رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الانعكاسات الاقتصادية لإلغاء "الشنغن"

من المعروف أن العلاقات الاقتصادية بين بلدان الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي تشكل أولوية للمجموعتين، وذلك بحكم العلاقات التاريخية وحجم المصالح المتبادلة والتي يسعى الطرفان إلى تطويرها في شتى المجالات. ولا يخفى مدى تأثر هذه العلاقات وتراجعها النسبي خلال العقدين الماضيين، نتيجة لجملة من العوامل التي يتحمل الجانب الأوروبي المسؤولية الأولى عنها لاتباعه إجراءات تمييزية في علاقاته من دول مجلس التعاون، وذلك رغم حسن النوايا التي تبديها دول المجلس وحرصها على تنمية العلاقات الاقتصادية بين الطرفين. لقد أدى ذلك إلى إزاحة بلدان الاتحاد الأوروبي من قمة أولويات التبادل التجاري بينها وبين دول المجلس لصالح بلدان أخرى سنأتي على تفاصيلها لاحقا، وإذا ما أخذنا جانبين فقط من هذه التغيرات التي فقدت من خلالها البلدان الأوروبية الكثير من المصالح، فإننا سنجد أن قطاعي التجارة الخارجية والسياحة في دول المجلس انتقل مركز الثقل فيهما من أوروبا إلى شرق آسيا، مع كل ما يعني ذلك من تأثيرات على العلاقات بين المجموعتين الأوروبية والخليجية. وفي المجال التجاري، فإن العراقيل التي وضعها لاتحاد الأوروبي أزاحته تدريجيا من المركز الأول في تجارة دول المجلس لصالح الصين والهند، حيث ارتفع التبادل التجاري بين دول المجلس والصين بنسبة كبيرة بلغت 16% في عام 2012، مقارنة بعام 2011 لتصل إلى 155 مليار دولار في العام الماضي، تشكل %50 من إجمالي قيمة التجارة الخارجية لدول المجلس، مقابل %20 فقط للدول الأوروبية. وفي هذا الصدد يفرض الاتحاد الأوروبي رسوما جمركية تمييزية ضد المنتجات الخليجية من البتروكيماويات والألمنيوم، في الوقت الذي تعامل منتجاته في دول المجلس بالتساوي مع منتجات بقية بلدان العالم، وذلك رغم العقبات التي يضعها الاتحاد الأوروبي والتي تحول دون توقيع اتفاقية التجارة الحرة لمدة 25 عاما تقريبا بين الجانبين. أما في المجال السياحي وانتقال مواطني المجموعتين الخليجية والأوروبية، بمن فيهم رجال الأعمال والمستثمرين، فإن هناك تمييزا آخر أدى بدوره إلى انتقال ثقل السياحة الخليجية من أوروبا إلى شرق آسيا التي تسمح لمواطني دول المجلس بزيارتها دون تأشيرة مسبقة، حيث اكتشف الخليجيون مع مرور الوقت تمتع بلدان شرق آسيا بمواصفات سياحية عالمية، وذلك إضافة إلى الانخفاض الكبير لتكاليف السفر إذا ما قورن بالتكاليف في البلدان الأوروبية، وبالأخص بعد ارتفاع قيمة سعر صرف "اليورو" والجنية الإسترليني. لقد كان الخليجيون (ما عدا السعوديين) يزورون بريطانيا دون تأشيرة مسبقة لسنوات طويلة امتدت حتى أواخر الثمانينيات، في الوقت الذي لا يستغرق الحصول على تأشيرات لبقية البلدان الأوروبية ساعات قليلة إلى أن تعقدت الأمور الإجرائية من الجانب الأوروبي في هذا المجال، كما هو الحال في التجارة، إذ أصبح الحصول على تأشيرة أوروبية عمل مضن لا يستحق كل هذه المعاناة، وذلك إلى جانب نظرات الشك والتوجس التي لا معنى لها، هذا ناهيك عن استغلال مستويات المعيشة المرتفعة في دول المجلس ليبلغ قيمة التأشيرة البريطانية لمدة خمس سنوات أكثر من ألف دولار، في مقابل دخول الأوروبيين دول المجلس ما عدا السعودية دون تأشيرات مسبقة. لذلك تملك دولة الإمارات كل الحق في سعيها لإعفاء مواطني الدولة من تأشيرات "الشنغن" الأوروبية ومن التأشيرة المسبقة لبريطانيا والتي يتوقع أن تمتد لتشمل بقية دول المجلس التي تسمح بحرية الدخول لمواطني بلدان الاتحاد الأوروبي دون تأشيرة، حيث يمكن لبلدان الاتحاد أن تطمئن، إذ لا يوجد من بين الخليجيين من يسعى إلى الهجرة إلى أوروبا.

319

| 10 مارس 2013

حقائق مستجدة حول النفط

مرة أخرى تتداخل الحقائق حول مستقبل الطاقة، وفي المقدمة منها النفط الذي ما زال يشكل وسيشكل في المستقبل المنظور المصدر الأساسي للطاقة، علما بأن هذه الحقائق تهم كافة بلدان العالم، إلا أن المعني بها بصورة أساسية البلدان المنتجة للنفط بسبب ارتباط عملية التنمية فيها بعائدات النفط التي تعتبر الممول الأول لمشاريع التنمية. وبعد الحديث المتكرر في الآونة الأخيرة حول الاكتفاء الذاتي الأمريكي من النفط بحلول عام 2020 والذي نوه إليه من بين العديد من المهتمين الرئيس الأمريكي باراك أوباما، حيث اتضح أنه مبالغ فيه بدرجة كبيرة، إذ إن زيادة إنتاج النفط والغاز الصخري في الولايات المتحدة سوف تقلص واردات النفط الأمريكية من 13 مليون برميل يوميا في الوقت الحاضر إلى 5 ملايين برميل في عام 2020، إلا أنه لن يحول الولايات المتحدة إلى دولة مصدرة أو حتى مكتفية للنفط بعد سبع سنوات من الآن. وفي هذا الصدد يقول وزير الطاقة الأمريكي الأسبق بيل ريتشارد: "إن الولايات المتحدة لن تحقق الاكتفاء الذاتي من الطاقة.. وأعرب عن خشيته من أن تسقط الولايات المتحدة ضحية وهم". تزامن ذلك مع محتوى تقرير أصدرته وكالة " ستاندرد أند بورز" الأسبوع الماضي وأشارت فيه إلى أن احتياطي النفط في السعودية سوف يستمر لمدة 170 عاما، مقابل 90 عاما في كل من الإمارات والكويت، وهذه بدورها معلومات بحاجة إلى توضيح حتى لا يتم تفسيرها بصورة مطلقة، فالنفط لن يستمر المصدر الرئيسي للطاقة لمدة 170 عاما، إذ إن التغيرات السريعة في مجال الإنتاج، وبالأخص إنتاج الطاقة المتجددة سوف تؤدي إلى حدوث تغيرات نوعية في ميزان الطاقة العالمي، والتي تأتي من ضمنها إزاحة النفط من قمة الهرم حاليا لصالح المصادر المتجددة، كما أزيح من قبله الفحم الحجري. هذا أولا، أما ثانيا، فإن الاحتياطيات المكتشفة حتى الآن من النفط سوف تكفي العالم وفق معدلات الاستهلاك الحالية لمدة أربعين عاما فقط، أي حتى عام 2050 وفق شركة النفط البريطانية، هو التقدير الصحيح الذي يمكن على أساسه احتساب العمر الافتراضي للاحتياطيات، إذ لا بد للبلدان المنتجة أن ترفع الإنتاج لتلبي الطلب حتى لا تتدهور الأوضاع الاقتصادية في العالم ويصاب الاقتصاد العالمي بكارثة، حيث استجابت دول الخليج العربية وتعاونت مع المجتمع الدولي في العديد من الأوقات العصيبة فزادت إنتاجها لتلبية الطلب عندما توقف الإنتاج العراقي وعندما حلت كوارث طبيعية بالعديد من مكامن الإنتاج، مما يعني أن إنتاج النفط سوف يرتفع في السنوات القادمة ليلبي الطلب العالمي المتزايد بغض النظر عن مدى حاجة البلدان المنتجة لعائدات إضافية، فالاقتصاد الدولي في فترة العولمة مترابط بصورة وثيقة وتنتقل تأثيراته الإيجابية والسلبية بين بلدان العالم، كما اتضح بصورة جلية من خلال الأزمة المالية الأخيرة. ويبدو أن دول مجلس التعاون الخليجي تدرك هذه الحقائق بدليل أنها تعمل في الوقت الحاضر باتجاهين متزامنين، الأول هو العمل على تنويع مصادر الدخل من خلال تنمية القطاعات غير النفطية، ومع أن هذا التوجه تتفاوت سرعته بين دولة خليجية وأخرى، إلا أنه يشكل هاجسا لكافة هذه الدول. وفي الوقت نفسه تسعى دول المجلس وبكثافة أكبر لتطوير مصادر الطاقة البديلة، وذلك ضمن استعداداتها لمرحلة ما بعد النفط، ففي غضون أربع سنوات ستبدأ محطات الطاقة النووية بالعمل في إنتاج الطاقة الكهربائية في دولة الإمارات، وذلك إلى جانب عمل محطات الطاقة الشمسية، مما يمكن الإمارات من تلبية جزء كبير من احتياجاتها من الطاقة من مصادر بديلة.

275

| 03 مارس 2013

حرب عملات محتملة

لا تتوانى البلدان التي مازالت تعاني من الأزمة المالية العالمية في استخدام مختلف السبل للتخفيف من تداعياتها في محاولة لتحسين وضعها في العلاقات الاقتصادية الدولية المستجدة، حيث تعتبر الأدوات المالية والنقدية وسيلة فعالة لتغيير الأوضاع على المستويين الداخلي والخارجي. ومع أن هناك الكثير من البلدان التي لا تملك مثل هذه الوسائل، إلا أنها تتأثر ليس من جراء قراراتها المباشرة وإنما من خلال ارتباطاتها الاقتصادية أو ارتباط عملاتها بعملة دولية، كالدولار أو اليورو أو بسلة عملات بأوزان مختلفة. لذلك اشتدت في الآونة الأخيرة ما يسمى "بحرب العملات" حيث تسعى البلدان الكبرى إلى انتهاج سياسات نقدية تساهم في رفع قدراتها التنافسية من خلال تخفيض قيمة عملاتها لزيادة صادراتها وإنعاش اقتصادها، وذلك إضافة إلى استخدام أسعار الفائدة، كأداة لتنشيط الأوضاع الاقتصادية وزيادة الاستثمارات وإيجاد المزيد من فرص العمل. وبالإضافة إلى الدولار المنخفض، عمدت اليابان إلى تخفيض الين بنسبة 20% منذ شهر نوفمبر الماضي 2012 لإنعاش الصادرات، وبالتالي الاقتصاد الياباني الذي يعاني من التباطؤ منذ فترة طويلة، كما أن المحافظ الجديد لبنك انجلترا عبر عن نيته للعمل على خفض سعر الجنيه الإسترليني في الفترة القادمة، هذا عدا الخلاف الأمريكي الصيني حول السعر المنخفض للعملة الصينية. ربما تعتبر مثل هذه السياسات خطوات مشروعة في ظل المنافسة المفتوحة في الأسواق العالمية، إلا أن خروج هذه المنافسة عن الحدود المقبولة سوف يلحق ضررا بالغا باقتصادات البلدان المتنافسة وبالاقتصاد العالمي ككل، مما استدعى أن يدرج هذا البند على الاجتماع المشترك لوزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة العشرين والتي عقدت الأسبوع الماضي بالعاصمة الروسية موسكو، حيث تمكنت بلدان هذه المجموعة وبدعم من مجموعة السبعة الكبار وإلى حين تفادي "حرب عملات" لا يمكن التكهن بعواقبها السلبية على كافة المستويات. ومن بين بلدان مجموعة العشرين، فإن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين واليابان وبريطانيا، هي المعنية أكثر من غيرها بالعمل على تفادي حرب العملات، وذلك بحكم هيمنة عملاتها على التعاملات المالية وبحكم ثقلها التجاري. أما بقية البلدان، فإنها ستتأثر بما تتخذه الدول السابقة من سياسات نقدية نتيجة لارتباط عملاتها بإحدى العملات الرئيسية. وبشكل عام، فإنه ليس بالضرورة أن تتناسب السياسات النقدية المتخذة في البلدان الرئيسية مع أوضاع اقتصادات كافة البلدان المرتبطة عملاتها الوطنية مع إحدى العملات العالمية المعروفة، كالدولار أو اليورو، إذ في الوقت الذي يمكن فيه أن يستفيد بلد ما من انخفاض العملة المرتبط بها لزيادة صادراته، فإن رفع أو خفض أسعار الفائدة ربما لا يتناسب وأوضاعه الاقتصادية، مما قد يلحق به خسائر كبيرة. وبما أنه يصعب التكهن بمدى قدرة مجموعة العشرين على محاصرة التوجهات الخاصة بحرب العملات، خصوصا وأن هذه الحرب لا تحمل طابعا اقتصاديا بحتا، وإنما هناك عوامل جيو-بوليتيكية مؤثرة، فإن على بقية البلدان اتخاذ خطوات للتقليل من عواقب حرب العملات على أوضاعها الاقتصادية وتعاملاتها التجارية.

285

| 24 فبراير 2013

فرص التعاون الاقتصادي العربي

تزداد يوما بعد آخر التحديات الاقتصادية التي تواجه بلدان العالم والتي تسعى إلى التعاون أو التكتل للتخفيف من حدة الأزمات المتسارعة، حيث وجه الاتحاد الأوروبي في قمته الأسبوع الماضي والتي خصصت لاعتماد الخطوط العامة لميزانية الاتحاد حتى عام 2020 إلى ضرورة الإسراع في إقامة منطقة للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة الأمريكية، ما يعني إقامة أكبر منطقة للتجارة الحرة في العالم وتستحوذ على نصف الاقتصاد العالمي، وهو تطور مثير في العلاقات الاقتصادية الدولية. في المقابل تسعى البلدان العربية ومنذ خمسين عاما لإيجاد شكل من أشكال التعاون الاقتصادي دون جدوى، فقرارات القمم العربية السابقة طغت عليها الخلافات السياسية، مما استدعى عقد قمم اقتصادية ثلاث حتى الآن في الكويت عام 2009 وشرم الشيخ عام 2011 ومؤخرا الرياض 2013 إذ لم تختلف النتائج عن ما سبقها من قمم دورية توالت منذ ستينيات القرن الماضي. وفي الوقت الذي يتم التحضير فيه للتعاون الاقتصادي الأوروبي -الأمريكي على أسس قوية من المصالح المشتركة، فإن الاتفاقيات العربية يتم وضعها دون الاستناد على أسس موضوعية تعكس طبيعة الاقتصادات العربية وبنيتها التشريعية المتفاوتة بصورة كبيرة، مما لا يتيح تنفيذ هذه الاتفاقيات التي تتسم بطابع عاطفي بعيدا عن المتطلبات الاقتصادية والتشريعية التي تضمن نجاح هذه التوجهات التعاونية. وإذا ما أخذنا أحد قرارات قمة الرياض الأخيرة، فقد صرح مدير عام الجمارك السعودية أن "تطبيق الاتحاد الجمركي بين البلدان العربية في عام 2015 كما هو متفق سيشكل المحك الحقيقي لقرارات القمة"، علما بأنه لا تتوافر أبسط الأسس اللازمة لتطبيق الاتحاد الجمركي العربي، مما يعني أن الحديث السابق لا يعدو أن يكون تمنيات بعيدة عن الواقع. وأول هذه المبادئ التي يستند عليها الاتحاد الجمركي، هي ضرورة إقامة منطقة للتجارة الحرة تتيح انتقال السلع المنتجة محليا بين الأطراف المتعاقدة دون رسوم جمركية، وهو ما يسعى إليه الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، في حين ما زالت منطقة التجارة الحرة العربية تراوح مكانها دون تطبيق منذ أن اتفق بشأنها في عام 2002، إذ لا يمكن القفز من فوقها والانتقال إلى طور أعلى من التعاون، كالاتحاد الجمركي دون تنفيذ هذا البند الخاص بمنطقة التجارة الحرة بين البلدان العربية. وبما أن المتحدث يحتل منصب مدير الجمارك، فإنه يعرف أكثر من الآخرين هذه الحقيقة، فدول المجلس تملك خبرة طويلة في التعاون الاقتصادي، حيث اتفقت على منطقة التجارة الحرة في عام 1983 ولم تطبق عمليا إلا في نهاية التسعينيات، أما الاتحاد الجمركي الخليجي، فقد اتفق على تطبيقه ابتدءا من يناير عام 2003 ولم يطبق حتى الآن، حيث تم تأجيله سبع مرات واتفق أخيرا على البدء بتطبيقه اعتبارا من الأول من يناير من عام 2015. وإذا كان الأمر بهذه الصعوبة وبهذه التعقيدات بين ستة بلدان فقط وتتشابه أنظمتها الاقتصادية والجمركية إلى حد التطابق، فإن الأمر يبدو بعيدا عن الواقع بين 22 دولة تتفاوت أنظمتها الاقتصادية والجمركية بصورة كبيرة ويعتمد بعضها على الرسوم الجمركية في تمويل موازناته السنوية والتي ترتفع لتصل إلى نسبة %100 على بعض السلع المعمرة، كالمركبات، في حين تم توحيد التعرفة الجمركية بين دول المجلس عند 5% فقط. أما منطقة التجارة العربية الكبرى، فإنه أمر قابل للتطبيق، وذلك رغم العقبات التي تقف أمامه حتى الآن، إذ إنه يقتصر على المرور الحر للسلع المنتجة في البلدان العربية دون رسوم جمركية، حيث يتيح ذلك إمكانات كبيرة لنمو التجارة العربية البينية، كما هو الحال مع نمو التجارة الخليجية البينية والتي تضاعفت خلال العقدين الماضيين بعد استكمال منطقة التجارة الحرة وتوحيد الرسوم الجمركية بين دول المجلس. لذلك، فإنه من الأفضل لجامعة الدول العربية وأجهزتها، وبالأخص الخاصة بمتابعة الشأن الاقتصادي العربي التركيز على تذليل العقبات التي تعترض تنفيذ اتفاق التجارة العربية الحرة والذي سيشكل إنجازا ذا مردود اقتصادي على كافة البلدان العربية، أما مسألة الاتحاد الجمركي العربي، فإنه غير قابل للتطبيق من الناحية العملية. وفي كل الأحوال، فإن تجربة مجلس التعاون الخليجي يمكن أن تقدم خدمة قيمة للتعاون الاقتصادي العربي، سواء فيما يتعلق بوضع الأسس الموضوعية اللازمة للتعاون المثمر أو في كيفية تذليل العقبات التي تتيح نجاح تطبيق الاتفاقيات الموقعة بين البلدان العربية.

340

| 17 فبراير 2013

مستجدات الأزمة والبطالة

من المعروف أن معدلات البطالة ترتفع بصورة حادة في فترات الأزمات الاقتصادية، إلا أنها عادة ما تعود إلى مستوياتها الطبيعية بعد انقشاع غبار الأزمة وعودة الأنشطة الاقتصادية إلى سابق عهدها، بل ربما يترافق ذلك مع انتعاش قوي ضمن الدورة الاقتصادية. ومع ذلك، فإن للأزمة الحالية والمستمرة منذ خمس سنوات ظروفها وخصائصها والتي يمكن من خلال تحليلها معرفة أسباب المعدلات المرتفعة للبطالة والتي وصلت في إسبانيا واليونان إلى 26%، إذ إن هذه الأزمة تأتي في ظل ظروف دولية ومخترعات علمية تختلف تماما عما عداها من أزمات، بما في ذلك الكساد الكبير في أواخر العشرينيات وبداية الثلاثينيات من القرن الماضي. لقد حدثت الأزمة الحالية في عصر العولمة وانفتاح أسواق وترابط اقتصادات بلدان العالم بصورة لم يسبق لها مثيل، إذ أدى ذلك إلى سرعة حركة رؤوس الأموال وانتقال تأثيرات الأزمة بسرعة الوباء، مما أدى إلى تفاقم الأوضاع وارتفاع البطالة والتي وصلت لمعدلات قياسية بلغت 11.9% في منطقة" اليورو" في شهر ديسمبر الماضي، إذ استفحلت هذه المعدلات نتيجة عوامل عديدة ميزت ظروف الأزمة الحالية عن غيرها من الأزمات، حيث يمكن الإشارة إلى بعض هذه العوامل. أولا: التقدم التكنولوجي الهائل الذي حدث في العقود الثلاثة الماضية والذي أدى إلى أتمتة وتحديث قطاعات الأعمال، وبالتالي التخلي عن الأعمال اليدوية والمكتبية وأدى بدوره إلى فقدان ملايين من فرص العمل، ففي القطاعين المالي والمصرفي على سبيل المثال، هناك الصراف الآلي وماكينات التعاملات النقدية المتوافرة 24 ساعة، أما خدمات الإنترنت، فقد أحدثت انقلابا في التسوق وتسديد الالتزامات المالية والخدمات بكافة أشكالها، بما في ذلك تحويل الأموال، تلك المهام التي كان يقوم بها الأفراد والموظفون في كافة مرافق الإنتاج والخدمات العامة. كما شملت هذه التغيرات الهائلة أيضاً القطاع الإنتاجي والذي أصبح أكثر اعتمادا على برامج الكمبيوتر، بحيث تقلصت أعداد العمال والموظفين العاملين في مرافق الإنتاج المختلفة. ثانيا، شهد العالم في العقود القليلة الماضية عمليات كبيرة للتحول نحو القطاع الخاص، أو ما يسمى بالخصخصة، والتي تعني من ضمن أمور أخرى التخلص من عدد من الأيدي العاملة وتكثيف الأعمال وتحديثها بالتقنيات الجديدة من أجل تعظيم الأرباح، وهو ما أدى إلى تقلص فرص العمل في الكثير من البلدان. ثالثا، تكثفت عمليات الاستحواذ والاندماجات لمؤسسات كبيرة، بما في ذلك خلال الأزمة، مما يعني تخفيض تكاليف الإنتاج والتشغيل، إذ عادة ما تكون الأيدي العاملة أول ما توجه إليه الأنظار لاقتطاع التكاليف، فالمالك أو المؤسسة الجديدة المنبثقة عن عملية الاندماج تسعى لإثبات بأن ما تم القيام به له ما يبرره من الناحيتين المالية والربحية. لذلك، فإن معدلات البطالة الحالية والمرتفعة للغاية لا ترتبط بظروف الأزمة فحسب، وإنما بجملة من العوامل التي فاقمت منها وأفرزت ظروفا جديدة خاصة بالبطالة ليس من السهل معالجتها أو إيجاد حلول عملية لها. ومع ذلك، فإن التعامل مع تداعياتها والتقليل من حدتها يتفاوت بصورة كبيرة بين البلدان المتطورة والنامية، ففي المجموعة الأولى، فإن مستويات التعليم الراقية تفرز مؤهلات عالية تستطيع التأقلم مع المستجدات وتلبية الطلب النوعي في أسواق العمل في البلدان المتقدمة، علما بأن الزيادة السكانية منخفضة، بل وشبه معدومة في بعض البلدان الأوروبية. أما في بلدان العالم النامي، وإذا ما استثنينا بعض البلدان النفطية الغنية، فإن الوضع في معظمها مختلف تماما، فالتعليم متدن ولا يشمل الجميع بسبب قلة الإمكانات وصعوبة الوصول للمناطق الريفية النائية، مما يخلق فجوة كبيرة بين مخرجات التعليم المتواضعة ومتطلبات الاقتصادات الحديثة المعتمدة على التقنيات والتعاملات الإلكترونية. وذلك إلى جانب الزيادة السكانية المفرطة والتي تزيد الأعباء وتؤدي إلى تدني مستويات المعيشة والخدمات بشكل عام، بما فيها التعليمية وتفرز سنويا طوابير جديدة من العاطلين والأيدي العاملة غير المؤهلة. لا ندعي بأن حل هذه المعضلات في متناول اليد، بل على العكس هناك تعقيدات اقتصادية واجتماعية، بل وحتى دينية تتعلق بالتعليم والحد من الزيادات السكانية، مما يعني أن التوافق بين عصر الإنترنت والعولمة وحل بعض تداعياتها، كالبطالة أمر قابل للمرونة والتكييف في البلدان المتقدمة، إلا أنه أمر خطير وقابل للتفاقم وإفراز قلاقل اجتماعية وتدهور معيشي في البلدان النامية التي تعاني من مشاكل هيكلية معقدة. وبحكم ظروف العولمة المتشابكة، فإن المطلوب أن يكون هناك نوع من التنسيق الدولي ليس للمساعدة فقط، وإنما لتبادل التجارب والعمل على رفع مستويات التعليم واتباع الوسائل العلمية والتثقيفية لرفع مستوى التعليم والحد من الارتفاع المفرط للزيادة السكانية، إذ إن تفاقم الأزمات في الجنوب الفقير سوف لن تقتصر تداعياته كما تثبت التجربة على هذا الجزء من العالم، وإنما ستمتد لتشمل بلدان الشمال المتقدم والغني في موارده البشرية والمادية.

403

| 03 فبراير 2013

بين زيادة وترشيد الإنفاق

نتيجة لارتفاع أسعار النفط وبقائها عند مستويات مرتفعة في السنوات الخمس الماضية، فقد تضاعف الإنفاق في الموازنات السنوية لدول مجلس التعاون الخليجي، مما انعكس بصورة إيجابية كبيرة على الأوضاع الاقتصادية وعلى معدلات النمو في دول المجلس ودفع باتجاه سرعة التعافي من تداعيات الأزمة المالية العالمية. وبالإضافة إلى ذلك تراكمت لدى دول المجلس فوائض مالية كبيرة وصلت إلى أرقام قياسية لم تصلها من قبل، مما أدى إلى إحداث بعض التغيرات في هيكلية الإنفاق، سواء الجاري منه أو الاستثماري، حيث تفاوتت مسألة كيفية التعامل مع الفوائض المالية، إلا أن المحصلة العامة كانت إيجابية في كافة دول المجلس. وبحكم دول الرعاية الذي يميز دول المجلس، وهو نمط انفردت به هذه الدول من بين البلدان النفطية النامية الأخرى ووفر بيئة من الاستقرار والسلم الاجتماعي، فقد تضاعفت الأجور أو أنها ارتفعت بنسب كبيرة في السنوات القليلة الماضية بالنسبة للمواطنين والمقيمين على حد سواء، وهو ما انعكس على مستويات المعيشة وزاد من جاذبية دول المجلس للمستثمرين واستقطابها للمهارات من مختلف بلدان العالم. وفي دولتي الإمارات وقطر واللتين شهدتا أعلى معدل في زيادات الأجور وتوفير مرافق الخدمات، بما فيها الإسكانية للمواطنين، فقد ترافق ذلك مع ارتفاع حاد في أصول الصناديق السيادية والتوسع في الاستثمارات الخارجية من خلال المشاركة والاستحواذ على مؤسسات إنتاجية وعقارية ومالية عريقة ومهمة. وفي المملكة العربية السعودية، فقد انصبت الجهود لحل بعض المسائل العالقة، وبالأخص إقامة المزيد من المشاريع وتوفير فرص العمل التي ازداد الطلب عليها في السنوات الماضية والإعلان عن تخصيص ما يقارب 500 مليار ريال للمساهمة في حل مشكلة الإسكان وتمويل مشاريع المواطنين، وهو ما سعت إليه أيضاً كل من مملكة البحرين وسلطنة عمان، وذلك رغم عدم تمتعهما بفوائض مالية كبيرة. أما في دولة الكويت، فقد وصل حجم فائض الميزانية إلى رقم قياسي بلغ 14 مليار دينار في موازنة 2011 – 2012 مما أدى إلى اتخاذ قرار بتوزيع المواد الغذائية الأساسية مجانا على المواطنين لمدة 14 شهرا، إلا أن هذا الفائض استغل أيضاً لدوافع انتخابية، حيث تبنى بعض أعضاء مجلس الأمة مسألة إلغاء فوائد القروض المصرفية على المواطنين والتي يبلغ حجمها 1.7 مليار دينار، وهو مبلغ كبير ويمكن أن يستغل في إقامة مشاريع تنموية وتوفير المزيد من فرص العمل. وفي هذا الصدد يمكن الإشارة إلى أن القروض المصرفية والفوائد المترتبة عليها مسألة تخص الأفراد والذين يحصلون على رواتب شهرية ولا علاقة للدولة بهذا الموضوع والذي يعبر عن علاقة المصارف التجارية بالمقترضين والذين يعتبرون مسؤولين عن تسديد قروضهم، خصوصا وأن معظمهم قادر على ذلك. وتبقى المسألة الأهم التي تمخضت عن الفوائض النفطية، أي تلك الخاصة باستثمارات الصناديق السيادية التي توجه إليها معظم هذه الفوائض، وبالأخص في ظل استمرار الضبابية حول أزمة منطقة اليورو والأوضاع المالية في الولايات المتحدة والتي يمكنها استيعاب النسبة الأكبر من الفوائض، إذ في الوقت الذي تقوم به دول المجلس بالتزاماتها تجاه إمدادات النفط للأسواق العالمية وزيادة مساهماتها في تدفقات الأموال إلى بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والمنظمات العالمية، كصندوق النقد الدولي للمساعدة في التغلب على تداعيات الأزمة، فإن استخدام هذه الفوائض لزيادة الاستثمارات الداخلية وتنويع مصادر الدخل تشكل قضية أساسية للمستقبل الاقتصادي والاجتماعي، وهو ما تسعى إليه معظم دول المجلس بفضل سياسة التوازن في استخدام فوائض النفط. ويبدو أن دول مجلس التعاون تراكمت لديها الخبرات اللازمة في العقود الثلاثة الماضية في كيفية التعامل مع التذبذبات في أسعار النفط العالمية، ففي منتصف الثمانينيات تمكنت من خلال سياسات التقشف تسيير أوضاعها الاقتصادية والمالية بسلاسة رغم الانخفاض الحاد في عائداتها النفطية في ذلك الوقت بسبب انخفاض سعر البرميل إلى 7 دولارات، كما أنها تبدي في الوقت الحاضر مرونة وتوازنا في التعامل مع الفوائض النقدية، وهو ما يشكل في الحالتين أهمية كبيرة لاستقرار الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في دول المجلس.

297

| 27 يناير 2013

تحديات طاقة محتملة وحلول ممكنة

في الوقت الذي يزداد فيه إنتاج الغاز الطبيعي في البلدان العربية، بحيث تحولت بعض البلدان، كقطر والجزائر إلى مزود عالمي لإمدادات الغاز، كما ارتفع الإنتاج بصورة ملحوظة في كل من دولة الإمارات والسعودية، وذلك بسبب ازدياد اعتماد العالم على الغاز الطبيعي، كمصدر نظيف للطاقة، فإن أسعار الغاز شهدت انخفاضا كبيرا خلال السنوات الخمس الماضية، إذ انخفضت أسعار العقود الآجلة من 11.5 دولار في يونيو من عام 2008 إلى 3.3 دولار فقط في الوقت الحاضر، أي بنسبة انخفاض كبيرة بلغت 71%. ويطرح هذا الانخفاض الحاد تساؤلات كثيرة حول مصير الاستثمارات الهائلة التي ضخت في هذه الصناعة وحجم العوائد المتوقعة، خصوصا وأن الجزء الأكبر من هذه الاستثمارات اعتمدت في فترة الأسعار المرتفعة وقبل الأزمة المالية العالمية، أي عندما كانت مصادر التمويل متاحة بسهولة. ولاستشفاف الآفاق الخاصة باستخراج وصناعة الغاز الطبيعي، فإنه لا بد من معرفة الأسباب الكامنة وراء هذا الانخفاض والذي جاء معاكسا لأسعار النفط التي ارتفعت بصورة مماثلة واستقرت فوق 100 دولار للبرميل في السنتين الماضيتين. ومع أن الطلب على الغاز ظل مرتفعا في الأسواق العالمية، إلا أن السبب الحقيقي يكمن في الارتفاع الكبير في إنتاج الغاز الصخري في الولايات المتحدة والذي قلب ميزان الطاقة هناك وأحدث تغيرات دراماتيكية ليس في سوق الطاقة الأمريكية فحسب، وإنما في سوق الطاقة العالمية أيضا، حيث يتوقع أن تستمر الزيادة في إنتاج الغاز الصخري حتى عام 2020. لذلك، فإن أسعار الغاز سوف تبقى عند مستويات أقل من عام 2008، إلا أن تأثير ذلك على البلدان الخليجية والعربية المنتجة والمصدرة للغاز سوف يكون محدودا، فالبنسبة للبلدان المنتجة، كالإمارات والسعودية والكويت والبحرين، فإن الاستخدامات المحلية كبيرة للغاية، وبالأخص في توليد الطاقة الكهربائية وإنتاج الألمنيوم والمواد البتروكيماوية، حيث يباع الغاز بأسعار مدعومة. أما في البلدان المصدرة، كقطر والتي تعتبر مصدرا رئيسيا للغاز في العالم، فإن تأثير تراجع الأسعار يمكن التعامل معه، كما أثبتت السنوات القليلة الماضية، وذلك بفضل زيادة إنتاج النفط وارتفاع أسعاره والذي ولد فوائض مالية كبيرة هناك. وبالنظر إلى المستقبل، فإن المؤشرات تميل لصالح الغاز الطبيعي المنتج من الحقول على حساب الغاز الصخري، وذلك لاعتبارات عديدة، يأتي في مقدمتها محدودية احتياطات الغاز الصخري والتي لا تتمتع بالعمق، وذلك على عكس الاحتياطات العادية المتوفرة في البلدان العربية وروسيا وايران بصورة رئيسية. وإضافة إلى ذلك ينجم عن عملية إنتاج الغاز الصخري تبعات بيئية خطيرة، إذ يصاحب هذا النوع من الغازات إنتاج غاز الميثان الضار بالبيئة والذي يؤدي إلى عملية تسخين توازي 25 مرة عملية التسخين الناجمة عن ثاني أكسيد الكربون، مما يؤدي إلى تنامي الاحتجاجات من قبل أنصار البيئة ويؤثر بصورة كبيرة في التغيرات المناخية التي ألحقت أضرارا جسيمة بالاقتصاد العالمي. من هنا، فإن تأثيرات إنتاج الغاز الصخري سوف تستمر لسنوات معدودة سيخفف من وطأتها على البلدان المصدرة الارتفاع المستمر في الطلب على الغاز في الأسواق العالمية، إذ شهدت الأسعار بعض التحسن في الآونة الأخيرة، خصوصا وأن استخداماته متعددة، فهو مولد أساسي للتدفئة والاستخدامات المنزلية وإنتاج الطاقة الكهربائية، هذا عدا كونه مادة أولية للصناعات البتروكيماوية التي لا غنى عنها، كما أنه يستخدم، كمصدر أساسي للطاقة في العديد من الصناعات الحديثة، علما بأنه يعاد ضخه لزيادة الضغط في حقول النفط لزيادة الإنتاج، وذلك إلى جانب الانتشار السريع لاستخدامه في وسائل النقل في العديد من البلدان للحد من عملية التلوث الناجمة عن استخدامات الفحم والديزل.وفي كل الأحوال، فإن إنتاج الغاز الصخري لا يمكن أن يكون بديلا عن إنتاج الغاز الذي سيبقى مصدرا أساسيا للطاقة ذي أبعاد مستقبلية مهمة، مما يبرر الاستثمارات الكبيرة في البلدان التي تتوفر فيها احتياطيات ضخمة منه، بما فيها البلدان العربية والخليجية والتي أضحت أكثر من اي وقت مضى في حاجة لإقامة شبكة خليجية متكاملة للغاز الطبيعي، مما سيزيد من فعالية الاستثمارات ويخفض التكاليف ويضمن الإمدادات لتنمية الكثير من مشاريع التنوع الاقتصادي وتوفير فرص العمل في نطاق السوق الخليجية المشتركة.

499

| 20 يناير 2013

البورصات الخليجية في عام 2013

لم يسبق أن شهدت البورصات الخليجية هذا التفاوت الكبير في الأداء فيما بينها، خصوصا أن الأوضاع الاقتصادية والمالية العامة في دول المجلس متشابهة إلى حد كبير، مما يطرح العديد من التساؤلات حول العوامل التي يمكن أن تؤثر في أداء أسواق المال الخليجية في المستقبل.وإذا ما استثنينا أسواق الإمارات والسعودية والتي حققت أعلى معدلات ارتفاع، حيث ارتفعت سوق دبي بنسبة %20 تقريبا في العام الماضي، مقارنة بعام 2011 وسوق أبوظبي 9.5% والسوق السعودية 6%، فإن بقية أسواق دول المجلس إما أنها ارتفعت بنسب بسيطة، كالكويت 2% ومسقط 1% أو أنها انخفضت، كما هو الحال في بورصتي قطر والبحرين بنسب 5% و7% على التوالي.ويعتبر الاقتصادان السعودي والإماراتي أكبر اقتصادين عربيين، في حين تمثل قيمة بورصات الإمارات والسعودية 65% من إجمالي قيمة البورصات الخليجية، والتي ارتفعت قيمتها الإجمالية لتصل إلى 775 مليار دولار في عام 2012، وذلك نتيجة للارتفاع الكبير في الأسواق المالية في هذين البلدين.وجاء الارتفاع الكبير في سوقي الإمارات بفضل ارتفاع أسهم الشركات العقارية بصورة أساسية، وذلك بعد أن دخل هذا القطاع مرحلة التعافي مع بداية عام 2012، في حين ارتفعت بصورة خاصة أسهم شركات الاتصالات والمؤسسات المصرفية في السعودية.ومع أن الاقتصاد القطري حقق أعلى نسبة نمو بين الاقتصادات الخليجية في العام الماضي، إلا أن أسعار الأسهم لم تستجب لهذا النمو ولم تتفاعل معه، كما هو متوقع، مما يعني أن العوامل المؤثرة على أداء البورصات الخليجية لا تتوقف على الأداء الاقتصادي المحلي بصورة أساسية، وإنما على عوامل أخرى ترتبط، بالمضاربات والأزمات المالية الخارجية، كأزمة منطقة اليورو ووضع الاقتصاد الأمريكي غير المستقر، حيث تفاعلت كافة أسواق المال الخليجية مع هذه التطورات بقوة في العام الماضي.ومع أن أحداث الكويت والبحرين قد أثرت في مسار البورصات هناك، إلا أنها لم تلعب دورا حاسما في تحديد هذا المسار، خصوصا أن اقتصادي البلدين حققا نسب نمو جيدة، كما أن أوضاعهما المالية تتمتع بالقوة بفضل استقرار أسعار النفط عند معدلات مرتفعة، وهو ما أدى بدوره إلى استقرار سوق مسقط للأوراق المالية.وإذا كان هذا الوضع الذي ميز أداء الأسواق الخليجية في العام الماضي، فإن ما يهمنا هنا هو آفاق الأداء في العام الجاري، وذلك لتحديد أولويات المستثمرين والصناديق والشركات الاستثمارية المؤسساتية، إذ يبدو أن كافة الأسواق المالية الخليجية مرشحة للارتفاع في العام الجاري، وذلك إذا ما قل تأثير بعض العوامل التي سنشير إليها لاحقا، علما بأن نسب التفاوت بين الأسواق الخليجية ربما تتقلص بسبب التقارب الشديد المتوقع تحقيقه بين أداء هذه الأسواق في عام 2013.أما العوامل التي يمكن أن تؤثر إيجابا وسلبا في الأسواق الخليجية والتي لا بد من أخذها بعين الاعتبار، فإنها تكمن أساسا في العديد من العوامل الإيجابية، كتوزيعات الشركات عن أرباحها لعام 2012 والمفترض في الربع الأول من هذا العام والتي يتوقع أن تكون مجزية، وذلك بفضل تنامي أرباح الشركات، بما فيها أرباح الشركات المدرجة في الأسواق المنخفضة في العام الماضي، كالسوقين القطرية والبحرينية.وضمن العوامل الإيجابية أيضا، تأتي مسألة استقرار أسعار النفط عند معدلات مرتفعة والتوقعات الخاصة بإمكانية تحقيق الاقتصادات الخليجية لنسب نمو جيدة تتراوح ما بين 4-7% في العام الحالي 2013 وما قد يترتب عليه من ارتفاع في أداء وأرباح الشركات، وكذلك الزيادة الكبير في حجم الإنفاق في الموازنات الخليجية لعام 2013 والذي سيؤدي إلى انتعاش القطاعات غير النفطية وزيادة السيولة في الأسواق.وهناك أيضاً استمرار انتعاش القطاع العقاري المؤثر وانخفاض مخصصات البنوك تجاه الديون والالتزامات وضعف ارتباطها بأزمة منطقة اليورو، مما يعني إمكانية ارتفاع أرباحها في عام 2013 وزيادة التوزيعات في بداية عام 2014.أما العوامل السلبية، فإنها تكمن أساسا في انعكاسات تأثيرات الأزمة المالية في أوروبا والولايات المتحدة وعدم الاستقرار في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط، وهي عوامل كان لها تأثيرات ليست قليلة في السنتين الماضيتين.وبشكل عام، فإن الآفاق تبدو جيدة والفرص الاستثمارية مواتية في أسواق المالية الخليجية في العام الجاري 2013، بل إنها تعتبر من بين أفضل الفرص الموجودة في الأسواق العالمية، وذلك إذا ما أخذنا بعين الاعتبار التوقعات الخاصة بنمو الاقتصادات الخليجية والعائد الجيد على الاستثمار، حيث يمكن لانخفاض حدة التوترات في المنطقة وتجاوز منطقة اليورو لمعظم تداعيات أزمتها المالية أن يساعدا أسواق المال الخليجية على زيادة مكاسبها في عام 2013.

311

| 13 يناير 2013

موازنة قطرية بدون نفط

تحقق بعض دول مجلس التعاون الخليجي المزيد من التقدم الهادف إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على العائدات النفطية، سواء في تمويل الموازنات السنوية أو برامج التنمية والتي ما زالت تعتمد بصورة كبيرة على عائدات النفط. وتشكل تجربة دبي في هذا الصدد نموذجا لكيفية تسخير عائدات النفط لتطوير القطاعات غير النفطية لإيجاد مصادر بديلة لتمويل الموازنة السنوية، ففي عقدي الثمانينيات والتسعينيات بلغ إنتاج النفط في دبي أوجه ليبلغ 450 ألف برميل يوميا، إلا أن الاحتياطيات المكتشفة كانت محدودة، مما يعني أن عمر النفط في الإمارة قصير جدا، إذا ما قورن بالفترة الزمنية ما بين الاكتشاف ووصل الإنتاج إلى ذروته. من هنا انصب التفكير لدى متخذ القرار على ضرورة الإسراع في استخدام العائدات النفطية بصورة فعالة لتنمية القطاعات الاقتصادية غير النفطية، حيث نجحت دبي في هذا الصدد نجاحا اكتسى طابعا عالميا وأضحى نموذجا للبلدان النامية المنتجة للنفط. وبعد أن كانت حصة النفط تمول ميزانية الإمارة بنسبة كبيرة تتراوح ما بين 70-80% في بداية التسعينيات، كما شكل النفط النسبة العظمى من الناتج المحلي الإجمالي، فإن الصورة مع نهاية العقد الأول من القرن الحالي تغيرت تماما، إذ أصبح تمويل الموازنة السنوية يعتمد على موارد غير نفطية تتحقق من خلال الدخل الناجم عن قطاعات رئيسية لاقتصاد الإمارة، كالتجارة والخدمات المالية والسياحة والنقل، وبالأخص طيران الإمارات، حيث يساهم قطاع السياحة والنقل بنسبة %30 من الناتج المحلي، في حين يساهم ميناء جبل علي ومنطقته الحرة بنسبة %20. أما مساهمة النفط في الناتج المحلي الإجمالي، فقد تدنت إلى نسبة ضئيلة لا تتعدى 5% من قيمة الناتج المحلي لدبي، في الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات المعيشة للمواطنين والمقيمين، بما في ذلك ارتفاع كبير في الرواتب والأجور وتحسن البنية التحتية والخدمات التي تتمتع بمواصفات عالمية. وإذا ما أضيف إلى ذلك التنوع الذي حققته الإمارات الأخرى، وبالأخص أبوظبي الغنية بالنفط والشارقة، فإن هذا التنوع أسهم في إحداث تغيرات مهمة في الاقتصاد الإماراتي ككل، وذلك باتجاه زيادة القيمة المضافة للقطاعات غير النفطية. ومؤخرا أعلنت دولة قطر عن توجه إستراتيجي مماثل ومهم للمستقبل الاقتصادي لقطر التي تتمتع بغزارة إنتاجها من الغاز الطبيعي، حيث تم وضع تصور مستقبلي يرمي إلى إصدار موازنة سنوية دون الاعتماد على النفط في قطر بحلول عام 2022، وهو عام إقامة المونديال في الدوحة والذي خصصت له استثمارات هائلة تتراوح ما بين 80 -100 مليار دولار، مما سيساهم في خدمة هذا التوجه القطري الجريء والذي يعني الاستقرار الاقتصادي والسياسي والمحافظة على مستويات معيشية مرتفعة دون الاعتماد على الثروة النفطية الناضبة. ومن القراءة المتأنية للتوجهات التنموية القطرية الحالية، فإنه يمكن القول إن قطر تملك القدرة والإمكانات للوصول لهذا الهدف في الوقت المحدد أو إنجاز قسط كبير منه على أقل تقدير، إلا أن المهم أن هناك توجها جادا لتحقيق ذلك، حيث تمكن الاستفادة من التجربة الإماراتية في هذا التوجه الإستراتيجي والذي يتناسب مع التغيرات الهائلة في صناعة الطاقة العالمية وتطوير مصادر الطاقة البديلة من جهة والتغيرات الاقتصادية العالمية المتسارعة من جهة أخرى. وضمن البوادر التي تدعو للتفاؤل بإمكانية تحقيق ذلك أيضاً هو معدل النمو السنوي المرتفع الذي يحققه الاقتصاد القطري سنويا والذي يعد واحدا من أعلى معدلات النمو في العالم، هذا عدا النمو المتسارع للعديد من القطاعات غير النفطية، خصوصا الصناعات التحويلية والخدمات المالية والنقل والسياحة. وفيما عدا تجربة الإمارات ومساعي قطر، فإن بقية دول المجلس تملك توجها مماثلا، إلا أنها لم تضع حتى الآن تصورا شاملا لكيفية تحقيق ذلك، علما بأنها تملك فرصا جيدة لتحقيق التقدم المنشود وإزالة العراقيل المعيقة والتي تختلف من دولة إلى أخرى والتي يصعب التطرق لها في هذا التحليل الموجز. والحقيقة أن هناك عوامل مساعدة ومهمة للغاية تتيح لكافة دول المجلس تنويع اقتصاداتها في السنوات القادمة والتي يأتي في مقدمتها التكامل الاقتصادي في نطاق مجلس التعاون والسوق الخليجية المشتركة والتي تعتبر كبيرة نسبيا وتفسح المجال أمام تنمية العديد من القطاعات الإنتاجية والخدمية، وبالأخص للأسواق الصغيرة،. وإذا ما تحقق ذلك خلال العقد الحالي، فإن التوقعات التي تشير إلى تحول الاقتصاد الخليجي الموحد إلى أحد أكبر ستة اقتصادات في العالم في عام 2025 له ما يبرره من الناحية العملية والموضوعية، خصوصا وأن دول المجلس تملك كافة عوامل نجاح هذا التوجه الإستراتيجي، ذي الأبعاد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المؤثرة.

508

| 06 يناير 2013

مؤتمر الدوحة و"الاقتصاد الأخضر"

تسعى دول مجلس التعاون الخليجي إلى التعامل بصورة جماعية مع التداعيات الناجمة عن العلاقة الوثيقة ما بين التنمية الاقتصادية والتغير المناخي، تلك العلاقة التي تجد لها انعكاسات متزايدة وتؤثر بصورة كبيرة في برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتوفير مصادر الطاقة والتنوع الاقتصادي. ويطلق البعض على مثل هذا التوجه المستقبلي "الاقتصاد الأخضر" والذي يقوم على أسس من التنمية المستدامة التي تضمن إمدادات دائمة من الطاقة النظيفة والمواد الأولية اللازمة للنمو، وذلك من خلال المحافظة على الموارد المتاحة مع عدم الإضرار بالبيئة والتقليل قدر الإمكان من الانعكاسات السلبية للتغيرات المناخية على التنمية. وتلقى مثل هذه الجهود اهتماما متزايدا على صعيد كل دولة وتكتل اقتصادي وعلى صعيد الأمم المتحدة والتي عقدت مؤتمرها الثامن عشر للتغير المناخي مؤخرا في العاصمة القطرية الدوحة، حيث قدمت أربع من دول مجلس التعاون الخليجي، وهي الإمارات والسعودية وقطر والبحرين ولأول مرة بيانا تاريخيا مشتركا إلى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن التغير المناخي تتعهد بموجبه دول التعاون الأربع بتطوير خطط للتنوع الاقتصادي لا تضر بالمناخ. وضمن هذا الإطار الدولي تضع كل دولة أو مجموعة من الدول، كما هو الحال في المجموعة الخليجية الأساليب والمناهج التي تتبعها للحد من الانبعاثات من خلال تشجيع استخدامات الطاقة النظيفة وإقامة مشاريع وصناعات حديثة تعتمد على تقنيات أقل تلوثا ولوضع أسس قوية للتنمية المستدامة التي تراعي التغيرات المناخية وتتعامل معها بما يتناسب ومتطلباتها المستقبلية ومحافظتها على مواردها الطبيعية. ويملك البرنامج الذي قدمته الدول الخليجية الأربع مصداقية كبيرة وآفاقا جيدة للتنفيذ، فمن بين البلدان العربية والنامية تملك معظم دول مجلس التعاون برامج طموحة لتطوير مصادر الطاقة النظيفة، فدولة الإمارات خصصت مبلغ 62 مليار دولار لتطوير الطاقة المتجددة، وبالأخص الشمسية من خلال مدينة مصدر ومركز محمد بن راشد للطاقة الشمسية، كما أن هناك مشاريع أخرى لتطوير مشاريع طاقة الرياح، بل إن جهود الإمارات في هذا الجانب امتدت لتشمل المساعدة في تنفيذ مثل هذه المشاريع في بلدان أخرى، كبريطانيا وإسبانيا، في حين خصص صندوق أبوظبي للتنمية مبلغ 184 مليون درهم (50 مليون دولار) لتمويل مشاريع طاقة متجددة على شكل قروض ميسرة في البلدان النامية. أما السعودية، فقد قدرت الاستثمارات المتوقعة في الطاقة الشمسية بـ 109 مليارات دولار لإيجاد مصادر دائمة ونظيفة للطاقة للحد من انبعاثات الكربون المؤثر في التغيرات المناخية وتداعياتها الاقتصادية السلبية، في حين خصصت قطر 20 مليار دولار لتطوير مصادر الطاقة النظيفة وتحديدا الطاقة الشمسية، كما تسعى البحرين إلى اعتماد مشاريع مشابهة، مما رفع عدد مشاريع الطاقة النظيفة المزمع إقامتها في دول المجلس إلى 30 مشروعا. لذلك، فإن الاتفاقية الجديدة التي تقدمت بها البلدان الأربعة لمؤتمر الأمم المتحدة تعني الكثير للبرامج الخليجية في مجال إنتاج الطاقة المتجددة وما يترتب عليها من تنمية مستدامة ومحافظة على المناخ، فهذا التوجه الخليجي المستقبلي يحمل بين طياته عملا خليجيا مشتركا قادرا على التعامل مع أحد أهم التحديات التي تواجهها بلدان العالم، فالتغيرات المناخية في العقد الماضي تركت آثارا اقتصادية ضارة ومكلفة للغاية وأدت إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية وكلفت العالم خسائر جسيمة من جراء الفيضانات والجفاف ومختلف الكوارث الطبيعية الناجمة عن ذلك. وضمن أمور عديدة، فإن التنسيق الخليجي في هذا الجانب سيؤدي إلى تخفيض تكاليف هذه البرامج وإلى إقامة مراكز خليجية مشتركة للبحث والتطوير وتوطين تقنيات إنتاج الطاقة النظيفة ووضع الدراسات اللازمة للحد من تأثيرات التغيرات المناخية على الاقتصادات الخليجية والاستخدام الأمثل للمصادر الطبيعية، وبالأخص المياه الشحيحة في دول المجلس. وإلى جانب ذلك، فإن إقامة وتنمية الصناعات الحديثة والأقل إضرارا بالبيئة والمعتمدة على التقنيات المتطورة والطاقة النظيفة تعتبر صناعات كثيفة رأس المال، أي أنها تتطلب رؤوس أموال كبيرة جدا، ربما لا تتاح لكافة دول المجلس بصورة منفردة. من هنا بالذات تأتي الأهمية الكبيرة للعمل الخليجي المشترك والذي تضمنه بيان البلدان الخليجية الأربع لمؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي. ومع أن انضمام كل من الكويت وعمان لهذا البرنامج في المستقبل تعتبر مسألة وقت، وذلك بحكم وجودهما ضمن التكتل الخليجي وترابط مصالحهما الاقتصادية بصورة وثيقة مع مصالح بقية دول المجلس، إلا أن سرعة انضمامهم ووضعهم لبرامج تطوير للطاقة النظيفة ستسدي خدمة كبيرة لضمان إمدادات الطاقة في هذين البلدين وتدعيم أسس التنمية المستدامة فيهما.

491

| 30 ديسمبر 2012

للتعاطي مع الأزمة المالية.. نهجان

في ظاهرة تنم عن شعور كبير بالمسؤولية تجاه الوطن والتزاما بمساعدة المؤسسات والشركات الوطنية على تجاوز تداعيات الأزمة المالية العالمية قرر العاملون في شركة الطيران الفنلندية ومن تلقاء أنفسهم تخفيض رواتبهم للمساعدة في تجاوز شركتهم لتداعيات الأزمة. ومع أن هؤلاء العاملين لا يتحملون أي مسؤولية عن حدوث هذه الأزمة والتي تسبب فيها كبار مديري البنوك والمؤسسات المالية نتيجة لتهورهم وعدم التزامهم بأصول التعاملات المالية وجشعهم الذي لا حدود له، إلا أن الوقت الحالي من وجهة نظر العاملين الفنلنديين ليس زمن المحاسبة والذي سيأتي لاحقا، وإنما زمن التعاون بين كافة أطراف الإنتاج لتجاوز الأزمة وعودة الأنشطة الاقتصادية لعهدها السابق والتقليل قدر الإمكان من نتائجها السلبية، وبالأخص البطالة. وفي هذا الجانب تتفاوت التقييمات بصورة كبيرة بين اتجاهين، الأول الاتجاه الإسكندنافي والأيرلندي والذي يؤمن بالعمل الجماعي والمتواصل من قبل كافة مكونات المجتمع للخروج من الأزمة، فالتداعيات السلبية شملت الجميع دون استثناء، سواء من مالكي رؤوس الأموال والعمال وأصحاب المهن الصغيرة والمتوسطة والتجار والمزارعين أو حتى قطاع المال الذي تسبب في حدوث الأزمة. لذلك، فإن للجميع مصلحة عامة في التعاون والعمل الجاد والمتواصل بغض النظر عن تفاوت المواقف. من هنا نرى أن البلدان الإسكندنافية وأيرلندا تحقق تقدما ملحوظا وكبيرا نحو استعادة القطاعات الاقتصادية لزخم نشاطاتها لفترة ما قبل الأزمة، إذ إن هناك تعاونا لافتا للنظر واستثنائيا بين رجال الأعمال والعمال والحكومات والتي تنسق بصورة مشتركة لتجاوز تداعيات الأزمة، حيث التضحيات والتنازلات والمساومات من قبل كافة الأطراف. وبالنتيجة تم في هذه البلدان خلق ملايين من فرص العمل وجذب استثمارات محلية وأجنبية كبيرة واستعادة أسواق المال نشاطاتها المعتادة، وإذا ما استثنينا أيرلندا، فإن البلدان الإسكندنافية لم تحتج لصندوق الإنقاذ الأوروبي، وذلك بفضل تغلبها على معظم ترسبات الأزمة. في المقابل نجد بلدانا أخرى، كاليونان وإسبانيا تراوح مكانها، حيث تؤدي تصرفات الجميع دون قصد إلى الإسهام في إغراق السفينة، فرجال الأعمال يرحلون استثماراتهم للخارج، وبالأخص لسويسرا والعمال والموظفون مستمرون وعلى مدى أكثر من عامين في مسلسل التظاهر في الشوارع، ما أدى إلى تدني معدلات الإنتاجية وتدهور القطاعات الاقتصادية، أما الحكومات، فإنها تقف عاجزة أمام هذه الظواهر ومكتفية بإمدادات الأموال من صندوق الإنقاذ الأوروبي، حيث ستحصل اليونان على 64 مليار يورو هذا الأسبوع والتي ربما ستتبخر مثلما تبخرت المبالغ السابقة بسبب تشتت فئات المجتمع وعدم سعيها الجاد للاستفادة من مئات المليارات من اليوروات التي ضخت حتى الآن في اقتصادات اليونان وإسبانيا، وذلك على العكس من أيرلندا التي ربما لم تعد في حاجة لمبالغ إضافية وحققت أقصى استفادة من أموال الإنقاذ السابقة. من هنا نجد ارتفاع معدلات البطالة تصل إلى 24% في اليونان وإسبانيا يصاحبها إحجام عن الاستثمار وتقلص في الاستثمارات الأجنبية التي تتوجس من استمرار الاحتجاجات المستمرة وتغير الحكومات والذي لا جدوى منه في ظل عدم الاستقرار المجتمعي. هذان نموذجان بارزان لكيفية التعامل مع الأزمات الاقتصادية المتكررة، إذ لم يعد الأمر كما كان في السابق والذي يقتصر الصراع فيه بين العمال وأصحاب العمل في كل بلد على حدة، فالعولمة وانفتاح الأسواق والتنافسية العالمية قربت وإلى حد بعيد بين مصالح أطراف الإنتاج في كل بلد، إذ أصبح ما يضر رجال الأعمال يضر بالضرورة العمال والمصالح الاقتصادية للبلد ككل، كما أن النتائج الإيجابية تشمل الجميع في معظم الأحيان. وهذا الفهم المتقدم والصحيح للتطورات العالمية المتلاحقة والسريعة لا يمكن فهمه بسهولة، فهو بحاجة لوعي عال بالمسؤولية والإيمان بالسلم الاجتماعي وتعاون أفراد المجتمع والشعور بالمسؤولية المشتركة، وهو ما يميز المجتمعات الإسكندنافية والتي تملك نظاما رأسماليا فريدا من نوعه ويختلف عن الأنظمة الرأسمالية في بقية أنحاء أوروبا والعالم ويحقق درجة كبيرة من العدالة الاجتماعية، وبالتالي الاستقرار الاقتصادي والسياسي لهذه البلدان. نعم ليس من السهولة تطبيق هذا النموذج الاقتصادي والاجتماعي الراقي في معظم بلدان العالم، إلا أن هناك بلدانا عديدة، بما فيها بعض البلدان العربية، ودول الخليج العربي تحديدا تملك بعض السمات المشتركة، كالرعاية الاجتماعية ويمكنها الاستفادة من هذه التجربة الإسكندنافية الناجحة والتي تشكل نموذجا متقدما لمجتمع تسوده روح التعاون للتغلب على مختلف المصاعب والأزمات والتي لا تخلو منها مجتمعات عصر العولمة، بما فيها الأزمات الاقتصادية المتعاقبة.

290

| 23 ديسمبر 2012

قراءة في الميزانية الاتحادية للإمارات 2013

أقرت مؤخرا ميزانية الحكومة الاتحادية للإمارات لعام 2013 لتتماشى مع التوجه المعتمد في عام 2011 والخاص بإصدار ميزانية صفرية دون عجز للأعوام 2011-2013 على أن يوجه الإنفاق العام بما يخدم رؤية الإمارات لعام 2021، علما بأن ميزانية الحكومة الاتحادية وحدها لا تعكس الأوضاع المالية الجيدة للدولة على اعتبار أن هناك موازنات الإمارات المحلية، وخاصة موازنتي إمارتي أبو ظبي ودبي واللتين يفوق الإنفاق فيهما الإنفاق العام في الموازنة الاتحادية، إلا أنها مع ذلك تقدم مؤشرات عامة عن الأوضاع المالية وكفاءة الإنفاق الحكومي. أما بيانات الميزانية الاتحادية لهذا العام، فإنها تشير بوضوح إلى الرغبة الأكيدة لدى متخذ القرار الاتحادي في الاستغلال الأمثل للموارد المالية المتاحة، خصوصا بعد سنوات من العمل الجاد الرامي إلى إيجاد مصادر للتمويل الذاتي للميزانية الاتحادية وتقليل الاعتماد على مساهمات الإمارات من خلال العوائد النفطية. وفي هذا الصدد تعتبر الميزانية الاتحادية للدولة نموذجا يحتذى به لمستقبل الأوضاع المالية ليس في دولة الإمارات فحسب، وإنما لدول مجلس التعاون الخليجي والبلدان المنتجة للنفط بشكل عام، حيث تم في السنوات الماضية إيجاد قنوات دخل إضافية بعيدا عن عائدات النفط، بحيث أصبح التمويل الذاتي يشكل نسبة كبيرة من إجمالي تمويل الميزانية الاتحادية. وقدرة إيرادات ميزانية عام 2012 والتي صدرت مبكرا بمبلغ 44.6 مليار درهم ومصروفات تقديرية بالمبلغ نفسه ودون عجز، وذلك للعام الثالث على التوالي، حيث يبلغ إجمالي المصروفات للسنوات الثلاث 133 مليار درهم، وهو مبلغ يلبي احتياجات برنامج الحكومة الاتحادية الرامي إلى تقديم أفضل الخدمات للمواطنين والمقيمين في الدولة. وإذا ما أضيفت إلى بنود هذه الميزانية موازنات الجهات الاتحادية المستقلة، فإن إجمالي الإيرادات سيصل إلى 52 مليار درهم، مما يوفر فائضا يقدر بخمسة مليارات درهم من إجمالي الإنفاق البالغ 47 مليار درهم. وتعبر أوجه المصروفات عن التوجهات الإستراتيجية للحكومة الاتحادية ورؤية الدولة المستقبلية، حيث خصص مبلغ 22.7 مليار درهم أو ما نسبته 50.9% من الإنفاق العام لقطاع البنى التحتية الناعمة والتنمية الاجتماعية، وبالأخص التعليم والصحة والإسكان. وفي هذا الجانب استحوذ التعليم بشقيه الأساسي والجامعي على ما قيمته 9.9 مليار درهم أو ما نسبته 22.2% من إجمالي الإنفاق، حيث بلغت حصة التعليم الأساسي 6 مليارات درهم، وهو ما يشكل نسبة كبيرة من الإنفاق تبلغ 13.5% تقريبا، حيث تسعى الحكومة الاتحادية إلى دعم التوجهات الجديدة لوزارة التربية والرامية إلى تطوير التعليم الاتحادي ليرتقي إلى مستوى التعليم المحلي في الإمارات ودعم الجهود المبذولة لإدخال تقنيات التعليم الحديثة لمدارس الدولة. وإذا ما تمكنت وزارة التربية والتعليم من إنجاز هذه التطلعات، فإن مخارج التعليم ستسدي خدمة كبيرة للتوجهات الحكومية الساعية إلى بناء اقتصاد جديد قائم على المعرفة، وهو ما يتناسب والتوجهات العالمية وطبيعة العلاقات الدولية المستجدة، مما سيمنح دولة الإمارات أفضليات عديدة في علاقاتها الاقتصادية على المستويين الإقليمي والدولي. وفي سبيل دعم التعليم الجامعي، فقد خصصت له اعتمادات قدرها 3.9 مليار درهم، وهو ما يشكل 8.7% من ميزانية الدولة، مما سيتيح تطوير التعليم الجامعي المحلي من جهة وزيادة البعثات المقدمة للمواطنين للدراسة في الخارج من جهة أخرى. ووجهت ضمن بنود الموازنة أهمية خاصة للخدمات الصحية وتطويرها، حيث تم رصد مبلغ 3.4 مليار درهم وبنسبة 7.6% من مصروفات الميزانية، حيث تضمن ذلك بالإضافة إلى تقديم الخدمات للمواطنين والمقيمين، إقامة مراكز ومرافق صحية جديدة لتلبية الطلب المتزايد على الخدمات الصحية. وفي الوقت نفسه خصصت مبالغ لبرنامج الشيخ زايد للإسكان ومبلغ 5.2 مليار درهم للهيئة الاتحادية للماء والكهرباء لتنفيذ المزيد من المشاريع في هذا المجال، خصوصا وأن نسبة الطلب على خدمات المياه والكهرباء مرتفعة جدا بسبب ارتفاع حصة الأفراد من هذه الخدمات والتي تفوق المعدلات العالمية. ومن خلال هذه البيانات توجه الحكومة الاتحادية العديد من الرسائل الإيجابية لقطاع المال والأعمال والتي تأتي من ضمنها متانة الوضع المالي في الدولة وقدرته على التعامل مع تداعيات الأزمة المالية العالمية وتجاوزها، مما يؤدي إلى تعزيز الثقة في الاقتصاد المحلي ويعمل على استقطاب المزيد من رؤوس الأموال المحلية والأجنبية، مما سيؤدي إلى تحسين مستويات المعيشة من خلال زيادة معدلات النمو، وبالأخص للقطاعات الاقتصادية غير النفطية.

575

| 16 ديسمبر 2012

alsharq
إلى من ينتظرون الفرد المخلص

سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما...

4959

| 08 مارس 2026

alsharq
الخليج ليس ساحة حرب

تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث...

3756

| 09 مارس 2026

alsharq
حين جار الجار

في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار...

2508

| 04 مارس 2026

alsharq
لسان «مكسّر».. هل نربي «أجانب» بملامح خليجية؟

المشهد يتكرر كل يوم جمعة، وهو مؤلم بقدر...

1071

| 04 مارس 2026

alsharq
الخليج محمي

وصلنا إلى اليوم الحادي عشر من حرب ايران...

921

| 10 مارس 2026

alsharq
إيران.. وإستراتيجية العدوان على الجيران

-رغم مبادرات قطر الودية.. تنكرت طهران لمواقف الدوحة...

912

| 07 مارس 2026

alsharq
التجربة القطرية في إدارة الأزمات

عندما تشتد الأزمات، لا يكمن الفارق الحقيقي في...

762

| 09 مارس 2026

alsharq
العقول قبل الألقاب

في كل مجتمع لحظة اختبار خفية هل يُقدَم...

654

| 05 مارس 2026

alsharq
رسالة إلى الوزير الصالح

رسالتي هذا الأسبوع من حوار القلم إلى الرجل...

639

| 05 مارس 2026

alsharq
نفحات ينتظرها الجميع

الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وجعلنا من أمة...

603

| 04 مارس 2026

alsharq
لماذا تتجه إيران صوب الانتحار؟

أقدمت إيران بعد استهداف خامنئى على توسيع نطاق...

537

| 07 مارس 2026

alsharq
قطر.. «جاهزية دولة» عند الأزمات

-زيارة سمو الأمير إلى مركزي العمليات الجوية والقيادة...

528

| 08 مارس 2026

أخبار محلية