رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يشوب صناعة وأسعار النفط الكثير من الغموض الذي يؤدي إلى تحول الكثير من التحليلات والتوقعات إلى مجرد آراء، إما أنها لا تستند على بيانات أو وقائع موضوعية، أو أنها تتأثر بصورة كبيرة بالأحداث السياسية والأمنية المحيطة بمنطقة الخليج العربي والتي تعتبر أكبر منجم للذهب الأسود.
وبما أن تأثيرات أسعار النفط كبيرة وحاسمة للاقتصادات الخليجية، فإنه يمكن ملاحظة التفاوتات الكبيرة خلال فترات زمنية قصيرة نسبيا للمؤشرات الاقتصادية الخليجية الخاصة بالنمو وحجم الناتج المحلي وفائض الميزان التجاري وغيرها من المؤشرات المهمة.
في السابق كان منتجو ومصدرو النفط في العالم يبتهجون مع أي ارتفاع للأسعار، إلا أن ارتفاعها مؤخرا بصورة جنونية أوجد حالة من التشويش المبهم عند البلدان المصدرة والتي فوجئت بالعائدات القياسية وبتكدس هذه العائدات دون وجود منافذ استثمارية مناسبة لتوظيفها، مما حدا بمعمر القذافي قبل رحيله إلى اتخاذ قرار بتوزيع جزء من هذه العائدات على الليبيين. ومع أنه لم يفِ بوعده ولم يقم بتوزيع شيء، إلا أن هذا القرار رغم حماقته، فإنه يعبر عن الاستخفاف بما توفره الثروة النفطية من فرص تاريخية لا تتكرر لتنمية ليبيا.
من جهتها لمست البلدان المعتدلة خطورة المبالغة في ارتفاع أسعار النفط وانعكاساتها السلبية على الاقتصاد العالمي، وبالأخص في ظل الأزمة التي تعصف باقتصادات العالم، بما فيها البلدان الرئيسة المستهلكة للنفط، حيث تشمل هذه الانعكاسات البلدان المصدرة ذاتها، كيف؟
كما أشرنا آنفا، فإنه في الوقت الذي تضاعفت فيه عائدات النفط، فقد تضاعفت أيضاً معدلات التضخم وبالتالي الأسعار دون سند موضوعي لتتجاوز مستوى الارتفاعات في أسواق السلع الدولية، حيث لم تستطع زيادة الرواتب في معظم البلدان النفطية سد الفجوة ما بين ارتفاع الأجور وزيادة تكاليف المعيشة الناجمة عن التضخم، خصوصا في ظل غياب رقابة مقننة على أسعار السلع والخدمات.
لقد أوجد ذلك نوعا من الفوضى السعرية التي أثرت سلبا على مستويات المعيشة وأضحت العديد من السلع والخدمات الضرورية، بما فيها الإسكانية بعيدة عن قدرات فئات اجتماعية واسعة، أما بعض أنواع السلع والخدمات، كالخدمات الصحية، فقد انتقلت أسواقها إلى البلدان الأقل كلفة، وذلك بسبب الارتفاع الخيالي في أسعارها في البلدان النفطية.
من هنا تحاول العديد من البلدان المنتجة للنفط، بما فيها دول مجلس التعاون الخليجي كبح جماح ارتفاع الأسعار لتبقى عند الأسعار العادلة التي تساعد على عودة الانتعاش للاقتصاد العالمي المتضرر من الأزمة من جهة، وحرصا منها على استقرار أوضاعها الاقتصادية وتلبية احتياجاتها التنموية من جهة أخرى، مع التدرج في التوجهات الرامية إلى تطوير مصادر بديلة للنفط والتي أضحى العديد منها ذا جدوى اقتصادية بعد تضاعف الأسعار وتجاوزها في بعض الفترات لحاجز 140 دولارا للبرميل.
ويعتبر سعر البرميل الذي يتراوح ما بين 90 إلى 100 دولار سعرا عادلا في الوقت الحاضر، وهو يتناسب والأوضاع الاقتصادية الدولية ويتيح المساهمة في إمكانية انتعاشها من جديد، كما أن ذلك يلبي الاحتياجات التنموية للبلدان المصدرة للنفط ويضع العديد من المؤشرات السلبية، كالتضخم المفرط تحت السيطرة.
المشكلة أن هناك بلدانا في منظمة الأوبك تسعى إلى رفع أسعار النفط لتصل إلى مستويات قياسية جديدة، والحديث هنا يدور حول 200 دولار للبرميل، مما سيشكل كارثة للاقتصاد العالمي في ظل الأزمات الحالية، إلا أن ما يدفع هذه البلدان في هذا الاتجاه كونها تعاني نفسها من مصاعب اقتصادية وتحاول حلها من خلال زيادة عائداتها من النفط.
والحقيقة أن إيجاد حلول لهذه المصاعب لا يتوقف على العائدات النفطية وحدها، وإنما يرتبط بمجمل السياسات الاقتصادية في هذا البلد أو ذاك، فعسكرة المجتمع وتخصيص موارد كبيرة لقطاعات غير إنتاجية وزيادة الالتزامات الخارجية يمكن أن تلتهم جزءا كبيرا من عائدات هذه البلدان.
وفي كل الأحوال، فإن أسعار النفط لم يعد تحديدها مقتصرا على البلدان المصدرة وحدها، وإنما هناك تأثيرات للبلدان المستهلكة والتي يبدو أنها تحاول بدورها إيجاد نوع من الاستقرار في أسواق النفط العالمية، وهي بذلك تتفق مع معظم البلدان الرئيسة المصدرة، مما يعني المزيد من الاستقرار لاقتصادات المجموعتين وللاقتصاد العالمي ككل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم: "ومن عجيب أمره (أي: الثعلب) أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا، فلم يطق، فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير، ففزع منه. فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى تواظب الطير على ذلك وألفته، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها، وعبر إلى الطير. فلم يشُك الطير أنه من جنس ما قبله، فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به". ذلك تحديدًا هو ما يسلكه الاحتلال الإسرائيلي مع الأمة العربية والإسلامية تجاه الأقصى المبارك، سياسة تخدير الانتباه، والتكريس لإلف المشهد واعتياده من أجل فرض واقع جديد للأقصى ضمن المخططات الكبرى لهدمه وإقامة الهيكل على أنقاضه. لقد استغل الاحتلال حربه الدائرة مع إيران في إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه للمرة الأولى منذ عام 1967، فغاب عن القدس أهله واكتنفه الصمت، فحرم الفلسطينيون من صلاة التراويح وصلاة عيد الفطر في رحابه، وغابت كل مظاهر الفرح المألوفة، ليثير هذا الإجراء الصهيوني مخاوف جمة في أنه يحمل في طياته نوايا لإجراءات متتابعة من شأنها انتزاع الأقصى. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الإجراءات المؤقتة في القدس كثيراً ما تتحول إلى واقع دائم، أو على الأقل إلى سابقة تُستخدم لاحقاً لتوسيع القيود. وفي ظل التغيرات السياسية المتسارعة في المنطقة، يمكن أن يتحول هذا الإغلاق إلى خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف الوضع القائم في الحرم القدسي. وكالعادة تفشل الأمة في اختبار جس النبض الذي يقوم عليه الاحتلال، فردود الأفعال باهتة لا ترقى لمستوى ذلك الخطب الجلل. في إحدى الليالي الرمضانية الفائتة، شهد جامع الفاتح في إسطنبول احتجاجا نسائيا على إغلاق الأقصى، إذ قامت النسوة بإلقاء أغطية الرأس على المصلين، اتباعا لتقليد قديم تتبعه النساء في الضغط على الرجال من أجل القضايا الكبرى، قيل أن امرأة مسلمة فعلته مع صلاح الدين الأيوبي من أجل تحرير الأقصى من أيدي الصليبيين. هذا السلوك الرمزي تناولته وسائل الإعلام ومواقع التواصل بالتفسير والتحليل والإعجاب شأنه شأن أي حدث غريب، دون أن يكون له مردود في توسعة نطاق العمل والانتفاض من أجل الأخطار التي تحيق بالمسجد الأقصى، إضافة إلى ضعف المواقف الرسمية العربية والإسلامية، والتي بدت كأنها ترى في إغلاق مسرى النبي صلى الله عليه وسلم إجراءً معتبرًا على خلفية الحرب. الوضع القائم في الأقصى والذي تشكل على مدى عقود، يقوم على مبدأ أن المسجد الأقصى مكان عبادة للمسلمين بينما يسمح لغير المسلمين بزيارته وفق ضوابط محددة، غير أنه مع مرور السنوات تآكل هذا الوضع تدريجيًا، خاصة مع الاقتحامات المستمرة للمستوطنين الإسرائيليين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، وطرح أفكار علنية داخل الأوساط السياسية والدينية في الداخل الإسرائيلي، كان آخرها تحريض الحاخام المتطرف باروخ مارزل، والصحفي اليميني المتطرف ينون ماغال، على قصف الأقصى تحت غطاء الحرب مع إيران. من زاوية أخرى، يطرح إغلاق المسجد الأقصى تساؤلات حول مستقبل الإدارة الدينية للحرم القدسي. فالمعروف أن الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة للأردن، تتولى إدارة شؤون المسجد الأقصى وفق ترتيبات تاريخية معترف بها دولياً. غير أن إغلاق المسجد أو فرض إجراءات أمنية مشددة على هذا النحو يثير التساؤلات حول مدى استمرار تلك الجهات في إدارة القدس. أدق ناقوس الخطر من جديد، وأكرر ما قلته سابقا: هدم المسجد الأقصى ليس ممتنعا قدرًا ولا شرعًا، وليست هناك نصوص قرآنية أو نبوية تفيد بأنه معصوم من الهدم، وبناء على ذلك قد نصحو ذات يوم على ذلك الخبر المشؤوم. الحرب التي يتذرع بها الاحتلال لاستمرار إغلاق الأقصى قد تطول، ولا يستبعد قصفه وإلصاقها بإيران، أو قيام المتطرفين اليهود بأعمال تخريبية في ظل غياب المقدسيين. الخلاصة: الحدث يحتاج إلى هبة فلسطينية وحشد فلسطيني وبأعداد هائلة حول الأقصى، تبني عليه الشعوب حراكها لتشكيل رأي عام عالمي ضاغط على غرار ما كان أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة.
2913
| 22 مارس 2026
* مع اقترابنا من نهاية هذا الشهر الفضيل، نسأل الله أن يبلغنا ليلة القدر، وأن يجعلنا من عتقائه من النار، وأن يتقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال. وفي ظل ما يمر به العالم من ظروف صعبة وأحداث مؤلمة، نسأل الله أن يرفع الغمة، وأن يعم الأمن والسلام على بلادنا وسائر بلاد المسلمين. * في هذه الأيام المباركة، تتجه القلوب إلى بيوت الله بحثًا عن السكينة والخشوع، خاصة في المساجد التي يرتبط بها المصلون روحانيًا، ومن بينها المساجد التي يؤم فيها الشيخ عبدالرشيد صوفي، لما لصوته من أثر بالغ في نفوس المصلين، وما يحمله من خشوع يجعل الكثيرين يحرصون على الصلاة خلفه منذ سنوات. * هذا الإقبال الكبير، بطبيعته، يتطلب جاهزية عالية في إدارة المسجد، من حيث تنظيم الدخول والخروج للمواقف، وتوفير المساحات الكافية، وتهيئة المرافق، وحسن التعامل مع المصلين والمصليات، إلا أن الواقع في بعض الحالات لا يعكس هذا المستوى من الجاهزية. * فمن غير المقبول أن يتم التحكم في المرافق الأساسية، وإغلاق دورات المياه، أو تخصيصها لفئة معينة دون غيرها، بما يسبب معاناة للمصليات، ويخلق حالة من الازدحام والتوتر، بل ويدفع بعضهن للخروج إلى المرافق الخارجية للوضوء. كما أن غياب التنظيم الواضح، وترك بعض الجوانب لاجتهادات فردية دون صفة رسمية، قد يؤدي إلى ممارسات لا تتناسب مع حرمة المكان، سواء في أسلوب التعامل أو في آلية إدارة المصلى. * إن بيوت الله يجب أن تظل مفتوحة، رحبة، قائمة على الرفق، كما أرشدنا النبي ﷺ، لا أن تتحول- تحت أي ظرف- إلى بيئة يشعر فيها المصلون بالتضييق أو التمييز أو التوتر. * كما أن ما يُثار حول وجود تدخلات غير رسمية في بعض المساجد، أو التعامل معها وكأنها نطاق خاص، يطرح تساؤلات مشروعة حول ضرورة تعزيز الإشراف المؤسسي، وتأكيد أن المسجد وقف لله، يخضع لتنظيم الجهات المختصة، ولا يُدار وفق اعتبارات شخصية أو علاقات. * إن طرح هذه الملاحظات لا يأتي من باب النقد المجرد، بل من حرص صادق على بيوت الله، وعلى أن تبقى، كما ينبغي، مكانًا للسكينة، والرحمة، والخشوع. * ومع ختام هذا الشهر الكريم، فإن الأمل كبير بإذن الله في أن تؤخذ هذه الملاحظات بعين الاعتبار، وأن يتم التعامل معها بجدية، والاستعداد بشكل أفضل للمواسم القادمة، بما يضمن تهيئة بيئة إيمانية متكاملة، تليق بروحانية رمضان، وبمكانة المساجد، وبحرص المصلين على العبادة فيها. فالمساجد ليست مجرد مباني بل هي روح تُبنى، وقيمة تُصان، وأمانة يجب أن تُحفظ. * آخر جرة قلم حين يحرص الناس على الصلاة خلف إمام بخشوع الشيخ عبدالرشيد صوفي والحرص على الحضور من مناطق بعيدة، والتواجد طوال الشهر، فذلك دليل حياة في القلوب، لا يُقابل بإغلاق باب، ولا بتضييق مرفق، ولا بسوء إدارة. بيوت الله لا تُدار بالمفاتيح، بل بالمسؤولية. ولا تُحفظ بالمنع، بل بالرحمة. فإن لم تُصن روحانية المسجد، فماذا نصون؟ نسأل الله أن يتقبل، وأن يبلغنا وإياكم رمضان أعوامًا عديدة، في أمن وسكينة وطمأنينة. وأن يبلغنا ليلة القدر وما تنزل فيها من كل أمر حكيم.
1254
| 18 مارس 2026
ليست الحياة سوى جند مطواع يفتح ذراعيه لاستقبال كل من حمل في قلبه خيراً فأضاءه، فهي تأنس بمن يأنس إليها، وتلين لمن يطرقُ بابها بعزمٍ صادقٍ، فتفتح مسالكها لمن جاء زارعاً مُعمراً لا عابراً مجتازاً فحسب، وتستقبله هاشةً باشة، وكأنما تُكافئه جزيلاً على سلامة النية، وصفاء المقصد. ثم لا تلبث أن تلاعبه قليلاً لتمتحن شدّة صبره، وتختبر حقيقة جَلده، فيقف عند مفارقها لحظاتٍ يتبيّن فيها مقدار ما في صدره من احتمالٍ وثبات. وفي تلك المداورة الخفيّة تتجلّى معادن النفوس، وتنكشف سرائر الصدور، فمن وثق عزمه ازداد رسوخاً، ومن لانَ ساعده تعلّم من العثرة ما يقوّي خطوه في المرة القادمة. وكأن الحياة في هذا الامتحان لا تريد إلا أن تُظهر خبيئة المرء لنفسه، ليعرف موضع قدمه في دروبها، ومقدار ما يملك من صبرٍ على مسالكها الوعرة. فإن اجتاز.. تباهت به، وكأنها ترفع ذكره بين تجاربها، وتشهد له بأنه ممن صدقوا المسير ولم يهن لهم عزم. وإن علق في بعض منعطفاتها أعطته كرّات أخرى، تُمهله ليعيد المحاولة، ويستنهض الخطوة، ويستأنف السير بعزمٍ أشد وبصيرةٍ أوسع. وهكذا تبادله ودًّا بود، وإقداما بإحجام، في علاقةٍ خفيّة تتوازن فيها الخطوات بين الدفع والتريّث، وبين الجرأة والحكمة. ويمضي الإنسان في هذه المداولة الطويلة، تكرّ به الأيام وتفرّ، وهو يقطع فيافيها وقفارها، عابراً مسالكها البعيدة، متجاوزاً مفازاتها المترامية، حتى يبلغ واحاتٍ يهدأ عندها، ومستراحاتٍ يستردّ فيها أنفاسه. فلا يلبث أن يُدرك أن كل ما قطعه من مسافات كان جزءاً من الطريق إلى تلك السكينة، وأن كل اختبار مرّ به كان درجةً في سلّم النضج والاتساع. لحظة إدراك: هكذا تتبدّى الحياة في وجهها الأصدق: ميدانٌ رحب لمن أحسن قصدها، ورفيقُ مسيرٍ لمن أقبل عليها بنيّة الإعمار والسعي، فليست هذه سوى بتلك !
927
| 17 مارس 2026