رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الاستثمارات الخليجية في الخارج

تعتبر عائدات الاستثمارات الخليجية في الخارج أحد أهم مصادر الدخل، حيث فاق حجمها في بعض الأوقات حجم العائدات النفطية في فترات انخفاض أسعار النفط. علما بأن حجمها تذبذب على مدى العقود الثلاثة الماضية، وذك تماشيا مع تقلبات أسواق النفط، إلا أن أشد هذه التذبذبات حدة وخسارة حدث أثناء الأزمة المالية العالمية الأخيرة والتي تكبدت فيها هذه الاستثمارات خسائر كبيرة أدت إلى انخفاض أصولها بنسبة تجاوزت %50 في بعض الحالات. ومع ذلك، فإن تداعيات هذه الأزمة شكلت تجربة غنية للاستثمارات الخليجية في الخارج، خصوصا أن الأزمات رغم عواقبها السلبية بشكل عام، فإنها تتيح فرصا كثيرة يمكن استغلالها لتنويع التوجهات الاستثمارية وتعويض الخسائر، وبالأخص إذا ما امتلك المستثمر ما يسمى بقوة الاحتفاظ بالأصول " holding power " كما هو الحال في حالة دول مجلس التعاون الخليجي بفضل أوضاعها المالية المتنامية. وضمن هذه التجارب العديدة يمكن الإشارة إلى أن أحد أهم الدروس المستخلصة يتمثل في تركيبة أصول هذه الاستثمارات، ففي فترة ما قبل الأزمة تركزت معظم الأصول في القطاع المالي على شكل ودائع وأسهم وسندات ومساهمات في محافظ صناديق التحوط والتي عانت أكثر من غيرها بسبب الأزمة المالية، بل إن بعض هذه الصناديق التحوطية كان طرفا في الأزمة لاعتماده على المضاربة في المشتقات المالية عالية المخاطر. من هنا نجد الانخفاض الكبير في موجودات الاستثمارات الخليجية في الخارج أثناء الأزمة والتي أدت إلى خسارة نصف قيمة هذه الموجودات في بعض الصناديق السيادية في العديد من البلدان، حيث تم استعادة جزء من هذه الخسائر مع تحسن الأوضاع المالية، إلا أن خسائر أخرى، كتلك الناجمة عن انهيار بنك "ليمان براذرز" في بداية الأزمة قد تحولت إلى خسائر حقيقية مع انهيار هذه المؤسسة المالية العريقة. ومع بداية العقد الحالي والمتزامن مع تخطي بعض تداعيات الأزمة المالية التي حدثت في نهاية عام 2008 عمدت دول مجلس التعاون الخليجي ومؤسساتها الاستثمارية الرئيسية، إلى إعادة النظر في خارطتها الاستثمارية حول العالم من الناحيتين الهيكلية والجغرافية. وفي الجانب الهيكلي ارتفعت حصص الاستثمار في قطاعات الاقتصاد الحقيقي وشراء الأصول، بحيث ارتفعت حصة الأصول العقارية في محفظة جهاز أبوظبي للاستثمار على سبيل المثال، وهو أحد أكبر الصناديق السيادية في العالم إلى ما نسبته 10.5% من إجمالي محفظته الاستثمارية وفق تقرير الجهاز لعام 2011. أما جهاز قطر للاستثمار فقد تحول في السنوات الثلاث الماضية إلى أكبر مستثمر أجنبي في قطاع العقارات البريطاني، وذلك بعد أن استحوذ على أصول عقارية مهمة. ونشطت الاستثمارات الخليجية كذلك في مجال البنى التحتية وتجارة التجزئة، كسعي قطر للاستحواذ على سلسلة متاجر "ساينزبري" لتجارة التجزئة في بريطانيا. أما في مجال التنوع الجغرافي، فإن الاستثمارات الخليجية في فترة ما قبل الأزمة تركزت في البلدان الغربية بصورة أساسية، إلا أنها أصبحت أكثر تنوعا جغرافيا من استراتيجياتها السابقة، كزيادة استثماراتها المباشرة في سوق العقارات الهندية. لذلك، فإن الاستثمارات الخارجية الخليجية في فترة ما بعد الأزمة سوف تكون أكثر توازنا وحذرا من الناحيتين الهيكلية والجغرافية، فالبلدان الصاعدة، كالصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا وروسيا والمسمى بمجموعة "بريكس" تتوفر فيها فرص استثمارية كثيرة ومجدية وأقل مخاطرة لاعتمادها على الاستثمار في قطاعات الاقتصاد الحقيقي، على اعتبار أن أسواق البلدان الصاعدة لم تصب حتى الآن بلوثة المضاربة بالمشتقات المالية والتي كانت سببا رئيسيا للأزمة المالية الأخيرة. يتزامن ذلك مع التوقعات التي تشير إلى بقاء أسعار النفط مرتفعة، كما أنها ولأسباب عديدة مرشحة للمزيد من الارتفاع، وذلك إلى جانب زيادة الإنتاج، مما سيوفر لدول المجلس قدرات وفوائض مالية كبيرة للغاية يمكن تسخيرها لزيادة الاستثمارات الخليجية في الداخل والخارج مع الاستفادة من التجربة السابقة بالتركيز على القطاعات الحقيقية والتنوع الجغرافي لتجنب المخاطر قدر الإمكان. لذلك، فإن عائدات الاستثمارات الخليجية الخارجية ستشكل عونا كبيرا لدعم الأوضاع المالية في دول المجلس في حال تراجع أسعار النفط، كما أنها ستسهم في تنويع مصادر الدخل وتدعيم تحقيق الأهداف الإستراتيجية التي تسعى دول مجلس التعاون الخليجي إلى تحقيقها ضمن سعيها المستمر للتأسيس لتنمية مستدامة تتنوع فيها مصادر الإنتاج والدخل، بما فيها عائدات الاستثمارات الخارجية.

375

| 09 سبتمبر 2012

الأهمية الاقتصادية لخط "حبشان - الفجيرة"

افتتح مؤخرا خط "حبشان – الفجيرة" لنقل النفط من حقول الإنتاج في إمارة أبوظبي إلى ميناء التصدير في الفجيرة على خليج عمان، مما يعد خطوة ذات أبعاد إستراتيجية واقتصادية وبيئية مهمة للغاية. ويشكل هذا الخط الممتد لأكثر من 350 كيلومترا من منابع النفط المطلة على الخليج العربي إلى إمارة الفجيرة نقلة نوعية في صناعة النفط الإماراتية، إذ إنه لأول مرة ستتمكن دولة الإمارات من تصدير ما نسبته 1.5 مليون برميل يوميا، وهو ما يشكل أكثر من 50% من إنتاج النفط في الدولة من خلال هذا الأنبوب ودون المرور بمضيق هرمز الذي تحيطه به المخاطر من كل جانب ويمر من خلاله 30% تقريبا من صادرات النفط الخام في العالم. ومن الناحية الإستراتيجية، فإن ذلك سيجنب دولة الإمارات خطر وقف صادراتها من النفط في حالة إغلاق مضيق هرمز والذي تهدد إيران باستمرار بإغلاقه، وبالأخص بعد أن دخل حيز التنفيذ قرار الاتحاد الأوروبي بمقاطعة النفط الإيراني اعتبارا من بداية شهر يوليو الجاري، حيث أطلقت إيران مؤخرا تهديدات جديدة بإغلاق المضيق إذا ما تأثرت بهذه المقاطعة، وذلك من منطلق وقف ليس صادرات إيران فحسب، وإنما وقف صادرات دول الخليج لمعاقبة الغرب والإضرار باقتصاداته وخلق أزمة لا يمكن للاقتصاد العالمي تحملها في ظل أزماته الحالية. وفي هذا الصدد تقدم مجموعة من النواب بمشروع للبرلمان الإيراني يحث الحكومة على العمل لمنع مرور شحنات النفط الخام من مضيق هرمز إلى الدول التي تدعم العقوبات المفروضة على إيران، حيث سيؤدي تجاوز مضيق هرمز وتقليل أهميته الإستراتيجية إلى انتزاع ورقة ضغط قوية من طهران التي تسيء استغلالها في الوقت الحاضر. وسيتيح افتتاح خط حبشان الفجيرة تدفق معظم صادرات النفط الإماراتية، وذلك بغض النظر عن التهديدات المحيطة بمضيق هرمز، مما يشكل أهمية كبيرة ليس للاقتصاد الإماراتي فحسب، وإنما لاستقرار إمدادات الطاقة في العالم ككل والتي تشكل ضرورة موضوعية للنمو العالمي، كما أن مركز التصدير الجديد سيمنح الإمارات استقلالية شبه تامة عن مضيق هرمز، مما يضيف لصادراتها من النفط مرونة كبيرة، وهو تطور مهم لصناعة النفط الإماراتية. وفي هذا الجانب أيضاً يتوقع أن تنخفض تكاليف نقل النفط الإماراتي، وكذلك تكاليف التأمين المرتفعة في منطقة الخليج بسبب زيادة المخاطر، مما يمنح النفط المصدر من الدولة أفضليات تسويقية ويزيد من منافسته في الأسواق العالمية، ذلك ليس بسبب تكاليف النقل والتامين فحسب، وإنما بسبب ضمان الإمدادات أيضا، مما سيكسب شركات النفط الوطنية المزيد من الثقة في تعاملاتها مع شركائها الدوليين. أما من الناحية البيئية، فإن خط حبشان الفجيرة سيقدم خدمة كبيرة للمحافظة على البيئة في منطقة الخليج التي تعبر مياهها مئات الناقلات والسفن التجارية يوميا، مما حولها إلى أكثر بحار العالم تلوثا، علما بأن عددا من هذه الناقلات يقوم برمي مخلفات خزاناته في مياه الخليج، مما يزيد من عملية التلوث المضرة بالبيئة وبالكائنات البحرية التي تشكل مصدرا مهما للغذاء لسكان المنطقة. لذلك، فإن افتتاح الخط الجديد يعني انخفاض عدد ناقلات النفط الداخلة للخليج العربي من مضيق هرمز، وبالتالي التقليل من التلوث الناجم عن مخلفات هذه الناقلات، في الوقت الذي لا يشكل فيه نقل النفط عن طريق الأنابيب تهديدا ذات أهمية للحياة الفطرية في الصحراء، كما أن التلوث الناجم عن ذلك لا يذكر، مقارنة بالمكاسب المتحققة من عملية التشغيل. وإذا كانت هذه بعض الانعكاسات الإستراتيجية والاقتصادية والبيئية لخط حبشان – الفجيرة، فإن مثل هذا التوجه لابد وأن يكتسي بعدا خليجيا استراتيجيا بعيد المدى يرمي إلى ضرورة التنسيق بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية لاستغلال الموقع المميز لكل من دولة الإمارات وسلطنة عمان لمد المزيد من خطوط نقل النفط الخليجي إلى موانئ التصدير الواقعة على خليج عمان لتبقى في مأمن من التهديدات الخاصة بمضيق هرمز وللاستفادة من الإيجابيات العديدة التي يمكن جنيها من خلال وجود شبكة خليجية متكاملة لنقل النفط والغاز. وإذا ما استثنينا المملكة العربية السعودية التي تملك خطوطا لنقل النفط ممتدة من منطقة الخليج إلى البحر الأحمر ومتجاوزة مضيق هرمز، فإن ثلاث من دول المجلس، هي الكويت وقطر والبحرين تعتمد بشكل كامل في صادراتها على المرور من خلال هذا المضيق، وذلك بالإضافة إلى الجزء الأكبر من صادرات النفط السعودية، مما يحمل معه الكثير من المخاطر وعدم الاستقرار. والحال، فإن التجربة الإماراتية ستتلمس دول المجلس مجتمعة مدى أهميتها الإستراتيجية والاقتصادية، مما قد يدفع باتجاه تبني هذه التجربة واعتبارها أرضية قوية لربط خط نقل أنابيب النفط من حبشان بأبوظبي إلى الفجيرة بخطوط أخرى قادمة من دول مجلس التعاون الخليجي، مما سيشكل نقلة نوعية ليس لصناعة النفط الخليجية وحدها، وإنما للتعاون والتكامل الخليجي ولاستقرار الاقتصادات الخليجية والتي أصبحت مركز اهتمام عالمي لما تتمتع به من قدرات مالية كبيرة.

859

| 01 سبتمبر 2012

التنمية وتقنيات التعليم في دول التعاون

إذا ما نظرنا إلى البلدان التي حققت نقلات تنموية نوعية في السنوات الماضية وانتقلت من خانة البلدان النامية إلى البلدان الصاعدة، وبالأخص كوريا الجنوبية وتركيا والهند، فإننا سنجد ببساطة أن ذلك تحقق أساسا بفضل اهتمامهم بالتعليم ومجاراته للتقدم التقني الذي يمنح العديد من الأفضليات مقارنة بالبلدان الأخرى. واهتمت دول مجلس التعاون الخليجي بالتعليم منذ البداية واستثمرت في ذلك أموال طائلة، ولم يقتصر هذا الاهتمام على أبناء دول المجلس، وإنما شمل أبناء العاملين الوافدين، حيث استحوذت موازنات وزارات التربية والتعليم العالي على نسبة كبيرة من الموازنات السنوية العامة في دول المجلس تراوحت ما بين 20-23% في المتوسط من حجم هذه الموازنات، مما أسهم في تطور التعليم وإتاحته للجميع، بما في ذلك غير القادرين على تحمل نفقاته الباهظة. وفي الوقت نفسه تحولت دولتا الإمارات وقطر إلى مراكز استقطاب لجامعات عالمية عريقة وتحتل المراكز الأولى ضمن التصنيف العالمي للجامعات، مما يبشر بتقدم مستوى التعليم الجامعي وما قد يتبعه من تطوير لمراكز الأبحاث والابتكار والتي مازالت في مراحلها الأولى في دول المجلس. أما التعليم الأساسي والثانوي، فإنه بحاجة لنقلة تشبه النقلة التي حققها التعليم العالي بفضل تطوير الجامعات الوطنية وفتح فروع للجامعات الأجنبية، إذ مازال هذا التعليم يعتمد على الكتاب المدرسي وأساليب التعليم التقليدية في معظم جوانبه، في حين أن مرحلة التنمية في دول المجلس تتطلب إدخال التقنيات الحديثة للتعليم الأساسي والثانوي، ليس من خلال وجود حصص دراسية لتعليم الكمبيوتر فقط، وإنما من خلال نشر ثقافة التقنيات الحديثة وتوفير الأجهزة التقنية التي تتيح للطالب التواصل مع العالم والبحث عن البيانات والمعلومات العلمية ودخول مكتبات العالم من خلال الكتاب المدرسي الإلكتروني المتقدم. هذا ما تحاول تركيا والهند تطبيقه خلال السنوات القادمة، حيث أنشأت الهند معامل لإنتاج اللواح الكمبيوتر أو الكتاب المدرسي الإلكتروني وتوزيعها على المدارس إما بالمجان أو بأسعار زهيدة، في الوقت الذي قررت تركيا استثمار 11 مليار دولار لتوفير الكتاب الإلكتروني لكافة طلبة المدارس التركية في السنوات القليلة القادمة، أما كوريا الجنوبية، فقد سبقت هاتين الدولتين، ففي المدارس الكورية يحصل كل طالب على هذا الجهاز والذي يحتفظ به في خزائن مدرسية مخصصة لذلك وتقوم بشحنها بالطاقة اللازمة استعدادا لاستخدامها في اليوم التالي، وذلك إضافة إلى وجود أجهزة مماثلة خاصة بالدروس الإضافية للمحتاجين إليها. لذلك تتقدم هذه البلدان الثلاثة بسرعة كبيرة في مجال التقنيات الحديثة وتحقق معدلات نمو اقتصادي واجتماعي كبيرة وغير مسبوقة، بل إن أجهزة "سامسونج" الكورية تجاوزت مبيعاتها مثيلاتها من أجهزة " آي فون وآي باد" الأمريكية لما تتميز به من أفضليات ودرت على الاقتصاد الكوري في النصف الأول من العام الجاري 6 مليارات دولار، كأرباح، وذلك عدا أشكال القيمة المضافة الأخرى التي دعمت الاقتصاد الكوري ونموه السريع. مثل هذه النقلة أصبحت ضرورية للتعليم الخليجي وللاقتصادات الخليجية، خصوصا وأن ارتفاع أسعار النفط ووجود فوائض مالية تتيح تنفيذ مثل هذا المشروع الذي سيشكل نقلة نوعية في التعليم في دول المجلس، ويبدو أن دولتي الإمارات وقطر وربما البحرين الأكثر قدرة على تنفيذ هذا المشروع الطموح، وذلك بفضل انفتاح مؤسساتها التعليمية والمرونة التي تتعامل بها القيادة مع كافة التغيرات الجارية في العالم. أما الكويت، فإن مجلس الأمة يقف (البرلمان) بالمرصاد لعرقلة أي توجه يرمي للتقدم الاقتصادي أو التعليمي، حيث تم منع إدخال اللواح الكمبيوتر " آي باد وكلاكسي" للمدارس مؤخرا، وكأن من اتخذ هذا القرار يعيش في عالم آخر، أما في السعودية، فإن سيطرة المحافظين على مؤسسات التعليم ربما تؤخر هذه النقلة النوعية والتي أصبحت ملحة وضرورية ولا يمكن الحديث عن التقدم الاقتصادي والاجتماعي من دونها. ولحسن الحظ، فإن الترابط الوثيق بين دول المجلس ووجود لجنة وزارية مشتركة للتعليم يتيح إحداث هذه النقلة في كافة دول المجلس متى ما بادرت إحداها إلى تبنيها وتطبيقها في مدارسها، إذ إن عملية التطبيق الجماعية حتى وإن كانت على فترات بين دول المجلس ستتيح بدورها إقامة مؤسسات لإنتاج أجهزة التقنيات الحديثة، مما سيؤدي إلى تكامل هذه العملية التعليمية والتقنية ويزيد من انعكاساتها الإيجابية الكبيرة على التنمية في دول المجلس.

296

| 26 أغسطس 2012

تصحيح ثقافة الاستهلاك

بالإضافة إلى الجوانب الدينية والروحية لشهر رمضان المبارك، فإن هناك جوانب اقتصادية كبيرة لها انعكاسات على حياة الناس المعيشية وترتبط بالإنفاق والاستهلاك وما يترتب عليهما من تأثيرات على المؤشرات الاقتصادية العامة، بما فيها العرض والطلب ومستويات الأسعار، وبالأخص في تلك البلدان، كالبلدان العربية التي تعتمد بصورة شبه تامة على الواردات في تلبية احتياجاتها من المواد الغذائية. أما وقد انقضى هذا الشهر الفضيل وبسرعة، كما هي العادة مع الأوقات الجميلة وأهلّ العيد المبارك، فإن مراجعة العديد من الممارسات الاتفاقية والاستهلاكية تشكل ضرورة موضوعية في ظل عالم يموج بالأزمات والنقص في الإنتاج الزراعي وارتفاع الأسعار، سواء نتيجة لاحتكار تجارة بعض السلع أو بسبب التغيرات المناخية والتي أضرت بالمحاصيل الزراعية. لذلك، فإن الاستمرار في الممارسات الاستهلاكية الخاطئة في ظل هذه الظروف والأزمات سيضاعف من الخسائر الاقتصادية وستكون له انعكاسات على مجمل الأوضاع الاقتصادية ومؤشراتها، كالخلل الذي يمكن أن يصيب الميزان التجاري والادخار وما يمثله من أهمية للتنمية الاقتصادية. وعلى العكس من الجوانب السامية للصيام والتي يفترض معها التقليل من معدل الاستهلاك ومساعدة المحتاجين، فإنه يلاحظ ارتفاع هذا المعدل الاستهلاكي بصورة جنونية، خصوصا الأغذية في شهر رمضان، علما بأن جزءا كبيرا من الأغذية يجد طريقه لسلال النفايات، مما لا يستقيم وتعاليم شهر رمضان المبارك. ومرة أخرى لندع الأرقام تتحدث، فمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة "الفاو" قدرت ظاهرة الهدر الغذائي العالمي بـ 1.3 مليار طن بقيمة تتجاوز التريليون دولار في عام 2011، حيث تستحوذ البلدان العربية والخليجية على جزء مهم من هذا الهدر، إذ يصل معدل النفايات اليومي للفرد في البلدان الغنية إلى 2 كيلو غرام، وهو ما يشكل عشرة أضعاف معدله في البلدان الفقيرة والبالغ 200 غرام للفرد الواحد. وفي هذا الصدد يمكن القول إن الوقت قد حان لتفعل الحكومات سياسات ترشيد الاستهلاك، على اعتبار أن الاحتياطيات المالية الضخمة للبلدان الخليجية والناجمة عن ارتفاع أسعار النفط لا يمكن أن تضمن على المدى الطويل الأمن الغذائي الذي تستغله بعض الأطراف الدولية للابتزاز السياسي، وبالأخص من قبل المصدرين للمواد الغذائية. ويتحمل المستهلك الفرد القدر الأكبر من هذا الهدر، حيث يمكن في هذا الجانب الاقتداء بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عندما مر برجل يتوضأ، فقال له اقتصد في الماء، فرد الرجل بأن الماء وفير يا رسول الله، فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم: حتى وإن كنت عند نهر جار. حيث تحمل هذه الرواية الكثير من المعاني والحكم والتعاليم التي توضح الاستهلاك العقلاني والمحافظة على الموارد والنعم وحفظها للأجيال القادمة التي تملك نصيبا فيها. وهنا دعونا نتساءل ماذا يعني التريليون أو الألف مليار دولار التي هدرت في العام الماضي من جراء الاستهلاك غير الرشيد؟ إن ذلك يعني من ضمن أمور عديدة توفير الغذاء لكافة الجائعين في العالم والذين يموت الكثير منهم، وبالأخص الأطفال بسبب الجوع وسوء التغذية، كما أن ذلك يعني إقامة آلاف المشاريع التنموية وتوفير ملايين فرص العمل للعاطلين والمساهمة في الحد من تدهور الأراضي الزراعية والتخفيف من التغيرات المناخية الضارة. أما في البلدان المستوردة للغذاء، كالبلدان العربية، فإن ذلك يعني تقليل الضغوط على الميزان التجاري والذي يعاني من العجز في العديد من هذه البلدان، في الوقت الذي يساهم ذلك في البلدان الغنية، في زيادة الادخار وتوظيف المدخرات لإقامة المزيد من المشاريع التنموية التي يمكن أن تساهم في تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على الثروة النفطية الناضبة ويجنبها الابتزاز السياسي ويقلل من الضغوط التي تواجهها بسبب المضاربات على أسعار المواد الغذائية في أسواق السلع العالمية. هذا جزء فقط من الصورة الخاصة بالإسراف في الاستهلاك، خصوصا في شهر رمضان المبارك، أما الصورة الشاملة، فإنها أكثر خطورة وسوداوية من الناحيتين الاقتصادية والأمنية الغذائية، مما يتطلب دراسة هذه الظاهرة ونشر ثقافة جديدة للاستهلاك ترمي إلى مساهمة أفراد المجتمع في الحد من الإهدار، سواء في استهلاك الغذاء أو الموارد الضرورية الأخرى، كالطاقة والمياه. والحال، فإن نجاح ثقافة الاستهلاك الواعي سيكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية كبيرة، علما بأن هذه المسؤولية لا تقع على عاتق جهة دون غيرها، إذ إن ثقافة الاستهلاك العقلاني هي مسؤولية تشمل المؤسسات الرسمية والخاصة ومؤسسات المجتمع المدني والتربية الأسرية، حيث ستنعكس نتائجها الإيجابية على أفراد المجتمع ككل وعلى اقتصادات الدول، مع تمنياتنا للجميع بعيد سعيد وصحة دائمة وعالم يسوده الوئام والسلام والتنمية المستدامة لما فيه خير الجميع.

1272

| 19 أغسطس 2012

قراءات خاطئة في الاقتصاد !

عادة ما تؤدي القراءات الخاطئة في الاقتصاد والسياسة إلى خسائر جسيمة لا يمكن إصلاحها بسهولة، ففي الوقت الحاضر تتسارع التغيرات الاقتصادية والسياسية، بحيث لا تتيح للكثير من البلدان، وبالأخص في العالم النامي قراءات هذه التطورات بصورة صحيحة. لقد أشرنا مرارا إلى تغير موازين القوى الهائل الذي طرأ في مجال الطاقة، وذلك منذ أن تأسست وكالة الطاقة الدولية في منتصف السبعينيات والمعبرة عن مصالح البلدان المستهلكة للنفط والهادفة إلى تقليل اعتمادها على مصادر النفط المستورد إلى حدها الأدنى عن طريق إجراءات وبدائل حددت مسبقا. في الأسبوع الماضي استغرب الرئيس أحمدي نجاد من الكيفية التي استطاع بها الغرب التخلي عن النفط الإيراني الذي هو بحاجة إليه، كما ذكر، مضيفا أن الأغرب من ذلك أن أسعار النفط انخفضت في ظل مقاطعة النفط الإيراني، بدلا من أن ترتفع! ملقيا باللوم على الاستكبار العالمي، أي الولايات المتحدة والغرب بشكل عام. والنتيجة خسائر تقدر بـ 133 مليون دولار يوميا لقطاع النفط الإيراني على شكل مبيعات نفط ضائعة، وتدهور اقتصادي وارتفاع في معدلات البطالة، في حين ذكر رجال أعمال إيرانيون، بمن فيهم بعض تجار البازار المتذمرين والذين وقفوا مع الثورة في بدايتها أن العقوبات المفروضة تلقي عبئا ثقيلا على الأعمال التجارية غير المرتبطة بالبرنامج النووي أو بالنظام الحاكم. في ظل هذه الأوضاع قدمت قراءة خاطئة أخرى تدعو الإيرانيين إلى زيادة النسل لرفع عدد السكان من 70 مليون نسمة تقريبا في الوقت الحاضر إلى 200 مليون نسمة، وذلك في ظل ارتفاع معدلات البطالة وهجرة ملايين الإيرانيين للبحث عن عمل، وبالأخص في دول مجلس التعاون الخليجي الست القريبة جغرافيا. أما من يقرأ التطورات الجارية بصورة صحيحة، فإنه لا يستغرب أبداً حدوث هذه التطورات في صناعة الطاقة العالمية، وذلك لأسباب عديدة سبق وأن تطرقنا إليها في هذه المساحة، إذ إن مثل هذه الوضعية في سوق الطاقة جرى التحضير لها منذ أكثر من ثلاثة عقود وتسرعت وتيرتها بعد سقوط نظام الشاه واندلاع أكثر من حرب في منطقة الخليج العربي. الأمر الجدير بالذكر والذي يمكننا الإشارة إليه هو أن هذا التوجه الغربي سوف يستمر وإليكم بعض المؤشرات، فصحيفة "وول استريت جورنال" أشارت قبل شهر إلى توقع محللين في إدارة معلومات الطاقة" الأمريكية تراجع اعتماد الولايات المتحدة على النفط الخام الشرق أوسطي إلى النصف بنهاية العقد الحالي، وأن يتوقف الاعتماد عليه نهائيا بحلول عام 2035 على اعتبار أن نصف النفط الخام الذي تستهلكه أمريكا سيتم إنتاجه محليا بحلول عام 2020 وذلك بسبب التقدم التكنولوجي الذي سيساعد على الكشف عن مصادر نفطية جديدة داخل أمريكا من خلال التنقيب عن النفط في المحيطات، بحيث ستستعيد الولايات المتحدة موقعها ضمن أوائل البلدان المنتجة للنفط والغاز. أما أستراليا، فإنه من المرجح أن تصبح أول منتج للغاز الطبيعي المسال في العالم لتحل محل قطر بحلول عام 2020 وذلك نظرا لامتلاكها احتياطيا هائلا سيدوم لأكثر من قرن من الزمن، علما بأن استثمارات أجنبية كبيرة بدأت في التدفق لتطوير مصادر الغاز الأسترالية لبناء 7 من أكبر مشاريع إنتاج الغاز المسال في العالم. مجمل هذه التطورات وغيرها، بما في ذلك تطوير أوروبا لمصادر الطاقة البديلة لم تأخذها إيران بعين الاعتبار، علما بأنها مستمرة في التخلي عن سياسة الرئيس السابق السيد خاتمي العقلانية الرامية إلى إقامة علاقات حسن الجوار مع بلدان العالم، وبالأخص مع دول منطقة الخليج التي تبادل إيران باستمرار التعاون والصداقة والتي كان آخرها دعوة سمو الشيخ عبدالله بن زايد وزير الخارجية. في المقابل قرأت دول مجلس التعاون مجمل هذه التطورات بصورة صحيحة فعمدت إلى تطوير قطاعاتها غير النفطية وتنمية مصادر الطاقة البديلة، وبالأخص الشمسية منها، حيث تستثمر دول المجلس مجتمعة أكثر من 200 مليار دولار في إنتاج الطاقة الشمسية، منها 109 مليارات للسعودية و62 مليار دولار للإمارات. وبالإضافة إلى هذه القراءة الصحيحة، يمكن لدول المجلس مواصلة قراءة بقية تداعيات التغيرات المرتقبة في صناعة الطاقة العالمية، بما فيها تكاملها وتحالفاتها وعلاقاتها الإستراتيجية، إذ إنه بعد عقدين من الزمن سوف ينخفض كثيرا اعتماد الغرب على النفط والغاز المستورد من دول الخليج العربية، وهنا بالذات لا بد من التركيز على توجهين رئيسيين، أولهما يكمن في تعزيز التعاون والهوية الخليجية بالمزيد من التكامل والاعتماد على القوة الذاتية لحماية مكتسبات دول المجلس. أما العامل الثاني، فإنه يكمن في إعادة ترتيب تحالفات دول المجلس لتتناسب وتبادل المصالح وحفظ وسلامة دول الخليج العربية في ظل التغيرات العالمية والإقليمية المتسارعة وإيجاد التوازن المطلوب بين ضفتي الخليج العربي.

380

| 12 أغسطس 2012

تعاون قطاع الأعمال...لا المواجهة

بعد ثلاث سنوات من مواجهة ساخنة تزعمتها بعض شركات الطيران الأوروبية والكندية وشركة طيران "كوانتاس" الأسترالية ضد شركات الطيران في دولة الإمارات وقطر واتهامها بأنها تعمد إلى سياسة حرق الأسعار بفضل الدعم الذي تتلقاه من حكوماتها، عادت هذه الشركات لتطرح وجهة نظر عملية وموضوعية تتعلق بالتعاون مع شركات الطيران الخليجية. لقد وصلت هذه الحملة ذروتها عندما اتهم أحد المسؤولين الألمان دول مجلس التعاون الخليجي، قائلا "إنهم يجيدون فقط استخدام أموال النفط لإقامة شركات طيران في الصحراء"، إذ يبدو أنه لم يقم بزيارة أي من دول المجلس ليرى المدن الحديثة التي تضاهي المدن الأوروبية من كافة النواحي، ومع أنه اعتذر لاحقا عن هذا التصريح والذي يعبر عن مدى انزعاج الشركات الغربية من النجاح الذي حققته طيران الإمارات والاتحاد والقطرية على المستوى العالمي. التوجه الجديد من قبل شركة "كوانتاس" التي كانت الأكثر انتقادا للشركات الخليجية، والرامي إلى التعاون مع طيران الإمارات بشأن إقامة تحالف وفق صحيفة "فايننشال ريفيو الأسترالية" سيتيح لشركة الطيران الأسترالية التي تتكبد خسائر مستمرة الوصول إلى عدد أكبر من المدن والاستفادة من مركز عمليات طيران الإمارات في الشرق الأوسط. ومع أن هذا التعاون إذا ما تم لا يعني الاستحواذ، كما أكد سمو الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم الرئيس الأعلى لطيران الإمارات، إلا أنه في الوقت نفسه سبق لشركات الطيران الخليجية أن استحوذت في السنوات القليلة الماضية على نسب مهمة من حصص شركات طيران أوروبية، كمساهمة الاتحاد في طيران برلين والتي تعتبر ثالث أكبر شركة طيران في أوروبا، حيث أتاح ذلك للشركة الألمانية الاستفادة من موقع أبوظبي لزيادة عدد الركاب من ألمانيا وأوروبا إلى شرق آسيا، كما أن الاتحاد تساهم في شركة طيران سيشل، مما يعزز من مواقع شركات الطيران الخليجية في حركة النقل الجوي الدولية. مثل هذا التوجه التعاوني من قبل الشركات الغربية والأسترالية يعتبر توجها عقلانيا ويعبر عن التغيرات التي تجتاح قطاع الطيران والنقل الجوي في العالم، فالشركات في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط تنمو بمعدلات كبيرة بلغت 16.5% في الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري 2012، وهو أعلى معدل نمو في العالم وفق المدير العام للاتحاد الدولي للنقل الجوي "توني تايلر"، مقابل 5.6 في أوروبا و1.3 في الولايات المتحدة الأمريكية. وعودة للتعاون المرتقب بين "كوانتاس" والإمارات، فإن ذلك سيتيح إمكانات كبيرة للشركتين، حيث يمكن لطيران الإمارات التوسع في السوق الأسترالية بعد قرارها فتح محطتها الخامسة في مدينة "أديلايد"، كما أن الشركة الأسترالية سوف تتمكن من نقل محطة عبورها إلى أوروبا من سنغافورة إلى دبي، مما يفتح أمامها الاستفادة من النمو الكبير لحركة النقل الجوي في المنطقة، إذ يمكن لهذا التعاون أن يشكل درسا للحكومة الكندية التي ما زالت تفرض قيودا مشددة أمام شركات الطيران الخليجية للتوسع في كندا. ويؤسس مثل هذا التوجه الجديد لعلاقات طبيعية تخدم كافة الأطراف، فالنجاح الذي حققته شركات الإمارات وقطر لا يعتمد على الدعم الحكومي وحده، كما روجت الشركات المنافسة، وإنما هناك تسخير لفرص فرضتها عوامل لوجستية وجغرافية وسياسات اقتصادية صحيحة حولت شركات الطيران في الدولتين إلى أكثر شركات الطيران نموا وربحية في العالم. وكدليل على هذا التقدم، فإن قطاع الطيران والسياحة يشكل في الوقت الحاضر نسبة كبيرة من الناتج المحلي للدولتين الخليجيتين، ففي دولة الإمارات يساهم هذا القطاع بنسبة 15% من الناتج المحلي في الوقت الحاضر، مقابل نسبة لا تتعدى 7% قبل عشر سنوات، مما يعد إنجازا على طريق تنويع مصادر الدخل الوطني. لقد أضحى الطابع المعلوم لنشاط الشركات، بما فيها شركات الطيران أمر من الصعب إيقافه أو عرقلته لأنه باختصار يملك قوة دفع تجارية كبيرة، كما أنه يصب لصالح المستهلك والمسافر، إذ يمكن في هذا الجانب ملاحظة عدد المسافرين المستخدمين لخدمات الشركات الخليجية في تنقلاتهم بين الأمريكيتين وأوروبا من جهة وآسيا وأستراليا من جهة أخرى. من هنا، فإن شركات الطيران الغربية والأسترالية يمكنها الاستفادة من الموقع الإستراتيجي للمطارات الخليجية وتعزيز التعاون مع شركات الطيران في دول مجلس التعاون، وذلك بدلا من المواجهة السابقة والتي لم تحقق النتائج المرجوة ويمكن أن تسبب أضرارا غير محسوبة في ظل العولمة وانفتاح الأسواق والأجواء أمام حركة التجارة والأعمال في العالم.

320

| 05 أغسطس 2012

مخاطر المبالغة في ارتفاع أسعار النفط

يشوب صناعة وأسعار النفط الكثير من الغموض الذي يؤدي إلى تحول الكثير من التحليلات والتوقعات إلى مجرد آراء، إما أنها لا تستند على بيانات أو وقائع موضوعية، أو أنها تتأثر بصورة كبيرة بالأحداث السياسية والأمنية المحيطة بمنطقة الخليج العربي والتي تعتبر أكبر منجم للذهب الأسود. وبما أن تأثيرات أسعار النفط كبيرة وحاسمة للاقتصادات الخليجية، فإنه يمكن ملاحظة التفاوتات الكبيرة خلال فترات زمنية قصيرة نسبيا للمؤشرات الاقتصادية الخليجية الخاصة بالنمو وحجم الناتج المحلي وفائض الميزان التجاري وغيرها من المؤشرات المهمة. في السابق كان منتجو ومصدرو النفط في العالم يبتهجون مع أي ارتفاع للأسعار، إلا أن ارتفاعها مؤخرا بصورة جنونية أوجد حالة من التشويش المبهم عند البلدان المصدرة والتي فوجئت بالعائدات القياسية وبتكدس هذه العائدات دون وجود منافذ استثمارية مناسبة لتوظيفها، مما حدا بمعمر القذافي قبل رحيله إلى اتخاذ قرار بتوزيع جزء من هذه العائدات على الليبيين. ومع أنه لم يفِ بوعده ولم يقم بتوزيع شيء، إلا أن هذا القرار رغم حماقته، فإنه يعبر عن الاستخفاف بما توفره الثروة النفطية من فرص تاريخية لا تتكرر لتنمية ليبيا. من جهتها لمست البلدان المعتدلة خطورة المبالغة في ارتفاع أسعار النفط وانعكاساتها السلبية على الاقتصاد العالمي، وبالأخص في ظل الأزمة التي تعصف باقتصادات العالم، بما فيها البلدان الرئيسة المستهلكة للنفط، حيث تشمل هذه الانعكاسات البلدان المصدرة ذاتها، كيف؟ كما أشرنا آنفا، فإنه في الوقت الذي تضاعفت فيه عائدات النفط، فقد تضاعفت أيضاً معدلات التضخم وبالتالي الأسعار دون سند موضوعي لتتجاوز مستوى الارتفاعات في أسواق السلع الدولية، حيث لم تستطع زيادة الرواتب في معظم البلدان النفطية سد الفجوة ما بين ارتفاع الأجور وزيادة تكاليف المعيشة الناجمة عن التضخم، خصوصا في ظل غياب رقابة مقننة على أسعار السلع والخدمات. لقد أوجد ذلك نوعا من الفوضى السعرية التي أثرت سلبا على مستويات المعيشة وأضحت العديد من السلع والخدمات الضرورية، بما فيها الإسكانية بعيدة عن قدرات فئات اجتماعية واسعة، أما بعض أنواع السلع والخدمات، كالخدمات الصحية، فقد انتقلت أسواقها إلى البلدان الأقل كلفة، وذلك بسبب الارتفاع الخيالي في أسعارها في البلدان النفطية. من هنا تحاول العديد من البلدان المنتجة للنفط، بما فيها دول مجلس التعاون الخليجي كبح جماح ارتفاع الأسعار لتبقى عند الأسعار العادلة التي تساعد على عودة الانتعاش للاقتصاد العالمي المتضرر من الأزمة من جهة، وحرصا منها على استقرار أوضاعها الاقتصادية وتلبية احتياجاتها التنموية من جهة أخرى، مع التدرج في التوجهات الرامية إلى تطوير مصادر بديلة للنفط والتي أضحى العديد منها ذا جدوى اقتصادية بعد تضاعف الأسعار وتجاوزها في بعض الفترات لحاجز 140 دولارا للبرميل. ويعتبر سعر البرميل الذي يتراوح ما بين 90 إلى 100 دولار سعرا عادلا في الوقت الحاضر، وهو يتناسب والأوضاع الاقتصادية الدولية ويتيح المساهمة في إمكانية انتعاشها من جديد، كما أن ذلك يلبي الاحتياجات التنموية للبلدان المصدرة للنفط ويضع العديد من المؤشرات السلبية، كالتضخم المفرط تحت السيطرة. المشكلة أن هناك بلدانا في منظمة الأوبك تسعى إلى رفع أسعار النفط لتصل إلى مستويات قياسية جديدة، والحديث هنا يدور حول 200 دولار للبرميل، مما سيشكل كارثة للاقتصاد العالمي في ظل الأزمات الحالية، إلا أن ما يدفع هذه البلدان في هذا الاتجاه كونها تعاني نفسها من مصاعب اقتصادية وتحاول حلها من خلال زيادة عائداتها من النفط. والحقيقة أن إيجاد حلول لهذه المصاعب لا يتوقف على العائدات النفطية وحدها، وإنما يرتبط بمجمل السياسات الاقتصادية في هذا البلد أو ذاك، فعسكرة المجتمع وتخصيص موارد كبيرة لقطاعات غير إنتاجية وزيادة الالتزامات الخارجية يمكن أن تلتهم جزءا كبيرا من عائدات هذه البلدان. وفي كل الأحوال، فإن أسعار النفط لم يعد تحديدها مقتصرا على البلدان المصدرة وحدها، وإنما هناك تأثيرات للبلدان المستهلكة والتي يبدو أنها تحاول بدورها إيجاد نوع من الاستقرار في أسواق النفط العالمية، وهي بذلك تتفق مع معظم البلدان الرئيسة المصدرة، مما يعني المزيد من الاستقرار لاقتصادات المجموعتين وللاقتصاد العالمي ككل.

2961

| 30 يوليو 2012

أداء الصناديق السيادية الخليجية

بعد أربع سنوات تقريبا من انهيار بنك "ليمان برذرز" والذي شكل بداية الأزمة المالية العالمية وتكبد مؤسسات وبلدان العالم، بما فيها الصناديق السيادية لخسائر جسيمة، تمكنت معظم هذه الصناديق، وبالأخص الخليجية منها من لملمة خسائرها والانطلاق من جديد للاستفادة من الفرص التي توفرها الأزمة رغم عواقبها المؤلمة، حيث أضحت هذه الصناديق في فترة ما بعد الأزمة أكثر توازنا في توجهاتها الاستثمارية حول العالم. وفي الوقت نفسه شكلت الأزمة تجربة غنية للصناديق السيادية في دول مجلس التعاون الخليجي والتي استعادت جزءا كبيرا من خسائرها الدفترية، في حين تبخرت خسائر أخرى، إما بفعل انهيار بعض المؤسسات المالية الكبيرة في الولايات المتحدة وبلدان الاتحاد الأوروبي، وإما بسبب كثافة الاستثمار في صناديق التحوط عالية المخاطر. وضمن الاستفادة من هذه التجارب، تأتي عملية زيادة التنوع في الاستثمارات الخارجية للصناديق السيادية الخليجية، ليس من خلال التنوع الاستثماري القطاعي فحسب، وإنما من خلال إعادة التوزيع الجغرافي لهذه الاستثمارات. وإذا ما تناولنا التقرير السنوي الأخير لصندوق أبوظبي للاستثمار والذي يعتبر أحد أكبر الصناديق السيادية في العالم وأكثرها شفافية بفضل تقريره السنوي، فإننا سنرى حدوث تنوع مهم خلال السنوات الأربع الماضية من الناحيتين القطاعية والجغرافية، حيث ارتفعت الاستثمارات في اقتصادات البلدان الصاعدة، كالصين والهند، كما ازدادت الاستثمارات في القطاع العقاري لتصل إلى ما نسبته 11%. أما الصندوق السيادي القطري، فقد تحول في غضون السنوات القليلة الماضية إلى أكبر مستثمر عقاري في السوق البريطانية، وبالأخص بعد أن قام بشراء متاجر "هارودز" الشهيرة وسط العاصمة البريطانية لندن. في الوقت الذي ارتفعت فيه موجودات "سامبا" السعودية إلى 2.1 تريليون ريال (560 مليار دولار) تقريبا. وفي دولة الكويت وجه المزيد من الاهتمام للتنوع القطاعي، إذ تم تأسيس شراكة كويتية صينية لإقامة مشاريع بتروكيماوية في الصين بتكلفة 9 مليارات دولار، في حين حقق الصندوق العماني مكاسب مهمة من خلال استثماراته في شرق آسيا. الاستثناء في هذا الجانب يخص "ممتلكات" الصندوق السيادي لمملكة البحرين والذي تتوالى خسائرها السنوية لتبلغ رقما قياسيا في العام الماضي 2011 يصل إلى 717.6 مليون دولار بزيادة قدرها 15.5% عن خسائر عام 2010، وذلك لأسباب هيكلية عديدة ومتراكمة، علما بأن هذا الصندوق يملك إمكانات كبيرة للنمو والتوسع والتنوع الاستثماري، وذلك إذا ما تمت إدارته بصورة مهنية صحيحة. وعادة ما تشير إدارة الصندوق إلى سوء أوضاعها بسبب تحملها لخسائر طيران الخليج المملوكة للمجموعة والتي ارتفعت من مليون دولار يوميا قبل عامين إلى أكثر من مليونين ونصف المليون دولار في الوقت الحاضر، في حين تملك "ممتلكات" أو تساهم في مؤسسات مهمة ومربحة، كشركة ألمنيوم البحرين "ألبا". لذلك، فإن خسائر "ممتلكات" لا يمكن تبريرها بسبب تغطيتها لتكاليف تشغيل شركة طيران الخليج وحدها والتي تعتبر خسائرها غير مبررة في ظل أرباح شركات الطيران الخليجية الأخرى، وبالأخص في دولة الإمارات وقطر، إذ إن مشكلة "ممتلكات" تتعدى خسائر طيران الخليج لتصل إلى مشاكل هيكلية وإدارية ومهنية تعاني منها هذه المجموعة. ومن الناحية الإدارية، فإن "ممتلكات" لم تشهد استقرارا إداريا طوال السنوات الماضية، وتعاني من نواقص مهنية خطيرة في إدارة أصولها، كما أن تبعيتها لوزارة المالية يقلل كثيرا من مرونتها ومن استقلال قراراتها الإدارية والاستثمارية والتي تعتبر ضرورية لحل المشاكل الهيكلية التي تواجهها. أما إذا ما كانت طيران الخليج هي الشماعة التي تعلق عليها كافة مشاكل "ممتلكات" فإنه ليس من الصعب إعادة هيكلة طيران الخليج ذاتها والتي تتكبد خسائر سنوية تقدر بأكثر من 900 مليون دولار، وهو مبلغ كبير يعبر بدوره عن مشكلة إدارية وهيكلية تعاني منها هذه الشركة العريقة. لقد اكتسبت الصناديق السيادية الخليجية خبرات كثيرة خلال العقود الماضية، وبالأخص بعد الأزمة المالية العالمية الأخيرة، في حين عانى بعضها من أحداث خطيرة تتجاوز ما تعاني منه "ممتلكات"، كتلك التي واجهها الصندوق الكويتي أثناء الغزو العراقي للكويت في عام 1990، حيث يمكن لهذه الصناديق تبادل التجارب التي مرت بها للمساهمة في حل أزمة "ممتلكات" وإعادة هيكلتها وعودتها للربحية والاستفادة من الفرص الاستثمارية النادرة المتوفرة في الأسواق العالمية في الوقت الحاضر.

399

| 21 يوليو 2012

اقتصاد دبي يستعيد حيويته

ذهبت أدراج الرياح الحملة الإعلامية الصاخبة التي استهدفت دبي ودولة الإمارات بشكل عام في بداية الأزمة المالية العالمية، ابتداء من هروب الموظفين واصطفاف آلاف السيارات المتروكة عند بوابة المطار وليس انتهاء بالفنادق الفارغة. وعندما قدمنا تقييما موضوعيا وشفافا حول حقيقة الأمر وأن الدولة حالها حال بلدان العالم تأثرت بالأزمة، إلا أن الإمكانات المتوفرة تتيح معالجة هذا الوضع المؤقت، كما أن شدة التأثير لم تشمل قطاعات اقتصادية مهمة وفعالة، كالقطاع المصرفي والطيران المدني والصناعات التحويلية، إلا أن هذا الرأي الموضوعي نظر إليه على أنه انحياز بعيد عن الواقع، خصوصا أن وكالات التصنيف الدولية سارعت وبصورة غير مدروسة إلى تخفيض التصنيف الائتماني للمؤسسات المحلية. ولنبدأ بوكالات التصنيف ذاتها والتي عمدت في بداية الشهر الجاري إلى رفع التصنيف الائتماني للعديد من مؤسسات دبي الكبيرة، وذلك اعترافا منها بالملاءة المالية الجيدة لهذه الشركات والتي قامت مؤخرا بتسديد مستحقات بقيمة 19.7 مليار درهم (5.36 مليار دولار) قبل موعد استحقاقها بفترة طويلة نسبيا، حيث تستحق بعض هذه الالتزامات في شهر نوفمبر القادم 2012، علما بأن إعادة ديون دبي العالمية شكلت إنجازا كبيرا باعتراف العديد من المؤسسات الدولية. وتزامنا مع ذلك اعتمدت دبي مشاريع جديدة سوف تساهم في إنعاش الاقتصاد في الفترة القادمة، حيث دشن سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي مشروع "البرواز" بقيمة 120 مليون درهم (32.67 مليون دولار) لينجز خلال أشهر قليلة وليشكل أحد المعالم الجديدة لدبي. ويتوقع أن يرتفع عدد المسافرين عن طريق مطار دبي هذا العام بنسبة 10% تقريبا ليصل إلى 56 مليون مسافر، مقابل 51 مليونا في العام الماضي، حيث ستستمر طيران الإمارات الرائدة في استقبال طائرة واحدة جديدة من طراز 380 كل شهر حتى عام 2013، وذلك إلى جانب إشغال الفنادق بنسبة تفوق 80% وهي نسبة عالمية مرتفعة. وعلى مستوى اقتصاد دولة الإمارات ككل والذي يشكل اقتصاد دبي أحد مكوناته الأساسية، فإن التوقعات تشير إلى نموه بنسبة 5.6% ليصل إلى 1.5 ترليون درهم (408 مليارات دولار) في العام الجاري 2012 ومع أن جزءا كبيرا من هذه الزيادة تأتي من ارتفاع أسعار النفط، إلا أن القطاعات غير النفطية تحقق بدورها نسب نمو مرتفعة مدفوعة بالتحسن الكبير الذي طرأ على مستويات السيولة وانتعاش كافة القطاعات، بما فيها تلك التي تضررت بشدة من الأزمة، كالقطاع العقاري والبورصات المحلية. وإذا ما أشرنا إلى النشاطات الكبيرة التي تشهدها بقية مدن الدولة، وبالأخص العاصمة أبوظبي، فإن دولة الإمارات سوف تستعيد سريعا مستويات ومؤشرات النمو في فترة ما قبل الأزمة، فتدفق الاستثمارات الأجنبية وحجم الائتمان المصرفي المتنامي وغيرها من المؤشرات تتطلب أن تعيد وكالات التصنيف الدولية تقييمها لمؤسسات الدولة وأدائها الجيد والمدعوم بالبيانات والنشاطات الاقتصادية سريعة النمو. وبالإضافة إلى ذلك يمكن متابعة التقارير الدولية المحايدة والتي تضع دولة الإمارات ضمن المراكز الأولى في مؤشراتها، حيث احتلت الدولة المركز الأول عالميا في كفاءة السياسة المالية في تقرير التنافسية العالمي لعام 2012. والحال؛ فإن هناك مؤشرات إيجابية كثيرة يمكن تدوينها هنا، حيث لا يتسع المجال للتطرق إليها جميعا، إلا أنه يمكن القول بثقة إن دولة الإمارات ودبي قد طويت معظم آثار الأزمة بصورة نهائية وأن الفترة القادمة سوف تشهد ازدهارا كبيرا من خلال الإعلان عن تنفيذ العديد من المشاريع في كافة المجالات، فالإمارات ودول مجلس التعاون الخليجي تشكل في الوقت الحاضر أحد أهم قنوات إنعاش الاقتصاد العالمي، وذلك من خلال توفير مصادر الطاقة وتنشيط قطاع التجارة الخارجية والنقل الجوي والاستثمارات الخارجية التي تضخ سنويا مئات المليارات في اقتصادات بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، مما يساهم في دعم اقتصاداتها وتوفير آلاف الوظائف للعاطلين عن العمل، إذ يشير ذلك بوضوح إلى قوة الاقتصاد المحلي، وإلا فكيف يمكن لاقتصاد متأزم مثلما تبين وسائل الإعلام الخارجية أن يحقق كل هذا التقدم؟. وفي هذا الصدد من المهم أن تشكل التقييمات غير الموضوعية السابقة تجربة للإعلام الخارجي الذي أوجد ضجة مفتعلة لم تؤثر كثيرا على متخذ القرار، وإنما تم ركنها جانبا واتجهت الجهود للمعالجات الموضوعية وتفادي السلبيات والعمل على تدوير عجلة الاقتصاد للخروج من تداعيات الأزمة بسرعة وبأقل الخسائر، وهو ما تم بالفعل، حيث شكل ذلك تجربة غنية يمكن البناء عليها مستقبلا.

305

| 14 يوليو 2012

تداعيات مقاطعة النفط الإيراني

دخل حيز التنفيذ في بداية الأسبوع الجاري قرار الاتحاد الأوروبي بمقاطعة النفط الإيراني، وذلك في سابقة تاريخية تحمل الكثير من المعاني والدلالات التي تشير إلى أهمية التغيرات التي طالت أسواق الطاقة العالمية في السنوات الماضية. لقد كانت البلدان المنتجة للنفط هي التي تحدد شروط اللعبة في أسواق النفط في العقود الماضية، حيث شكل ذلك أداة ضغط وورقة قوية في أيدي البلدان المصدرة استخدمتها ضد البلدان المستهلكة، وبالأخص أثناء الحرب العربية الإسرائيلية في عام 1973 والتي توقف خلالها تصدير النفط العربي، مما ضاعف الأسعار خمس مرات تقريبا. وبعد أربعة عقود من ذلك التاريخ يبدو أن هذه الأداة انتقلت إلى أيدي البلدان المستهلكة والتي عمدت خلال الفترة الماضية إلى تقليص اعتمادها على النفط، وبالأخص من منطقة الخليج العربي من خلال تطوير مصادر الطاقة البديلة ومكامن الإنتاج في مناطق أخرى من العالم، شاملة الأمريكيتين، كالبرازيل وفنزويلا والولايات المتحدة الأمريكية. وإذا ما استمر مثل هذا التوجه الرامي إلى تقليص الاعتماد على النفط المستورد، فإن تغيرات كبيرة وخطيرة سوف تشمل ليس أسواق الطاقة فحسب، وإنما ستجد لها انعكاسات على جوانب إستراتيجية وسياسية واقتصادية وتحالفات كانت حتى وقت قريب تعتبر من المسلمات. لقد أوجد ذلك مستجدات لم تشهدها صناعة النفط من قبل، فالتجاذبات الحادة في الوقت الحاضر بلورة مواقف سياسية اقتصادية حادة بدورها أدت إلى المزيد من التدهور في علاقة إيران بالقوى الاقتصادية الفاعلة في العالم، إذ يتوقع أن يكون لمقاطعة النفط الإيراني عواقب وخيمة على اقتصادها المتضرر من إجراءات المقاطعة السابقة. ويتوقع أن تنخفض صادرات إيران من النفط بنسبة %50، وذلك بعد انخفاضها بنسبة %30 منذ شهر مارس الماضي، إذ يتوقع أن تبلغ خسائرها الشهرية من هذه المقاطعة 2.5 مليار دولار، أما في حالة انضمام المزيد من البلدان لمقاطعة النفط الإيراني مستقبلا، فإن هذه الخسائر يمكن أن تتضاعف، مما سيجد له انعكاسات على الأوضاع الاقتصادية وعلى مستويات المعيشة. والحقيقة أن هذه الأضرار لا تنجم فقط عن المقاطعة الأوروبية، وإنما أيضاً بسبب الانضمام غير المباشر للبلدان التي رفضت من الناحية العملية هذه المقاطعة، كالصين والهند اللتين استغلتا الفرصة واشترطتا استمرار الجزء الأكبر من وارداتها من النفط الإيراني بالمقايضة مع سلع وخدمات وليس بالدفع بالدولار الأمريكي، كما هو معتاد، خصوصا أن هذه البلدان تعاني من تباطؤ نموها الاقتصادي وتحقق معدلات نمو أقل من المتوقع بسبب الأزمة العالمية وأزمة منطقة اليورو، مما خفض من حجم الطلب على النفط في أسواقها. أما روسيا، فقد خفضت رسوم صادرات النفط بنسبة 12% مما يتيح لها زيادة هذه الصادرات في المستقبل، وهو أمر يمكن أن يساهم في سد أي نقص قد يحدث في إمدادات النفط. ومع أن بعض المحللين سبق أن أشاروا إلى إمكانية ارتفاع أسعار النفط بسبب المقاطعة الأوروبية لإيران، مع توجيه تحذير للبلدان الأوروبية من خطورة ذلك، إلا أن ما حدث هو العكس، إذ تشهد أسعار النفط انخفاضات متتالية، وذلك لعدة أسباب، يأتي في مقدمتها زيادة الإنتاج من بلدان ومناطق أخرى في العالم وتباطؤ نمو الاقتصاد في مراكز الاستهلاك الرئيسية وانخفاض حدة المضاربات بسبب أزمة منطقة اليورو والأزمات المصاحبة. لذلك، فإن إلقاء اللوم في انخفاض الأسعار على زيادة الإنتاج فقط أمر بعيد عن الواقع لأنه يشكل جزءا من المشكلة وليس المشكلة برمتها، فهذه القضايا مجتمعة هي التي أوصلت أسعار النفط إلى مستويات متدنية نسبيا لتنخفض بسبة %20 خلال ثلاثة أشهر، حيث يشكل ذلك عامل ضغط إضافيا على الاقتصاد الإيراني، واستدعى دعوتها البلدان الأعضاء في منظمة الأوبك لعقد اجتماع طارئ لاتخاذ إجراءات لوقف انخفاض الأسعار، إلا أن تجاوب بقية الأعضاء في المنظمة، بما فيهم فنزويلا الحليفة لإيران جاء باهتا أو متجاهلا هذه الدعوة، على اعتبار أن الجميع مقتنع بأن أسواق النفط لم تعد خاضعة لاعتبارات العرض والطلب وحدها، كما هو الحال في السابق، بل إن هناك عوامل أخرى، كالتي أشرنا إليها آنفا. ومع أن إيران وضعت عدة سيناريوهات لمواجهة هذه العقوبات، إلا أن هذه السيناريوهات بعيدة عن الواقع، إذ لا تجدي في العصر الحديث سياسات مواجهة بلد بمفرده بقية بلدان العالم الأقوى والأكثر تأثيرا، مما يتطلب وضع سيناريوهات بعيدة عن حدية المواقف وأكثر موضوعية وانسجاما مع المتغيرات الدولية، بما فيها التغيرات الجارية في ميزان الطاقة العالمي، خصوصا أن مجمل العقوبات، وبالأخص المالية والنفطية المفروضة على إيران بدأت تترك آثارا سلبية على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية هناك.

331

| 07 يوليو 2012

الكويت والتنوع الاقتصادي

يمثل التنوع الاقتصادي أحد أهم الأهداف الإستراتيجية لدول مجلس التعاون الخليجي، وذلك منذ أن اعتمد هذا التوجه منذ أكثر من خمسة وعشرين عاما إثر انهيار أسعار النفط في عام 1986 وتدينها لسبعة دولارات للبرميل فقط، مما استدعى الأخذ بسياسات التقشف وشد الأحزمة وتأجيل العديد من المشاريع بسبب تخفيض الإنفاق. ومنذ ذلك الوقت تفاوتت النجاحات التي حققتها دول المجلس بصورة كبيرة نسبيا، حيث حققت دول الإمارات وقطر والسعودية تقدما ملحوظا لتحقيق التنوع المنشود في مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط، إذ تم تنمية قطاعات مهمة، كالسياحة والخدمات وبعض الصناعات الحديثة في دولة الإمارات والصناعة المعتمدة على الطاقة والمنتجات الاستهلاكية في المملكة العربية السعودية وصناعة الارتباطات الأمامية للغاز والعديد من الخدمات في دولة قطر. وفي الوقت نفسه حققت كل من البحرين وعمان بعض التقدم، الأولى بفضل أسبقيتها في إقامة مركزها المالي منذ منتصف السبعينيات والثانية من خلال استغلال موقعها المميز، إلا أن هذا التوجه الإستراتيجي للبلدين بحاجة لاستثمارات إضافية في السنوات القادمة. ولكن دولة الكويت وحدها تراجعت فيها مساهمة معظم القطاعات الاقتصادية غير النفطية بعد الغزو العراقي في عام 1990 وبالأخص بعد انتقال مئات الشركات والمؤسسات الأجنبية إلى مناطق أخرى في المنطقة، بما فيها مؤسسات مصرفية واستثمارية مهمة. تزامن ذلك مع تطورات داخلية مؤثرة تمثلت في غياب الاستثمارات المحلية من قبل القطاعين العام والخاص والتي أصبحت شبه معدومة وتقتصر على الحد الأدنى الموجه لتلبية بعض الاحتياجات المحلية، في الوقت الذي اشتدت فيه التجاذبات السياسية العقيمة بين الدولة ومجلس الأمة الذي لعب وما زال دورا سلبيا في المجال الاقتصادي وأدت قراراته المتسرعة وغير المدروسة إلى هروب رؤوس الأموال وإلغاء مشاريع تنموية مهمة، كالمشروع البتروكيماوي الضخم مع شركة "داو كيمكل" الأمريكية والتي رفعت قضية تعويض بمبلغ 2.1 مليار دولار ضد الكويت وكسبتها الشهر الماضي، مما جعل الخسارة الكويتية مزدوجة. والحال، فإن الكويت لم تشهد خلال العقدين الماضيين تنفيذ أي مشاريع تنموية ذات قيمة اقتصادية كبيرة وازداد اعتمادها بصورة متزايدة على عائدات النفط والتي تضاعفت وأسهمت تجنب تنمية القطاعات غير النفطية، وذلك بدلا من أن تساهم في تطوير هذه القطاعات والذي يأتي ضمن التوجهات المستقبلية لتنويع مصادر الدخل الوطني. ولم يقتصر الأمر على تنفيذ المشاريع الجديدة، وإنما تراجعت قطاعات فعالة، كالخدمات المالية والمواصلات، حيث تقف شركة الطيران الكويتية على شفا الإفلاس مستندة فقط على العكازة الحكومية. أما قطاع السياحة، فإنه لا ذكر له، وذلك رغم مهرجان "هلا فبراير" السنوي، في حين لم تستفد الكويت من موقعها المميز لتنمية دورها في التجارة الإقليمية والعالمية. وإذا ما استمر الحال على هذا المنوال - ونتمنى ألا يستمر - من منطلق حب الكويت ولكونها جزءا مهما من التكتل الخليجي، فإن صعوبات حقيقية ستواجه الكويت بعد عقدين أو ثلاثة عقود على أكثر تقدير، فالاحتمالات في هذا الجانب واردة لأكثر من سبب، سواء لارتباط ذلك بالثروة النفطية الناضبة ذاتها أو بتطوير مصادر الطاقة البديلة سريعة النمو. ومع أنه ما زال هناك متسع من الوقت، فإنه يمكن أن يتم اتخاذ خطوات عملية وسريعة للحاق بشقيقاتها في المنظومة الخليجية، حيث يمكن الاستفادة من تجارب دول المجلس الأخرى، وبالأخص الإمارات وقطر والسعودية، إلا أنه لتحقيق ذلك لابد من إيجاد الأرضية اللازمة والمتمثلة في الانسجام بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في الكويت. لقد فوتت الكويت على نفسها فرصا تنموية مهمة بسبب المشاحنات والتجاذبات السياسية العقيمة في مجلس الأمة الذي يفترض به أن يهتم بمستقبل الأمة ويساهم في تنمية المجتمع من خلال إيجاد مصادر بديلة للدخل. ولتحقيق ذلك بجدية وحرص، فإنه يمكن تخصيص دورة واحدة من كل فصل تشريعي لمجلس الأمة تسمى " الدورة الاقتصادية " بحيث تتناول فقط القضايا الخاصة بالتنمية وتنويع مصادر الدخل وإقرار مشاريع تساهم في عملية التنوع وتطوير القطاعات الاقتصادية غير النفطية وسن التشريعات التي تقدم المزيد من التسهيلات للمستثمرين ورجال الأعمال ومتابعة التقدم الذي أحرز بين دورة وأخرى والاهتمام شفافية تنفيذ الأعمال من كافة النواحي. ربما يكون هذا الأمر صعبا في ظل تضارب المصالح داخل المجلس والاهتمام بالمقعد النيابي على حساب التنمية من قبل الأعضاء، إلا أن الكويت تستحق الاهتمام بمستقبلها لتبدو دولة متقدمة اقتصاديا سواء بالنفط أو دونه.

372

| 30 يونيو 2012

تغيرات الشراكة الخليجية الدولية

في تطور لافت للنظر اتفقت الصين واليابان، وهما أكبر قوتين اقتصاديتين في القارة الآسيوية وثاني وثالث أكبر اقتصادين عالميين على التوالي، اتفقتا على استخدام العملة الصينية "اليوان" في تجارتهما الخارجية ودون اللجوء إلى الدولار الأمريكي، كعملة دولية تتم من خلالها معظم تجارة العالم. وسبق هذه الخطوة توجه مماثل بين الصين والهند والتي تعتبر ثالث أكبر قوة اقتصادية في آسيا، حيث تأتي هذه التطورات المهمة للغاية في المعاملات المالية والتجارية في ظل أزمة مالية ومصرفية طاحنة، وبالأخص في القارتين الأوروبية والأمريكية الشمالية. ومع أن الاقتصادات الآسيوية ليست بعيدة تماما عن الأزمات التي تعصف بالعالم، حيث تباطأ نمو الاقتصادين الصيني والهندي، كما هوت الروبية الهندية لتصبح أضعف العملات الآسيوية، إلا أنه ما زالت هناك قوة دفع في هذه الاقتصادات تجعلها قادرة على امتصاص بعض الصدمات، حيث يأتي الاتفاق الصيني الياباني في محاولة للتأقلم مع المستجدات الدولية الناجمة عن استمرار تداعيات الأزمات. ونظرا لحجم وأهمية كل من الصين واليابان، فإن قرار استخدام العملة الصينية في المبادلات التجارية ستكون له انعكاسات بعيدة المدى، يأتي في مقدمتها تنامي قوة الصين في العلاقات الاقتصادية وتنامي استخدام عملتها والتي تكتسي المزيد من الأهمية في المعاملات التجارية والمالية والتي يتوقع أن تتحول إلى إحدى أهم العملات العالمية في الفترة القادمة. ويشكل مثل هذا التحول أهمية خاصة لدول مجلس التعاون الخليجي، وذلك لاعتبارات عديدة، يأتي في مقدمتها الثقل الذي تحتله الصين في التجارة الخارجية لدول المجلس، ففي السنوات الخمس الماضية احتلت الصين وما زالت المرتبة الأولى في التجارة الخارجية غير النفطية لدولة الإمارات لترتفع بنسبة %10 سنويا تقريبا ولتصل إلى 110 مليارات درهم (30 مليار دولا) في العام الماضي 2011، كما أنها تحتل مراكز متقدمة في التجارة الخارجية لبقية البلدان الأعضاء في المجموعة الخليجية، حيث أشار سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير خارجية دولة الإمارات إلى أن التبادل التجاري بين دول المجلس والصين تضاعف عشر مرات خلال العقد الماضي ليصل إلى 100 مليار دولار ومن المتوقع أن يتضاعف عشر مرات أخرى خلال العقد الحالي. وإضافة إلى ذلك، فإن الصين تتحول إلى أهم مستورد للنفط الخليجي، متجاوزة في ذلك كلا من أوروبا الغربية والولايات المتحدة واللتين تحاولان التقليل من اعتمادهما على مصادر الطاقة من الخليج العربي، سواء من خلال تطوير مصادر الطاقة البديلة، كما هو الحال في أوروبا أو من خلال اكتشافات جديدة لمصادر الطاقة الهيدروكربونية إلى جانب مصادر الطاقة المتجددة، كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية. في ظل هذه الأهمية المتزايدة للعلاقات الاقتصادية بين دول مجلس التعاون والصين، فإنه من الصعب أن تنمو هذه العلاقات في ظل الاعتماد الكامل على العملة الأمريكية في التبادلات التجارية والمالية بين الجانبين الخليجي والصيني، مما يستوجب طرح موضوع استخدام العملة الصينية في تعاملات دول المجلس مع الصين. وإذا ما حدث ذلك، فإن مكاسب مالية مهمة ستتحقق للجانبين، بما فيها إمكانية الاستفادة من قيمة العملة الصينية المنخفضة وتقليل تكاليف المعاملات التجارية التي تتم حاليا من خلال المؤسسات المالية والمصرفية الأمريكية، وذلك بحكم إجراء هذه المعاملات بالدولار الأمريكي. ومع أن مبيعات النفط من دول مجلس التعاون للصين سوف تستمر بالدولار الأمريكي والذي يعتبر العملة المعتمدة حتى الآن في أسواق النفط العالمية، إلا أن المبادلات التجارية غير النفطية بين الجانبين يمكن أن تتم بعملات أخرى، وبالأخص بالعملة الصينية. ويشكل ذلك رهانا على المستقبل ومجاراة للتغيرات الاقتصادية والتجارية والمالية الجارية في العالم، فالاقتصاد الصيني والذي يتوقع أن يحتل المرتبة الأولى عالميا بعد ثلاثة عقود يزداد اعتمادا على دول المجلس في تلبية احتياجاته من الطاقة والمنتجات البتروكيماوية ومشتقات النفط، في الوقت الذي تتزايد فيه واردات الأسواق الخليجية من المنتجات الصينية. وإضافة إلى الصين، فإنه يمكن اتباع الأسلوب نفسه مع عملات عالمية صاعدة أخرى، بما فيها الروبية الهندية، حيث تحتل الهند المرتبة الثانية في التجارة الخارجية لدول المجلس، هذا ناهيك عن إمكانية اعتماد العملة الخليجية الموحدة في التبادل التجاري والمالي الدولي، وذلك إذا ما اتفقت الدول الست الأعضاء في المجلس على إطلاق عملتها الموحدة في المستقبل. والحال، فإن ذلك يعني ضرورة وجود ربط تكاملي بين السياسات النقدية والمبادلات التجارية والمالية بين دول مجلس التعاون والتكتلات والبلدان الاقتصادية الكبرى، مما يعني التنوع وتقليل المخاطر والتكاليف وزيادة الفعالية والمكاسب في علاقات دول المجلس مع شركائها الرئيسيين في العالم.

365

| 23 يونيو 2012

alsharq
إلى من ينتظرون الفرد المخلص

سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما...

8640

| 08 مارس 2026

alsharq
الخليج ليس ساحة حرب

تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث...

4368

| 09 مارس 2026

alsharq
إيران.. وإستراتيجية العدوان على الجيران

-رغم مبادرات قطر الودية.. تنكرت طهران لمواقف الدوحة...

1485

| 07 مارس 2026

alsharq
مواطن ومقيم

من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس...

1347

| 11 مارس 2026

alsharq
«التقاعد المرن».. حين تكون الحكمة أغلى من «تاريخ الميلاد»

حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين،...

1245

| 11 مارس 2026

alsharq
العقل العربي والخليج.. بين عقدة العداء لأمريكا وغياب قراءة الواقع

أولاً: تمهيد - الضجيج الرقمي ومفارقة المواقف في...

1035

| 11 مارس 2026

alsharq
الخليج محمي

وصلنا إلى اليوم الحادي عشر من حرب ايران...

954

| 10 مارس 2026

alsharq
التجربة القطرية في إدارة الأزمات

عندما تشتد الأزمات، لا يكمن الفارق الحقيقي في...

846

| 09 مارس 2026

alsharq
فلنرحم الوطن.. ولننصف المواطن والمقيم

عند الشروع في تأسيس أي نشاطٍ تجاري، مهما...

720

| 12 مارس 2026

alsharq
الرفاه الوظيفي خط الدفاع الأول في الأزمات

في عالم تتسارع فيه التغيرات الاقتصادية والتنظيمية، وتزداد...

645

| 12 مارس 2026

alsharq
إعادة ضبط البوصلة

ما الأزمات التي تحاصرنا اليوم إلا فصول ثقيلة...

642

| 13 مارس 2026

alsharq
قطر.. «جاهزية دولة» عند الأزمات

-زيارة سمو الأمير إلى مركزي العمليات الجوية والقيادة...

630

| 08 مارس 2026

أخبار محلية