رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يشهد العالم من قبل انفتاحا اقتصاديا وتجاريا مثلما حدث في السنوات العشر الماضية، بحيث أصبح العالم سوقا واحدة كبيرة موزعة على بلدان كثيرة، بل إن حتى البلدان التي تمتعت بالحماية الجمركية وانغلاق أسواقها لعقود طويلة اضطرت إما إلى إلغاء هذه القيود أو التخفيف منها إلى حدها الأدنى، إذ أن بديل ذلك هو الانعزال عن العالم وعدم الاستفادة من الفرص التي تتوفر في الأسواق الدولية، وذلك إذا ما استثمرت هذه الفرص بصورة صحيحة.
ومع ذلك بقيت السياسات الاقتصادية لبعض البلدان متشددة، حيث يعتقد القائمون عليها خطأ أنها قادرة على الانعزال الاقتصادي ومواجهة العالم، إما بسبب التعنت، كما هو الحال مع كوريا الشمالية أو بسبب العقوبات الناجمة عن التمسك بسياسات أيديولوجية متشددة، كما هو الحال مع إيران.
والحال أن كلتا الحالتين تؤديان إلى تدهور اقتصادي وإلى تدني مستويات المعيشة للسكان، وهو ما يحصل بالفعل في هذين البلدين، إذ أن العولمة وهيمنة الشركات الكبيرة التي تدير الاقتصاد العالمي لها سياساتها ومعاييرها والتي لا يمكن لدولة بمفردها مواجهتها. وإذا ما أخذنا على سبيل المثال المضاربات الجارية في أسواق النفط والذهب والبورصات، فإننا سنجد أن كافة محاولات بلدان العالم للحد من هذه المضاربات، بما فيها محاولات إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما ذهبت أدراج الرياح، إذ أن قوة رأس المال أصبحت مهيمنة وتتحكم في الكثير من مفاصل الاقتصاد العالمي.
والحقيقة أنه لرأس المال المالي المهيمن توجهاته التي تعبر عن المرحلة الحالية من تطور الاقتصاد الرأسمالي والتي يأتي في مقدمتها انفتاح السواق، وبالأخص حرية حركة رأس المال التجارة والاستثمارات، وذلك لتكريس توجهاته ذات الطابع الرامي إلى تعظيم الأرباح من خلال الأوراق المالية والمضاربة في المشتقات.
من هنا، فإننا نرى هناك تناغما لم يسبق له مثيل بين حركة الأسواق المالية في العالم، وكأنها تعزف ضمن فرقة متناسقة للموسيقى الكلاسيكية الراقية لإحدى سمفونيات بيتهوفن أو موزارت أو جيكوفسكي، فالارتفاعات والانخفاضات في البورصات العالمية تتزامن ضمن هذا العزف الفريد من نوعه والذي فرضته العولمة وانفتاح الأسواق وحرية انتقال رؤوس الأموال.
والسؤال المطروح هنا أين موقع أسواق البلدان العازفة خارج هذه السيمفونية، ككوريا الشمالية وإيران ؟ والتي لكل منها أسبابه ومسبباته واللذان لم يستوعبا أن العالم قادر على ركنهما في زاوية ضيقة حتى وإن أدى ذلك إلى التخلي عن شراء النفط الإيراني مثلما يحدث حاليا.
مثل هذه النظرة الشاملة والموجزة للتغيرات الاقتصادية الدولية تمكننا من فهم ما قد يترتب عليها من تداعيات سياسية وإستراتيجية، خصوصا وأن هناك آراء متزايدة في الخليج العربي تشير إلى أنه ربما يكون هناك اتفاق من تحت الطاولة لتقاسم النفوذ بين الولايات المتحدة وإيران في المنطقة. أما واقع المصالح والتوجهات الاقتصادية لكلا الطرفين، فإنه يشير إلى غير ذلك تماما.
وقبل كل شيء، فإن الطبيعة المنغلقة للنظام الاقتصادي الإيراني لا تتناسب وطموحات رأس المال المالي الغربي، والأمريكي تحديدا المنفتحة شهيته على الاقتصاد العالمي، بل إنها تقف على الضد من هذه الطموحات، إذ تسعى إيران للتحكم على ثروة النفط الهائلة الكامنة في منطقة الخليج والذي يمكن في حالة التفريط فيها أن يشكل كارثة لمصالح البلدان الغربية وشركاتها التي تدير الاقتصاد العالمي.
إذن هناك تناقض صارخ بين هذين التوجهين، وذلك بغض النظر عن المساومات السياسية الدائرة بين الطرفين والتي يحاول كل طرف من خلالها كسب الوقت ليس إلا، إلا أن الأكيد هو أن أنظمة مثل كوريا الشمالية وإيران تعيش خارج نطاق العولمة، مما يضعها في تناقض مع سير الاقتصاد الدولي، وذلك بغض النظر عن إيجابيات وسلبيات العولمة وانفتاح الأسواق.
وبما أن هذين البلدين يغردان خارج سرب الاقتصاد الدولي، فإن الآفاق أمامهما مسدودة، إذ إن حتى البلدان التي لا ترغب في الانضمام لمقاطعة النفط الإيراني، كالصين والهند وجنوب إفريقيا اضطرت إلى تخفيض وارداتها بنسب كبيرة، وذلك رغم الحسومات والتسهيلات التي قدمتها إيران، كالدفع باليوان الصيني أو الروبية الهندية أو مقايضة النفط بسلع ومنتجات استهلاكية.
وهنا لا يحمل هذا التوجه من قبل الصين والهند وجنوب إفريقيا الكثير من الاستغراب، فإما الانضمام لهذا التوجه العالمي الذي يقوده رأس المال المالي، وإما التضحية بمصالحها مع دول وشركات عالمية أكثر قوة ونفعا لهذه البلدان.
وإذا ما اعتبرنا أن المصالح الاقتصادية هي المحرك الأساسي للتحالفات والتغيرات الجارية في العالم والتي أشرنا إليها بصورة مختصرة، فإن ذلك يعني أنه لا مستقبل للأنظمة المنغلقة اقتصاديا في ظل العولمة وانفتاح الأسواق وحرية حركة التجارة ورؤوس الأموال التي أصبحت سمة ملازمة للنظام الاقتصادي العالمي في العصر الراهن.
حين يصبح الكتاب بابا للحرية
لا تتأطر القراءة في حياة المرأة في مجرد عادة ثقافية أو ترف فكري، ولكنها تصبح مدخلا فسيحا نحو... اقرأ المزيد
129
| 08 مايو 2026
تأثير وسائل التواصل على استقرار الأسرة
أصبحت الآثار النفسية الناتجة عن الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي من أبرز التحديات التي تواجه الأسرة القطرية في... اقرأ المزيد
96
| 08 مايو 2026
تكامل لا تفاضل فيه
إلى نسخةٍ قديمةٍ منّي، كانت تقفُ بعيدًا على حافةِ التجربةِ ترتجف، لا خوفًا من تبعاتها، بل من انكشافها... اقرأ المزيد
75
| 08 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4386
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
4041
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
1569
| 07 مايو 2026