رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تحالفات احتكارية هائلة سيطرت على قطاعات واسعة عبر القارات يشكل الارتفاع الكبير في الأسعار على المستوى العالمي، وبالأخص أسعار المواد الغذائية إحدى الظواهر الملفتة للنظر في فترة ما بعد الحرب الباردة، علما بأن ارتفاع التضخم صفة ملازمة للنظام الاقتصادي، إلا أن الزيادات الفترات السابقة تمت بنسب تتناسب وارتفاع المؤشرات الاقتصادية والمعيشية الأخرى، كزيادات الرواتب والأجور وتكاليف المعيشة بوجه عام. ما يحدث في عالم اليوم صورة مختلفة تماما، ففي السابق كانت البلدان الغنية تستطيع استيعاب معدلات التضخم، بل إنها تمكنت من رفع مستويات المعيشة على مدى سنوات طويلة وأخضعت معدلات التضخم للرقابة، سواء من خلال متابعة الأسعار أو من خلال الأدوات المالية والنقدية التي تم تسخيرها لخدمة التنمية. لقد انتقلت العديد من القطاعات الإنتاجية المهمة في العقود الثلاثة الماضية من ملكية الدولة إلى ملكية القطاع الخاص في البلدان المتقدمة، وذلك ضمن سياسة الخصخصة التي اتبعت في الغرب، مما ولد تحالفات احتكارية هائلة استطاعت السيطرة على قطاعات واسعة عبر القارات تمكنت من خلالها الهيمنة على مرافق الإنتاج والتجارة والتحكم في الأسعار وفرض أسعار مرتفعة لتحقيق أرباح خيالية. وإن كانت أسعار بعض السلع الكمالية يمكن للمستهلك التعامل معها من خلال التقشف أو الحد من استهلاكها، فإن هناك سلعا لا يمكن الاستغناء عنها، كالمواد الغذائية والأدوية والتي ترتفع أسعارها للأسف بمعدلات تفوق غيرها من السلع، وذلك لمعرفة الاحتكارات الأكيدة باستحالة الجوعى والمرضى الاستغناء عنها. وتزداد المشكلة تعقيدا في البلدان التي تعتمد بصورة شبه كاملة على الواردات في تلبية احتياجاتها من الغذاء والدواء، كالبلدان العربية، إذ إن موجات الغلاء شكلت أحد أهم الأسباب التي أدت إلى تدهور المستويات المعيشية، وبالتالي تحولها إلى احتجاجات في هذه البلدان. وإذا كانت البلدان العربية قد وقفت عاجزة أمام ارتفاع الأسعار بسبب تواضع مواردها المالية واعتمدت بصورة أساسية على المساعدات الخارجية، فإن دول مجلس التعاون الخليجي بذلت جهودا متواصلة لرفع مستويات المعيشة والحد من التضخم، حيث قامت كل من دولة الإمارات والكويت وقطر بزيادة الأجور في وقت سابق، كما فعلت ذلك المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان ومملكة البحرين التي أعلنت الشهر الماضي عن زيادات في الأجور بنسبة كبيرة بلغت 37%. وعلى الرغم من أهمية هذه الزيادات في التخفيف من حدة تأثيرات هذه الظاهرة على مستويات المعيشة، إلا أن استمرار ارتفاع الأسعار عالميا يتطلب إجراءات إضافية إلى جانب زيادة الرواتب والأجور، كالسماح للجمعيات التعاونية ومراكز التسوق العامة بالاستيراد المباشر لكسر الاحتكار وتنمية دور جمعيات حماية المستهلك للحد من تأثيرات العوامل الداخلية في ارتفاع الأسعار. وفي هذا الصدد تسعى سلطنة عمان إلى سن قانون يمنع المورد من رفع سعر سلعة أو خدمة، إلا بعد الحصول على موافقة من الهيئة العامة لحماية المستهلك، إذ يترتب على المورد وفق القانون المقترح أن يتقدم بطلب للهيئة لرفع سعر السلعة أو الخدمة، على أن يقدم الأسباب التي تبرر الزيادة المقترحة في السعر. وتكتسي تجربة الكويت في مجال عمل الجمعيات التعاونية أهمية لمثل هذه التوجهات، كما أن تجربة وزارة الاقتصاد في دولة الإمارات والخاصة بمراقبة الأسواق أعطت بعض النتائج الإيجابية، وبالأخص بعد أن تم فرض غرامات على 200 متجر للبيع في شهر رمضان المبارك بسبب عدم التزامها بالأسعار التي حددتها الوزارة لتشكل خطوة نحو كبح جماح ارتفاع الأسعار. أما تجربة السعودية والبحرين، فإنها تساهم في التخفيف من تأثيرات ارتفاع الأسعار من خلال الدعم المقدم للسلع الأساسية، كالمواد الغذائية والأدوية، في الوقت الذي تزيد فيه قطر من حجم الإعانات المقدمة. من ذلك يمكن القول إن تجارب دول مجلس التعاون تكمل بعضها البعض، إلا أن تطبيقها بصورة مجزأة، في الوقت الذي يمكن فيه تنسيق عملية مواجهة ارتفاع الأسعار بشكل جماعي من خلال تبادل التجارب الناجحة وتنسيق الاستيراد المشترك الذي يقتصر في الوقت الحاضر على الأرز ليشمل سلعا أخرى ذات أهمية كبيرة للمستهلكين في دول المجلس، كالطحين واللحوم والزيوت والأدوية. ويشكل مثل هذا التوجه أهمية بالغة للتحكم في ارتفاع الأسعار والتخفيف من وطأته على المستهلكين، مما سيساهم في استقرار الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ويزيد من استقطاب المزيد من الاستثمارات للأسواق الخليجية من خلال رفع قدراتها التنافسية.
17789
| 04 سبتمبر 2011
أسعار الذهب سجلت رقماً قياسياً يقترب من حاجز 1900 دولار للأوقية لا يمكن المجادلة على أن الذهب يعتبر الاستثمار الآمن في فترات الازمات الاقتصادية والتوترات السياسية والاضطرابات المالية، كالمطبات العنيفة التي تعصف بأسواق المال والنقد في الوقت الحاضر التي افرزت مستجدات تعبر عن تداعيات عالم القطب الواحد الذي أفرز بدوره أزمات من نوع جديد. والحقيقة ان ما يتم الآن من مضاربات محمومة في تجارة الذهب لا يعبر عن المفهوم السائد تاريخيا حول الذهب، كملاذ للمستثمرين الباحثين عن قنوات آمنة لاستثماراتهم بعيداً عن مضاربات أسواق المال وتآكل قيمها وقوتها الشرائية من جراء انخفاض اسعار العملات، وبالاخص الدولار الامريكي. وقبل الاشارة الى بعض الحقائق لا بد في البداية من التنويه الى حقيقتين ميزتا تجارة الذهب في الأشهر القليلة الماضية، اولاهما تضاعف اسعار الذهب اكثر من ثلاث مرات ليرتفع من 445 دولاراً للأوقية في عام 2005 ليسجل رقماً قياسياً يقترب من حاجز 1900 دولار للأوقية في الآونة الاخيرة، حيث تزامن ذلك مع انخفاض الطلب بنسبة 17 % في الربع الثاني من العام الجاري 2011 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وذلك وفق مجلس الذهب العالمي، وهي نسبة كبيرة يفترض أن تسهم في استقرار الاسعار على اقل تقدير، وليس ارتفاعها بهذه الصورة الكبيرة. اما الاشارة الثانية، فانها تكمن في أن شراء العملات والسبائك الذهبية يتراجع في اوروبا والولايات المتحدة، في الوقت الذي يتزايد في كل من الصين والهند، علما بان المستثمرين الاوروبيين والامريكيين اشد حاجة لقنوات استثمارية آمنة بسبب ازمات الديون وتراجع اسعار الاسهم والسندات في الاسواق الاوروبية والأمريكية. ومع انه يمكن تفسير ذلك بتراجع القدرات الاستثمارية في الغرب ونموها في الشرق، الا ان ذلك ليس كافياً لتفسير عملية تراجع الطلب على الذهب في الاطلسي وارتفاعه في القارة الآسيوية الصاعدة التي ما زالت تحقق أعلى معدلات النمو في العالم. من خلال هذين الاتجاهين الواردين في تقرير مجلس الذهب العالمي يمكن الاستنتاج ان "فقاعة" الذهب لن تستمر طويلا، فأسعار الذهب التي اشتد سعيرها في السنوات القليلة الماضية وبالاخص بعد الازمة المالية العالمية في عام 2008 وما تلاها من انهيارات وازمات ديون، ربما تدفع بالسعر نحو مزيد من الارتفاع، كما تشير الى ذلك بعض التقارير، وذلك قبل أن تبدأ عملية التصحيح. وفيما يتعلق بظاهرة الفقاعات بشكل عام، فاإنه يلاحظ ازديادها في السنوات الأخيرة وتحول العالم أكثر نحو الاقتصاد الخدمي المعتمد على المعاملات المالية، وبالاخص في الغرب، فالعقد الأخير وحده شهد ثلاث فقاعات متتالية، ابتداء من فقاعة اسعار الاسهم وتضخيم الاصول في الاوراق المالية ومروراً بفقاعة العقارات واللتين انتهتا بسقوط بنك "ليمان برذار" في سبتمبر من عام 2008. وبما أن المضاربات تشكل أحد أهم أساسيات اقتصاد الخدمات القائم على تضخيم الاصول، فانه مع انتهاء فقاعات اسواق المال والعقار، فقد اتجه المضاربون للذهب وبصورة اقل للنفط الذي تحكمه اعتبارات معقدة بسبب وجود منظمة "الاوبك" كلاعب أساسي في سوق النفط العالمي. وكما هو الحال في الفقاعات السابقة، فقد كان للاعلام دوره المميز والخطير في توليد القناعات، وتشجيع عمليات الشراء والبيع السريعة لتحقيق ارباح خيالية، فتارة هناك هجمة مشتريات للذهب من البنوك المركزية، علما بأن من يقوم بعمليات الشراء اساساً هم البنوك الاستثمارية التي تشكل المضاربات جزءاً أساسياً من أنشطتها، وتارة أخرى الإشارة إلى أن الذهب رغم اقترابه من سعر 1900 للأوقية، فان هذا السعر يبقى اقل من السعر الحقيقي، اي إنه ما زال يتداول بأقل من قيمته الحقيقية! وفي نفس الوقت يقوم مجموعة من الخبراء وصناع القرار بتغذية الإعلام بأخبار وتوقعات مبالغ فيها وكتابة تقارير لا تعكس الواقع بقدر ما تخدم جهات استثمارية، وهو ما أشار إليه العديد من الأكاديميين والباحثين المهنيين المحايدين في أوروبا والولايات المتحدة بعد أن شكلت لجان عديدة لتقييم أسباب الأزمات والفقاعات السابقة.. ومثلما كانت نتائج الفقاعات السابقة مؤلمة جداً، فإن انفجار فقاعة الذهب ستكون قاسية للغاية، وستطول بتداعياتها استثمارات الكثير من بلدان العالم، وبالاخص المؤسسات التي قامت بمشتريات كبيرة من الذهب بأسعار مرتفعة.. الاستثمار في الذهب، هو نصيحة من ذهب، ولكن ضمن أساسيات مهنية بعيدة عن المضاربات والفقاعات المفتعلة، التي تتطلب من الدول والمستثمرين بشكل عام توخي الحذر، والحذر الشديد في الفترة القادمة، فديناصورات المضاربين من الصعب كسر شوكتهم، وذلك بحكم خبرتهم وقوتهم المالية وتغلغلهم في وسائل الإعلام ومراكز اتخاذ القرار في البلدان المتقدمة.
1710
| 28 أغسطس 2011
أزمات الديون في أوروبا وأمريكا يتطلب حماية الأسواق أكدت العديد من إدارات المصارف المركزية الخليجية استمرار ربط عملاتها بالدولار، وذلك رغم الصعوبات المالية والاقتصادية الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد الأميركي، إذ ربما يكون ذلك مفهوما من الناحية الفنية، وذلك لارتباط عائدات النفط وتسعيرها عالميا بالدولار، إذ ربما يترتب على عملية الفك في الوقت الحاضر على أقل تقدير تعقيدات مالية ونقدية في ظل الأوضاع المالية السائدة في العالم. وتزامنا مع هذا الارتباط، هناك دون شك عمليات ارتباط مالية ونقدية أخرى لا يمكن فصلها عن عملية الارتباط الأولى والتي يأتي من ضمنها ارتباط جزء مهم من احتياطات المصارف المركزية الخليجية بالدولار، وهو أمر منطقي ولا غبار عليه، إلا أن تصريحات محافظي بعض هذه البنوك المركزية القائلة بعدم امتلاكها لأي أدوات مالية صادرة عن الحكومة الأميركية، بما فيها سندات الخزانة أميركية بسبب أن انخفاض العائد على هذه السندات أوجد تناقضا مع بيانات سابقة من نفس المصدر تتحدث عن أن أكثر من 90% من الاحتياطيات مقومة بالدولار. ويشكل ذلك لغزا من الصعب حل رموزه، إذ لا يمكن الربط بين هذين التوجهين من الناحية المهنية، إلا إذا كانت هناك نظريات جديدة تشرح هذه العلاقة، فهذه الاحتياطيات الضخمة بالعملات الأجنبية للمصارف المركزية الخليجية والمقدرة بمئات المليارات من الدولارات لا يمكن أن تكون في مجملها موظفة خارج الولايات المتحدة! إذ أن ذلك يمكن أن يولد نوعا من الحيرة بسبب صعوبة استيعاب هذا الربط مهنيا. ومع ذلك يفترض المرء أن هناك مخرجا لهذه الحيرة، إذ ربما تكون هناك توجهات مالية لدى بعض البنوك المركزية لها فلسفتها الخاصة في توزيع احتياطياتها، إلا أنه يبدو أن هذه الحيرة التي وقع فيها قطاع الأعمال لم تقتصر على المتابعين الخليجيين، بل امتدت إلى خارج حدود دول مجلس التعاون، إذ أشارت صحيفة "الفايننشال تايمز" والصادرة يوم الخميس بتاريخ 5 أغسطس الجاري إلى نفس الاستفسارات والتساؤلات، حيث كتبت "كاميلا هول" بما أن العملة المحلية مرتبط بالدولار رسميا، فإن شراء جزء من السندات الأميركية يصبح أمرا حتميا من وجهة النظر العملية. وجاءت هذه التخمينات من قبل المحللين والمستثمرين بسبب غياب أية توضيحات تتعلق بهذا الموضوع، كما تقول صحيفة "الفايننشال تايمز"، مما أثار الحيرة لدى المتابعين للأسواق المالية، والذين لم يجدوا ربطا بين هذين التوجهين، كما أنهم لم يجدوا من يفسر لهم هذا اللغز. وتزامن ذلك مع أجواء مالية عالمية متوترة للغاية بسبب أزمات الديون في أوروبا والولايات المتحدة، مما يتطلب حماية الأسواق التي تعتبر أقل تأثرا بالأزمة، كالأسواق الخليجية، وذلك من خلال الابتعاد عن التصريحات التي لا تتناسب وظروف الأزمة العالمية ومد الأسواق المحلية والخارجية بجرعات من التصريحات الشفافة التي تبث الثقة في السوق الخليجية وتعكس حقيقة الأوضاع الاقتصادية والمالية الإيجابية التي تتمتع بها دول المجلس بشكل عام. وهذه ليست المرة الأولى التي تثير تصريحات وإجراءات المصارف المركزية الحيرة لدى قطاع الأعمال، فقبل سنتين على سبيل المثال اتخذ بعضها قرارا يتعلق بتقييد توزيعات الأرباح لدى البنوك الوطنية المساهمة بحيث لا تتجاوز 50% من مجموع الأرباح، علما بأن البنوك المحلية مصابة "بتخمة السيولة" بشهادة البنوك المركزية ذاتها، في الوقت الذي تعاني البورصات المحلية من أزمة سيولة مستفحلة وتزداد سوءا مع اشتداد التقلبات المالية في العالم. لقد عبرت البنوك المحلية عن امتعاضها لهذه الإجراءات، على اعتبار أنها تتوقع، وهي محقة في ذلك أن جزءا مهما من توزيعات الأرباح سوف يعاد ضخه في أسواق المال الخليجية، كما أن الجزء الآخر سوف يغذي السيولة في القطاعات الأخرى، بما فيها القطاع العقاري، أما القرار المذكور، فإنه سيترك آثارا سلبية على مجمل الأوضاع الاقتصادية وسيحرم السوق المحلية من سيولة يمكن أن تساهم في إنعاش العديد من القطاعات التي تضررت من الأزمات المالية المتكررة. لذلك من المهم أن تكون بيانات المؤسسات المالية، وبالأخص المصارف المركزية وإجراءاتها أكثر مهنية وواضحة وتخدم الأوضاع والتوجهات المالية، مما يتطلب ضرورة إعادة تقييم هذه الإجراءات بين فترة وأخرى لمعرفة مدى ملاءمتها للمستجدات الاقتصادية، فالقرار الخاص بتقييد توزيعات البنوك على سبيل المثال قابع في الإدراج، وربما يكون قد تم نسيانه، وذلك رغم أنه أصبح عائقا أمام تدفق السيولة لسوق متعطشة لها.
370
| 21 أغسطس 2011
أوقع تخفيض التصنيف الائتماني السيادي للولايات المتحدة من قبل "ستاندرز اند بورز" قطاع الأعمال والمستثمرين حول العالم في حيرة وتعقيدات جديدة تضاف إلى الحيرة والتعقيدات الخاصة بقضية الديون في الولايات المتحدة وأوروبا. وعلى الرغم من أن هذه الخطوة والتي تحدث لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة كانت متوقعة في ضوء الأزمة بين الإدارة الأمريكية والكونغرس بشأن الديون والإنفاق والعجز، إلا أن رد فعل الأسواق كان عنيفا إلى درجة أدت إلى شبه انهيار للبورصات العالمية والتي لحقتها فيما بعد البورصات العربية والخليجية. ربما يشكل الانخفاض الكبير في البورصات العالمية وضعا مؤقتا سرعان ما تستوعبه هذه الأسواق وتتعامل معه بموضوعية، خصوصا وأن أداء الأسهم يعتمد بصورة كبيرة على أداء الشركات ونسبة العائد السنوية، كما أن هذا الأمر لا يخلو من عمليات مضاربة لتحقيق أرباح سريعة وكبيرة، إلا أن ما يهمنا هنا هو الآفاق المستقبلية لهذا التصنيف الجديد والتاريخي، ومدى انعكاساته على مستقبل الاستثمار في الولايات المتحدة وحجم الخسائر المترتبة عليه، وكذلك مستقبل الاقتصاد الأمريكي والعملة الأمريكية التي ترتبط بها عملات العديد من بلدان العالم. وفيما يتعلق بالاقتصاد الأمريكي، فإن سير الأمور لا يدعو للتفاؤل، فبعد رفع سقف الاقتراض في بداية الشهر الجاري تجاوز حجم الدين قيمة الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي لأول مرة، وهو مؤشر خطير يعيد إلى الأذهان إخفاقات البلدان التي سبقت الولايات المتحدة في هذا الجانب، كاليونان وإيطاليا، خصوصا وانه لا تتوفر بدائل للإدارة الأمريكية للتقليل من حجم الدين العام في المدى القريب على أقل تقدير، مما يعني أن كرة الثلج هذه سوف تستمر في التدحرج لتتحول إلى قنبلة موقوتة من غير المعروف متى ستنفجر لتدمر كل ما حولها. وفي الوقت نفسه، فإن تخفيض الإنفاق بنسبة كبيرة والذي أقره الكونغرس بالتزامن مع رفع سقف الإقراض سوف تكون له نتائج وخيمة على الاقتصاد الأمريكي، إذ ربما يؤدي إلى المزيد من التباطؤ الاقتصادي وزيادة أعداد العاطلين عن العمل وتقليل القدرة على التعافي السريع للاقتصاد الأمريكي. وفي الجوانب المالية، فإن تخفيض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة من "AAA " إلى "+AA " مع نظرة سلبية سوف يؤدي إلى رفع خدمة الدين في الولايات المتحدة، مما سيزيد من الالتزامات المالية وحجم القروض، خصوصا وأن التصنيف الجديد أضيفت له جملة مع نظرة سلبية، إذ قد يعني ذلك إعادة تقييم هذا التصنيف في عام 2013 وتخفيضه من جديد. وضمن أمور أخرى يشير ذلك إلى إمكانية انخفاض قيمة الأوراق المالية الأمريكية والعائد السنوي عليها، وبالأخص سندات الخزانة والتي تستثمر فيها بلدان العالم مئات المليارات من الدولارات، حيث تبلغ الاستثمارات العربية وحدها في سندات الخزانة 400 مليار دولار، وإذا ما انخفضت هذه السندات بنسبة %10 على سبيل المثال وكما هو متوقع، فإن الخسائر العربية في هذا الجانب ستبلغ 40 مليار دولار، وذلك باستثناء الخسائر في الأوراق المالية الأخرى، علما بأن العائد على هذه السندات لمدة عشر سنوات انخفض من 4% في عام 2008 إلى 2.5% في الوقت الحاضر. أما في الجانب النقدي، فإن آفاق العملة الأمريكية في ظل هذه التطورات تبدو قاتمة للغاية ويتوقع أن تمنى بالمزيد من الخسائر في أسواق الصرف الدولية، إذ تدخل المصرف المركزي الياباني الأسبوع الماضي لشراء الدولار بهدف رفع سعره مقابل الين بعد أن انخفض الدولار إلى مستويات تاريخية متدنية ليسجل 78 ينا للدولار. وفي هذا الصدد سيشكل ذلك معاناة حقيقة للعملات المرتبطة بالدولار، بما فيها العملات الخليجية، باستثناء الدينار الكويتي وستتكبد البلدان المصدرة للنفط خسائر جسيمة لارتباط أسعار النفط بالدولار الأمريكي. وإذا كان مثل هذا الانخفاض سيساهم في زيادة الصادرات الأمريكية، وهو أسهم بالفعل، حيث احتلت مبيعات شركة "جنرال موتورز" الأمريكية من السيارات المركز الأول في العام الماضي، بعد إزاحتها لشركة "تويوتا" اليابانية عن هذا المركز، فانه بالنسبة للبلدان المرتبطة عملاتها بالدولار يعني المزيد من غلاء الأسعار والتضخم وانخفاض عملاتها تجاه العملات الرئيسة الأخرى في العالم وارتفاع قيمة وارداتها من السلع والخدمات. لذلك، فإن الأمر يتطلب من هذه البلدان المرتبطة بالدولار، بما فيها دول الخليج إعادة رسم سياساتها المالية والنقدية للخروج من هذه الدائرة التي ستزداد تعقيدا مع فترة الانتخابات الأمريكية في العام القادم والتنازع بين حزب الشاي وإدارة أوباما والتي ستستغل فيها الجوانب الاقتصادية والمالية بصورة لم يسبق لها مثيل، حيث يترتب على الشعب الأمريكي دفع ثمن هذا الصراع، أما البلدان الأخرى فلا ذنب لها ومن الأفضل لها اتخاذ إجراءات احتياطية قبل فوات الأوان وإعادة ترتيب خارطتها الاستثمارية حول العالم والتي بدأت في التغير الجذري من خلال توفر فرصا جيدة في أوروبا والأسواق الصاعدة، وكذلك النأي باقتصاداتها بعيدا عن الاقتصاد الأمريكي المتهاوي وعملته التي ما زالت لحسن الحظ مرتفعة بالنسبة للروبية الباكستانية والتومان الإيراني ودولار زيمبابوي!.
393
| 14 أغسطس 2011
فهم خاطئ للمهام التشريعية والتنموية للبرلمان في الكويت تعتبر شركة "داو كيميكال" الأمريكية "The Dow Chemical Co". والتي تأسست في عام 1897 ثاني أكبر شركة كيماويات وأكبر منتج للمواد البلاستيكية في العالم، كما أنه يرجع لها الفضل في ابتكار وتطوير الكثير من المنتجات الكيماوية التي لا غنى عنها في الوقت الحاضر بسبب اعتماد العديد من الصناعات الحديثة على هذه المنتجات الكيماوية. قبل سنوات اختارت شركة "داو كميكال" الكويت لإقامة شركة بتروكيماوية مشتركة "joint venture " تحت مسمى "K-Dow Petrochemicals " للاستثمار في مختلف بلدان العالم، وباستثمارات قدرت بتسعة عشر مليار دولار، حيث تم توقيع مذكرة تفاهم بين الشركة والكويت في هذا الشأن، إلا أن مجلس الأمة الكويتي تصدى لهذا المشروع وألغاه بحجة أن هذه الاتفاقية ليست في صالح الكويت! كيف لا أحد يعلم حتى الآن، ربما بسبب الفكر التقليدي الذي لا يفرق ما بين المواقف السياسية والمصالح الاقتصادية. بعد سنتين من إلغاء المشروع الكويتي، أعلن في الأسبوع الماضي عن اتفاق شركة "داو كميكال" مع شركة "أرامكو" السعودية لإقامة أكبر مجمع بتروكيماويات في العالم بمنطقة الجبيل الصناعية على الخليج العربي وباستثمارات قدرت بعشرين مليار دولار، حيث سيقوم هذا المجمع بإنتاج مواد كيماوية جديدة تنتج لأول مرة في المنطقة. المثير في الأمر أن أعضاء مجلس الأمة لم يعيروا انتباها لعقد جزائي يلزم الكويت بدفع مبلغ ملياري دولار في حالة التراجع عن مذكرة التفاهم، خصوصا وأن سهم الشركة تراجع من 37 دولارا إلى أربعة دولارات فقط بعد فشل الاتفاق مع الكويت والذي تزامن مع اشتداد الأزمة المالية العالمية، إلا أنه عاود الارتفاع مرة أخرى ليصل إلى 35 دولارا في الوقت الحاضر. وعلى نمط عقد الكويت مع "داو كيميكال" أسهم مجلس الأمة في عرقلة العديد من المشاريع التنموية، كما أنه وبإجراءاته غير المدروسة كبد شركات كويتية أخرى خسائر جسيمة، بما فيها شركة الخطوط الجوية الكويتية والتي تحولت بفضل مجلس الأمة إلى عالة على الحكومة وتكلف ميزانية الدولة مئات الملايين سنويا، حيث طرحت مؤخرا للخصخصة. وفي كل الأحوال، فإن فوز السعودية بهذا المشروع هو مكسب لكل دول مجلس التعاون، إلا أن أحدا لم يقم بمحاسبة النواب الذين صوتوا ضد المشروع وكلفوا خزينة الدولة مليارين من الدولارات وضياع مشروع إستراتيجي يمكن أن يساهم في تنويع مصادر الدخل الوطني ضمن توجهات دول المجلس للتحضير لفترة ما بعد النفط. وعلى نفس النهج سار مجلس النواب البحريني الذي حاول أكثر من مرة الإضرار بقطاعات اقتصادية حيوية، علما بأن أجندته منذ قيامه في عام 2002 تخلو تقريبا من القضايا الاقتصادية التي تهم المواطن وترفع من مستوياته المعيشية، حيث غلبت على أعمال المجلس القضايا السياسية والمناكفات الطائفية التي أضرت بالاقتصاد. لذلك يمكن القول إنه لم تتمخض أية مكاسب اقتصادية "للديمقراطيات الخليجية" التي تاهت في سراديب قضايا ثانوية، علما بأنه تتوفر في الكويت والبحرين، كما هي الحال في بقية دول المجلس فرص استثمارية كبيرة لم يتم استغلالها حتى الآن، كما أن هناك العديد من الكفاءات الاقتصادية في البلدين التي لم يحالفها الحظ بالفوز بمقاعد برلمانية بسبب مهنيتها وابتعادها عن التجاذبات الطائفية والشوفينية، حيث يتحمل الناخبون جزءا كبيرا من هذه الإخفاقات والتي أضرت بمصالحهم وفوتت على بلديهما العديد من الفرص التنموية التي كان بالإمكان أن تساهم في تحسين مستوياتهم المعيشية وتضمن عائدات إضافية للأجيال القادمة. من ذلك يبدو أن هناك فهما خاطئا للمهام التشريعية والتنموية للبرلمان في الكويت والبحرين، حيث تحول مجلسا الأمة والنواب في البلدين لساحتي تصفية للخلافات والمنازعات وعرقلة المشاريع التنموية، وذلك على العكس من المهام التنموية التي تقوم بها البرلمانات الأوروبية، وبالأخص في البلدان الإسكندنافية حيث تخضع بعض الصناديق الاستثمارية المهمة بصورة مباشرة للبرلمان، كالنرويج على سبيل المثال، وذلك إضافة إلى مهام البرلمان الأخرى المتمثلة في سن التشريعات، بما فيها التشريعات الاقتصادية التي تساهم في جذب الاستثمارات وزيادة معدلات التنمية والمحافظة على مقدرات الدولة الاقتصادية. ربما المقارنة هنا فيها بعض الإجحاف للتجربة البرلمانية الخليجية التي لم يمض عليها أكثر من سنوات معدودة، مقارنة بالتجارب الأوروبية التي مضى عليها مئات السنين، إلا أن التنبيه لأخطاء التجربة الخليجية وحثها على الاهتمام بالقضايا التنموية أمر مهم لمستقبل هذه التجربة ولاستقرار هذه البلدان ونموها المستقبلي ولتجنب العثرات الناجمة عن فقر التجربة وكفاءة الفائزين في الانتخابات.
452
| 07 أغسطس 2011
ميناء الفاو العراقي سيكلف 6 مليارات دولار تدرك دول مجلس التعاون الخليجي أكثر من غيرها أهمية البنية الأساسية للنمو الاقتصادي، وذلك بحكم تجربتها الغنية في هذا المجال، حيث تمكنت دول المجلس الست خلال العقود القليلة الماضية من إقامة بنية أساسية متطورة، قلما نجد لها مثيلا في البلدان النامية الأخرى. وبجانب ذلك أسهمت دول المجلس من خلال المساعدات الإنمائية في إقامة مئات المشاريع المماثلة في البلدان النامية الأخرى، وبالأخص في البلدان العربية، حيث ما زالت هذه المشاريع تشكل جزءا أساسيا من البنية التنموية وتوفر الكثير من فرص العمل. ضمن هذا الاهتمام المتزايد أعلنت الكويت عن تخصيص استثمارات مهمة لإقامة ميناء مبارك الكبير في جزيرة بوبيان على مقربة من الحدود العراقية، مما أثار حفيظة العراق الذي سبق وأن أعلن في عام 2005 عن نيته لإقامة ميناء مماثل في منطقة الفاو والتي تبعد عن الميناء الجديد مسافة عشرين كيلو مترا فقط. ويبدو أن هذا النزاع الجديد بين الجارين الخليجيين يحمل في طياته خلفيات سياسية واقتصادية وتاريخية وحدودية عديدة، إلا أن إقامة ميناء في هذه المنطقة وبهذا الحجم يمثل أهمية اقتصادية كبيرة للبلدين، مما يدعو إلى التعاون والتنسيق للاستفادة من العوائد التجارية والمنفعة الاقتصادية التي ستترتب على وجود هذا الميناء. وفي هذا الصدد يمكن أن نستذكر الاتفاق الموقع بين البلدين في عام 1978 والقاضي بإقامة ميناء إقليمي متكامل يربط دول المنطقة بسكة للطرق الحديدية الأوروبية مرورا بسوريا وتركيا، إلا أن هذا المشروع لم ير النور بسبب الحرب العراقية الإيرانية ومن ثم غزو الكويت. وبالعودة إلى التوتر الحالي، فإن مثل هذا الاتفاق يمكن أن يشكل مخرجا لإقامة مشروع اقتصادي ثنائي ضخم وفقا لدراسات فنية وجدوى اقتصادية ليس لها علاقة بالتجاذبات السياسية القائمة حاليا، خصوصا في العراق الذي تتنازعه قوى وأحزاب ومليشيات لا تلتزم بقرارات الحكومة المركزية وتطلق التهديدات والاتهامات جزافا وفي كل الاتجاهات. ووفقا للبيانات المعلنة، فإن ميناء الفاو العراقي والذي تم وضع حجر الأساس له العام الماضي ولم يبدأ العمل به حتى الآن سيكلف 6 مليارات دولار من الصعب توفير استثماراتها في ظل الأوضاع الحالية في العراق، أما ميناء مبارك الكبير الكويتي، فإن مراحله الأولى ستكلف ملياري دولار، حيث يبدو أنه يتمتع بقدرات تنافسية كبيرة لأسباب فنية وإدارية عديدة، مما أثر على الجدوى الاقتصادية للمشروع العراقي. ولا نريد هنا أن نلتفت كثيرا لما تقوله بعض القوى السياسية العراقية من أن "الكويت تستهدف استهلاك العراق شعبا وأرضا"، وهو كلام كرره سابقا صدام حسين وقاده إلى النهاية التي يعرفها الجميع، فالكويت دولة مسالمة لم تعتد على أحد من قبل، بل إنها في مقدمة البلدان التي قدمت مساعدات تنموية كبيرة وتشكل واحدة من أعلى النسب في العالم إذا ما قورنت بحجم الناتج المحلي الإجمالي. وفي ظل عملية الشد والجذب القائمة حاليا، والتي تحاول من خلالها الكويت ضمان حرمة أراضيها بعد أن دعا أحد النواب العراقيين وبصورة استفزازية الكويت إلى تأجير جزيرة بوبيان للعراق، مما أثار مخاوف الكويتيين، في حين يرى العراق أن مشروع الكويت يمس حقوقه في المياه الإقليمية. والحقيقة أن هناك حلولا عملية تتيح للبلدين الشقيقين إقامة مشروع مشترك وذي عائد اقتصادي كبير للجانبين، وبالأخص للجانب العراقي الذي هو في أمس الحاجة لتجنب الخلافات والتركيز على التنمية لتلبية احتياجاته من مرافق البنية الأساسية، وبالأخص تلك المرتبطة باحتياجات الناس الضرورية، كالكهرباء والماء. وبما أن المشروع الكويتي سوف يديره القطاع الخاص، على عكس المشروع العراقي، فإنه يمكن إقامة شركة مساهمة عامة بالتساوي بين البلدين وطرح جزء من أسهمها للاكتتاب العام في كل من العراق والكويت وتكليف شركة أجنبية متخصصة ومحايدة بتحديد موقع الميناء انطلاقا من اعتبارات فنية واقتصادية مهنية وبما يحقق أعلى عائد اقتصادي للبلدين مع احترام الحدود القائمة ومصالح البلدين. أما إدارة المشروع المشترك الجديد، فإنه لا يوجد أفضل من مؤسسة موانئ دبي العالمية لإدارة هذا المشروع، إذ إنها تملك خبرة عالمية من خلال إدارتها لعشرات المشاريع حول العالم، بما في ذلك في أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية، كما أنها احتلت مؤخرا المركز الثالث، كأكبر ثلاثة مستثمري موانئ في العالم. ربما يكون هذا هو المخرج المهني الصحيح للخروج من حالة الاحتقان الذي لا يمكن التكهن بعواقبها، حيث تمكن لجامعة الدول العربية المبادرة إلى إيجاد مثل هذا الحل والذي سيشكل نقلة نوعية في التعاون الإقليمي العربي.
526
| 31 يوليو 2011
تكاليف الحروب ألف مليار "تريليون" دولار العقد الماضي بالإضافة إلى الموقع الجغرافي، فقد اكتسبت منطقة الخليج والشرق الأوسط بشكل عام أهميتها من كونها تحتوي على أكثر من %60 من احتياطي النفط في العالم، علما بأنها أكبر منتج لهذه المادة الخام الأولية والتي تشكل جوهر صناعة الطاقة في العالم. لذلك، فإن ما مرت به المنطقة من أحداث منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى الآن، بما في ذلك جزئيا الاحتجاجات الحالية في البلدان العربية لا تخلو من الصراع للاستحواذ على هذه المادة اللزجة التي لا تقدر بثمن والتي من خلالها يمكن التحكم في الكثير من أوراق اللعبة في العلاقات الدولية. وضمن عملية الصراع هذه وفي ذروة حمى الاستقلال الوطني في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي تم إنهاء اتفاقيات الامتياز للشركات النفط الأجنبية في بلدان المنطقة والذي اعتبر في وقته بمثابة تأميم برزت على أثره وبقوة شركات النفط الوطنية، والتي أخذ بعضها مكانته إلى جانب كبريات شركات النفط في العالم. وفي هذا الجانب برز اتجاهان، الاتجاه الأول تمثل في التأميم الكامل لاستخراج النفط وهو الاتجاه الذي ساد في العراق وليبيا، أما الاتجاه الآخر، فهو التأميم الجزئي والذي اتبعته دول الخليج العربي والذي اعتبر في حينه أكثر عقلانية واتزانا واستفادة من الخبرات التي تتمتع بها شركات النفط العالمية. ومنذ ذلك الوقت احتدم الصراع لإعادة اقتسام النفوذ في صناعة النفط العالمية حتى وأن تم ذلك من خلال الحروب، إذ شهدت المنطقة في بداية الثمانينيات الحرب العراقية الإيرانية وما أعقبها من حرب الناقلات وغزو للكويت والذي أعقبه رهن للنفط العراقي من خلال برنامج النفط مقابل الغذاء ومن ثم الحرب الأمريكية على العراق في عام 2003 وتسخير جزء كبير من النفط العراقي لتسديد فواتير حرب الكويت وحرب 2003 حيث قدر الرئيس الأمريكي تكاليف الحروب العقد الماضي بألف مليار (ترليون) دولار في حين قدرتها دراسة نشرها موقع جامعة "براون" الأمريكية بأربعة آلاف مليار (أربعة ترليونات) دولار وهو ما يعني من الناحية العملية مقايضة جزءا مهما من النفط العراقي لدفع تكاليف الحرب لعدة عقود قادمة، حيث اشارت صحيفة "الاندبندنت" البريطانية في نهاية شهر أبريل الماضي إلى وثيقة سرية تبين تورط حكومة "توني بلير" في الحرب على العراق طمعا في النفط العراقي، ووفقا للوثيقة، فإن الحكومة البريطانية رأت أن نفط العراق ضروري لها لتأمين مخزونها من الطاقة، وأن عقودا أبرمت مع شركات أجنبية في أعقاب غزو العراق تغطي نصف احتياطيات العراق والبالغ حجمها 90 مليار برميل من النفط. وبسبب الأحداث في ليبيا طالبت جهات غربية عديدة بضرورة إلزام ليبيا بدفع كامل تكاليف التدخل العسكري "للناتو" هناك، أي الرهن الجزئي النفط الليبي لسنوات طويلة قادمة، أما صحيفة "الفايننشال تايمز"، فقد أشارت في عددها الصادر نهاية الأسبوع الماضي إلى أن إعادة إعمار ليبيا ستكون مهمة ضخمة بعد استنزاف جميع المؤسسات المدنية في البلاد. ويبدو أن هناك توجهات لعمليات رهن أخرى في المستقبل، بما فيها النفط الإيراني، فالعالم وعلى عكس التوقعات السابقة يزداد اعتماده على النفط، فالاستهلاك العالمي سوف يرتفع في العام القادم 2012 إلى أكثر من 91 مليون برميل يوميا، مقابل 86 مليون برميل قبل ثلاث سنوات، كما أن الطلب في تزايد بمعدل 9 ملايين برميل يوميا كل سبع سنوات، كما تشير إلى ذلك وكالة الطاقة الدولية، أي أنه سوف يتجاوز المائة مليون برميل يوميا بحلول عام 2020. وضمن أمور عديد، فإنه من سيتحكم في قطاع استخراج النفط في المنطقة، سوف يدير شؤون الطاقة المحركة للاقتصاد العالمي، بما في ذلك تلبية احتياجات اقتصادات البلدان الصاعدة، كالصين والهند والتي تتعامل بندية مع القوى الكبرى في الوقت الحاضر. إن المهم في الأمر، هو أن عملية رهن النفط يعتبر أسوأ كثيرا إذا ما قورن باتفاقيات الامتياز التي تخلصت منها البلدان النامية المنتجة للنفط في بداية سبعينيات القرن الماضي، فإذا كانت اتفاقيات الامتياز تتيح للبلدان المنتجة الحصول على نسبة ثابتة من الريع النفطي، فإن الرهن الحالي لا يضمن الحصول، إلا على نسبة غير ثابتة تعتمد على الخصومات التي ستطال هذا الريع، وبالأخص تكاليف الحروب والتعويضات وإعادة الأعمار. في المقابل فليتطاحن العراقيون طائفيا قدر ما يستطيعون، المهم أن يستمر الذهب الأسود في التدفق من خلال الأنابيب حتى إشعار آخر.
1620
| 24 يوليو 2011
تتهاوى العملة الأمريكية بسرعة كبيرة في أسواق المال العالمية، مما يكبد عملات البلدان المرتبطة بالدولار خسائر جسيمة وينعكس على أسعار مختلف أنواع السلع والخدمات ويزيد من معدلات لتضخم. في السابق كانت معظم تأثيرات تراجع الدولار تتمحور حول انخفاض العملات الوطنية المرتبطة به بنسب مماثلة تجاه العملات الرئيسية الأخرى في العالم، كاليورو والجنيه الإسترليني، إلا أن هناك مستجدات عديدة تشير إلى امتداد هذه التأثيرات إلى جوانب أخرى لا تقل أهمية، مما قد تتسبب في حالة حدوثها في خسائر هائلة ليس للبلدان المرتبطة بالعملة الأمريكية فحسب، وإنما للاقتصاد العالمي ككل، وبالأخص للبلدان المستثمرة في الولايات المتحدة. هذه المستجدات برزت، كإفرازات للأزمة المالية العالمية والتي حاولت واشنطن تجاوز بعض تداعياتها من خلال ما يسمى بـ "خطة التيسير الكمي" والتي من خلالها يتم طبع المزيد من العملة الأمريكية دون أسس مالية سليمة، حيث طبع بنك الاحتياط الفيدرالي الأمريكي، أي البنك المركزي منذ بدء الأزمة ثلاثة تريليونات دولار، مما ترتب عليه عواقب وخيمة على الدولار بشكل خاص وعلى الأوضاع المالية للولايات المتحدة بشكل عام. ومع ذلك، فإن هذه الخطط المتعاقبة لم تثمر النتائج المرجوة منها، بل وأوصلت الاقتصاد الأمريكي إلى شفا الهاوية، كما تشير إلى ذلك وكالات التصنيف الدولية، حيث يمكن ذكر بعض المستجدات التي ستطال استثمارات مختلف بلدان العالم بسبب تجاوز الاقتصاد الأمريكي للخطوط الحمراء المتعارف عليها دوليا. وأول هذه المستجدات يكمن في تجاوز الدين العام الأميركي لنسبة %60 من حجم الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة الأمان ووصوله إلى %100 من حجم هذا الناتج ليبلغ 14.3 تريليون دولار، حيث يشبه هذا الوضع إلى حد بعيد وضع اليونان قبل الأزمة وهو أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى حدوث أزمة اليونان وغيرها من البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. أما ثاني هذه المستجدات، فإنه يرتبط بحجم العجز في الموازنة الأمريكية والذي بلغ بدوره رقما قياسيا تخطى نسبة الأمان البالغة 3% ليصل إلى 9% في العام الماضي 2010 وهو مؤشر خطير لا يمكن حله من خلال خطط التيسير الكمي المتبعة، حيث تشير التقديرات الأولية إلى ارتفاع العجز مرة أخرى في العام الحالي 2011. وبما أن حجم الدين العام وصل إلى هذا المستوى، فإنه ليس بوسع الإدارة الأمريكية تجاوز هذه النسبة دون موافقة الكونغرس وفق الأنظمة المالية الأمريكية، إذ إن ذلك يشير إلى وجود احتمالين لا ثالث لهما، فإما أن يوافق الكونغرس على تخطي هذه النسبة والموافقة على توسيع الدين العام، مما يعني زيادة تدفق الماء من ثقب السفينة المعرضة للغرق. والاحتمال الآخر يكمن في رفض الكونغرس الاقتراض مجددا، مما يضع الإدارة الأمريكية في وضع لا تحسد عليه، في أجواء انتخابات رئاسية بدأت مبكرا وفي أجواء كونجرس تسيطر عليه أغلبية جمهورية في ظل رئيس ديمقراطي. في نفس هذه الأجواء الملبدة بالغيوم السوداء هددت وكالات التصنيف العالمية الرئيسية الأربع بتخفيض التصنيف السيادي للولايات المتحدة من AAA وهو تصنيف مرتفع، حيث سيطال هذا الإجراء في حالة حدوثه ثوابت الاستثمار الأمريكية والتي كانت مثالية وآمنة على مدى العقود الستة الماضية. ونخص بالذكر هنا سندات الخزانة الأمريكية والتي تستثمر فيها مختلف بلدان العالم 10 تريليونات دولار، بما في ذلك الصين واليابان والبلدان الصاعدة والمنتجة للنفط، حيث لا تقتصر عمليات الاستثمار في سندات الخزانة على المؤسسات الحكومية والمصارف المركزية في العالم، وإنما يتعدى ذلك ليطال استثمارات القطاع الخاص، إذ إن تخفيض التصنيف السيادي للولايات المتحدة سوف يصيب قيمة هذه السندات بكارثة حقيقية وسوف تبلغ الخسائر المترتبة عليها 100 مليار دولار. وإذا كانت تداعيات الأزمة السابقة قد أصابت الاستثمارات الأجنبية في الولايات المتحدة في القطاعين العقاري والمالي بصورة أساسية، فإن الأزمة القادمة فيما لو حدثت ستكون شاملة وستنعكس بصورة أكثر شدة على الاقتصاد العالمي، إذ ستفقد الحكومات والبنوك المركزية جزءا كبيرا من قيمة الأصول الحقيقية لاحتياطياتها، مما قد يضطرها لاتخاذ إجراءات مالية ونقدية ستجد لها انعكاسات سلبية على أوضاعها المالية والاقتصادية. وفي كل الأحوال، فإن على الجميع متابعة أوضاع الاقتصاد الأمريكي بعيون فاحصة خلال الأشهر الخمسة المتبقية من العام الجاري والتي سوف تكشف العديد من الحقائق وتبين بصورة أوضح اتجاهات سير الاقتصاد الأمريكي وأزمات منطقة "اليورو" والوضع الاقتصادي العالمي بشكل عام.
467
| 17 يوليو 2011
منظمة الأوبك هل شاخت أم هناك تطورات عالمية أوجدت تناقضات؟ تتزايد التكهنات التي تشير إلى قرب تفكك منظمة الأقطار المصدرة للنفط "أوبك" تلك المنظمة التي تبنت ودافعت عن مصالح البلدان النامية المنتجة للنفط والتي تشكل البلدان العربية نصف أعضائها تقريبا. لقد تأسست منظمة الأوبك قبل خمسين عاما في العاصمة العراقية بغداد وواجهت على امتداد تاريخها مصاعب وأزمات، إلا أنه لم يجر الحديث قط عن عملية التفكك إلا مؤخرا، مما يعتبر مؤشرا على عمق التفاوتات والخلافات بين البلدان الأعضاء في المنظمة والتي شجعت على زيادة الضغوط عليها من قبل البلدان المستهلكة ممثلة في وكالة الطاقة الدولية والتي عمدت مؤخرا إلى ضخ 60 مليون برميل من مخزونها الاستراتيجي من النفط، مما أدى إلى انخفاض الأسعار وزيادة الاتهامات والاتهامات المضادة بين البلدان الأعضاء في المنظمة. هل شاخت منظمة الأوبك؟ أم أن هناك تطورات عالمية وإقليمية أوجدت تناقضات مستجدة بين البلدان الأعضاء بحيث طغت على المصالح المشتركة التي تجمع تلك البلدان في نطاق الأوبك والتي حققت لهذه البلدان مكاسب كبيرة على مدى العقود الخمسة الماضية، ففي منتصف السبعينيات تضاعفت أسعار النفط خمس مرات، وذلك بفضل تلاحم أعضاء المنظمة للحصول على أسعار عادلة لبرميل النفط، أما في العقود التالية، فقد تدخلت الأوبك بصورة منسقة لحماية أسعار النفط وتثبيتها قدر الإمكان عند مستويات مرتفعة نسبيا، مما حقق للبلدان الأعضاء بشكل خاص والبلدان المصدرة بشكل عام عوائد كبيرة أسهمت في زيادة معدلات النمو والبناء في البلدان المنتجة للنفط. وجاء قرار الوكالة الدولية كرد فعل بعد أن فشلت الجهود التي بذلتها قبل شهر تقريبا لدفع البلدان الأعضاء في منظمة الأوبك لزيادة إنتاجها من النفط، وذلك بعد الانخفاض الكبير في الإنتاج الليبي منذ بدأ الاحتجاجات هناك والذي لم يؤثر كثيرا في حجم الإمدادات في السوق العالمية، حيث تم تعويضه من خلال زيادة إنتاج العديد من البلدان من داخل وخارج المنظمة. ويبدو أن هناك العديد من العوامل التي تستغل الآن لمحاولة وضع نهاية للأوبك، وبالتالي حرمان البلدان المصدرة للنفط من أحد أهم وسائلها الخاصة بالدفاع عن مصالحها في العلاقات الاقتصادية الدولية. ويتمثل العامل الأول في أحداث المنطقة العربية والتي أدت إلى تدهور صناعة النفط وغياب الرقابة الحكومية من جهة، كما هو الحال في ليبيا والعراق والى زيادة حدة الخلافات بين البلدان الأعضاء في المنظمة بسبب تفاوت مواقفها من الأحداث العربية بين مؤيد ومعارض، وبالتالي انعكاس ذلك بصورة سلبية على علاقاتها داخل أروقة المنظمة من جهة أخرى. أما العامل الآخر، فإنه يتمثل في سعي البلدان المستهلكة لاستغلال هذه الظروف لتفكيك غريم تاريخي طالما حاولت إرغامه على التجاوب مع مصالحها المتمثلة في سياسات وكالة الطاقة الدولية والتي تأسست في عام 1974، كرد فعل على تضاعف أسعار النفط ولوضع الاستراتيجيات اللازمة في مجال الطاقة للبلدان المستهلكة، حيث تم في السنوات الأخيرة رغم هذه التناقضات التوصل إلى تفاهمات في حدها الأدنى بين منظمة الأوبك ووكالة الطاقة الدولية. ويتمثل ثالث هذه العوامل في السعي إلى إعادة ترسيم العلاقات في صناعة النفط العالمية لتعبر عن مصالح الاصطفاف الجديد في العلاقات الدولية، حيث فقدت شركات النفط الوطنية في البلدان المنتجة بعض مواقعها في السنوات الأخيرة لصالح الشركات العالمية التي استعادت بريقها السابق بفضل ما تتمتع به من تقنيات متطورة ومن هيمنة في أسواق النفط في العالم. وتشير مجمل هذه التطورات إلى أن حدة الصراع حول الأوبك وحول النفط بشكل عام سوف يشتد في الفترة القادمة، إذ ربما يكون رأس الأوبك هو المطلوب، وذلك بعد أن انتهت من الناحية العملية بعض مؤسسات العالم النامي، كدول عدم الانحياز وتلاشت مقترحات عديدة حول التعاون الاقتصادي والتجاري الإقليمي بين هذه البلدان. وفي كل الأحوال، فإن وضع منظمة الأوبك يختلف تماما عن مثيلاتها من مؤسسات العالم النامي، إذ إنه يرتبط مباشرة بأهم سلعة عالمية تعتمد عليها عجلة الاقتصاد في كافة بلدان العالم وتتوقف عليها عملية النمو برمتها في الدول المصدرة للنفط والتي في معظمها دول نامية لا زال أمامها الكثير لتنجزه على طريق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. من هنا لا بد وأن تعمل البلدان الأعضاء في منظمة الأوبك على طي أو على الأقل تقليص خلافاتها في اجتماعها الأسبوع المقبل، وإلا فإن الخطر الذي يتهددها سوف لن يستثني أحد من أعضائها، مما سيعد انتكاسة كبيرة لصناعة النفط الوطنية في البلدان النامية بشكل عام وفي البلدان الأعضاء في منظمة الأوبك على وجه الخصوص.
485
| 03 يوليو 2011
تقدم تركيا نموذجا فريدا من نوعه يعكس مدى التغير الذي طال البنية الاقتصادية والسياسية للمجتمع التركي الذي ظل لسنوات طويلة متأرجحا بين العالمين المتقدم والنامي من الناحية الاقتصادية، وما بين النظام الليبرالي والعسكري من الناحية السياسية. ما الذي حدث في تركيا خلال السنوات العشر الماضية حتى يتحقق كل هذا التقدم الاقتصادي والسياسي؟ هل هو التحدي الذي وضعها فيه الاتحاد الأوروبي؟ أم هو أردوغان أو أتاتورك القرن الحادي والعشرين؟ ربما تكمن الإجابة في أكثر من سبب، إلا أن الأكيد هو أن تركيا أصبحت نموذجا لبلدان الغرب والشرق على حد سواء، ففي الغرب ما زال العديد من بلدان أوروبا الشرقية يتخبط في مصاعبه وأزماته الاقتصادية، وذلك رغم مرور عشرين عاما على سقوط جدار برلين، ورغم انضمام معظم هذه البلدان للاتحاد الأوروبي، أما في الشرق فحدث ولا حرج، حيث البطالة والفساد وتدني مستويات المعيشة، بما في ذلك الدولتين الغنيتين بالنفط على حدود تركيا الشرقية. ولكن لندع الأرقام تتحدث عن نفسها، فحصة الفرد من الدخل القومي تضاعفت من سبعة آلاف دولار في عام 2001 إلى 14 ألف دولار في عام 2011، أما الصادرات التركية، فقد تضاعفت أكثر من مرتين لتصل إلى 114 مليار دولار تقريبا في العام الماضي 2010، مقابل 36 مليار دولار في عام 2002 في الوقت الذي حققت فيه تركيا خلال السنوات الماضية نسب نمو تُعَد واحدة من أعلى معدلات النمو في العالم. في المقابل انخفض معدل ارتفاع أسعار المستهلك (Consumer price inflation) من 73% في عام 2001 إلى 4% في العام الحالي 2011، كما أن الإصلاحات المالية والنقدية أدت إلى تثبيت سعر صرف الليرة التركية لتتحرك في نطاق ضيق تجاه اليورو والذي يعادل ليرتين تركيتين في المتوسط، وذلك بعد أن كان التضخم ينهش في العملة التركية والتي كانت" توزن" بدلا من عدها عند الشراء والبيع، كما هو حال بعض العملات العربية والتومان الإيراني في الوقت الحاضر، علما بان اليورو أصبح عملة متداولة حتى في البقالات والمطاعم، شأنه في ذلك شأن الليرة التركية، وذلك في محاولة لتثبيت وضع تركيا، كدولة من دولة منطقة اليورو ضمن معاهدة "ماستريخت" للعملة الأوروبية. وبجانب هذه الإصلاحات الاقتصادية استجابت تركيا لمعظم مطالب الاتحاد الأوروبي التشريعية، فعمدت في السنوات العشر الأخيرة إلى إحداث تغيرات شاملة في النظام القضائي، وتطبيق النظام الانتخابي النسبي لأول مرة في الانتخابات التشريعية التي جرت الأسبوع الماضي، مما أدى إلى منح الأقلية الكردية المزيد من صلاحيات الحكم الذاتي، وفي الوقت نفسه تم إبعاد المؤسسة العسكرية تماما عن السياسية، وتجنيب البلاد الانقلابات المتكررة في العقود الثلاثة السابقة، ووفر لتركيا استقرارا سياسيا مهما للنمو الاقتصادي. لذلك، فإن تركيا تكون بذلك قد وضعت رجليها على قضبان سكة القطار الأوروبي، بغض النظر عن موقف تحالف ساركوزي – ميركل اليميني، فالمصالح هي التي ستحدد في نهاية المطاف عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، فإذا ما قارنا في هذا الصدد بين عضوية بعض بلدان أوروبا الشرقية والتي تحولت إلى عبء أو عالة على الاتحاد، فإن عضوية تركيا بقوتها الاقتصادية وتأثيرها السياسي وموقعها الاستراتيجي ستشكل قوة إضافية كبيرة للاتحاد الأوروبي وستمنحه ثقلا استراتيجيا عالميا إضافيا، وهو ما يدركه سياسيو أوروبا المعتدلون. وفي هذا الجانب، تشكل السوق التركية الكبيرة وعاءً مهما للصادرات الأوروبية، وبالأخص مع ارتفاع مستويات المعيشة في تركيا، كما أن إمدادات الطاقة الأوروبية القادمة من الشرق، بما فيها أنابيب الغاز والطاقة الشمسية في المستقبل سوف يمر معظمها من خلال بلاد الأناضول. أما بالنسبة لبلدان الشرق، وبالأخص العربية منها، فإن التجربة التركية يمكن أن تشكل نموذجا تنمويا يحتذى به، خصوصا وأن أوضاع العديد منها مشابه تماما لأوضاع تركيا ما قبل الإصلاحات التي قفزت بتركيا خطوات للأمام ووضعتها ضمن مجموعة العشرين التي تسيِّر الاقتصاد العالمي. ربما تكون الظروف في البلدان العربية مهيأة أكثر مع مرحلة ما يسمى بالربيع العربي، والذي لا يمكن أن يكون ربيعا حقيقيا من دون تحقيقه للنجاح الاقتصادي الذي يؤثر في حياة الناس المعيشية، وهو المطلب الأساس للاحتجاجات في البلدان العربية، حيث ستكون السنوات القادمة ستكشف الجدوى الحقيقية للربيع العربي.
1495
| 27 يونيو 2011
دول التعاون توفر مستوى راقيا من خدمات التعليم والصحة على مدى خمسين عاما مرت البلدان النامية، بما فيها العربية بتجارب تنموية عديدة، حقق بعضها نجاحات مميزة وتقدما ملفتا للنظر أدى إلى تحسين مستويات المعيشة لمواطنيه، في حين تراكم لدى البعض الآخر الإخفاق تلو الآخر، مما أدى إلى محاولاته المتكررة لترويج الشعارات لتغطية هذا الفشل التنموي. بعد هذه الفترة الزمنية الطويلة تكشفت الكثير من الحقائق التي لا يمكن دحضها، كما أن وسائل الاتصال الحديثة وشبكة المعلومات التي لا حدود لها أفرغت هذه الشعارات من محتواها، بحيث استطاعت شعوب هذه البلدان الاطلاع على تجارب بعضها البعض دون تزييف. والحال، فإن البلدان النامية التي أدى نموها السريع وحسن استثمار مواردها، كالهند والبرازيل ودول مجلس التعاون الخليجي إلى إعادة تصنيفها لتخرج من عباءة البلدان النامية إلى ما يطلق عليه بالبلدان الصاعدة والتي تعتبر الأسرع نموا في العالم والتي يتوقع لها أن تلحق في غضون العقدين القادمين بالبلدان المتقدمة، خصوصا وأنها أقامت بنية تحتية تؤهلها لمثل هذه النقلة النوعية المتوقعة. في المقابل، ما زالت بلدان نامية أخرى، وبعضها فاحش الثراء تعاني من الفقر والتخلف بسبب سوء استخدام مواردها خلال الثلاثة عقود الماضية وتركيزها على التسلح غير المنتج ومحاولة دخول النادي النووي وإنفاق مليارات الدولارات في عمليات تمويل أنشطة خارجية، مما أضاع عليها عقود من التنمية التي كان يمكن أن ينقلها إلى مواقع متقدمة في العلاقات الاقتصادية الدولية الجديدة. ومع أن الإنفاق العسكري مرتفع في المجموعة الأولى أيضا، إلا أن ذلك لا يؤثر حتى الآن بصورة كبيرة على برامجها التنموية، بل إن جزءا من هذا الإنفاق يحدث للأسف لمواجهة التهديدات التي تأتي من بلدان التطرف الأخرى، مما يؤدي إلى سباق للتسلح يلحق الضرر باقتصاديات البلدان النامية بشكل عام. والمفارقة الغريبة هنا أن بلدان المجموعة الأولى، وبالأخص دول التعاون الخليجي قدمت مساعدات غير مشروطة بمئات المليارات للبلدان النامية الفقيرة خلال العقود الماضية، بل ونفذت هناك مشاريع حيوية لاقتصاديات هذه البلدان، كما تشير إلى ذلك تقارير منظمات الأمم المتحدة المهتمة بالتنمية، في حين مولت بلدان المجموعة الثانية عمليات وأنشطة أدت أعمالها إلى تخريب اقتصادي وهروب لرؤوس الأموال وتضرر مصالح فئات واسعة من المجتمع، وبالأخص في تلك البلدان التي تعتمد في اقتصادها على قطاعي السياحة والخدمات. الآن وبعد أن انجلت الكثير من الحقائق بفضل وسائل الاتصال المتطورة والتي لا يمكن إخفاؤها تحاول بلدان المجموعة الثانية وبصورة مستميتة تصدير فشلها لبلدان المجموعة الأولى تحت شعارات بالية مشابهة لفترتي الستينات والسبعينات، تلك الشعارات التي لا يمكن تمريرها دون استنادها إما على أسس طائفية أو دينية، في محاولة لاستغلال ولاء الناس البسطاء لهذه الاعتبارات التي فطروا عليها والتي تشكل جزءا من هويتهم وتكوينهم الشخصي. والحقيقة إن محاولات تصدير الفشل والاستحواذ على مكتسبات الآخرين الاقتصادية والمعيشية توجه لا جدوى منه، بل إنه سوف يؤدي في نهاية المطاف إلى الإضرار بمصالح كافة الأطراف، فبلدان المجموعة الأولى وبفضل بنيتها الاقتصادية القوية قادرة على الدفاع عن مكتسباتها. وحتى لا نبقى ضمن العموميات يمكن الإشارة إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي الست جميعها تتمتع من بين بلدان منطقة الخليج والشرق الأوسط النفطية بأعلى معدل لدخل الفرد من الناتج القومي، كما أنها توفر مستوى راق من الخدمات الإسكانية المجانية أو شبه المجانية لمواطنيها، هذا إضافة إلى خدمات التعليم والصحة والكهرباء والإسكان والتي وضعتها في مرتبة متقدمة في تقارير التنمية البشرية الصادرة عن الأمم المتحدة، حيث تحتل دولة الإمارات وقطر والبحرين والكويت المراتب الأربع الأولى في معظم هذه التقارير السنوية. وعلى العكس من ذلك يقبع نصف سكان بعض بلدان المنطقة الثرية والمنتجة للنفط تحت خط الفقر وتشكل البطالة نسبة تصل إلى 30% هذا إضافة إلى نقص إمدادات الخدمات الأساسية، كالكهرباء والمياه والخدمات الإسكانية والتي لا يمكن الاستغناء عنها، مما يدعو شعوب هذه البلدان للاستفسار أين تذهب مئات المليارات من عائدات النفط السنوية؟ أسلوب الإنفاق ومحاولات تصدير الأيدلوجيات التي تسير فيه بلدان المجموعة الثانية، هو طريق مسدود ولا طائل من ورائه، أما البديل، فإنه يكمن في العمل من أجل التعايش السلمي وتوجيه الموارد لخدمة التنمية ورفع مستويات المعيشة، حيث يمكن لدول مجلس التعاون تقديم خبراتها في هذا المجال، إذ يمكن لمثل هذا التعاون أن يساهم في وضع الجميع في خانة البلدان الصاعدة، خصوصا أن بلدان المجموعة الثانية تتمتع بطاقات مادية وبشرية كبيرة ولم تستغل بصورة مجدية حتى الآن.
394
| 19 يونيو 2011
مماطلة أوروبية للتوقيع على اتفاقية التجارة الحرة حتى وقت قريب كانت بلدان الاتحاد الأوروبي تحتل المكانة الأولى، كشريك تجاري أول لدول مجلس التعاون الخليجي، إلا أن مماطلة الدول الأوروبية في توقيع اتفاقية التجارة الحرة مع دول المجلس على مدى العشرين عاما الماضية أسهم في تراجع حاد لحصة بلدان الاتحاد الأوروبي في التجارة الخارجية لدول المجلس. لقد سبق وأن نبهنا في هذا المكان إلى أن هذه المماطلة الأوروبية سوف تنعكس سلبا على العلاقات التجارية لهذه البلدان مع دول مجلس التعاون، خصوصا وأن هناك بدائل تمخضت عن التغيرات الكبيرة في العلاقات الاقتصادية الدولية، إلا أن بلدان الاتحاد الأوروبي تمسكت وما زالت بقشور الأمور وبتفاصيلها الصغيرة على حساب مصالحها الحيوية في منطقة تشهد واحدة من أعلى معدلات النمو في العالم. أوروبا تحاول من خلال التأجيلات المتكررة لتوقيع اتفاقية التجارة الحرة مع دول المجلس حماية منتجاتها البتروكيماوية ومنتجات حلفائها في أوروبا الشرقية من الألومنيوم والبتروكيماويات، حيث كلفتها هذه الحماية مكانتها التجارية في بلدان المجلس التي تشكل أكبر مصدر للنفط في العالم. والقارة العجوز لا تقول ذلك صراحة، بل إنها تتحجج بقضايا سياسية، كالحريات العامة وحقوق الإنسان، علما بأن الولايات المتحدة الأمريكية التي تقود نفس النهج الحقوقي على المستوى العالمي (ما عدا حقوق الشعب الفلسطيني) سبق وأن وقعت اتفاقيات للتجارة الحرة مع بعض دول المجلس، مما يعني أن هذه الحجج لا أساس لها من الصحة. ويبدو أن الصين والهند لم تستفيدا من تجربة الاتحاد الأوروبي في علاقاتهما مع دول المجلس، فهذان البلدان الآسيويان الناشئان قد أزاحتا ومنذ خمس سنوات البلدان الأوروبية عن مكانتها، كشريك تجاري أول لدول مجلس التعاون، حيث تضاعف التبادل التجاري بين كل من الصين والهند من جهة ودول مجلس التعاون من جهة أخرى. والحديث هنا لا يدور حول الأرقام المطلقة للتجارة والتي ارتفعت بين دول المجلس وكافة بلدان العالم، وإنما حول الحصص النسبية لهذه البلدان، وهو ما يعطي مؤشرا على الأهمية النسبية لكل بلد، فحصتا الصين والهند في التجارة الخارجية غير النفطية لدول المجلس لم تتجاوز 15% قبل ثلاثين عاما أي في عام 1980 حيث ارتفعت هذه النسبة إلى ما يقارب 40% في عام 2010 في الوقت الذي تراجعت فيه حصة بلدان الاتحاد الأوروبي خلال الفترة المشار إليها، حيث تشكل العراقيل الأوروبية أمام الصادرات الخليجية أحد العوامل المهمة إلى جانب عوامل أخرى تتمثل في صعود الهند والصين، كقوى اقتصادية كبرى. والى جانب التبادل التجاري اكتسبت العلاقات الهندية الصينية الخليجية مضامين جديدة من خلال الشراكة الاقتصادية الأشمل، فأقيمت في كل من الصين والهند العديد من المشاريع المشتركة مع الجانب الخليجي، وبالأخص في مجال الطاقة، فدولة الكويت على سبيل المثال وقعت مؤخرا اتفاقية بقيمة 9 مليارات دولار لإقامة مصفاة ومصنع للبتروكيماويات في الصين اعتبارا من العام القادم 2012، حيث سبق لدول المجلس وأن وقعت اتفاقيات مماثلة عديدة مع البلدين الآسيويين. ورغم هذه التطورات الإيجابية الكبيرة بين الطرفين، فإن كل من الصين والهند لم تستفد من التجربة السابقة لعلاقة الدول الخليجية مع بلدان الاتحاد الأوروبي، حيث عمدت كل منهما في الآونة الأخيرة إلى وضع قيود جديدة على وارداتهما من المنتجات الخليجية من البتروكياويات في سابقة تشير إلى إمكانية تراجع حصتهما المستقبلية في التجارة الخارجية لدول المجلس. ويتعلق هذا الاحتمال بإمكانية قيام دول مجلس التعاون بإجراءات مماثلة فيما يتعلق بوارداتها من الصين والهند، تلك الواردات التي تتمتع حاليا بقدرات تنافسية كبيرة في الأسواق الخليجية، علما بأن النمو المستقبلي للهند والصين سيعتمد كثيرا على وارداتهما من النفط الخليجي ليشبه وضعهما في ذلك وإلى حد بعيد وضع اليابان بعد الحرب العالمية الثانية والتي اعتمدت بصورة شبه تامة في معجزتها الاقتصادية على وارداتها من النفط. لا نتمنى أن تصل الأمور إلى هذا الحد من التأزم التجاري بين هذه الأطراف، فالمصالح المشتركة بين دول المجلس وكل من الهند والصين كثيرة ومتشعبة وتخدم الطرفين وتتيح تعاونهما في المنظمات الدولية، بما فيها صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية ومنظمات الأمم المتحدة، إلا أن ذلك بحاجة لإيجاد تفاهمات مشتركة تزيل العراقيل بين التبادل التجاري بين الطرفين. وفي هذا الصدد يكمن أحد الحلول في سرعة توقيع اتفاقيات للتجارية الحرة بين دول مجلس التعاون الخليجي من جهة وكل من الصين والهند من جهة أخرى، حيث أعربت دول المجلس في أكثر من مناسبة عن ترحيبها بتوقيع مثل هذه الاتفاقيات مع هذه وغيرها من البلدان الناشئة.
537
| 12 يونيو 2011
مساحة إعلانية
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا...
9105
| 16 مارس 2026
* مع اقترابنا من نهاية هذا الشهر الفضيل،...
1194
| 18 مارس 2026
نشيد أولاً بجهود الدولة بمختلف مؤسساتها وإداراتها في...
1032
| 14 مارس 2026
ليست الحياة سوى جند مطواع يفتح ذراعيه لاستقبال...
873
| 17 مارس 2026
لم يعد الغاز الطبيعي مجرد سلعة اقتصادية، بل...
858
| 14 مارس 2026
التعليم لا يقتصر على نقل المعرفة فحسب، بل...
840
| 15 مارس 2026
تُعد العشر الأواخر من رمضان فرصة أخيرة لا...
840
| 16 مارس 2026
دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التوتر...
801
| 17 مارس 2026
«هذه حرب لا ناقة لي فيها ولا جمل»،...
789
| 15 مارس 2026
يوم الأحد الماضي وردنا خبر وفاة مذيع قناة...
699
| 17 مارس 2026
ما الأزمات التي تحاصرنا اليوم إلا فصول ثقيلة...
675
| 13 مارس 2026
مرّت أيامك سريعًا يا شهر الصيام، ولكن رمضان...
624
| 19 مارس 2026
مساحة إعلانية