رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تقدم تركيا نموذجا فريدا من نوعه يعكس مدى التغير الذي طال البنية الاقتصادية والسياسية للمجتمع التركي الذي ظل لسنوات طويلة متأرجحا بين العالمين المتقدم والنامي من الناحية الاقتصادية، وما بين النظام الليبرالي والعسكري من الناحية السياسية.
ما الذي حدث في تركيا خلال السنوات العشر الماضية حتى يتحقق كل هذا التقدم الاقتصادي والسياسي؟ هل هو التحدي الذي وضعها فيه الاتحاد الأوروبي؟ أم هو أردوغان أو أتاتورك القرن الحادي والعشرين؟
ربما تكمن الإجابة في أكثر من سبب، إلا أن الأكيد هو أن تركيا أصبحت نموذجا لبلدان الغرب والشرق على حد سواء، ففي الغرب ما زال العديد من بلدان أوروبا الشرقية يتخبط في مصاعبه وأزماته الاقتصادية، وذلك رغم مرور عشرين عاما على سقوط جدار برلين، ورغم انضمام معظم هذه البلدان للاتحاد الأوروبي، أما في الشرق فحدث ولا حرج، حيث البطالة والفساد وتدني مستويات المعيشة، بما في ذلك الدولتين الغنيتين بالنفط على حدود تركيا الشرقية.
ولكن لندع الأرقام تتحدث عن نفسها، فحصة الفرد من الدخل القومي تضاعفت من سبعة آلاف دولار في عام 2001 إلى 14 ألف دولار في عام 2011، أما الصادرات التركية، فقد تضاعفت أكثر من مرتين لتصل إلى 114 مليار دولار تقريبا في العام الماضي 2010، مقابل 36 مليار دولار في عام 2002 في الوقت الذي حققت فيه تركيا خلال السنوات الماضية نسب نمو تُعَد واحدة من أعلى معدلات النمو في العالم.
في المقابل انخفض معدل ارتفاع أسعار المستهلك (Consumer price inflation) من 73% في عام 2001 إلى 4% في العام الحالي 2011، كما أن الإصلاحات المالية والنقدية أدت إلى تثبيت سعر صرف الليرة التركية لتتحرك في نطاق ضيق تجاه اليورو والذي يعادل ليرتين تركيتين في المتوسط، وذلك بعد أن كان التضخم ينهش في العملة التركية والتي كانت" توزن" بدلا من عدها عند الشراء والبيع، كما هو حال بعض العملات العربية والتومان الإيراني في الوقت الحاضر، علما بان اليورو أصبح عملة متداولة حتى في البقالات والمطاعم، شأنه في ذلك شأن الليرة التركية، وذلك في محاولة لتثبيت وضع تركيا، كدولة من دولة منطقة اليورو ضمن معاهدة "ماستريخت" للعملة الأوروبية.
وبجانب هذه الإصلاحات الاقتصادية استجابت تركيا لمعظم مطالب الاتحاد الأوروبي التشريعية، فعمدت في السنوات العشر الأخيرة إلى إحداث تغيرات شاملة في النظام القضائي، وتطبيق النظام الانتخابي النسبي لأول مرة في الانتخابات التشريعية التي جرت الأسبوع الماضي، مما أدى إلى منح الأقلية الكردية المزيد من صلاحيات الحكم الذاتي، وفي الوقت نفسه تم إبعاد المؤسسة العسكرية تماما عن السياسية، وتجنيب البلاد الانقلابات المتكررة في العقود الثلاثة السابقة، ووفر لتركيا استقرارا سياسيا مهما للنمو الاقتصادي.
لذلك، فإن تركيا تكون بذلك قد وضعت رجليها على قضبان سكة القطار الأوروبي، بغض النظر عن موقف تحالف ساركوزي – ميركل اليميني، فالمصالح هي التي ستحدد في نهاية المطاف عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، فإذا ما قارنا في هذا الصدد بين عضوية بعض بلدان أوروبا الشرقية والتي تحولت إلى عبء أو عالة على الاتحاد، فإن عضوية تركيا بقوتها الاقتصادية وتأثيرها السياسي وموقعها الاستراتيجي ستشكل قوة إضافية كبيرة للاتحاد الأوروبي وستمنحه ثقلا استراتيجيا عالميا إضافيا، وهو ما يدركه سياسيو أوروبا المعتدلون.
وفي هذا الجانب، تشكل السوق التركية الكبيرة وعاءً مهما للصادرات الأوروبية، وبالأخص مع ارتفاع مستويات المعيشة في تركيا، كما أن إمدادات الطاقة الأوروبية القادمة من الشرق، بما فيها أنابيب الغاز والطاقة الشمسية في المستقبل سوف يمر معظمها من خلال بلاد الأناضول.
أما بالنسبة لبلدان الشرق، وبالأخص العربية منها، فإن التجربة التركية يمكن أن تشكل نموذجا تنمويا يحتذى به، خصوصا وأن أوضاع العديد منها مشابه تماما لأوضاع تركيا ما قبل الإصلاحات التي قفزت بتركيا خطوات للأمام ووضعتها ضمن مجموعة العشرين التي تسيِّر الاقتصاد العالمي.
ربما تكون الظروف في البلدان العربية مهيأة أكثر مع مرحلة ما يسمى بالربيع العربي، والذي لا يمكن أن يكون ربيعا حقيقيا من دون تحقيقه للنجاح الاقتصادي الذي يؤثر في حياة الناس المعيشية، وهو المطلب الأساس للاحتجاجات في البلدان العربية، حيث ستكون السنوات القادمة ستكشف الجدوى الحقيقية للربيع العربي.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
2271
| 06 مايو 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1932
| 30 أبريل 2026
ليس أخطر ما في الزجاج أنه ينكسر، بل قد يظل متماسكًا من الخارج، بينما في داخله آلاف الشقوق التي لا تُرى، هكذا نحن بعد الخذلان، نبدو كما كنا، نتحدث، نبتسم، نُكمل أيامنا، لكن في الداخل شيء ما لم يعد كما كان. الخذلان لا يوجع لأنه جرحٌ عابر، بل لأنه إعادة تعريف قاسية للأشياء التي كنا نؤمن بها، هو اللحظة التي نكتشف فيها أن القرب لم يكن أمانًا، وأن المعرفة العميقة بنا لم تمنع الأذى، بل سهّلته. من علّمنا أن من يسمعنا جيدًا لن يكسرنا؟ أن من يعرف تفاصيلنا سيحفظها لا يستخدمها؟ أن من اقترب قد اختار البقاء؟ الحقيقة التي لا تُقال كثيرًا: أقسى الخيبات ليست في سوء الناس، بل في تصوّراتنا عنهم، نحن لا نُخذل فقط لأنهم أخطؤوا، بل لأننا بنينا داخلنا نسخةً منهم لا تشبه حقيقتهم، أحببنا ما ظننّاه فيهم، ووضعنا ثقتنا في صورة رسمناها نحن، ثم صدمنا حين تصرّفوا بما هم عليه فعلًا، لا كما تمنينا. لكن… هل هذا ذنبنا؟ هل يُلام القلب لأنه صدق؟ هل يُعاقب الصدق لأنه لم يشكّ؟ هل نُدان لأننا منحنا الأمان كما نتمناه لأنفسنا؟ ربما لا لكن النضج يهمس لنا بشيء آخر: أن النوايا الطيبة لا تكفي لحماية أرواحنا، وأن العطاء بلا حدود قد يتحول إلى استنزاف، وأن الثقة، وإن كانت نقية، تحتاج إلى وعي يحرسها. نحن لم نُخطئ حين وثقنا، لكننا تأخرنا في قراءة الإشارات، تجاهلنا ما كان واضحًا، وبرّرنا ما لم يكن يُبرَّر، لأن فكرة الأمان كانت أجمل من حقيقة القلق ولهذا كان الانكسار عميقًا، لأنه لم يكسرنا فقط من الآخر، بل كسر شيئًا في فهمنا لأنفسنا، حين ينكسر الزجاج من الداخل. لا يعود السؤال: من كسره؟ بل: كيف نعيد تشكيله دون أن نفقد شفافيته؟ كيف نبقى كما نحن دون أن نكون ساذجين؟ كيف نثق دون أن نسلّم أنفسنا بالكامل؟ كيف نُحب دون أن نذوب؟ ربما الجواب ليس في أن نغلق قلوبنا، بل في أن نُبطئ فتحها، أن نفهم أن القرب لا يُقاس بالكلمات ولا بالوقت، بل بالمواقف حين لا يكون هناك ما يُجبر الآخر على أن يكون جيدًا، أن نُدرك أن بعض الناس يُتقنون الاقتراب، لكن القليل فقط يُجيدون البقاء دون أن يُؤذوا، وحينها لن نتوقف عن العطاء، لكننا سنتوقف عن إعطائه لمن لا يعرف قيمته لأننا، ببساطة، لا نستحق أن نُكسر كل مرة. فقط لأننا كنا نبحث عن الأمان في المكان الخطأ.
810
| 03 مايو 2026