رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

آفاق تطور البورصات الخليجية

بعد أن تأخر لمدة عامين وما زال إدراج سوقي الإمارات والدوحة للمؤشر العالمي للأسواق الناشئة "MSCI" لأسباب عديدة يتوقع أن يعلن عن قرار الموافقة من عدمه يوم الأربعاء القادم 20 من يونيو الجاري، كما يتوقع أن تتم محاولات مماثلة خلال الفترة القريبة القادمة لانضمام السوق السعودية لهذا المؤشر والذي ستكون له انعكاسات كبيرة على نشاط السوق، وبالأخص على عملية جذب المستثمرين الأجانب لأسواق المال الخليجية. ومع أن هناك انفصالا تاما بين أداء الاقتصاد والبورصات في دول مجلس التعاون في ظاهرة نادرة الوجود في أسواق المال، على اعتبار أن البورصة هي المرآة الحقيقية لاقتصادات الدول، إلا أن الوضع في دول المجلس مختلف تماما، فالأداء الاقتصادي الجيد والمدعوم بأسعار النفط المرتفعة في واد والبورصات الخليجية في واد آخر. وتكمن أحد أسباب هذه الظاهرة في شح السيولة في البورصات الخليجية، وذلك رغم فائض السيولة في الأسواق المحلية والتي تبحث عن منافذ استثمارية، إلا أن هذه البورصات فقدت ثقة المستثمرين لأسباب عديدة، يأتي في مقدمتها نقص الشفافية والحوكمة. من هنا، فإن عملية السعي للانضمام للأسواق الناشئة يمثل فرصة حقيقية لتجاوز أزمة الثقة هذه بين المستثمرين وأسواق المال في دول مجلس التعاون والتي قد يتيح لها الخروج من عنق الزجاجة التي تمر بها منذ سنوات عديدة، إذ إنه مع تلبية شروط الانضمام لمؤشر الأسواق الناشئة، فإن هذه المؤسسة العالمية والتي تعتبر أكبر مزود للأدوات المساندة للقرارات الاستثمارية في الأسواق العالمية سوف تساهم من خلال تقاريرها الدورية عن الأسواق الخليجية في إضفاء الكثير من الشفافية على هذه الأسواق، وبالتالي كسب ثقة المستثمرين المحليين والأجانب. وستشمل هذه التقارير في حالة انضمام الأسواق الخليجية تحليلات للمؤشرات والمخاطر التي قد تتعرض لها وأداء المحافظ الاستثمارية وحوكمة الشركات والتي تعتبر ضعيفة بالأسواق الخليجية في الوقت الحاضر، حيث تتم متابعة مثل هذه التقارير من قبل صناديق الاستثمار حول العالم والتي تبحث عن فرص استثمارية، وبالأخص في الأسواق الناشئة. يتزامن هذا التوجه مع توجهات أسواق المال في دول مجلس التعاون لتقديم المزيد من التسهيلات للمستثمرين الأجانب والسماح لهم بالاستثمار المباشر في أسواقها المالية، وهي خطوة متقدمة لا تخلو من الإيجابيات والمحاذير التي يمكن تفاديها من خلال اتخاذ إجراءات ترمي إلى تطوير أدوات هذه الأسواق واستكمال مقوماتها. وفي مقابل متطلبات "MSCI"، كالشفافية والحوكمة والتي ستكون مفيدة للغاية للأسواق الخليجية وستدعم من ثقة المستثمرين بها، فإن هناك متطلبات أخرى خاصة بالأسواق ذاتها والتي يمكن من خلالها تفادي بعض المحاذير الخطرة، فانعكاسات تدفق الاستثمارات الأجنبية على الأسواق الخليجية ليست كلها وردية، ففي الوقت الذي ستساهم في حل مشكلة الثقة والسيولة، فإنها ربما تساهم في تأجيج المضاربات من خلال الأموال الساخنة. والحال، فإنه لا يوجد أسهل من البورصات الخليجية لاستغلالها في المضاربات بسبب سهولة دخول وخروج الأموال الساخنة وغياب شركات صانعة الأسواق والتي يمكنها الحد من المضاربات من خلال قدراتها المالية وخبراتها في أسواق المال. لذلك، فإن الانضمام لمؤشر " MSCI " العالمي مسألة مهمة لأسواق المال الخليجية وستؤدي إلى انتعاش هذه الأسواق في حال الموافقة على انضمام الأسواق الثلاث المرشحة، وهي الإمارات وقطر والسعودية، إلا أن على هذه الأسواق الاستعداد لعملية الانضمام هذه، إذ إنه من دون عملية الاستعداد ربما تكون النتائج على غير ما هو متوقع منها. وضمن عملية الاستعداد، تأتي أولا ضرورة استكمال البنية التشريعية والقانونية لأسواق المال الخليجية والتي هي بحاجة إلى إصدار تشريعات جديدة تمنح إدارات هيئات الأسواق المزيد من الصلاحيات التنظيمية والإدارية بعيدا عن تجاذبات وتضارب المصالح. وثانيا، فإن عملية الشفافية والحوكمة بحاجة لدعم إضافي، فالتسريبات الخاصة بأوضاع الشركات المدرجة وأدائها ومستويات أرباحها ما زالت تتوالى وتؤثر بصورة كبيرة في ثقة المستثمرين، بل وتساهم في اهتزاز هذه الثقة باستمرار. وثالثا، فإنه لا بد من الإسراع في تأسيس شركات صانعة الأسواق والتي يتوقع أن تلعب دورا كبيرا في تعزيز الثقة في البورصات ودعم استقرارها والحد من المضاربات التي أصبحت سمة مميزة لأسواق المال الخليجية في السنوات الماضية. إذن هناك إجراءات متبادلة بين أسواق المال الخليجية ومؤسسة " MSCI " لا بد وأن تتزامن لتحقيق الأغراض المرجوة من عملية انضمام أسواق المال الخليجية لمؤشر البورصات الناشئة في العالم والذي سيجد له أصداء إيجابية متى تمت عملية الانضمام بالجهود المشتركة للمؤسسة العالمية وإدارات أسواق المال الخليجية.

396

| 16 يونيو 2012

الاتحاد النقدي الخليجي والتجربة الأوروبية

دروس كثيرة تلك الناجمة عن أزمة الاتحاد الأوروبي وعملته الموحدة "اليورو" والتي ستضع أسسا جديدة ليس لاتحاد أوروبي أقوى وأكثر تماسكا، وإنما للاتحادات والتكتلات الاقتصادية الأخرى في العالم، وبالأخص لمجلس التعاون الساعي إلى تحويل شكل التعاون الحالي إلى اتحاد خليجي. ويكمن أحد أهم هذه الدروس في عدم إمكانية إقامة اتحاد نقدي وعملة موحدة دون وحدة مالية، حيث سيدرس القادة الأوروبيون في قمتهم القادمة والمزمع انعقادها يومي 28 و29 يونيو الجاري وضع خارطة طريق لوحدة مالية أوروبية. ويبدو أن هذه القناعة تولدت بعد تجربة مؤلمة ليس لدى الحكومات الغربية فحسب، وإنما لدى الشعوب الأوروبية أيضا، حيث صوت الشعب الأيرلندي وبنسبة مريحة بلغت %60 مع الالتزام بالضوابط المالية التي أقرها الاتحاد الأوروبي والتي تعتبر بداية لوحدة مالية أوروبية. والحال، فإن الربط بين الوحدة المالية والنقدية أمر منطقي للغاية، إذ لا يمكن فصل هذين الجانبين بأي شكل من الأشكال، سواء على مستوى كل بلد على حدة أو على المستوى الاتحادي، فالتطورات النقدية تؤثر بصورة مباشرة في القضايا المالية، كما أن السياسية المالية تنعكس إيجابا أو سلبا على أسعار الصرف وعلى التجارة الخارجية. وفي الوقت نفسه يؤثر الاثنان في معدلات النمو والتضخم، وبالتالي في مستويات المعيشة، إذ بينت التجربة الأوروبية أن أي فصل بين السياستين المالية والنقدية سيترتب عليه نتائج سلبية على الأوضاع الاقتصادية والمالية، إذ بسبب هذا الفصل في الاتحاد الأوروبي تم التغاضي عن تجاوزات مالية خطيرة، فالعجز في الموازنة السنوية في بعض البلدان، كاليونان وإسبانيا وإيطاليا بلغ أرقاما قياسية تجاوزت 12% أي أربعة أضعاف ما تم الاتفاق عليه في منطقة اليورو والمقدر بـ 3%. أما نسبة الدين العام للناتج المحلي الإجمالي، فقد بلغ أرقاما قياسية ليتجاوز 114% في حين اتفق في نطاق مجموعة اليورو ألا يتجاوز ذلك %60، ناهيك عن التفاوتات الكبيرة في معدلات التضخم والأجور. والنتيجة الرئيسية التي تم التوصل إليها بعد عشر سنوات من إطلاق العملة الأوروبية الموحدة، هي أنه لا يمكن الاستمرار في العمل بهذه العملة دون سياسة مالية موحدة تلتزم بها كافة البلدان الأعضاء في الاتحاد النقدي، حيث تقف منطقة اليورو أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما توحيد السياسات المالية أو انهيار العملة الأوروبية الموحدة، إذ يبدو أن هناك توجها قويا على كافة المستويات لتوحيد هذه السياسات وإنقاذ اليورو، حتى ولو أدى ذلك إلى خروج بعض البلدان من منطقة اليورو، كاليونان على سبيل المثال. وبما أن دول مجلس التعاون الخليجي أطلقت مشروع عملتها الموحدة بصورة أولية أعقبها الحديث عن محاولات الانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد، فإن التجربة الأوروبية الغنية يمكن أن تقدم لها خدمة كبيرة لتلافي تكرار الهفوات التي حدثت هناك واستخلاص الدروس التي أفرزتها تجربة الاتحاد الأوروبي. وأول هذه الدروس يكمن في ضرورة تزامن إطلاق العملة الخليجية الموحدة مع توحيد السياسات المالية والالتزام بالضوابط المالية التي يتم الاتفاق عليها، وبالأخص تلك المتعلقة بالعجز في الموازنات السنوية ونسبة الدين العام للناتج المحلي الإجمالي والتحكم في نسب التضخم وتقريب مستويات سياسات الأجور. ومع أن البيانات للسنوات العشر الماضية تبين أن هذه النسب والمعدلات قريبة بصورة شديدة بين دول المجلس، حيث حققت موازناتها فائضا على مدى السنوات الماضية، كما أن نسب الدين لديها جميعا لم تتجاوز %60 مما يعني أنها لا تعاني من المشاكل المالية التي مرت بها بلدان الاتحاد الأوروبي والمتمثلة في تفاوت سياساتها المالية بصورة كبيرة. وهنا لابد من الإشارة إلى مسألة مهمة للغاية، وهي أن الأوضاع المالية في دول المجلس ما زالت رهن تطورات أسعار النفط في الأسواق الدولية، ففي حالة الأسعار المرتفعة، كما هو الحال في الوقت الحاضر، فإن السياسات المالية لدول المجلس متناسقة إلى حد بعيد، إلا أن الانخفاض الشديد لأسعار النفط، كما حدث في عامي 1986 و1998 أوجد تفاوتا كبيرا بين هذه السياسات في المجموعة الخليجية. وبما أن أسعار النفط متقلبة باستمرار، كما أنها عرضت للتقلبات السياسية والأمنية في العديد من مناطق الإنتاج في العالم، وبالأخص في منطقة الخليج العربي، فإن على المجموعة الخليجية أن تأخذ بعين الاعتبار كافة الاحتمالات عند سيرها الحثيث نحو إطلاق عملتها الموحدة والتي يأتي في مقدمتها تزامن عملية الإطلاق مع توحيد السياسات المالية، وذلك في سبيل ضمان نجاح التجربة الخليجية والتي سيكون لها انعكاسات إيجابية كبيرة على النمو وتحسين مستويات المعيشة في دول مجلس التعاون الخليجي.

447

| 09 يونيو 2012

الانفتاح الاقتصادي والأنظمة المنغلقة

لم يشهد العالم من قبل انفتاحا اقتصاديا وتجاريا مثلما حدث في السنوات العشر الماضية، بحيث أصبح العالم سوقا واحدة كبيرة موزعة على بلدان كثيرة، بل إن حتى البلدان التي تمتعت بالحماية الجمركية وانغلاق أسواقها لعقود طويلة اضطرت إما إلى إلغاء هذه القيود أو التخفيف منها إلى حدها الأدنى، إذ أن بديل ذلك هو الانعزال عن العالم وعدم الاستفادة من الفرص التي تتوفر في الأسواق الدولية، وذلك إذا ما استثمرت هذه الفرص بصورة صحيحة. ومع ذلك بقيت السياسات الاقتصادية لبعض البلدان متشددة، حيث يعتقد القائمون عليها خطأ أنها قادرة على الانعزال الاقتصادي ومواجهة العالم، إما بسبب التعنت، كما هو الحال مع كوريا الشمالية أو بسبب العقوبات الناجمة عن التمسك بسياسات أيديولوجية متشددة، كما هو الحال مع إيران. والحال أن كلتا الحالتين تؤديان إلى تدهور اقتصادي وإلى تدني مستويات المعيشة للسكان، وهو ما يحصل بالفعل في هذين البلدين، إذ أن العولمة وهيمنة الشركات الكبيرة التي تدير الاقتصاد العالمي لها سياساتها ومعاييرها والتي لا يمكن لدولة بمفردها مواجهتها. وإذا ما أخذنا على سبيل المثال المضاربات الجارية في أسواق النفط والذهب والبورصات، فإننا سنجد أن كافة محاولات بلدان العالم للحد من هذه المضاربات، بما فيها محاولات إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما ذهبت أدراج الرياح، إذ أن قوة رأس المال أصبحت مهيمنة وتتحكم في الكثير من مفاصل الاقتصاد العالمي. والحقيقة أنه لرأس المال المالي المهيمن توجهاته التي تعبر عن المرحلة الحالية من تطور الاقتصاد الرأسمالي والتي يأتي في مقدمتها انفتاح السواق، وبالأخص حرية حركة رأس المال التجارة والاستثمارات، وذلك لتكريس توجهاته ذات الطابع الرامي إلى تعظيم الأرباح من خلال الأوراق المالية والمضاربة في المشتقات. من هنا، فإننا نرى هناك تناغما لم يسبق له مثيل بين حركة الأسواق المالية في العالم، وكأنها تعزف ضمن فرقة متناسقة للموسيقى الكلاسيكية الراقية لإحدى سمفونيات بيتهوفن أو موزارت أو جيكوفسكي، فالارتفاعات والانخفاضات في البورصات العالمية تتزامن ضمن هذا العزف الفريد من نوعه والذي فرضته العولمة وانفتاح الأسواق وحرية انتقال رؤوس الأموال. والسؤال المطروح هنا أين موقع أسواق البلدان العازفة خارج هذه السيمفونية، ككوريا الشمالية وإيران ؟ والتي لكل منها أسبابه ومسبباته واللذان لم يستوعبا أن العالم قادر على ركنهما في زاوية ضيقة حتى وإن أدى ذلك إلى التخلي عن شراء النفط الإيراني مثلما يحدث حاليا. مثل هذه النظرة الشاملة والموجزة للتغيرات الاقتصادية الدولية تمكننا من فهم ما قد يترتب عليها من تداعيات سياسية وإستراتيجية، خصوصا وأن هناك آراء متزايدة في الخليج العربي تشير إلى أنه ربما يكون هناك اتفاق من تحت الطاولة لتقاسم النفوذ بين الولايات المتحدة وإيران في المنطقة. أما واقع المصالح والتوجهات الاقتصادية لكلا الطرفين، فإنه يشير إلى غير ذلك تماما. وقبل كل شيء، فإن الطبيعة المنغلقة للنظام الاقتصادي الإيراني لا تتناسب وطموحات رأس المال المالي الغربي، والأمريكي تحديدا المنفتحة شهيته على الاقتصاد العالمي، بل إنها تقف على الضد من هذه الطموحات، إذ تسعى إيران للتحكم على ثروة النفط الهائلة الكامنة في منطقة الخليج والذي يمكن في حالة التفريط فيها أن يشكل كارثة لمصالح البلدان الغربية وشركاتها التي تدير الاقتصاد العالمي. إذن هناك تناقض صارخ بين هذين التوجهين، وذلك بغض النظر عن المساومات السياسية الدائرة بين الطرفين والتي يحاول كل طرف من خلالها كسب الوقت ليس إلا، إلا أن الأكيد هو أن أنظمة مثل كوريا الشمالية وإيران تعيش خارج نطاق العولمة، مما يضعها في تناقض مع سير الاقتصاد الدولي، وذلك بغض النظر عن إيجابيات وسلبيات العولمة وانفتاح الأسواق. وبما أن هذين البلدين يغردان خارج سرب الاقتصاد الدولي، فإن الآفاق أمامهما مسدودة، إذ إن حتى البلدان التي لا ترغب في الانضمام لمقاطعة النفط الإيراني، كالصين والهند وجنوب إفريقيا اضطرت إلى تخفيض وارداتها بنسب كبيرة، وذلك رغم الحسومات والتسهيلات التي قدمتها إيران، كالدفع باليوان الصيني أو الروبية الهندية أو مقايضة النفط بسلع ومنتجات استهلاكية. وهنا لا يحمل هذا التوجه من قبل الصين والهند وجنوب إفريقيا الكثير من الاستغراب، فإما الانضمام لهذا التوجه العالمي الذي يقوده رأس المال المالي، وإما التضحية بمصالحها مع دول وشركات عالمية أكثر قوة ونفعا لهذه البلدان. وإذا ما اعتبرنا أن المصالح الاقتصادية هي المحرك الأساسي للتحالفات والتغيرات الجارية في العالم والتي أشرنا إليها بصورة مختصرة، فإن ذلك يعني أنه لا مستقبل للأنظمة المنغلقة اقتصاديا في ظل العولمة وانفتاح الأسواق وحرية حركة التجارة ورؤوس الأموال التي أصبحت سمة ملازمة للنظام الاقتصادي العالمي في العصر الراهن.

765

| 02 يونيو 2012

مستقبل الطاقة في دول مجلس التعاون

قامت بعض بلدان العالم، وبالأخص ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية بجهود كبيرة وحثيثة للاستثمار في تطوير ألواح الطاقة الشمسية والتي تعد أحد أهم أوجه الطاقة النظيفة والمتجددة والمسماة بطاقة المستقبل، حيث قدمت الحكومتان دعما ماليا كبيرا للشركات العاملة في البحث العلمي وإنتاج الألواح الشمسية. وبصورة موازية ولكن بهدوء تام كانت الصين تعمل على تطوير هذه الألواح والتي تقدمت بصورة مذهلة في إنتاجها خلال السنوات القليلة الماضية لتقف في الصفوف الأمامية إلى جانب ألمانيا والولايات المتحدة، مع فرق شاسع يتعلق بتكاليف الإنتاج والتي تقل كثيرا عن تكاليف الإنتاج الأوروبي والأمريكي. لقد أوجد ذلك أزمة حقيقية للشركات الألمانية والأمريكية والتي بدأت تواجه صعوبات في تسويق إنتاجها من مواد الطاقة الشمسية في الأسواق العالمية، مما يهددها بالإفلاس، حيث تفاوتت الإجراءات المضادة التي اتخذتها الدولتان الغربيتان لمواجهة المنافسة الصينية الشرسة. وبالنسبة لألمانيا، فقد أوقفت تقريبا الدعم الحكومي المقدم لشركات إنتاج الطاقة الشمسية تاركة إياها تواجه مصيرها الذي تشوبه ضبابية ربما تؤدي إما إلى انتقالها للصين وبعض البلدان الآسيوية أو إلى تصفية أعمالها والتوجه لاستيراد المنتجات الصينية. أما الولايات المتحدة، فإن ردود أفعالها تختلف، إذ إنها قررت مواجهة المد الصيني من خلال وضع قيود شديدة على وارداتها من منتجات الطاقة الشمسية من الصين لتشجيع الإنتاج الأمريكي منها، إذ ربما يساعد ذلك في ترويج التسويق الداخلي في الولايات المتحدة، إلا أنه غير قادر على منافسة الإنتاج الصيني في الأسواق الخارجية. والحقيقة أن هذه التطورات تكتسي أهمية استثنائية ومستقبلية لدول مجلس التعاون الخليجي التي تسعى بقوة إلى تطوير مصادر الطاقة البديلة، وبالأخص الطاقة الشمسية والتي تزخر بها دول المجلس طوال العام ويمكن أن تشكل بديلا للنفط والغاز، ليس كمصدر للطاقة المستهلكة محليا، وإنما المعدة للتصدير أيضا. وبالإضافة إلى الاستثمارات الكبيرة الموظفة في مدينة مصدر لطاقة المستقبل في العاصمة أبو ظبي والمقدرة بـ 50 مليار دولار ومركز الطاقة الشمسية في دبي بتكلفة 12 مليار دولار، فإن المملكة العربية السعودية تسعى وفق "بلومبيرغ" لاستثمار 109 مليارات دولار بمجال الطاقة الشمسية لتوليد ثلث احتياجاتها من الكهرباء بحلول 2032. وبجانب إنتاج الكهرباء، فإن الطاقة الشمسية يمكن أن تخفض تكاليف إنتاج المياه المحلاة التي تعتمد عليها دول مجلس التعاون الخليجي بصورة شبه تامة في تلبية احتياجاتها من المياه، حيث ستستثمر السعودية وحدها والتي تعد المنتج الأول للمياه المحلاة في العالم مبلغ 80 مليار دولار لإنتاج المياه في العشرين عاما القادمة، مما يعني وجود فرص مهمة لتوفير مبالغ طائلة تنفقها هذه الدول في الوقت الحاضر على إنتاج الكهرباء والمياه في حالة اعتماد التقنيات الصينية، خصوصا أن الطلب المحلي على الطاقة الكهربائية يرتفع بنسبة كبيرة تتراوح ما بين 8 –10% سنويا. من هنا يعتبر الإنجاز الصيني بتخفيض تكاليف إنتاج ألواح إنتاج الطاقة الشمسية مهما للغاية لدول مجلس التعاون الخليجي والتي لديها جميعا مشاريع لطاقة المستقبل ضمن عملية التحضير لفترة ما بعد النفط لتأمين مصادر نظيفة للطاقة في دول المجلس. وتتمثل هذه الأهمية في العديد من الأوجه، وبالأخص في حجم الإنفاق المخصص لتنمية مصادر الطاقة الشمسية في دول المجلس، فالمبالغ المعتمدة حتى الآن والمقدرة بعشرات المليارات يمكن أن تنخفض إلى ما دون ذلك في حالة دخول شركات الإنتاج الصينية في مناقصات عالمية لبناء محطات إنتاج الطاقة الشمسية في دول مجلس التعاون الخليجي. ومن جهة أخرى، فقد كسرت التقنية الصينية الاحتكار التكنولوجي الغربي مرتفع التكلفة بصورة مبالغ فيها، مما يتيح ليس لدول الخليج الغنية تطوير إنتاجها من الطاقة البديلة فحسب، وإنما للبلدان النامية الفقيرة الأخرى والتي يؤدي نقص مصادر الطاقة في الوقت الحالي، إما إلى استنزاف مواردها واحتياطياتها من العملات الأجنبية بسبب ارتفاع أسعار النفط، وإما إلى الحد من قدرتها على النمو بسبب نقص مصادر الطاقة لديها. وفي الوقت نفسه، فإن التقنية الصينية سوف تؤدي إلى التوسع السريع لإنتاج الطاقة الشمسية في دول مجلس التعاون الخليجي وإلى اعتماد مشاريع جديدة في السنوات القليلة القادمة، مما سيتيح تحول دول المجلس إلى أحد أهم منتجي ومصدري الطاقة الشمسية في العالم في العقدين القادمين.

302

| 26 مايو 2012

الاتحاد الأوروبي وقواعده الذهبية

يعتبر الاتحاد الأوروبي الأكثر نجاحا من بين التكتلات الاقتصادية في العالم، بل إنه غدا النموذج الذي تحاول التكتلات الأخرى السير على نهجه لبلوغ الأهداف المشتركة التي تحقق لكافة الأعضاء الأمن والتقدم الاقتصادي. لذلك، فإن ما تعرض له الاتحاد الأوروبي أثناء الأزمة المالية وأزمة اليورو أوجد العديد من الشكوك حول قدرة الاتحاد الأوروبي، وبالأخص عملته الموحدة على الاستمرار، إلا أن قادة أوروبا برهنوا مرة أخرى على إيمانهم بالقول المأثور القائل بأن "الضربة التي لا تقتلك تقويك". من هنا وبعد مراجعة دقيقة وشاملة وضعت البلدان الأوروبية يدها على الجرح النازف والكامن في عدم الالتزام بالاتفاقيات والالتزامات المبرمة فيما بينها، وبالأخص القواعد المالية الخاصة بنسبة العجز في الموازنات السنوية البالغ 3% ونسبة الدين العام للناتج المحلي الإجمالي والمقدر %60، مما حدا بالاتحاد الأوروبي إلى وضع ما يسمى بالقواعد الذهبية، وهي عبارة عن معاهدة مالية جديدة ترمي إلى تعزيز الانضباط المالي، على أن يتم إدراجها في دستور كل دولة أو إصدارها بقانون على أقل تقدير وبحيث تتضمن فرض عقوبات إذا ما تم خرق هذه القواعد الذهبية، وهو ما لم تتضمنه المعاهدة السابقة. ومع أن بريطانيا لم توقع المعاهدة الجديدة لخوفها من تراجع المركز المالي المميز للعاصمة البريطانية لندن، إلا أن بريطانيا هي خارج منطقة اليورو في كل الأحوال، مما لا يقلل من أهمية هذه القواعد للحفاظ على حد أدنى من الالتزامات المالية لإنقاذ منطقة اليورو وعدم تكرار الأخطاء السابقة. ومن بين أمور أخرى عديدة تتعهد البلدان الموقعة بوضع موازنات متوازنة أو بفائض حتى ولو أدى ذلك إلى تقليص الإنفاق والالتزام بسياسات اقتصادية تقشفية، مثلما يحدث حاليا في العديد من بلدان الاتحاد الأوروبي، حيث لاقت هذه السياسات التقشفية مقاومة شديدة من النقابات ومنظمات المجتمع المدني، بل إن الأخطر من ذلك هو بروز قوى معارضة لسياسة التقشف، وبالأخص مع وصول فرانسوا هولند لسدة الرئاسة في فرنسا والتي تعتبر أحد مهندسي معاهدة القواعد الذهبية إلى جانب ألمانيا. وبالإضافة إلى فرنسا، فإن موقف اليونان يبدو أصعب وأكثر تعقيدا مع وصول معارضي المعاهدة للحكم ومع اشتداد أزمتها المالية، وذلك رغم الموافقة على ضخ 250 مليار يورو في شرايين الاقتصاد اليوناني، إلا أن الدعوة للخروج من منطقة اليورو تنامت في الآونة الأخيرة مع المطالبة بعودة "الدراخما" التي لم يتم إلغاؤها من أنظمة البنوك هناك رغم مرور عشر سنوات على تداول العملة الأوروبية. إذن يبدو الاتحاد الأوروبي أمام امتحان قاس، فالقواعد الذهبية التي علقت عليها الآمال للخروج من أزمة اليورو جاءت في زمن غير ذهبي لأوروبا وللاقتصاد العالمي ككل، حيث تعتبر الخيارات محدودة، فرئيس البنك المركزي الألماني والممثل لأكبر اقتصاد أوروبي حذر الرئيس الفرنسي المنتخب من التمادي في رفض القواعد الذهبية. من جانبه لا يمكن لفرانسوا هولند التخلي تماما عن وعوده الانتخابية، وإلا فقد مصداقيته قبل أن يبدأ ولايته الأولى، مما سيضع الاتحاد الأوروبي في مأزق حقيقي خلال الفترة القادمة، علما بأن هناك مخارج عملية، إلا أنها تتطلب ما يشبه العمليات الجراحية لاستئصال العقبات التي تواجه مسيرة الاتحاد والتي في حالة حلها بنجاح ستؤدي إلى تعزيز الاتحاد بصورة أقوى وأكثر تماسكا. وأول هذه المخارج يكمن في إيجاد توافق بين ميركل وهولند من خلال الحلول الوسط والمساومات، فالأمر بالنسبة للبلدين غير قابل للعودة إلى الخلف، فأوروبا أصبحت تحت قيادتهما موحدة واحتلت موقعها الجديد والمهم في العلاقات الدولية، إذ يبدو هذا الاحتمال هو الأقوى والأقرب للتطبيق لاستكمال مسيرة الاتحاد. أما المخرج الآخر، فإنه يكمن في أسلوب القطط، فالقطة تأكل أحد مواليدها في كل مرة، حيث فسر ذلك باختيارها لأضعف مولود لتأكله خوفا على مصيره ومن أجل حماية الصغار الآخرين الذين يشاركهم الحليب، وفي حالة أوروبا، فإن اليونان تعتبر الحلقة الأضعف في الاتحاد الأوروبي. ومن هنا ازداد الحديث عن إمكانية خروجها من منطقة اليورو وبقائها عضوا في الاتحاد فقط، مما قد يؤدي إلى حل العديد من المصاعب والتحديات المحيطة بالعملة الأوروبية الموحدة وسيقوي من مكانتها في أسواق المال والنقد العالمية وسيفتح أمامها آفاقا جديدة. وفي كل الأحوال، فإن أوروبا قادرة على حماية اتحادها وعملتها الموحدة، خصوصا إذا ما تمكنت من الالتزام بالقواعد الذهبية والتي أوكلت إلى محكمة العدل الأوروبية مهمة مراقبة تنفيذها، مما يعزز الثقة في مستقبل الاتحاد وعملته الموحدة وليقدم مثالا حيا يحتذى به للاتحادات والتكتلات الأخرى في العالم.

543

| 19 مايو 2012

فرص العمل والقطاع الخاص الخليجي

تشير كافة الدلائل إلى أن قضية توفير فرص العمل في البلدان العربية، بما فيها منطقة الخليج العربي ستحتل رأس الأولويات في سنوات العقد القادم، حيث تحتاج بلدان المنطقة وفق دراسة للبنك الدولي توفير 100 مليون فرصة حتى عام 2025. ويشكل ذلك تحديا حقيقيا مع زيادة أعداد العاطلين وما يترتب عليها من تداعيات اقتصادية واجتماعية يمكن تفاديها من خلال إعادة النظر في السياسات الاقتصادية السابقة، بما في ذلك سياسات التوظيف والاستثمار والهيكلة الاقتصادية وكيفية التعامل مع الاستثمارات الأجنبية. ومع أن هذه المسائل مترابطة وتقف على نفس الدرجة من الأهمية، إلا أنه لا يمكن تناولها جميعا في مثل هذه المقالة والتي ستقتصر على الجانب المتعلق بخلق فرص العمل والتوظيف، تلك المسائل التي هي بحاجة لإعادة نظر لتتناسب والتغيرات التي طالت البنية الاقتصادية في البلدان الخليجية. لقد اعتمدت سياسات التوظيف في دول مجلس التعاون الخليجي في العقود الأربعة الماضية على أجهزة الدولة بصورة أساسية، وبالأخص ما يتعلق بتوظيف المواطنين الخليجيين، حيث قامت الدولة بدور فاعل في توفير فرص العمل، تلك الأجهزة التي كانت في حاجة ماسة في بداية تكوينها الحديث لمختلف التخصصات العلمية والمهنية، حيث لم تشكل مسألة استيعاب آلاف الباحثين عن عمل قضية صعبة، بل على العكس من ذلك اضطرت تلك الأجهزة لاستقطاب آلاف أخرين من العاملين الأجانب، وذلك بسبب النمو السريع والذي تطلب بدوره تمددا مماثلا في الإدارات الحكومية. ومع استكمال معظم مشاريع البنية التحتية وازدياد أعداد المواطنين وبناء الهيكل الأساس للجهاز الحكومي، وذلك إضافة إلى الاعتماد بصورة متزايدة على التقنيات الحديثة في إدارة الدولة، بما في ذلك اتساع الخدمات المقدمة عن طريق شبكة الحكومة الإلكترونية والتي حققت فيها دول مجلس التعاون تقدما مشهودا سبقت به الكثير من بلدان المنطقة، فإن القدرة الاستيعابية للتوظيف في الأجهزة الحكومية تكون قد تقلصت كثيرا في السنوات القليلة الماضية. يتزامن ذلك مع ازدياد أعداد المواطنين الباحثين عن عمل من أصحاب الكفاءات وخريجي الجامعات، مما أدى إلى وجود بطالة في بعض بلدان المجلس وبطالة مقنعة في بلدان أخرى ناجمة عن تضخم أجهزة الدولة بالأيدي العاملة الفائضة والتي يمكن أن تشكل عبئا على الإنفاق العام في المستقبل أو على أنظمة التقاعد والتأمينات الاجتماعية في حالة خروج أعداد كبيرة ضمن ما يسمى بالتقاعد المبكر، تلك الظاهرة التي أصبحت ملازمة للكثير من العاملين الخليجيين في الآونة الأخيرة والتي تفوت الاستفادة من خدمات وخبرات مؤهلات محلية على درجة كبيرة من الكفاءة. وفي الوقت الذي ترتفع فيه سنوات التقاعد في بلدان الاتحاد الأوروبي نتيجة لتحسن مستويات الخدمات الصحية وارتفاع متوسط الحياة، فإن بلدان الخليج التي ارتفع فيها متوسط الحياة أيضاً ليصل إلى مستواه في البلدان الأوروبية، وذلك بفضل تحسن الرعاية الصحية، فإن ذلك لم يمنع من استمرار ظاهرة التقاعد المبكر. من هنا يمكن القول إن هناك تفاوتا كبيرا بين طبيعة التنمية القادمة التي ستعطي دورا أكبر للقطاع الخاص وبين سياسات التوظيف المعتمدة على الأجهزة الرسمية والتي لا يمكنها استيعاب الأعداد القادمة من الباحثين عن عمل، حيث يشكل ذلك أحد أهم تحديات التنمية في البلدان الخليجية في السنوات القليلة القادمة. لذلك، فإن الآمال معلقة على القطاع الخاص في دول المجلس لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الباحثين عن عمل، خصوصا وأن مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي غير النفطي تتزايد سنة بعد أخرى، إلا أنه للأسف هناك تجاوب ضعيف للغاية من المؤسسات الخاصة لحل هذه المعضلة التنموية والاجتماعية المعقدة، علما بأن تداعيات هذه المشكلة يمكن أن تضر بمصالح القطاع الخاص إذا ما استمرت حالة الاعتماد على القطاع الحكومي وحده في توفير فرص العمل، وهي مسألة وصلت إلى حدها الأقصى ولا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية. وبما أنه لا يمكن أيضاً فرض مسألة التوظيف من دون قناعة القطاع الخاص وتعاونه، فإن سن القوانين والأنظمة الخليجية الداعمة لهذا التوجه وبالتعاون مع غرف التجارة والصناعة يمكن أن تساهم في إيجاد حلول لهذه القضية المهمة، خصوصا وأن هناك تجارب في كافة دول المجلس، إلا أنها تجارب إما أنها غير متكاملة أو أنها اعتمدت في نهاية المطاف على التوظيف أساسا في القطاع العام، مما يتطلب إدماج هذه التجارب والخروج برؤية موحدة وبالتنسيق مع القطاع الخاص الخليجي، مما قد يؤدي إلى إيجاد حلول عملية وتحقيق بعض التقدم في السنوات القادمة.

356

| 13 مايو 2012

مخاطر رأس المال المغامر

في كلمته أمام مؤتمر منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "الأونكتاد" أشار صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير دولة قطر إلى قضايا اقتصادية مهمة تتعلق بالتغيرات الجارية في الاقتصاد العالمي، بما في ذلك الأزمة المالية والتحولات الخاصة بالمضاربات قائلا بأنه "يجب وقف الجشع والمغامرة بأموال الآخرين". قبل ذلك أوضح أحد موظفي المؤسسة المالية العالمية "غولدمان ساكس" والتي تدير أصول الكثير من بلدان العالم ومؤسساته العامة والخاصة إلى التلاعب الذي تمارسه "غولدمان ساكس" وتركيزها على تحقيق أرباح خيالية على حساب المستثمرين، حيث تتميز العديد من الصفقات وإدارة الأموال التي تقوم بها لصالح الآخرين بالمغامرة والتلاعب، مما كبد هذه المؤسسات ومن ضمنها مؤسسات عربية خسائر جسيمة. ومؤخرا انضم الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى المحذرين من خطورة التلاعب والمضاربات على الاقتصاد العالمي، بما فيه الاقتصاد الأمريكي الهش، حيث ركز انتقاداته على المضاربين في أسواق النفط، وذلك بعد أن أدت هذه المضاربات إلى ارتفاع سعر البرميل إلى معدلات عالية أرهقت الاقتصاد العالمي الذي لم يتعاف حتى الآن من أزماته المتكررة. ومع أن ما يهم الرئيس أوباما هو وضع الاقتصاد الأمريكي ورضا المواطنين هناك في ظل سنة انتخابية حرجة بالنسبة لرئيس يسعى إلى ولاية ثانية، إلا أن انتقال المضاربين الكبار من المشتقات المالية إلى المضاربات المحمومة في السلع يثير قلق حكومات العالم لما يسببه من خسائر وتدن في مستويات المعيشة وبالتالي إلى اضطرابات اجتماعية وتغيرات في الأمزجة الانتخابية تؤدي إلى تطورات غير مرغوبة. في المقابل لا يكترث رأس المال المغامر والذي أصبح يتحكم في سير أسعار السلع الأساسية في الأسواق العالمية كثيرا لما تبديه الحكومات من قلق تجاه المضاربات التي تؤدي إلى ارتفاع الأسعار بصورة مصطنعة في أغلب الأحيان، إذ إن ما يهم رأس المال هذا هو تحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح. ومن واقع الحال يتضح أن حكومات العالم ومؤسساته المالية لا تستطيع محاسبة كبار المضاربين والحد من توجهاتهم الخطرة على الاقتصاد العالمي، وذلك لما يتمتعون به من قدرات مالية كبيرة تراكمت خلال سنوات العقد الماضي بفضل المضاربات والمغامرة بأموال الآخرين وكذلك بفضل ما تتمتع به من خبرة ودراية بأسواق المال والسلع في العالم. وعلى العكس من ذلك، فإن بعض المؤسسات المالية الكبيرة استطاعت التأثير في سياسات العديد من الحكومات الغربية، إما من خلال أعضاء البرلمانات ودفعهم إلى تعطيل الإجراءات التشريعية التي تحد من نشاطاتهم المضاربية، كما حدث في الولايات المتحدة والتي استخدم فيها الكونغرس لوقف توجهات إدارة الرئيس أوباما لتقليص نفوذ رؤساء المؤسسات المالية وتخفيض حجم المكافآت المالية الهائلة التي يحصلون عليها، أو من خلال التأثير في الانتخابات العامة ودعم مرشحين مؤيدين لتوجهاتهم المالية ذات الطابع المضاربي غير المنتج. في ظل هذه الأوضاع غير المستقرة والصراع بين رأس المال المغامر والسياسات الحكومية المرنة يطرح تساؤل مهم يتعلق بآفاق الاقتصاد العالمي المترنح، حيث لم تؤد الإجراءات المتخذة حتى الآن، وبالأخص في منطقة اليورو إلى نتائج ملموسة، مما يفسر التذبذبات الحادة في أسواق المال العالمية، حيث ينشط رأس المال المضارب للاستفادة من هذه التذبذبات وتأجيجها لتحقيق أرباح خيالية على حساب المستثمرين بشكل خاص وعلى حساب تعافي الاقتصاد العالمي بشكل عام. وبما أنه لم تتمكن البلدان الكبيرة والفاعلة اقتصاديا من الحد من أنشطة رأس المال المغامر والتخفيف من ضغوطه الكبيرة والمؤلمة والتي تشمل اقتصادات كافة البلدان، فقد أصبح من الضرورة بمكان أن تعمد كل دولة إلى مراقبة أنشطة المضاربات في أسواقها المالية واتخاذ الإجراءات اللازمة للحد منها وتقليل تأثيراتها السلبية على أوضاعها الاقتصادية، حيث يلاحظ في الآونة الأخيرة توجه رأس المال المغامر لأسواق البلدان النامية، وبالأخص الغنية منها، كأسواق بلدان مجلس التعاون الخليجي لتأجيج المضاربات من خلال الأموال الساخنة. وفي الوقت نفسه، فقد أصبح من الضرورة أيضاً حماية الاستثمارات العربية، وبالأخص الخليجية منها في الأسواق العالمية، إذ إن رأس المال المغامر يرتبط بالعديد من دور الاستشارات المالية في عملية معقدة من التعاملات المالية والمضاربية المغرية والخطرة في الوقت ذاته. مثل هذا التوجه يمكن أن يحمي الأسواق المحلية ويحقق أقصى استفادة من عائدات النفط المرتفعة ويؤدي إلى حماية الاستثمارات الخارجية والتي أضحت عائداتها تشكل مصدرا مهما لتعزيز الأوضاع المالية والاقتصادية في بلدان المنطقة.

444

| 29 أبريل 2012

مؤشرات نفطية عالمية مقلقة

على مدى الأيام القليلة الماضية تواردت أنباء متتالية ومقلقة من الغرب والشرق تدور حول الثروة النفطية وإمكانية فقدان هامشها الاحتياطي بصورة سريعة وغير متوقعة، حيث أشار "جيم كرين" الباحث في مجال الطاقة والكهرباء بجامعة "كامبريدج" إلى أن السعودية تتعرض لخطر فقدان هامشها الاحتياطي. وفي الوقت نفسه أشار باحث آخر في معهد الطاقة في العاصمة اليابانية طوكيو إلى أن العمر الافتراضي للنفط أقل بكثير من مما هو متوقع، مؤكداً أن الاحتياطي العالمي سوف يستنفذ مع حلول عام 2030، علما بأن التقديرات السابقة لشركات النفط الغربية الكبرى سبق وأن أشارت إلى أن هذا العمر الافتراضي سوف يستمر حتى عام 2040. من جانبها أشارت مجلة التايم في عددها قبل الأخير إلى المخاطر والتهديدات المحيطة بإنتاج النفط في العالم ومشككة في الكثير من البيانات والأرقام المعلنة، حيث تملك المصادر الثلاث السابقة مصداقية كبيرة على اعتبار أنها صادرة عن أكثر من جهة عالمية وعن مؤسسات علمية عريقة ومختصة بشؤون النفط والطاقة. من جهتها لا تملك البلدان النامية المنتجة للنفط معاهد ومراكز أبحاث متخصصة في شؤون الطاقة والنفط، وذلك رغم اعتمادها شبه الكامل على صناعة استخراج المواد الأولية، مما يعزز من هذه الشكوك الخاصة بالطاقات الإنتاجية ومستقبل الطاقة في العالم بشكل عام. وإذا ما أخذنا توقعات المصادر الثلاثة الماضية، فإن هناك عدة احتمالات يمكن أخذها بعين الاعتبار أدت إلى سرعة نضوب مصادر النفط وبصورة معاكسة للتوقعات السابقة، حيث تكمن هذه الاحتمالات في العناصر التالية: أولا: ربما تكون تقديرات احتياطيات النفط السابقة غير صحيحة ومبالغ فيها، إما بسبب سوء تقدير شركات النفط الأجنبية التي قدرة هذه الاحتياطيات أو أن بعض بلدان منظمة "الأوبك" سبق وأن بالغت في حجم احتياطاتها بهدف زيادة حصتها في سقف إنتاج المنظمة، وبالأخص أثناء زيادة المعروض في الأسواق والذي أدى إلى انخفاض الأسعار إلى أقل من 10 دولارات للبرميل في عامي 1986 و1998. أما الاحتمال الثاني؛ فإنه يكمن في الزيادة الكبيرة في إنتاج بعض البلدان المصدرة للنفط في السنوات الخمس الماضية، وذلك بهدف تلبية الطلب العالمي المتزايد وللحد من ارتفاع الأسعار والتي وصلت لمستويات قياسية قبل عامين ليصل سعر برميل النفط إلى 147 دولارا للبرميل، مما أثر على حجم الاحتياطيات والتي تشير التوقعات السابقة إلى أن حجمها أقل من مما كان يعتقد في بدايات تقديراتها الأولية. وثالث هذه الاحتمالات ربما يتعلق بإعادة رسم خارطة احتياطات النفط العالمية، حيث أعلنت كل من فنزويلا والبرازيل وروسيا مؤخرا عن اكتشافات نفطية هائلة، بحيث تجاوزت احتياطيات النفط الفنزويلية احتياطيات السعودية البالغة 260 مليار برميل لتحتل فنزويلا المرتبة الأولى عالميا في حجم هذه الاحتياطيات، وذلك إذا ما صدقت هذه التقديرات. وفي كل الأحوال؛ فإن هناك شكوكا حقيقية تدور حول إمكانية فقدان الهامش الاحتياطي للنفط في بعض بلدان المنطقة، مما سيترتب عليه عواقب اقتصادية واجتماعية عميقة، إذ إن ما يدور حاليا حول هذا الموضوع لا يمكن أن يكون مجرد تدوير للكراسي بين البلدان المالكة لأكبر احتياطيات النفط في العالم. وفي مقابل الاحتمالات الواردة أعلاه، فإن على البلدان المنتجة للنفط أن تدرس خياراتها الحالية والمستقبلية بعناية في حالة إذا ما صحت هذه التوقعات الصادرة عن مؤسسات بحثية وأكاديمية مرموقة وتملك مصداقية كبيرة. ومع أن هذه الخيارات تبدو محدودة بسبب قصر الفترة الزمنية التي تحدثت عنها هذه الدراسات والمقدرة بـ 17 عاما، إلا أنه لابد وأن تكون هناك مخارج يمكن أن تسهل كثيرا من عملية الإعداد للانتقال إلى فترة ما بعد النفط، وهي فترة مهمة وحساسة للبلدان النامية المنتجة للنفط، بما فيها بلدان منطقة الخليج العربي التي اعتمدت عملية التنمية فيها خلال العقود الستة الماضية على عائدات النفط بصورة أساسية، إذ ربما نشير إلى هذه الخيارات القابلة للتطبيق في مقالات قادمة إن شاء الله.

308

| 22 أبريل 2012

سياسات الاستثمار الخليجية

تشكل السياسات الاستثمارية أحد أهم ركائز التنمية في مختلف بلدان العالم، فاتجاهات هذه السياسات ومرونة تطبيقها لها انعكاسات كبيرة على معدلات النمو وعلى تحسين مستويات المعيشة وتوفير فرص العمل. وفي دول مجلس التعاون تفاوتت اتجاهات الاستثمار بين دولة وأخرى، إلا أن زيادة التنسيق بين دول المجلس والإعلان عن إطلاق السوق الخليجية المشتركة في عام 2008 أسهم في تقريب هذه السياسات الاستثمارية والتي تتشابه إلى حد بعيد في الوقت الحاضر، مع وجود بعض التفاوتات حول المرونة وسرعة إنجاز المعاملات وتوفير متطلبات مرافق البنية الأساسية للمستثمرين. ونظرا لهذا التقارب الشديد فسوف نركز هنا على العناصر المشتركة للتوجهات الاستثمارية الخليجية والتي بحاجة لإعادة النظر للاستفادة من الفرص المتاحة للقدرات الاستثمارية لدى القطاع الخاص المحلي ولجذب المزيد من الاستثمارات الخارجية. وهنا بالذات سنجد أن هناك ضعفا في الانسجام بين الاستثمارات المحلية والخارجية، وهو ما يؤثر على مجمل الاستثمارات في دول المجلس، مما يتطلب إيجاد آليات لتطوير البنية التشريعية للاستثمار بحيث تتيح إفساح المجال أمام المستثمرين المحليين والأجانب توظيف المزيد من الأموال في الاقتصاد الخليجي والمتوقع أن يبلغ حجمه 1.4 ترليون دولار في العام الجاري 2012. وإذا ما أخذنا الاستثمارات الأجنبية، فإننا سنجد أن هناك العديد من القيود التشريعية التي لا تساعد على جذب رءوس الأموال للأسواق الخليجية، فالبورصات في دول المجلس على سبيل المثال تضع الكثير من القيود على الاستثمار الأجنبي، بل إن هذه القيود ما زالت تشمل مواطني دول المجلس، وبالأخص القيود المفروضة على ملكية المؤسسات المالية والبنوك. وتشكل هذه القيود أحد الأسباب في جمود أسواق المال الخليجية، فرأس المال سواء كان محليا أو أجنبيا لا يحبذ القيود، بل إن نمو مجتمع رأس المال قائم ومنذ البداية على حرية الحركة والانتقال بصورة مرنة لاستغلال فرص الاستثمار التي تتوافق وتوجهاته الاستثمارية. صحيح أن دول المجلس فتحت جزئيا الاستثمار في شركاتها المساهمة، بما في ذلك البنوك للاستثمار الأجنبي، إلا أن ذلك تم ضمن نسب لا تتجاوز %20 في معظم الحالات، في الوقت الذي لا تشكل هذه النسبة دافعا قويا للمستثمرين الأجانب لاعتبارات عديدة، أولها أن هذه النسبة تشكل عائقا نفسيا بسبب القيود التي لا يحبذها رأس المال بشكل عام، وثانيا لأنها نسبة متواضعة جدا، إذا ما قورنت بالقدرات الخاصة بإمكانية تدفق رءوس الأموال الخارجية. وفي مجالات الاستثمار الأخرى، كالصناعة والعقار والخدمات، فإن الأمر يعتبر أكثر تعقيدا، فقوانين الشركات في دول المجلس مضى عليها أعوام طويلة دون أن تطالها يد التطوير، وذلك رغم التغيرات الاقتصادية المحلية والعالمية السريعة. أما رأس المال الخليجي والذي عادة ما يطالب بالحماية ويعتبر سببا رئيسا في القيود المفروضة على الاستثمارات الأجنبية، فإنه يحجم بدوره عن الاستثمار في أسواقه الداخلية، وذلك فيما عدا قطاعاته التقليدية، كالتجارة والعقار بصورة أساسية، في الوقت الذي تعتبر فيه استثماراته في قطاعات الصناعة وأسواق المال والخدمات والتقنيات الحديثة متواضعة جدا، مقارنة بالقدرات الاستثمارية التي يملكها. لقد أضر هذا التناقض كثيرا بمجالات الاستثمار، ففي الوقت الذي تعافت فيه أسواق المال العالمية من معظم تداعيات الأزمة المالية وعادت مستويات البورصات العالمية ومعدلات التداول فيها إلى فترة ما قبل الأزمة، فإن البورصات الخليجية ما زالت تعاني بسبب إحجام رءوس الأموال الخليجية عن التداول في الوقت الذي لا تتشجع فيه رءوس الأموال الأجنبية للدخول في أسواق المال الخليجية لعدم قناعتها بالقيود المفروضة. والنتيجة فقدان الاقتصادات الخليجية لاستثمارات مهمة يمكن أن تساهم في نمو هذه الاقتصادات من جهة وتطوير أسواق المال الخليجية من جهة أخرى. لذلك، فإن استمرار هذا التناقض بين إحجام رءوس الأموال المحلية المطالبة بالحماية وتردد رءوس الأموال الخارجية التي لا تحبذ العمل في ظل القيود أمر يفوت الكثير من الفرص المرتبطة بجذب الاستثمارات الأجنبية والتي لا بد منها لدفع عملية التنمية في كافة بلدان العالم. من هنا لا بد أن تعمل المؤسسات الخليجية المعنية بالتنمية إلى إيجاد حلول سريعة لهذه المعوقات، وذلك من خلال تشجيع الاستثمارات المحلية وإقناعها بالعمل في بيئة المنافسة العادلة، وفي الوقت نفسه تطوير الأنظمة والتشريعات، وبالأخص قانون الشركات لجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية وتخفيف القيود على الاستثمار الأجنبي في البورصات الخليجية، إذ إن الهدف ليس في عملية الجذب فحسب، وإنما الاستفادة من التقنيات الحديثة والخبرات التسويقية العالمية التي ترافق تدفق الاستثمارات الأجنبية في معظم الأحيان.

586

| 15 أبريل 2012

بريكس ودول التعاون الخليجي

مع حلول عام 2009 برز نجم جديد في العلاقات الدولية ستكون له تأثيرات عميقة في إعادة هيكلة هذه العلاقات على أكثر من صعيد، ففي ذلك العام تأسست مجموعة "بريكس" المكونة من البرازيل وروسيا والصين والهند لتنضم إليها جنوب إفريقيا في أواخر عام 2010. وتشكل هذه المجموعة الجديدة 43% من مجموع سكان العالم، أي خمسة أضعاف عدد سكان بلدان الاتحاد الأوروبي، كما أنها حققت في الأعوام الماضية أعلى معدلات للنمو لترتفع حصتها إلى 22% من الناتج العالمي، في الوقت الذي كانت فيه البلدان والمجموعات الأخرى في العالم تعاني من أزمات متتالية. وفي اجتماعها الأخير الذي عقد نهاية الشهر الماضي في العاصمة الهندية نيودلهي اتخذت مجموعة بريكس قرارات مهمة للغاية ستؤدي في حالة الأخذ بها إلى تغير موازين القوى الاقتصادية والسياسية في العالم، إذ إنها ضمن أمور أخرى قررت إقامة بنك عالمي للتنمية والتمويل على غرار صندوق النقد الدولي والذي تحتكر أوروبا رئاسته منذ تأسيسه قبل أكثر من ستين عاما وحتى الآن، في الوقت الذي تحتكر فيه الولايات المتحدة رئاسة شقيقه البنك الدولي. تزامن ذلك مع تغير جذري آخر في علاقات مختلف بلدان العالم مع مجموعة بريكس، وبالأخص بلدان مجلس التعاون الخليجي، حيث تمكنت بعض بلدان بريكس من إزاحة البلدان التقليدية، كاليابان والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من رأس قائمة الشركاء التجاريين لدول المجلس في السنوات الخمس الماضية، لتأتي الصين ومن ثم الهند، كأكبر شريكين تجاريين لدول مجلس التعاون، أما فيما بينها، فقد نمت التجارة بين بلدان بريكس بنسبة 28% سنويا خلال السنوات القليلة الماضية. وبالإضافة إلى التجارة نمت العلاقات الاقتصادية بين المجموعتين الخليجية وبريكس بصورة ملحوظة ووقعت اتفاقيات مشتركة ونفذت مشاريع إستراتيجية كان آخرها استثمار كويتي صيني مشترك بقيمة تسعة مليارات دولار في مجال البتروكيماويات ومشتقات النفط. يأتي ذلك في الوقت الذي تعاني فيه تجارة دول المجلس مع بلدان الاتحاد الأوروبي من قيود بسبب تأخر الجانب الأوروبي وتردده في توقيع اتفاقية للتجارة الحرة منذ أكثر من عشرين عاما، كما أن تنامي القدرات المالية لدول المجلس بفضل ارتفاع أسعار النفط ولد لديها قدرات استثمارية تبحث عن قنوات مناسبة يتوفر بعضها في بلدان بريكس سريعة النمو. وفي الوقت نفسه تحولت بعض بلدان بريكس، كالهند والصين إلى أحد أهم مستوردي النفط الخليجي، في حين تعتبر روسيا أكبر منتج للنفط في العالم بطاقة تتجاوز 10 ملايين برميل يوميا، مما يتيح تنسيق السياسات النفطية بين الجانبين. من هنا، فقد أصبح انضمام دول مجلس التعاون الخليجي بشكل جماعي لمجموعة بريكس يحمل في طياته أبعادا إستراتيجية واقتصادية وسياسية للمجموعتين من جهة ولإعادة رسم العلاقات الدولية من جهة أخرى، إذ يمكن اعتبار هذا التوجه الإستراتيجي جزءا مهما من عملية بناء المستقبل في ظل تغير موازين القوى في العالم، ففي الوقت الذي يبتعد فيه الغرب عن النفط الخليجي، فإن الشرق وفي مقدمته بريكس يقترب أكثر وأكثر من صادرات النفط القادمة من الخليج العربي. ولا يقتصر الأمر على هذه الأهمية فحسب، بل إنه يشكل أهمية كبيرة لفترة ما بعد النفط، فالصادرات الخليجية المستقبلية بحاجة لأسواق كبيرة، إذ لا يوجد أفضل من أسواق بريكس المتعطشة لمختلف أنواع السلع بسبب نموها السريع ولكونها تشكل قوة استهلاكية هائلة لكثافتها السكانية وتنامي قدرتها الشرائية. ونجزم، بأنه ليس من الصعب أن تنظم دول المجلس بصورة موحدة لمجموعة بريكس، فأولا نتوقع أن يكون هناك ترحيب واسع بانضمام دول المجلس، وثانيا يمكن أن يمثل المجلس في بريكس - والتي ستسمى بعد هذا التغيير "جي بريكس" - برئيس الدورة السنوية، وذلك بالتناوب بين دول المجلس، خصوصا وأن انضمام دول المجلس بصورة منفردة مسألة غير عملية بسبب صغر حجم الاقتصادات الخليجية، مقارنة باقتصادات بقية الأعضاء في بريكس. في هذه الحالة ستكون للمجموعة الجديدة "جي بريكس" تأثيرات إيجابية واسعة على اقتصادات هذه المجموعة بشكل خاص وعلى العلاقات الاقتصادية الدولية بشكل عام، فالتشكيلة المقترحة ستكون حاضرة بقوة في كافة المنظمات الدولية والتي لا بد وأن يطالها التغيير، فموازين القوى التي فرضت بعد الحرب العالمية الثانية تغيرت تماما، مما يتطلب تغييرا مماثلا في عمليات التمثيل واصطفاف القوى وموازينها في هذه العلاقات الدولية لتعكس مصالح مختلف البلدان بصورة أكثر توازنا وعدلا.

370

| 08 أبريل 2012

اقتصاديات "الربيع العربي" تزداد اصفرارا

من غير المعروف تماما من الذي أطلق تسمية "الربيع العربي" على الأحداث التي شهدتها بعض البلدان العربية في عامي 2011 و2012 والتي أحدثت تغييرات عميقة في مجتمعات كل من تونس ومصر وليبيا واليمن لتقتصر الآن على الأحداث الدامية التي تشهدها سوريا والتي يكتنفها الغموض بسبب تضارب المصالح الإقليمية والعالمية هناك. وحتى الآن، فإن هذا الربيع لم ينبت أزهارا ينتشي الناس برحيقها الجميل، بل إن الأوضاع تتجه للمزيد من التدهور الاقتصادي والأمني، ففي كافة هذه البلدان ارتفعت معدلات البطالة وهربت رؤوس الأموال وتدنت عائدات قطاعات اقتصادية رئيسية وتراجع الإنتاج وأصبحت هذه البلدان أكثر اعتمادا على المساعدات الخارجية، حيث قدرت الجامعة العربية خسائر الربيع العربي بـ 56 مليار دولار وتوقعت أن يتضاعف هذا المبلغ ليصل إلى 120 مليار دولار في هذا العام. وإذا ما أخذنا مصر، كأكبر وأهم بلدان الربيع العربي، فقد انخفضت احتياطيات الدولة إلى أكثر من النصف وربما تتلاشى هذه الاحتياطيات تماما مع نهاية العام الجاري، في المقابل ارتفع فيه الدين العام إلى مستويات قياسية بلغت 226 مليار دولار، وذلك لأول مرة في تاريخ مصر، كما تحول الفائض بميزان المدفوعات في عام 2010 والبالغ 1.3 مليار دولار إلى عجز بمبلغ 18.3 مليار دولار في العام الماضي 2011، في الوقت الذي احتدمت فيه الصراعات السياسية والطائفية، مما أدى إلى أن تعلن محافظة بورسعيد مؤخرا عن تهديدها بالانفصال وتشكيل "جمهورية بورسعيد"! أما في ليبيا التي استعادت بسرعة مستويات إنتاج النفط لتصل قريبة من معدلاتها ما قبل الأحداث، وذلك بفضل مساعي شركات النفط الأجنبية للاستفادة من الأسعار العالية من جهة وللتعويض عن صادرات النفط الإيرانية التي انخفضت بفعل العقوبات المفروضة عليها بسبب برنامج إيران النووي المثير للجدل، فإن هذا البلد قدرت خسائره بأكثر من 50 مليار دولار، وذلك إلى جانب عشرات المليارات الموظفة في الخارج وغير القادرة حتى الآن على استردادها، فإنها معرضة بدورها للتجزئة والانقسام أكثر من غيرها، فالولايات النفطية تسعى وبقوة للانفصال وتشكيل دول مستقلة للاستحواذ على عوائد النفط الهائلة وحرمان بقية المناطق الليبية منها، في الوقت الذي تقف الحكومة المركزية عاجزة عن فرض الأمن والنظام. وفي تونس، فإن الأمر يبدو أكثر استقرارا، إلا أن الاقتصاد التونسي مازال يعاني ولم يحقق أي تقدم منذ أكثر من عام، فرؤوس الأموال الهاربة لم تفكر في العودة حتى الآن، ومازال القطاع السياحي يعاني بسبب إحجام السياح، وبالأخص الأوروبيون من في زيارة تونس، وذلك لمخاوفهم الناجمة عن أنظمة الحكم الجديدة والتي ربما تنوي فرض عقوبات قاسية على العديد من الممارسات المعتادة التي يقوم بها السياح عادة في مناطق السياحة في مختلف بلدان العالم، مما كبد القطاع السياحي المهم في بلدان الربيع العربي خسائر قدرتها منظمة السياحة العربية بأكثر من 100 مليار دولار. أما في اليمن السعيد، فقد اختفى ما تبقى من سعادة لدى الناس ليواجهوا أوضاع اقتصادية صعبه ناجمة عن فقدان الناتج المحلي الإجمالي لأكثر من ثلث قيمته ونقصا كبيرا في السلع الأساسية وصراعات قبلية وسياسية وطائفية خطيرة، وبالأخص بعد دخول قوى خارجية بثقلها في هذا لصراع في بلدا فقير يبحث عن طريقه التنموي للتغلب على الفقر والتخلف الذي يعصف به منذ سنوات طويلة. ومن حسن حظ اليمن أنه مجاور لدول مجلس التعاون الخليجي التي بذلت جهودا مضنية لوقف أعمال العنف وتمهيد الطريق للانتقال السلمي للسلطة، ومن ثم تقديم مساعدات مالية وإنسانية لتجاوز تداعيات أحداث "الربيع العربي" هناك. ويبدو أن سوريا والتي بلغت خسائرها حتى الآن أكثر من 40 مليار دولار ستكون أكثر هذه البلدان تضررا اقتصاديا وتدميرا سياسيا وطائفيا، فالمحصلة هناك ستكون كارثية لتخرج منها سوريا بلدا مدمرا وممزقا، كما هو حال العراق الذي تتبخر فيه شهريا مليارات الدولارات من عائدات النفط، في الوقت الذي لا تمطر فيه السماء العراقية بشيء من هذا البخار لتسقي أوراق الاقتصاد العراقي الجافة. وحدها البحرين استطاعت بفضل حكمة تعاملها مع الأحداث وبفضل مساندة أشقائها في التحالف الخليجي من تجاوز معظم تداعيات العام الماضي بأقل الخسائر لتضع نفسها من جديد على طريق الازدهار الاقتصادي والتنمية ولتقدم دول المجلس مجتمعة درسا آخر في حل المعضلات التي تواجهها، وذلك بعد أن قدمت على مدى الأربعين عاما الماضية تجربة تنموية تستحق الدراسة والاهتمام، مما يؤكد مرة أخرى على أهمية الاتحاد الخليجي لتنمية واستقرار كافة دول المجلس. والحال، فإن العالم العربي بحاجة لربيع آخر، ربيع مزدهر اقتصاديا ومستقر سياسيا ويوفر للمواطن العربي المساواة والحياة الكريمة وفرص العمل والتعليم والخدمات الصحية وأسس التنمية المستدامة بعيدا عن المزايدات والانقسامات، عندها فقط يمكن لهذا الربيع أن يزهر وأن تفوح منه رائحة الحياة والتقدم الاقتصادي.

425

| 01 أبريل 2012

أهمية استثمارات صناديق التقاعد الخليجية

استجابت الهيئة العامة للتقاعد والتأمينات الاجتماعية القطرية لدعوة المختصين في الشأن الاقتصادي بضرورة مساهمة صناديق التقاعد في دول مجلس التعاون الخليجي في المساهمة التنموية من خلال تنشيط الاستثمارات المحلية، وذلك سيرا على النهج الذي تتبعه صناديق التقاعد والتأمينات في مختلف بلدان العالم، وبالأخص بلدان الاتحاد الأوروبي، حيث تعتبر هذه الصناديق أحد أهم العوامل المحركة للاستثمارات الداخلية، بما في ذلك الاستثمار في أسواق المال، باعتبار هذه الصناديق أحد صناع السوق الذي يحفظ التوازن المطلوب ويحد من المضاربات. وكما هو حال صناديق التقاعد في العالم، فإن الصناديق الخليجية تملك قدرات مالية هائلة، مقارنة بحجم الاقتصادات الخليجية، فالتقديرات الأولية تشير إلى أن هذه الصناديق تملك ما بين 70 – 80 مليار دولار، وهو مبلغ يمكن أن يشكل أحد أهم محركات الاستثمار في دول المجلس إذا ما تم استثماره بصورة مهنية صحيحة. والحقيقة أن الصناديق الخليجية تعزف حتى الآن عن الاستثمار الداخلي أو الخارجي وتكتفي بالودائع المصرفية التي تعتبر أدنى أشكال الاستثمار في الوقت الحاضر بسبب تدني أسعار الفائدة والتي لا تتجاوز 1% في أحسن الحالات، مما قد يعرض هذه الصناديق لعجز اكتواري في حالة استمرارها في هذا الاتجاه وافتقدت إلى سياسات استثمارية بعيدة المدى. لذلك فإن قرار هيئة التقاعد القطرية باستثمار 1.6 مليار ريال (440 مليون دولار) تقريبا في إحدى الشركات العقارية في قطر يشكل سابقة مهمة للتوجهات الاستثمارية المستقبلية لصناديق التقاعد والتأمينات الاجتماعية في دول مجلس التعاون الخليجي. لقد أصبحت مسألة وجود سياسات استثمارية لدى الصناديق الخليجية مهمة لاقتصادات دول المجلس من جهة وللمؤمن عليهم من المواطنين الخليجيين من جهة أخرى، وذلك لما لهذه السياسات الاستثمارية من تأثير مباشر على معدلات النمو وعلى المستويات المعيشية في دول المجلس. ومع أن البيانات الصادرة عن صناديق التقاعد الخليجية شحيحة للغاية، إلا أنها مهددة بالعجوزات الاكتوارية، كما تشير إلى ذلك إداراتها بين فترة وأخرى، في الوقت الذي تقوم فيه الصناديق المماثلة في العالم بنشر تفاصيل سياساتها الاستثمارية ونمو أصولها وأرباحها أو خسائرها، فصندوق الضمان الاجتماعي الصيني والبالغ حجمه 137 مليار دولار حقق أرباحا بلغت نسبتها 5.6% في العام الماضي 2011، مقارنة مع 4.2% في عام 2010 وهي نسبة جيدة إذا ما قورنت بالأوضاع الاقتصادية في العالم. وفي الوقت الحاضر فإنه تتوفر لصناديق التقاعد الخليجية فرص كبيرة لتعزيز مواردها وتدعيم أوضاعها المالية، إلا أنه باستثناء خطوة الهيئة القطرية، فإن باقي الصناديق متحفظة في توجهاتها الاستثمارية. ومع أن هذه الخطوة تبدو صغيرة إلا أنها مهمة لتنويع استثمارات الصندوق، فالقطاع العقاري القطري رغم تراجعه في ظل الأزمة، إلا أنه يملك قوة دفع تتزامن مع النمو السريع والقوي للاقتصاد القطري الذي يحقق أعلى معدل نمو في العالم، كما أن المشاريع العمرانية سوف تشهد انتعاشا مستمرا منذ الآن وحتى افتتاح مونديال قطر في عام 2022 وذلك بفضل المشاريع المتوقع تنفيذها استعدادا لهذا الحدث العالمي بعد عشر سنوات. وبالإضافة إلى القطاع العقاري، فإن أسواق المال الخليجية توفر بدورها فرصا مهمة، حيث يصل العائد على أسهم العديد من المؤسسات المساهمة، وبالأخص البنوك الإماراتية والقطرية إلى أكثر من 5% بمستوى أسعارها حاليا، حيث يشكل ذلك خمسة أضعاف العائد على العوائد المصرفية في الوقت الحاضر. وبجانب البنوك، فإن أسعار أسهم الشركات الصناعية الكبيرة المساهمة، كـ (سابك) في السعودية و(ألبا) في البحرين تشكل عامل جذب للمستثمرين، إذ يبلغ العائد على أسهم ألبا 11% سنويا بالأسعار السائدة في السوق حاليا. لذلك فإن إحجام صناديق التقاعد والتأمينات الاجتماعية الخليجية عن الاستثمار في أسواقها يشكل خللا كبيرا في أدائها ويفوت عليها فرصا نادرة قلما تتكرر في أوقات متقاربة، إذ ربما تكمن أحد الأسباب في هذا التقاعس الاستثماري في افتقاد هذه الصناديق للاستقلالية الإدارية وارتباطها بوزارات لديها أولويات أخرى ولا تولي استثمارات الصناديق الأهمية التي تستحقها، وذلك رغم أن استثمارات صناديق التقاعد قد تشكل أهمية أكبر من استثمارات الوزارات التابعة لها من الناحيتين التنموية والاستثمارية، مما يتطلب فك القيود المفروضة عليها ومنحها المزيد من الاستقلالية لتتمكن من القيام بدورها التنموي والذي سيشكل إضافة كبيرة للتنمية الاقتصادية في دول المجلس.

1353

| 25 مارس 2012

alsharq
من سينهي الحرب؟                

سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا...

6987

| 16 مارس 2026

alsharq
الشيخ عبدالرشيد صوفي وإدارة المساجد

* مع اقترابنا من نهاية هذا الشهر الفضيل،...

1182

| 18 مارس 2026

alsharq
اقتصادات الظرف الراهن

نشيد أولاً بجهود الدولة بمختلف مؤسساتها وإداراتها في...

1026

| 14 مارس 2026

alsharq
ليست هذه سوى بتلك!

ليست الحياة سوى جند مطواع يفتح ذراعيه لاستقبال...

864

| 17 مارس 2026

alsharq
مضيق هرمز والغاز الطبيعي وأهمية البدائل

لم يعد الغاز الطبيعي مجرد سلعة اقتصادية، بل...

852

| 14 مارس 2026

alsharq
حين تشتد الأزمات.. يبقى التعليم رسالة أمل

التعليم لا يقتصر على نقل المعرفة فحسب، بل...

831

| 15 مارس 2026

alsharq
رمضان والعشر الأواخر

تُعد العشر الأواخر من رمضان فرصة أخيرة لا...

828

| 16 مارس 2026

alsharq
فلنرحم الوطن.. ولننصف المواطن والمقيم

عند الشروع في تأسيس أي نشاطٍ تجاري، مهما...

816

| 12 مارس 2026

alsharq
لا ناقة ولا جمل.. لماذا يدفعون الخليج إلى الحرب؟

«هذه حرب لا ناقة لي فيها ولا جمل»،...

783

| 15 مارس 2026

alsharq
النظام في إيران بين خطاب التبرير وسياسات التصعيد

دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التوتر...

777

| 17 مارس 2026

alsharq
الرفاه الوظيفي خط الدفاع الأول في الأزمات

في عالم تتسارع فيه التغيرات الاقتصادية والتنظيمية، وتزداد...

732

| 12 مارس 2026

alsharq
إعادة ضبط البوصلة

ما الأزمات التي تحاصرنا اليوم إلا فصول ثقيلة...

669

| 13 مارس 2026

أخبار محلية