعبر إلى الطير. فلم يشُك الطير أنه من جنس ما قبله، فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به". ذلك تحديدًا هو ما يسلكه الاحتلال الإسرائيلي مع الأمة العربية والإسلامية تجاه الأقصى المبارك، سياسة تخدير الانتباه، والتكريس لإلف المشهد واعتياده من أجل فرض واقع جديد للأقصى ضمن المخططات الكبرى لهدمه وإقامة الهيكل على أنقاضه. لقد استغل الاحتلال حربه الدائرة مع إيران في إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه للمرة الأولى منذ عام 1967، فغاب عن القدس أهله واكتنفه الصمت، فحرم الفلسطينيون من صلاة التراويح وصلاة عيد الفطر في رحابه، وغابت كل مظاهر الفرح المألوفة، ليثير هذا الإجراء الصهيوني مخاوف جمة في أنه يحمل في طياته نوايا لإجراءات متتابعة من شأنها انتزاع الأقصى. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الإجراءات المؤقتة في القدس كثيراً ما تتحول إلى واقع دائم، أو على الأقل إلى سابقة تُستخدم لاحقاً لتوسيع القيود. وفي ظل التغيرات السياسية المتسارعة في المنطقة، يمكن أن يتحول هذا الإغلاق إلى خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف الوضع القائم في الحرم القدسي. وكالعادة تفشل الأمة في اختبار جس النبض الذي يقوم عليه الاحتلال، فردود الأفعال باهتة لا ترقى لمستوى ذلك الخطب الجلل. في إحدى الليالي الرمضانية الفائتة، شهد جامع الفاتح في إسطنبول احتجاجا نسائيا على إغلاق الأقصى، إذ قامت النسوة بإلقاء أغطية الرأس على المصلين، اتباعا لتقليد قديم تتبعه النساء في الضغط على الرجال من أجل القضايا الكبرى، قيل أن امرأة مسلمة فعلته مع صلاح الدين الأيوبي من أجل تحرير الأقصى من أيدي الصليبيين. هذا السلوك الرمزي تناولته وسائل الإعلام ومواقع التواصل بالتفسير والتحليل والإعجاب شأنه شأن أي حدث غريب، دون أن يكون له مردود في توسعة نطاق العمل والانتفاض من أجل الأخطار التي تحيق بالمسجد الأقصى، إضافة إلى ضعف المواقف الرسمية العربية والإسلامية، والتي بدت كأنها ترى في إغلاق مسرى النبي صلى الله عليه وسلم إجراءً معتبرًا على خلفية الحرب. الوضع القائم في الأقصى والذي تشكل على مدى عقود، يقوم على مبدأ أن المسجد الأقصى مكان عبادة للمسلمين بينما يسمح لغير المسلمين بزيارته وفق ضوابط محددة، غير أنه مع مرور السنوات تآكل هذا الوضع تدريجيًا، خاصة مع الاقتحامات المستمرة للمستوطنين الإسرائيليين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، وطرح أفكار علنية داخل الأوساط السياسية والدينية في الداخل الإسرائيلي، كان آخرها تحريض الحاخام المتطرف باروخ مارزل، والصحفي اليميني المتطرف ينون ماغال، على قصف الأقصى تحت غطاء الحرب مع إيران. من زاوية أخرى، يطرح إغلاق المسجد الأقصى تساؤلات حول مستقبل الإدارة الدينية للحرم القدسي. فالمعروف أن الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة للأردن، تتولى إدارة شؤون المسجد الأقصى وفق ترتيبات تاريخية معترف بها دولياً. غير أن إغلاق المسجد أو فرض إجراءات أمنية مشددة على هذا النحو يثير التساؤلات حول مدى استمرار تلك الجهات في إدارة القدس. أدق ناقوس الخطر من جديد، وأكرر ما قلته سابقا: هدم المسجد الأقصى ليس ممتنعا قدرًا ولا شرعًا، وليست هناك نصوص قرآنية أو نبوية تفيد بأنه معصوم من الهدم، وبناء على ذلك قد نصحو ذات يوم على ذلك الخبر المشؤوم. الحرب التي يتذرع بها الاحتلال لاستمرار إغلاق الأقصى قد تطول، ولا يستبعد قصفه وإلصاقها بإيران، أو قيام المتطرفين اليهود بأعمال تخريبية في ظل غياب المقدسيين. الخلاصة: الحدث يحتاج إلى هبة فلسطينية وحشد فلسطيني وبأعداد هائلة حول الأقصى، تبني عليه الشعوب حراكها لتشكيل رأي عام عالمي ضاغط على غرار ما كان أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة.
2865
| 22 مارس 2026
* مع اقترابنا من نهاية هذا الشهر الفضيل، نسأل الله أن يبلغنا ليلة القدر، وأن يجعلنا من عتقائه من النار، وأن يتقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال. وفي ظل ما يمر به العالم من ظروف صعبة وأحداث مؤلمة، نسأل الله أن يرفع الغمة، وأن يعم الأمن والسلام على بلادنا وسائر بلاد المسلمين. * في هذه الأيام المباركة، تتجه القلوب إلى بيوت الله بحثًا عن السكينة والخشوع، خاصة في المساجد التي يرتبط بها المصلون روحانيًا، ومن بينها المساجد التي يؤم فيها الشيخ عبدالرشيد صوفي، لما لصوته من أثر بالغ في نفوس المصلين، وما يحمله من خشوع يجعل الكثيرين يحرصون على الصلاة خلفه منذ سنوات. * هذا الإقبال الكبير، بطبيعته، يتطلب جاهزية عالية في إدارة المسجد، من حيث تنظيم الدخول والخروج للمواقف، وتوفير المساحات الكافية، وتهيئة المرافق، وحسن التعامل مع المصلين والمصليات، إلا أن الواقع في بعض الحالات لا يعكس هذا المستوى من الجاهزية. * فمن غير المقبول أن يتم التحكم في المرافق الأساسية، وإغلاق دورات المياه، أو تخصيصها لفئة معينة دون غيرها، بما يسبب معاناة للمصليات، ويخلق حالة من الازدحام والتوتر، بل ويدفع بعضهن للخروج إلى المرافق الخارجية للوضوء. كما أن غياب التنظيم الواضح، وترك بعض الجوانب لاجتهادات فردية دون صفة رسمية، قد يؤدي إلى ممارسات لا تتناسب مع حرمة المكان، سواء في أسلوب التعامل أو في آلية إدارة المصلى. * إن بيوت الله يجب أن تظل مفتوحة، رحبة، قائمة على الرفق، كما أرشدنا النبي ﷺ، لا أن تتحول- تحت أي ظرف- إلى بيئة يشعر فيها المصلون بالتضييق أو التمييز أو التوتر. * كما أن ما يُثار حول وجود تدخلات غير رسمية في بعض المساجد، أو التعامل معها وكأنها نطاق خاص، يطرح تساؤلات مشروعة حول ضرورة تعزيز الإشراف المؤسسي، وتأكيد أن المسجد وقف لله، يخضع لتنظيم الجهات المختصة، ولا يُدار وفق اعتبارات شخصية أو علاقات. * إن طرح هذه الملاحظات لا يأتي من باب النقد المجرد، بل من حرص صادق على بيوت الله، وعلى أن تبقى، كما ينبغي، مكانًا للسكينة، والرحمة، والخشوع. * ومع ختام هذا الشهر الكريم، فإن الأمل كبير بإذن الله في أن تؤخذ هذه الملاحظات بعين الاعتبار، وأن يتم التعامل معها بجدية، والاستعداد بشكل أفضل للمواسم القادمة، بما يضمن تهيئة بيئة إيمانية متكاملة، تليق بروحانية رمضان، وبمكانة المساجد، وبحرص المصلين على العبادة فيها. فالمساجد ليست مجرد مباني بل هي روح تُبنى، وقيمة تُصان، وأمانة يجب أن تُحفظ. * آخر جرة قلم حين يحرص الناس على الصلاة خلف إمام بخشوع الشيخ عبدالرشيد صوفي والحرص على الحضور من مناطق بعيدة، والتواجد طوال الشهر، فذلك دليل حياة في القلوب، لا يُقابل بإغلاق باب، ولا بتضييق مرفق، ولا بسوء إدارة. بيوت الله لا تُدار بالمفاتيح، بل بالمسؤولية. ولا تُحفظ بالمنع، بل بالرحمة. فإن لم تُصن روحانية المسجد، فماذا نصون؟ نسأل الله أن يتقبل، وأن يبلغنا وإياكم رمضان أعوامًا عديدة، في أمن وسكينة وطمأنينة. وأن يبلغنا ليلة القدر وما تنزل فيها من كل أمر حكيم.
1254
| 18 مارس 2026
ليست الحياة سوى جند مطواع يفتح ذراعيه لاستقبال كل من حمل في قلبه خيراً فأضاءه، فهي تأنس بمن يأنس إليها، وتلين لمن يطرقُ بابها بعزمٍ صادقٍ، فتفتح مسالكها لمن جاء زارعاً مُعمراً لا عابراً مجتازاً فحسب، وتستقبله هاشةً باشة، وكأنما تُكافئه جزيلاً على سلامة النية، وصفاء المقصد. ثم لا تلبث أن تلاعبه قليلاً لتمتحن شدّة صبره، وتختبر حقيقة جَلده، فيقف عند مفارقها لحظاتٍ يتبيّن فيها مقدار ما في صدره من احتمالٍ وثبات. وفي تلك المداورة الخفيّة تتجلّى معادن النفوس، وتنكشف سرائر الصدور، فمن وثق عزمه ازداد رسوخاً، ومن لانَ ساعده تعلّم من العثرة ما يقوّي خطوه في المرة القادمة. وكأن الحياة في هذا الامتحان لا تريد إلا أن تُظهر خبيئة المرء لنفسه، ليعرف موضع قدمه في دروبها، ومقدار ما يملك من صبرٍ على مسالكها الوعرة. فإن اجتاز.. تباهت به، وكأنها ترفع ذكره بين تجاربها، وتشهد له بأنه ممن صدقوا المسير ولم يهن لهم عزم. وإن علق في بعض منعطفاتها أعطته كرّات أخرى، تُمهله ليعيد المحاولة، ويستنهض الخطوة، ويستأنف السير بعزمٍ أشد وبصيرةٍ أوسع. وهكذا تبادله ودًّا بود، وإقداما بإحجام، في علاقةٍ خفيّة تتوازن فيها الخطوات بين الدفع والتريّث، وبين الجرأة والحكمة. ويمضي الإنسان في هذه المداولة الطويلة، تكرّ به الأيام وتفرّ، وهو يقطع فيافيها وقفارها، عابراً مسالكها البعيدة، متجاوزاً مفازاتها المترامية، حتى يبلغ واحاتٍ يهدأ عندها، ومستراحاتٍ يستردّ فيها أنفاسه. فلا يلبث أن يُدرك أن كل ما قطعه من مسافات كان جزءاً من الطريق إلى تلك السكينة، وأن كل اختبار مرّ به كان درجةً في سلّم النضج والاتساع. لحظة إدراك: هكذا تتبدّى الحياة في وجهها الأصدق: ميدانٌ رحب لمن أحسن قصدها، ورفيقُ مسيرٍ لمن أقبل عليها بنيّة الإعمار والسعي، فليست هذه سوى بتلك !
927
| 17 مارس 2026