رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

شربل معكرون

الشريك المدير لمكتب كرول آند مورينغ - قطر

مساحة إعلانية

مقالات

264

شربل معكرون

تأثير النزاعات الجيوسياسية على عقود الشركات

24 مارس 2026 , 05:38ص

لم تعد تداعيات التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط مقتصرة على حدود المنطقة، بل امتدت لتلقي بظلالها على المشهد العالمي. فهذه النزاعات تعرقل مسارات الشحن، وتربك الأسواق المالية، وتفرض على الشركات العابرة للحدود تحديات تنظيمية غير مسبوقة. وأمام هذا الواقع المعقد، تدرك الكثير من الشركات اليوم أن عقودها التجارية ليست مجرد أوراق روتينية أو وثائق إدارية، ومن هذا المنطلق، فإن الشركات التي تسارع إلى اتخاذ خطوات استباقية ومراجعة أوضاعها التعاقدية ستكون الأقدر على استيعاب الصدمات، وصون شراكاتها التجارية، وتفادي الدخول في نزاعات قانونية مُكلفة للغاية.

اضطرابات سلاسل التوريد والمخاطر المرتبطة بها

إن أول تداعيات النزاعات تبرز بوضوح في تعطل سلاسل التوريد؛ حيث يتم تقييد مسارات النقل، ويعاني الموردون من تحديات تشغيلية، فيتحول توافر المواد الأساسية إلى مصدر للقلق وعدم اليقين. وأمام هذا المشهد، تجد الشركات نفسها مضطرة لتقييم مدى ارتهان التزاماتها التعاقدية بعمليات الموردين في مناطق التوتر. وهنا تبرز أهمية البحث عن آليات توريد بديلة وإجراء حوار مبكر مع الأطراف المتعاقدة، بصفتها حلاً ناجعاً يمنع تحول التأخيرات إلى نزاعات قانونية.

ولا يتوقف تأثير النزاعات عند حدود العمليات التشغيلية، بل يمتد ليشمل التغطية التأمينية؛ فالكثير من خطط التأمين المعتادة تحوي بنوداً تستثني صراحة مخاطر الحروب، ما قد يترك الشركات مكشوفة أمام خسائر فادحة لا تغطيها مظلة التأمين. ومن هذا المنطلق، بات لزاماً على الشركات مراجعة وثائقها التأمينية بدقة متناهية، وإخطار الجهات الضامنة عند ظهور أي مطالبات محتملة، لضمان حماية حقوقها.

البنود التعاقدية في مواجهة الأزمات

كما تبرز بنود «القوة القاهرة» كعنصر قانوني يستدعي مراجعة دقيقة؛ فهذه الأحكام بطبيعتها مصممة لمواجهة الظروف الطارئة التي تعوق أحد الأطراف عن الوفاء بالتزاماته. ورغم أن النزاعات المسلحة قد تبدو عذراً منطقياً يندرج تحت هذا المفهوم، إلا أن تفعيل هذا البند يبقى رهناً بصياغة كل اتفاقية ومدى دقتها. فبينما تكتفي بعض العقود بالسماح بتعليق الالتزامات بشكل مؤقت، تذهب عقود أخرى إلى حد إجازة فسخ التعاقد برمته. ولا يتوقف الأمر عند حدود النص، بل يتعداه إلى صرامة الإجراءات؛ فالعديد من العقود تُلزم الأطراف بتوجيه إخطارات رسمية ضمن مهل زمنية قصيرة، وأي تهاون في استيفاء هذه الشروط قد يُجرّد الشركة تماماً من حقها في اللجوء إلى هذا البند.

وكثيراً ما تُفرز الأزمات الجيوسياسية واقعاً جديداً تفرضه حزم العقوبات وقيود التصدير الصارمة، لتُعيد رسم ملامح المشهد التنظيمي والقانوني بشكل متسارع. وأمام هذه التغيرات المتلاحقة، تجد الشركات نفسها ملزمة بإجراء مراجعة شاملة لعقودها وشبكة علاقاتها التجارية، للتأكد من أن مضيها قدماً في الوفاء بالتزاماتها لن يضعها في مرمى المساءلة أو يوقعها في فخ عدم الامتثال. ولا يتوقف هذا الإجراء عند حدود العقد، بل يتطلب تدقيقاً صارماً في هوية الأطراف المتعاقدة، وتتبعاً دقيقاً لبلد المنشأ للسلع والخدمات، مع وضع الاعتبار الكامل للولايات القضائية التي تمر عبرها هذه المعاملات.

وفي خضم هذه التقلبات، يبرز بند التغيير السلبي الجوهري كأداة قانونية بالغة الأهمية، حيث يتيح هذا البند في بعض الحالات لأحد الأطراف تعليق الوفاء بالتزاماته أو إعادة التفاوض على الشروط في حال تدهور الظروف بشكل حاد. إلا أن الاعتماد على هذا البند ليس بالأمر اليسير، فنطاق تطبيقه يختلف بشكل جذري من عقد لآخر. 

إدارة المخاطر وتسوية النزاعات

ختاماً، ينبغي للشركات ألا تغفل عن أهمية مراجعة القوانين الواجبة التطبيق وأحكام تسوية النزاعات الواردة في عقودها؛ فوجود المحاكم أو مقرات التحكيم في بؤر التوتر أو على تماس مع مناطق الاضطرابات، من شأنه أن يحول عملية استصدار أو تنفيذ الأحكام القضائية وقرارات التحكيم إلى متاهة قانونية بالغة التعقيد. وأمام هذا التحدي، تصبح الشركات مطالبة بالبحث بجدية عن مسارات بديلة لتسوية النزاعات، لتكون بمثابة الضمانة الأخيرة لتحصين موقفها وحماية مصالحها التجارية والقانونية.

وحتى في ظل أوقات عدم اليقين، يبقى هناك مبدأ أساسي راسخ لا يحيد: ألا وهو ضرورة التزام الشركات بالحد من الخسائر والتصرف بعقلانية. فمن شأن الحفاظ على قنوات تواصل مفتوحة وموثقة مع الشركاء التعاقديين أن يسهم في حماية العلاقات التجارية والحد من احتمالية نشوب النزاعات القانونية. ومما لا شك فيه أن النزاعات والأزمات تفرض واقعاً ضبابياً، إلا أنها تتيح في الوقت ذاته للشركات التي تبادر بمراجعة عقودها، وفهم التزاماتها، والتفاعل بشكل استباقي مع الأطراف المتعاقدة، فرصةً لتعزيز مرونتها وتجاوز هذه الاضطرابات بثقة أكبر.

 

اقرأ المزيد

alsharq هل تدفع حرب الطاقة دول الخليج للتكامل الاقتصادي؟

ظلت دول الخليج لفترات طويلة عرضة لمخاطر إعاقة الملاحة عبر مضيق هرمز الحيوي الذي تعبر منه معظم وارداتها... اقرأ المزيد

318

| 25 مارس 2026

alsharq قطر.. تستمر الحياة

في ظل تداعيات حرب إيران وما تحمله نشرات الاخبار كل ساعة من توترات متلاحقة تثقل على النفس تفاصيل... اقرأ المزيد

150

| 25 مارس 2026

alsharq خالد بن الوليد والناتو الخليجي

حين استشعر الصحابي خالد بن الوليد في «معركة اليرموك» حجم التهديد الوجودي الذي يواجه الجيش الإسلامي أمام زحف... اقرأ المزيد

204

| 25 مارس 2026

مساحة إعلانية