رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعد شبهة (الخوف على الإسلام)، تُثار عند رفض موضوع المراجعات شبهةٌ ثانية، في سوريا تحديداً، وتتمثل في أن مثل هذه المراجعات تشغل الناس عن المهمة الأساسية المتمثلة في مقاومة النظام. ورغم إمكانية حدوث هذا إذا كانت النياتُ سيئةً، أو طريقة التفكير في المراجعات وتنفيذها تقليديةً وفوضوية. إلا أن الحقيقة هي عكسُ ذلك إذا أردنا التفكير بطريقةٍ علمية، فضلاً عن أن ممارسات وتجارب الأمم والدول عبر التاريخ تُثبت تلك الحقيقة عملياً.فالنظام يعتاشُ منذ اللحظة الأولى على دعوى التطرف، ثم على واقع الإرهاب الذي أنتجه ذلك التطرف، أفكاراً ومنظمات، ربما بنفس الدرجة أو أكثر من اعتماده على جهوده الذاتية والمساعدات التي تأتيه من الخارج. وفي غياب المراجعات الجادة والحقيقية لفهم الإسلام وتنزيله على الواقع، فإن صعود التطرف بات أكبرَ ورقةٍ في يد النظام، إعلامياً وسياسياً واجتماعياً، يستعمُلها ضد الثورة وأهلها داخلياً وإقليمياً وعالمياً، وصار أكبر عائقٍ داخلي يخلق الكوابح والمطبات في كل ما يتعلق بالثورة وأدواتها وحاضنتها. ورؤيةُ الواقع بشكلٍ عميق، بعيداً عن المظاهر السطحية، تُظهر أن كثيراً من الأطراف المتداخلة في الموضوع السوري تَطربُ أصلاً لوجود التطرف، وتعتبره عنصراً رئيسياً في تبرير الاستقالة السياسية والأخلاقية للنظام الدولي من (الهم) السوري. بحيث يبقى المتضررُ الأولُ والأكبرُ من غياب المراجعات وغلبة التطرف سوريا وثورتها وشعبها، وإسلامها الأصيل.في مقابل هذا، للمفارقة، تأتي الظنون والمقولات التي تربط كل دعوةٍ للمراجعات والإصلاح بأنها استجابة لرغبات الغرب أو أمريكا أو أي طرفٍ من الأطراف. ويتصاعد الحديث أحياناً عن (إسلامٍ أمريكي) و(إسلام أوروبي) وما إلى ذلك. وهناك أخيراً مقولة (الخوف من الفوضى)، حين يعتقد البعض أن إغلاق الباب، بإحكام، على (الإسلام كما نفهمه) هو الوسيلةُ الأكثر أمناً للحفاظ عليه. وهذه مأساةٌ تنبغي إعادة النظر فيها بشجاعةٍ وتجرُّد.لا مفر من إعادة التذكير بأعلى صوت، والنداءُ موجهٌ للإسلاميين، ممن يخافون على الإسلام حقاً، مشايخَ وحركيين ونشطاء، ولكثيرٍ من المسلمين، إعادة التذكير بأن الباب، الذي يستميتون لخَتمهِ بالأقفال، أصبح مفتوحاً على مصراعيه منذ زمن. فالإسلام بات شأناً عاماً، كما ذكرنا في بداية هذه المقالات. وبغض النظر عن النيات، فقد صار الحديث فيه مشاعاً لكل الناس، لأنهم يرون أنه يؤثر في حياتهم ويصنع حاضرهم ومستقبلهم، ولم يعد ثمة معنى للعودة إلى (كهنوتية) تحصر الحديث في الدين في طبقةٍ معينة. بل إن المفارقة الغريبة، أن شريحة رجال الدين هي الأكثرُ سكوناً وقلة حركة وتَمَسُّكاً بالحرفية، حين يتعلق الأمر بفهم الإسلام في ضوء المتغيرات الكبرى الراهنة، بدلاً من مواكبتها، على الأقل بقاعدة ابن القيم المشهورة التي تقول بـ(تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأحوال والعوائد والمقاصد والنيات).لا خوف على الإسلام من مراجعاتٍ جدية وحقيقية وشاملة وعميقة يقوم بها أهل العلم والاختصاص، بل الخوفُ عليه إن لم يحصل هذا.لا مهرب من الفوضى، ولا مفر من ظهور إسلامٍ أمريكي وأوروبيٍ، بل ونسخ عديدة أخرى من الإسلام، في هذا العصر وفي مثل الظروف التي تمر بها سوريا والمنطقة. لكن الحل الوحيد الذي يمكن أن يُخفف من تلك الفوضى، وقد يُبلور إسلاماً أقرب للمقاصد والمنطلقات التي أرادها الخالق، لن يظهر إلا في ظل المراجعات، ونَصفُها، مرة أخرى، بما يجب أن تكون عليه: جديةً وحقيقيةً وشاملةً وعميقة.هذه فرصةٌ تاريخية بكل معنى الكلمة، ولم يسبق لها أن وُجدت في تاريخ المسلمين. فقد كان الواقع يسمحُ لهم، ولغالبية علمائهم، بالقفز فوق جذور المشكلات الكبرى الكامنة في التراث الإسلامي وفي المدونة الفقهية التقليدية، لأنها كانت (نظريةً) قابعةً في بطون كتب التراث والفقه الضخمة.صحيح أن كثيراً منها فعلَ فِعلهُ في ثقافة المسلمين، فأنتج واقعاً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً فيه الكثيرُ من الأزمات، وهو لا يليق بالقيم الكبرى للإسلام، لا على مستوى الأفراد ولا الجماعات البشرية، لكن هذا حدثَ بشكلٍ غير مباشر، وعلى مدى العقود والقرون. لهذا، كان من السهل ألا يرى الكثيرون مفاصل الربط بين هذا الواقع وتلك الجذور.لكن (داعش) وأمثالها أخرجت جملةً فقط من تلك الجذور من بطون كتب التراث، ومن صفحات المدونة الفقهية الإسلامية، وقالت: هذا هو الإسلام. (داعش) لم تخترع شيئاً من عندها، وإنما قامت بتجميع ما استخرجته ثم أعادت تركيبه على أنه (الإسلام)، بل وأقامت عليه دولةً ونظام حكم، لأول مرةٍ في تاريخ الإسلام والمسلمين بهذا الشكل.لا مهربَ من الاعتراف بهذه الحقيقة أولاً وقبل كل شيء. لا ينفع الهروب منها بدعاوى عامة مثل القول بأن (هؤلاء لا يمثلون الإسلام)، لأن كل ما يستندون إليه من تعاليم منسوبٌ إلى الإسلام، ومقبولٌ، نظرياً، من الغالبية العظمى من الفقهاء والمشايخ، أما القولُ بأن تطبيقهم للإسلام هو الخاطئ، والحديثُ عن مشكلاتٍ في الآليات القضائية وافتقاد الأهلية (السلطانية) للقيام بأفعالهم وما إلى ذلك، فإنه يوقعنا في مشكلةٍ أكبر، لأن مؤداه المنطقي أنهم (يمثلون الإسلام)، فضلاً عن أن هذا المدخل يوقع أصحابه السوريين في شبهة استحالة تطبيق أحكام يرونها جزءاً لا يتجزأ من الإسلام، لكنهم ينتظرون لتطبيقها إماماً أعظم لا يعلم أحدٌ كيف له أن يظهر في سوريا في هذا الزمان.
982
| 16 نوفمبر 2014
ثمة شبهاتٌ تُطرح مراراً وتكراراً في معرض رفض الحديث عن المراجعات بشكلٍ عام، فسواء تعلق الأمر بالإسلاميين، جماعاتٍ أو منظمات أو رجال دين، أو(الإسلام) نفسه، تُطرح جملةٌ من القضايا التي يُقال إنها تفرض عدم فتح ملف المراجعات.أولى هذه "المقولات / الشبهات" يتجلى في مقولة (الخوف على الإسلام). إذ يبدو هذا الخوف، إلى درجة الهوس أحياناً، مُحرِّكاً لكثيرٍ من المواقف الصادرة عن كثيرٍ من الإسلاميين، ومن المسلمين أيضاً، خاصةً في ظروف الأزمات. وفي حين يبدو واضحاً من ممارسات البعض أن المقولة إنما (تُوظف) في نهاية المطاف للحفاظ على مكتسبات شخصية أو حزبية، تَصدﱡراً للمشهد "الاجتماعي و/ أو السياسي"، وبحثاً عن الأتباع والمريدين، وحفاظاً على مصادر النفوذ والقوة، إلا أن شرائح أخرى تبدو صادقةً مع نفسها في (خوفها) المذكور.المشكلة في الموضوع أن خوف هؤلاء، بسبب صدقهم فيه تحديداً، يبدو بنظرةٍ عميقة، أكثر خطورةً على الإسلام نفسه من خوف الشريحة الأولى. ففي حين تكشف الوقائع والأحداث حقيقة دوافع أصحاب المصالح، كما يحصل دائماً في نهاية المطاف، يتضارب هذا النوع (الصادق) من (الخوف)، وبهذه الطريقة، مع منهج القرآن نفسه بأكثر من طريقة.فمن ناحية، يتضاربُ الموضوع بقوة مع هذا المنهج الذي يحرص دائماً على أن يُطلق أجواء ثقةٍ كبيرة بالنفس وبالرؤية، حتى في مجال التعامل مع ما قد يكونُ حقيقةً تهجماً وتشكيكاً، كما هو الحالُ مثلاً في تعامل القرآن مع الصفات التي أطلقها مُشركو قريش لوصف الرسول: معلَّمٌ مجنون، ساحر، كذاب، مسكونٌ بالجنّ. هذه بعضُ الأوصاف التي أطلقها على رسول الإسلام أولئك الذين لم يؤمنوا برسالته قبل أكثر من أربعة عشر قرناً. وكان يمكن بسهولةٍ وبَساطة أن يطوي التاريخ هذه الأوصاف ويسكتَ عن الموقف، وأن تموت معهُ تلك الاتهامات. خاصة أن (المُتَّهم) انتصر على خصومه المذكورين بطريقةٍ أو بأخرى. ونحن نعرف أن التاريخ يكتبه المنتصرون كما يحلو لهم في أغلب الأحيان.. لكن القرآن تعامل بطريقةٍ أخرى تماماً مع الموضوع. إذ ضمن لتلك (الاتهامات) الحفظ الدائم في ثوبٍ من أناقته البلاغية. وتَركَ المجال مفتوحاً لقراءتها واستعراضها ومعرفة خلفياتها وأبعادها ودلالاتها. بل يمكن القول بأنه اعتبرها بِلُغة هذا العصر (رأياً آخر) يستحق أن يبقى وأن يَسمعه الناس في كل زمانٍ ومكان. وقد كتبنا في هذا بالتفصيل في مقامٍ آخر.ومن ناحيةٍ أخرى، يتناقض الخوفُ ذاك مع قضايا أساسية وجوهرية، يؤمن بها المسلمون جميعاً، ومنهم (الخائفون) المذكورون. فهم إذ يؤمنون بأن الإسلام مصدرهُ إلهٌ خالقٌ وقادر، وبأنه تَكفَّل بحفظ (الذكر)، ويؤمنون بخلود الإسلام، و(صلاحيته لكل زمانٍ ومكان)، وكل ما يتعلق بهذه المواضيع فلسفياً ومعرفياً وعملياً، فإن خوفهم عليه بطريقة رفض المراجعات، أو بأي طريقة، يُزعزع، منطقياً، التصديق بقوة إيمانهم. نقولها بصراحةٍ وشفافية، بعيداً عن الاتهام الذي لا محل له في معرض الكلام وتسلسل الأفكار.أكثر من هذا، يتناقضُ الخوف على الإسلام مع دعوة الإسلام نفسه إلى المراجعة الدائمة. يتجلي هذا في منهج الأنبياء المذكورة قصصهم فيه، لا على وجه الحكاية والتسلية، وإنما على سبيل طرح إشاراتٍ منهجية كبرى تتعلق بكيفية الحفاظ على الدين وقيمه من خلال العودة المباشرة إلى مقولة {ربﱢ إني ظلمتُ نفسي}، مدخلاً للنظر إلى الخطأ في الفهم أو الخطأ في التنزيل، أو في كلاهما. ومدخلاً، بالتالي، إلى التصحيح المستمر.بالمقابل، تُظهر ممارساتُ (الخوف على الإسلام) بشكلها السائد إنساناً يعيش في هذه الدنيا بنفسية المذعور فيها ومنها، بدلاً من أن تُظهر إنساناً كبيراً قوياً واثقاً بنفسه ورؤيته الحضارية، يبهرُ الواقع بممارساته ومواقفه، من خلال إيمانه الحقيقي بـ(عزة الإسلام)، بعيداً عن الشعارات الكلامية من جهة، وبعيداً، من جهةٍ أخرى، عن بعض مظاهر العنف والقوة الاستعراضية الفارغة نهايةَ المطاف.كما أن الخوف الذي نتحدث عنه كثيراً ما يختلط بالتماهي بين حامله وبين الإسلام نفسه. ولا ينتبه هؤلاء أنهم ربما يجعلون الإسلام الكبير صغيراً، حين يُضفُوا عليه، دون أن يدروا، كل ما فيهم هُم من ضعفٍ ومَحدودية وقصور.وربما وجبَ على هؤلاء التفكير، بهدوءٍ وتجرد، أنهم قد يكونون، كما قلنا سابقاً، ممن "يُقزﱢمُ الإسلام ويظلمه كثيراً، وأنهم يظلمون معه المسلمين والعالم بأسره. وأنهم يظلمونه أكثر من أي جهةٍ أخرى يعتقدون أنها تُعادي الإسلام وتُشكلُ خطراً عليه. فالواقع الراهن مليءٌ بالتحديات والأسئلة الصعبة التي تحتاج إلى مواجهتها بشكلٍ واضحٍ وشجاع، وبكل شفافيةٍ وجرأة، بعيداً عن خوفٍ على الدين يخنق في نهاية المطاف روحه الأصيلة، ويُحاصر كمونه الهائل. وهو كمونٌ لا تُحفظُ في غيابهِ أمةٌ ولا هوية".
976
| 09 نوفمبر 2014
يعرف الكثيرون أن الإعلام بات منذ زمنٍ طويل يمثل (السلطة الرابعة) في الواقع المعاصر، بمعنى مسؤوليته في فتح الملفات التي تهم الناس، ومتابعتها، والحوار فيها، ونقد العاملين في الشأن العام من مختلف الشرائح، ولئن كان تطبيق هذه القاعدة متواضعاً قبل زمن الثورات العربية، إلا أنه عاد ليفرض نفسه على الواقع.من هذا المدخل تحديداً، جاءت الآراء والطروحات التي وردت في مقالات صاحب الكلمات في هذه الصحيفة على مدى الشهور الماضية، خاصة تلك التي تتعلق بالدعوة للمراجعات في فهم الإسلام وطريقة تنزيله على الواقع. أولاً من باب الإدراك لدرجة تأثير الإسلام بكل تفسيراته ومجموعاته في حاضر المنطقة ومستقبلها، وهو، بتفسيراته المختلفة، يدخل في تفاصيل الحياة اليومية للواقع المذكور، بدءاً من مستوى الأفراد، وصولاً إلى مستوى الجماعات البشرية المختلفة والمجتمعات والدول.ثم لأن الإسلام بحد ذاته شأن عام في نهاية المطاف، وما دام تأثيره كبيراً كما ذكرنا، فإن من المنطقي، بل والطبيعي، أن يُفتح المجال لكل هؤلاء الذين يؤثر الإسلام بهم ليطرحوا أسئلتهم المشروعة بخصوصه، ويطلعوا على كل التحليلات والآراء التي تتناوله من مختلف الجوانب. ولا حاجة هنا للتكرار بضرورة حصول هذا في إطارٍ من الموضوعية والاحترام لا يتضارب مع الصراحة والشفافية المطلوبة.وإذ كثُرت في الآونة الأخيرة الملاحظات والآراء والمراسلات التي تتعلق بما طُرح ويُطرح في هذه المقالات، فقد بات مطلوبا، وواجباً تجاه القراء، تحديد جملة ملاحظات منهجية تتعلق بها. حرصاً على رؤية الصورة الكاملة التي كثيراً ما تتناثر أجزاؤها في المقالات المتفرقة، وهو ما قد يجيب عن كثيرٍ من الأسئلة والاستفسارات.قد يُفضل البعض جمع مثل هذا العمل بعد توسيعه في كتاب، بدعوى أن هذا ليس المقام المناسب لطرح الصورة الكاملة. وهذا خيار وارد في قادم الأيام، لكن الصراحة مطلوبة في هذا المقام. فقراءة الكتب ممارسة نادرةٌ في ثقافتنا الراهنة، بمعنى أن احتمال وصول الرسالة المطلوبة إلى شرائح واسعة من القراء المهتمين سيكون أقل بكثير.من جهة ثانية، نعود إلى ما بدأناه من حديث عن الصحافة كسلطةٍ رابعة، وما يمكن أن توفره من فسحةٍ للتفاعل العملي، وللضغط الأدبي والمعنوي على أصحاب العلاقة من العاملين في الشأن العام، بحيث تكون استجابتهم لمثل هذه الطروحات، سلبيةً أو إيجابية، أكثر وضوحاً، وبحيث يرى المخلصون منهم أنهم ملزمون بالارتقاء إلى مستوى مسؤوليتهم، كل بطريقته، بدلاً من فتح الملفات الحساسة المطلوبة أمامهم على شكل كتابٍ، من المرجح أن يمكن تجاهله، أو النظرُ إليه على أنه نوع من الترف الفكري في نهاية المطاف.هذه مقدمة طويلة، ضرورية، للتوضيح بأن الملاحظات المنهجية التي نتحدث عنها، والتي ستحاول، ما أمكن بطبيعة الحال، تبيان أبعاد الصورة الشاملة للطروحات، ستأتي في هذه الصحيفة على شكل سلسلة مقالات، نستميح إدارة الصحيفة والقراء العذر في أن نخرج بها قليلاً عن العُرف الصحفي. وهو عرف ليس مُنزلاً من السماء في نهاية المطاف، والتعامل معه بمرونة يدخل في إطار تحقيق الأهداف الأصلية لدور الصحافة ومهمتها.هذا مع ملاحظة أن الحديث سيكون في غالبيته العظمى عن سوريا، وعن التفاعل بين (الإسلام) و(الثورة) فيها. وبناءً على هذا نبدأ بطرح الملاحظات في هذا المقال.فنحن ابتداءً لا نؤمن فقط أن حضور الإسلام في الثورة وفي سوريا القادمة هو من طبائع الأمور بالنسبة لبلدٍ مثل سوريا ومجتمعٍ كمجتمعها، بل إننا على قناعة أن ثمة إضافات كبرى، على أكثر من مستوى، ستنتج عن هذا الأمر، للبلد وللسوريين ولغيرهم.لكننا نؤمن أيضاً أن مفرق الطريق يكمن في طبيعة الفهم لهذا الإسلام. ونعتقد، من واقع المعايشة العملية الوثيقة لمختلف شرائح العاملين، من ساسة وحركيين ورجال دين ونشطاء، وبناءً على المتابعة والدراسة والتحليل، أن ممارسات الغالبية العظمى من الإسلاميين السوريين تشكل، حتى الآن، عاملاً في زيادة التساؤلات، وأحياناً المشكلات والمصائب، أكثر من قدرتها بكثير على تقديم الإجابات والحلول.وإن من غير المقبول شرعياً ومنطقياً في هذا الإطار وصفُ كل إبداع بأنه ابتداع، واتهامُ كل تجديد بأنه طعنٌ للأصالة، وأي خروجٍ على المألوف بأنه منكرٌ وخطيئة، وكل رأي آخر بأنه مخالفٌ للإجماع، وأي دعوة للمراجعة بأنها سبيلٌ لتمييع الدين. كما لا يصح أن يقرأ البعض كل نقدٍ على أنه هجومٌ وطعن، ويَروا في كل محاولة للإشارة إلى أخطائهم تَجنّياً وتشكيكاً، ويُرجِعوا، بسرعةٍ وحسم، كل طلبٍ للمراجعة إلى أحد سببين، انحرافُ صاحب الطلب أو مشاركتهُ في مؤامرةٍ ما عليهم.ويأتي سؤالٌ هنا: لمن يُوجهُ النقد وعلى من تجب المراجعة؟ يُوجه طبعاً للأطراف المؤثرة وتجب المراجعة أولاً عليها. من هنا مثلاً، جاءت بعض مقالاتنا السابقة تحاول فتح ملف المراجعات، وتنتقد أداء أطراف مؤثرة مثل الائتلاف، والإخوان، والمثقفين العلمانيين السلبيين، وأصحاب الفكر التقليدي الإسلامي، وأهل الغلو والتطرف. لم يكن هذا على سبيل التخوين والمناكفة السياسية التي لا تجدي في شيء لا تنفع سوريا وثورتها، ولا من باب (تصفية الحسابات الشخصية) كما اتهمنا البعض، ولا شيئاً من ذلك كله. فهؤلاء جميعاً، خاصة الإسلاميين منهم، تصدوا بملء إرادتهم، وبكل وضوح وعلنيةٍ للشأن السوري العام. وإذا افترضنا أنهم يعرفون تبعات الوجود الإرادي في هذه المواقع، فإننا نعتقد أنهم يدركون طبيعة ومستتبعات المسؤولية الملقاة عليهم، وفي مقدمتها النقد والمساءلة والمتابعة.ثم إن مثل هذه العمليات يجب أن تحصل في العلن لكل الأسباب التي طرحناها أعلاه. ولا مجال هنا، في مقام قضيةٍ وطنيةٍ عامة، للحديث عن (المناصحة بالسر) و(العمل على الإصلاح من الداخل)، لأننا لسنا في معرض الحديث عن جماعةٍ وحزبٍ وحركة، وإنما عن قضية وطنٍ وشعب.إن هذا لا يعني حصر عمليات النقد والمساءلة في الإسلاميين، فقد كتبنا في هذا المقام نفسه أكثر من مقال، فطرحنا: "العلمانيون إذ يُرسخون (العلمانوفوبيا)"، وتساءلنا عن: "إشكالية تأزيم الحلول: أين الليبرالية الحقيقية؟". وفيها تفاصيل تمكن العودة إليها لإدراك حرصنا على الموضوعية في تحليل المشكلة.أكثر من هذا، لا يجب إغفال دور اللاعبين الخارجيين من المسؤولية. وفي هذا الإطار تحدثنا عن أن "الإرهاب ليس قَدَراً.. لكن هناك من يريد ذلك"، وعن "التقارب الأمريكي الإيراني على حساب المصالح العربية"، وعن "الحاجة لرد إستراتيجي على الاتفاق الإستراتيجي بين أمريكا وإيران"، و"كيف يكشف (تشبيح) روسيا الأزمة السياسية والأخلاقية الغربية".ثمة إذاً محاولة، مهما كانت أولية، لطرح ما أمكن من أبعاد الصورة الشاملة. رغم كل هذا، نؤمن أن ما يكمن في القلب منها يتمثل في ترسيخ وتكثيف المراجعات الإسلامية، وصولاً إلى ثورةٍ في الإسلام في سوريا، نراها قادمة بحكم سنن وقوانين الاجتماع البشري. وهو ما سيكون موضوع الحلقات القادمة.
964
| 02 نوفمبر 2014
بحدٍ معقول من المنطق والتحليل، لا تزيدُ الوقائعُ والأحداثُ في سوريا المرءَ إلا يقيناً بأن القدرَ الأكبرَ للثورة في سوريا يتمثل في أن تقودَ إلى ثورةٍ حقيقيةٍ في فهم الإسلام وتنزيله على الواقع، أكثرَ من أن تؤدي إلى (أسلَمةٍ) مُفترضة، بدأ الحديثُ عنها من قبل بعض الفصائل الإسلامية، لتصل اليوم إلى تجلياتها العملية مع (داعش) وممارساتها. ولكن، مع وضع هذا التنظيم وممارساته في إطار السياسات الدولية والإقليمية المتعلقة بسوريا بطبيعة الحال. بمعنى أن هذه السياسات أيضاً تخلقُ، دون أن تقصد، ردود أفعال وواقعاً يصبان في نفس الاتجاه. ثمة عملية (صناعة تاريخ) مذهلة تجري فوق الأرض السورية تحديداً، ومن مفارقات الأقدار أنها إذ تتعلق بالإسلام، كدينٍ عالمي (مفتوح)، فإن صانعها لا يقتصر على الإنسان السوري، رغم دوره الأساسي، الراهن والمستقبلي، في الموضوع، وإنما بَشَرٌ من كل الخلفيات والأجناس والألوان. إذ لم تكتفِ الأقدارُ بأن تكون في (داعش) تشكيلة غريبة من الأفراد تنتمي إلى ثقافات ودول عديدة، ولم يكفِ وجود ممثلين لثقافات من الدول التي تقف إلى جانب النظام السوري، بل إن (التحالف الدولي) الذي يحارب (داعش) فوق الأرض السورية، أكمل مهمة تمثيل البشرية في عملية صناعة التاريخ الجارية على أرض سوريا. كتبتُ منذ شهور مقالاً من جزءين بعنوان: "سوريا: من أسلمة الثورة إلى ثورةٍ في الإسلام"، ولم أنتبه يومها إلى هذا العنصر الذي يضع التحليل في إطارٍ أكبر، بل ويجعل استنتاجاته أكثرَ واقعيةً وقابليةً للفهم. فالإنسان السوري يبدو لاعباً أساسياً بالتأكيد فيما يجري، لكن من غير الطبيعي أن يكون هو اللاعب الوحيد في صيرورةٍ حضاريةٍ ضخمةٍ بهذا الحجم، لابد من أن يشارك في تشكيل مكوناتها وعناصرها ممثلون لبشريةٍ تجمعُ كل هذا الاختلاف والتنوع الإنساني بكل إيجابياته وسلبياته، نجاحاته وإخفاقاته، سُمُوهِ وانحطاطه، وتجاربه وخبراته. هكذا، تجرﱡ البشرية نفسها جراً إلى هذه المنطقة من العالم، تجرﱡ نفسها بأجنداتها المتضاربة، ومصالحها المختلفة، وغاياتها المُعلنة منها والدفينة، لتصنع سوياً تاريخاً قد يتبينُ لها في يومٍ قادم، للمفارقة أيضاً، أنها لم تكن تُريده على وجهِ التحديد. وأنت إذ تفكر في الأمر قليلاً من منظورٍ مُعين، فإنك ستشعر بقشعريرةٍ دون شك. هكذا تتوضحُ الأمور أكثرَ فأكثر، ويأتي كل حدثٍ ليقع في مكانه المناسب تماماً من العملية. وهي عملية ذكرنا سابقاً أنها تحدثُ ببطء "كما هي العادة في مثل هذه الظواهر، وبشكلٍ لا يراه بَصرٌ مُستعجل ولا بصيرةٌ مشوهة، فمثل هذه التغييرات الكبرى في واقع الدول والحضارات تحدث بأثر فعلٍ تراكمي يُدرك البشرُ، في نهاية المطاف، أنه كان يسير في اتجاهٍ يعاكسُ كل ما يوحي به ضجيج الأحداث الآنية وصخبُها المُلتبس في ذاته من جانب، والذي يدعو للالتباس من جانبٍ آخر". في مثل هذا الإطار توضع أحداثٌ، قد لا تكون ضخمةً بذاتها، من خطبة السورية عفراء جلبي في كندا، إلى عملية رجم امرأةٍ في سوريا، من المحتمل أن يكون شارك فيها (كنديون)، لكنﱠ تَراكُمَ تأثيرها النفسي والفكري والاجتماعي على البشر أكبرُ بكثير مما نتصور، وهو تراكمٌ يُصبح رافعةً هائلة لعمليات تغييرٍ جذرية تحفر أرض الواقع الإنساني حَفراً، وتقلب تضاريسهُ رأساً على عَقِب. بهذا الفهم، يُصبحُ صَخَبُ وصُراخُ وعويلُ المعترضين والرافضين مجرد ضجيج (noise) يجري على هامش صناعة التاريخ، وتفرض الحقائقُ نفسها تدريجياً على ألسنة جيلٍ جديد يبدو واضحاً تماماً معه أن "هذا أمرٌ قد تَوجَّه". وكمثالٍ على العملية بأسرها، تَبهركَ نماذج تُعيد التذكير بما تحدثنا عنه من دور الإنسان السوري في الموضوع. ها هو، مثلاً، شابٌ سوري نبيه اسمه بشار غوجل يكتب على صفحته تعليقاً على حادثة رجم المرأة قائلاً: "إسلامُنا ليس بريئا أيها الأحبة، الإسلام، بنسخته (المهكرة) من قبل الفقهاء والتي نعرفها ونمارسها على مساحة العالم الإسلامي حاليا، ليس بريئا من داعش، ولا من الرجم، ولا من ضرب الأعناق. هؤلاء الشباب الدونكيشوتيون لم يأتوا من المريخ، وإنما تربوا تحت قباب مساجد العالم الإسلامي وتتلمذوا على يد (علمائه). إنما هي أفكارنا وقناعاتنا وأعمالنا توفى إلينا، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، وفهمه، وقناعاته، وممارساته وآبائيته وسلفه (الصالح). إلى أن يأتي اليوم الذي نمتلك فيه الشجاعة الفكرية ونعترف بهذه الحقيقة وبمسؤوليتنا الكاملة عن الموضوع، سنبقى نجتر جاهليتنا، إنه الخيار بين "فبما أغويتني"، وبين (ربي إني ظلمت نفسي)". وها هو شاب سوري آخر اسمه إبراهيم الأصيل يكتبُ في نفس الموضوع قائلاً: "على فكرة، ما فعلته داعش وارد في الصحيحين، البخاري ومسلم، وأمامنا أحد أربعة خيارات: الأوّل: أن نتخذ خطوة جريئة بنزع القدسية عن كتب الحديث، ونعلن بوضوح أنه قد يرد في الصحيحين ما هو غير صحيح ولا يناسب الفطرة وتجب إعادة نقدهما على ضوء ذلك وفهم القرآن ومقاصد الدّين. ومن أوّل الملفات التي يجب أن تُفتح هي حكم (المرتد) لأنها جاءت في حديث واحد مع حكم الزنا. الثاني: أن نعلن بوضوح أن انتقادنا لداعش هو عدم ثقتنا بقضائهم فقط، وبإجراءات القضاء، كاعتماد الشهود وبقية التفاصيل، في حين أنّنا نوافق أفكارهم ومبادئهم، وعلينا توضيح ذلك كي لا يحصل سوء تفاهم مع (إخوة المنهج) والدرب. الثالث: أن نقول لداعش (يعطيكم ألف عافية)، قمتم بإحياء ديننا وفعلتم ما عجزنا عنه ونقلتم ديننا من الكتب إلى التطبيق. الرابع: أن نتابع انتقادنا لما نؤمن به، ونكمل مسيرة انفصام العقيدة التي تسيطر علينا... ربّما، وبعد كل ذلك يكون لداعش أثر إيجابي فعلاً، بأن نفهم ديننا أكثر، وأن نبحث عن نبيّنا أكثر، وننفض عن مبادئه غبار الوسطاء".. تقرأ هذا الذي يكتبه شباب سوري غيور كثيراً على الإسلام، وتفكر في أبعاد عملية صناعة التاريخ المذكورة أعلاه، فتتذكر قصة الصبي الذي أعلنَ ببراءة أن "الملك عريان" حينَ سكتَ الجميعُ عن تلك الحقيقة. وتنتبه، ليس فقط، لحجم المسؤولية الواقع في أعناق من يرون أنفسهم ويراهم بعض الناس (مُوقعين عن رب العالمين)، بل لدرجة غفلتهم عن تلك المسؤولية.
1397
| 26 أكتوبر 2014
بغض النظر عن كل شيء، من المؤكد أن عقلاء الأكراد، وهم كُثُر، باتوا يدركون أن ثمة شيئاً غير طبيعي في قضية كوباني (عين العرب). والذي يحاول النظر إلى الصورة بكل أبعادها يُدرك أن المشهد يبدو (سوريالياً) في غرابته، وفي تناقضه مع الحد الأدنى من مقتضيات العقل والمنطق. فما يجري في تلك المنطقة من سوريا يتجاوز، فيما نحسب، مسألة سقوط كوباني أو عدم سقوطها إلى ما هو أبعد بكثير. والراجح أن تطويلَ و(مطمطة) هذه القضية بهذا الشكل يهدف لتحقيق أهداف سياسية تدخل في إطار إستراتيجيات أكبر. بهذا الوصف، ليس مستبعداً أن تصبح قضية كوباني مصيدةً لأهل المنطقة بشكلٍ عام، ومصيدةً للسوريين تحديداً، بحيث يتم ترسيخ شرخٍ كبير وإحداثُ قطيعةٍ نهائية بين العرب والأكراد في سوريا. وإذا كان مطلوباً تفهمُ مواقف كثيرٍ من القوى الكردية بسبب المآسي التي جرت وتجري، ويمكن أن تجري، في كوباني، إلا أن من المطلوب أيضاً تجنب التعامل مع الموضوع بأسره انطلاقاً من العواطف والضغوط النفسية التي تخلقها تفاصيله الميدانية. هذا لا يبدو نوعاً من التفكير المثالي الذي يُطالبُ به الأكراد وحدهم، لأن من الواضح أنه صار قدراً يجب أن يتعايش معه السوريون جميعاً. من هنا، يُصبح التركيز على ما يحصل في كوباني، مع التجاهل الذي رآه ويراه السوريون لما جرى ويجري منذ قرابة أربع سنوات في بلادهم، وصفة مثالية للوصول بالعلاقة بين العرب والأكراد إلى مرحلة القطيعة والعداوة. لا داعي للدخول في تفاصيل التاريخ، والحديث عن فخر العرب بصلاح الدين واعتبارهم إياه من أعظم أبطال التاريخ العربي والإسلامي. لا داعي للحديث عن الماضي القريب فيما يتعلق بالتعايش العربي الكردي، في سوريا تحديداً، إلى درجةٍ لم يكن فيها السوري العربي يعرف أن جاره أو صديقه أو شريكه كردي، ولم يكن يخطر في باله أن يسأل عن ذلك أصلاً. سندخل فوراً في خبرٍ نقلته وكالات الأنباء يقول: "قصفت طائرات النظام الحربية والمروحية بأكثر من 54 غارة وبرميلاً متفجراً مناطق مختلفة في البلاد". حصل هذا يوم الأحد الماضي بتاريخ 12/10/2014 فقط. وخلال الأسبوع الماضي وحده، قصف النظام، إضافة للمناطق المذكورة أعلاه، بالمدفعية وراجمات الصواريخ وقذائف الهاون والبراميل المتفجرة، وأصناف متنوعة من الصواريخ منها، غير الصواريخ العادية، صواريخ فراغية، وأخرى تحمل مواد سامة متنوعة، وقذائف انشطارية وقنابل عنقودية، وغيرها من أنواع القذائف، أكثر من خمسة وسبعين منطقة في أنحاء سوريا. ندرك أن الأكراد مشغولون بكوباني، لكنهم، إن بحثوا قليلاً عن أسماء تلك المناطق، فسيجدون أنها تقع فعلاً في سوريا، وأن فيها سوريين، وأن أهلها أيضاً يُحاصَرون ويُهجَّرون ويُقتلون ويُعتقلون، بل ويُذبحون، ليس فقط بالسيوف والسكاكين، وإنما بكل أنواع أسلحة الذبح والسلخ والقتل الواردة أعلاه. وإذا كان بعضها بعيداً عن أسماعهم، فسيجدون أن كثيراً منها لا يبعد عن كوباني نفسها إلا بضعة كيلو مترات. فوق هذا، من الضرورة بمكان أن يتذكر الأكراد ما يُفترض أنه أصبح حقيقةً واضحة تتمثل في أن التطرف والإرهاب ملة واحدة كما هو، ولا يمكن حصرهُ في جماعةٍ أو مذهبٍ أو عرق. فهذه صحيفة (واشنطن بوست) الأمريكية تنقل عن السلطات الكردية أن مجموعات من الشباب الأكراد انضموا إلى تنظيم (داعش) خلال الأشهر الأخيرة. وها هي وكالات الأنباء تتناقل صور وأخبار أبو خطاب، أحد أشهر قادة (داعش) الذين يهاجمون كوباني، ذاكرةً أنه كردي من السليمانية، مع مشاهد له يرفع فيها شعار (داعش) أمام جثامين المقاتلين (الأعداء) من أبناء جلدته الأكراد في كوباني. وتضيف أنه استقدم في الأيام الأخيرة تعزيزات من بلدتي جرابلس ومنبج ضمت بعض الشباب الكرد المنتمين لـ (الدولة الإسلامية)، وأن هذه التعزيزات تمكنت من مساندة أكثر من هجوم شنته قوات النخبة بقيادة أبو خطاب لاقتحام كوباني خلال الأيام الماضية. هذا فضلاً عن مقطع فيديو، حيث يتوعد أكراد (داعش) بالدخول إلى كردستان العراق وقطع رقاب الحكام فيها. أكثر من هذا، سمعنا ورأينا كيف أن السلطات الكردية أعلنت في الفترة التي لحقت سقوط الموصل عن اعتقال نحو خمسين شاباً بتهمة الانتماء لتنظيم الدولة، وأن إحصاءات كردية رسمية نُشرت تفيد بمقتل نحو خمسين شاباً آخرين خلال قتالهم في صفوف تنظيم الدولة، وأن وسائل إعلام كردية تتداول تقارير عن تقديم أسر كردية لبلاغات تفيد باختفاء أبنائها، يُعتقد أنهم انضموا إلى (داعش)، وهو ما دفع السلطات الكردية بحسب صحفيين أكراد في أربيل إلى القيام بعدة حملات اعتقال، أسفرت إحداها عن اعتقال ثلاثين شاباً من حلبجة وأطراف أربيل بتهمة الارتباط بداعش، وسط تقديرات تشير إلى أن عدد المنتمين لداعش من الإقليم يتجاوز الخمسمائة. بالمقابل، نعرف جميعاً كيف تم تسليم كوباني، مع كثيرٍ من المناطق الكردية، من قبل نظام الأسد إلى حزب PYD الكردي. ونعرف حجم التعاون والتنسيق والدعم الذي تلقاه هذا الحزب من ذلك النظام لمحاولة وأد الثورة، خاصة في المناطق الكردية الثائرة. لهذا، فإن تجييش العواطف تجاه العرب أو غيرهم في هذه الظروف لن يفيد أحداً، لكنه لن يفيد الأكراد، ولن يفيد كوباني، على وجه التحديد. ولن يفيد بالتأكيد أن يرفع أكرادٌ العلم الكردي إلى جانب العلم الإسرائيلي في بعض المظاهرات في أوروبا، ولا أن تُرفع صور بشار الأسد وعلمه الأحمر في بعض المظاهرات داخل تركيا. قد تسقط كوباني، لا سمح الله، كما سقطت كثيرٌ من المناطق المحررة بتآمر القريب والبعيد. لكن سقوطها سيكون مختلفاً ومؤلماً وطويلاً، إذا أسهم الأكراد في الوقوع في الفخ الذي يُنصب للجميع. أما إذا فكروا بالصورة الكاملة المرسومة ملامحُها أعلاه، وعملوا بمقتضياتها، فسيتمكنون سوياً مع باقي السوريين من استرداد كوباني، ومعها كل المناطق السورية المُحتلة. قد تفيد كثيراً في هذا المجال العودة إلى تصريحات الرئيس مسعود برزاني العقلانية منذ أيام بخصوص الموضوع، والتفكير فيها كثيراً، فهو يعرف عماذا يتكلم بالتأكيد. وسيفيد أيضاً التأمل في هذا النداء الذي صدر من أحد أبناء كوباني، يقول فيه: "أنا وحيد تمو.. الكوردي السوري من كوباني.. أطالب التحالف الدولي بإنقاذ ما تبقى من حي الوعر.. إخوتي في الوطن.. يتعرضون لإبادة".
1023
| 19 أكتوبر 2014
"من المفترض في السياسة أن تكون ثاني أقدم مهنة في العالم، ولكنني أدركت مع الوقت أن هناك شبهاً كبيراً بينها وبين أقدم مهنة".. لا يمكن إلا أن تتذكر هذه المقولة للرئيس الأمريكي السابق جورج ريجان حين تستعرض تطورات أحداث الأسبوع الماضي، خاصة فيما يتعلق بأهداف الإدارة الأمريكية من الحملة الدولية على "داعش".فقد بات العالم يعرف تماماً أن هذه الحملة الجوية المرتبكة لن تؤدي إلى نتيجة ما لم تحصل في إطار إستراتيجية أكثر شمولاً تتضمن تدخلاً برياً محمياً بغطاء جوي، بل وإزاحة بشار الأسد وعصابته من الحكم في سوريا. هذا ما تصر عليه تركيا، وتؤكد عليه قطر والسعودية، وهي البلدان الأكثر معرفة بملابسات وشروط أي حرب حقيقية ممكنة على الإرهاب.لكن من يسمع التصريحات المتناقضة للمسؤولين الأمريكان فيما يتعلق بهذه الرؤية يحتار بين تفسيرين، فإما أن ثمة وقاحةً لا حدود لها في رسم السياسة بشكل يحقق مصلحة أمريكية حصرية آنية قصيرة النظر، وربما تتعلق بحسابات الانتخابات والسياسة الداخلية أكثر من أي شيء آخر، أو أن هناك ارتباكاً كبيراً وفوضى عارمة في عملية صناعة تلك السياسة.وفي الحالتين، يبقى مطلوباً من الدول التي تدرك أبعادَ الأمور الإصرارُ على رؤيتها الشمولية للمشهد، وعلى الاستمرار في محاولة (عقلنة) السياسة الأمريكية الرعناء من خلال أوراقها الجيوسياسية على أرض الواقع.خلال الأيام القليلة الماضية قال المتحدث باسم البيت الأبيض جوش ارنست للصحفيين إن إقامة المنطقة العازلة "ليست أمراً قيد التفكير حاليا". أما الناطق باسم وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) فقد فتح الباب قليلاً حين قال إن إقامة منطقة حظر طيران "ليست على الطاولة حالياً، لكنه موضوع قيد نقاش دائم". ومثله فعل مسؤول في الخارجية الأمريكية صرح لصحيفة (الحياة) اللندنية قائلاً إن إقامة مناطق عازلة "ليست جزءاً من خطط حملة التحالف الحالية"، دون أن يغلق الباب أمام بحثها في مرحلة لاحقة، مؤكداً على اتصالات مستمرة مع الجانب التركي. وأكدت مصادر موثوقة للصحيفة أن إستراتيجية واشنطن ترتكز حالياً على ضربات "لا تستهدف سوى داعش وتنظيم خراسان الإرهابي (وليس جبهة النصرة)"، وأن الإدارة الأمريكية "لا تخطط لضرب قوات النظام، وتأمل بدعم إيران وروسيا لحل سياسي". وتوقعت المصادر أن يكون هناك "تنسيق أكبر مع الجيش الحر في المدى المنظور". وبينما كان الأمريكيون يضغطون لدفع تركيا للتدخل برياً، وحدها، لإنقاذ مدينة عين العرب (كوباني)، خرج وزير الخارجية كيري ليصرح، بكل وضوح أن عدم سقوط المدينة "ليس هدفاً إستراتيجياً"، فرغم فظاعة ما يحدث هناك فإن "الأهداف الحقيقية تركز على مراكز القيادة والبنية التحتية لتنظيم "الدولة الإسلامية" المعروف إعلاميا بـ"داعش"، حسب الوزير الأمريكي. أما قائد الجيش الأمريكي مارتين ديمبسي نفسه فقد صرح لقناة أي.بي. سي الأمريكية: "أخشى أن تسقط مدينة كوباني"، رافضاً الحديث عن الطريقة الفعالة للتعامل مع الوضع.لكن الوقاحة الأمريكية تجلت بشكلٍ أكبر حين سربت الإدارة تصريحات لمسؤول كبير فيها، لم يُكشف عن اسمه، يُعبر فيها عن "قلق متزايد إزاء التلكؤ التركي في التحرك لمنع وقوع مذبحة على مسافة أقل من ميل من حدودها". بل ويزيد على هذا قائلاً: "هذه ليست هي الطريقة التي تتصرف بها دولة في الناتو عندما تكون أبواب الجحيم على مرمى حجر من حدودهم".بالمقابل، جاءت تصريحات رئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلو لشبكة (سي إن إن) الأمريكية واضحةً لمن يريد أن يفهم، حيث قال إن "العمليات الجوية الأمريكية في سوريا ضرورية، لكنها غير كافية، فهذه الغارات ضرورية من أجل عرقلة تقدم تنظيم داعش، لكننا إذا لم نطور إستراتيجية موحدة، فإننا حينما نقضي على ذلك التنظيم من الممكن أن تحل محله تنظيمات أخرى جديدة". كما ربط أوغلو بروز التنظيم المتشدد وتناميه في المنطقة بعدم إسقاط النظام السوري برئاسة بشار الأسد، حيث قال: "حينما استخدمت الأسلحة الكيماوية في سوريا طلبنا من الحلفاء رسمياً اتخاذ مواقف صارمة ضد النظام السوري، وذلك لأن السياسات الطائفية التي انتهجها ذلك النظام تسببت في حدوث فراغ سده تنظيم داعش". وتابع: "لقد سبق وأن حذرنا الولايات المتحدة وكافة الدول، وشددنا على ضرورة فعل شيء قبل قدوم العاصفة، لكن لم يتخذ أي إجراء".المفارقة في الموضوع أن الإدارة الأمريكية تتجاهل في هذا الإطار حتى آراء خبرائها العسكريين. انتشر هذا في الأوساط السياسية والإعلامية، وكان من أمثلته تقرير مفصل نشرته مجلة (نيوزويك) الأمريكية منذ أيام بعنوان عريض لا يمكن أن يكون أكثر وضوحاً، يقول: "لن تنفع الهجمات الجوية على الإطلاق: مقابلات حصرية لنيوزويك مع قادةٍ على الأرض يبينون فيها كيف تتغلب داعش على هجمات التحالف".وبالمثل، صرح جيم فيليبس من مؤسسة thinktank heritage المحافظة في واشنطن لموقع DW الإعلامي الألماني قائلاً: "إن القنابل وحدها غير كافية لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية أو القضاء عليه". ثم أضاف: "دون وجود تحرك أفضل على الأرض لن تكون نتائج الضربات الجوية مؤثرة بالشكل الذي تحاول الإدارة الأمريكية إقناع المواطنين به". هل يدخل وصف السياسة الأمريكية في إطار التخبط أم الوقاحة أم استغباء الآخرين، عرباً وغير عرب؟ ربما يكمن التفسير الحقيقي لها في تشبيه ريجان الوارد أول المقال.وإلى أن يأتي زمان يتغير فيه الحال، لا مانع ونحن نتعامل بواقعية وبرودة قدر الإمكان مع مقتضيات العلاقات الدولية الراهنة أن نشعر بشيء من الحزن الشفاف ونحن نتذكر مقولة الرئيس الأمريكي الأسبق وودرو ويلسون: "إننا جميعاً مواطنو هذا العالم الكبير، ولكن مأساة هذا العصر تكمن في أننا نبدو وكأننا لا نعرف هذه الحقيقة على الإطلاق".
1326
| 12 أكتوبر 2014
"إذا لم يكن هناك استقرار في سوريا، فلن يكون هناك استقرار في إسرائيل. لا يمكن لأحد أن يضمن ماذا يمكن أن يحدث، لا سمح الله، إن حدث أي شيء للنظام". بعد فترة قليلة من انطلاق الثورة السورية سمع العالم بأسره تصريح (المواطن السوري) رامي مخلوف بالعبارة السابقة. يُذكرك هذا التصريح بالحديث الذي يُحذّر المؤمن من أن يقول كلمةً قد تهوي به أربعين خريفاً في نار جهنم. لكنك تترك الآخرة وأمر الناس فيها لله وتتعجب: هل يمكن لإنسانٍ أن يصيب القضية التي يدافع عنها في مقتل بطريقةٍ أكثر سوءاً مما فعله المواطن المذكور؟ ثمّة مواقفُ تاريخية لايوجد أي تفسير منطقي أو علمي لحدوثها، ولايمكن إلا أن ترى كيف تدفع يدُ الإرادة السماوية البعضَ لاتخاذها لحكمةٍ ستظهر للناس عاجلاً أو آجلاً. ولو أن سورياً صرّح قبلها بالعبارة المذكورة أعلاه، ولصحيفة النيويورك تايمز الأمريكية، لكان هذا أقصر طريق لمحاكمته بالخيانة العظمى. فالمفروض وفق منطق المقاومة والممانعة أن وجود الاستقرار في سوريا، بمعانيه ومقتضياته الحقيقية، هو الذي يجب أن يكون مدعاةً لغيابه في إسرائيل. وحين يربطُ مخلوف بهذا الشكل الواضح، وفي مثل المقام الذي تمّت فيه المقابلة الصحفية، بين أمن النظام في سوريا وأمن إسرائيل، فإنه، عملياً، يتّهمُ ذلك النظام بكل وضوحٍ وصراحة. لأنه يؤكد أن استقرار نظام (ابن عمته) هو الضامن الحقيقي والوحيد لاستمرار الاستقرار في إسرائيل. وهذا اتهامٌ في غاية الخطورة مرّ داخل سوريا نفسها مرور الكرام دون مساءلةٍ إن لم نقل محاكمة. لن يكون غريباً أن يشعر عشرات الملايين من العرب والمسلمين بالغثيان بعد سماعهم بالتصريح المذكور ويسخروا منها. أما ما لا يمكن أن يُفهم من قريب أو بعيد فإنه يتمثل في غياب صوت كل من صنّف نفسه يوماً من الأيام في خانة دعم المقاومة بأي طريقة. هرب من الموضوع يومها بكل صفاقة العشرات من الفنانين والمثقفين والكتاب السوريين واللبنانيين والعرب ممن كانوا يؤكدون أن سوريا تتعرض لما تتعرض له، لأنها تحديداً بلد المقاومة والممانعة في وجه إسرائيل؟ وعلى نفس المسار كان موقف الحركات والأحزاب والتنظيمات التي وقفت وتقف مع (سوريا الأسد) لأنها ذلك البلد المقاوم والممانع! كانت تلك لحظةً من لحظات الحقيقة بالنسبة لهؤلاء جميعاً. وكان السكوت عنها داخل سورية سقوطاً مدوياً ونهائياً لورقة المقاومة فيها، كما كان السكوت عنها في الخارج سبيلاً لسقوط كل من يدعي أنه يمثل ويقف في صفّها، وتحديداً من لبنان إلى إيران. قد ينسى بعض الناس، وقد يتناسى بعضهم الآخر، لكن التاريخ لا ينسى. ربما يجدر هنا التذكير ببعض مواقف (المقاومة) و(الممانعة) التي لازالت جراحها تنزّ في الذاكرة الفلسطينية والعربية. يقول كمال جنبلاط في كتابه (هذه وصيتي) في الصفحة (105): "نقل عن ياسر عرفات قوله للأسد عند اجتماعه به في 27/3/1976م) إن قلب المقاومة ومستقبلها موجود في لبنان، وإن إرهاب الجيش السوري والصاعقة لن يفيد، وإنه يعز علينا أن نصطدم بالجيش السوري ونحن على مرمى مدفعية العدو الصهيوني والأسطول السادس الأمريكي). فكان رد الأسد (ليس هناك كيان فلسطيني، وليس هناك شعب فلسطيني، بل سوريا وأنتم جزء من الشعب السوري، وفلسطين جزء من سوريا، وإذن نحن المسؤولون السوريون الممثلون الحقيقيون للشعب الفلسطيني). يُقتل الرجل الوطني المثقف بعدها بسنة، ثم يسقط مخيم تل الزعتر في لبنان على يد الميليشيات اليمينية بتاريخ 14 أغسطس من عام 1976م بعد أن حاصرته القوات السورية أكثر من شهر ونصف الشهر، حيث منعت تلك القوات وصول الطعام والماء والذخيرة إلى المخيم، كما شاركت في الإعدامات وهتك الأعراض والنهب تحت قيادة العقيد علي مدني، قائد الشرطة العسكرية، ومن رجال الحركة التصحيحية 1971م. وفي عام 1982م اجتاحت إسرائيل لبنان واحتلت أول عاصمة عربية تحت نظر وسمع القوات السورية التي "خرجت بكامل أفرادها وما كان قد بقي سالما من معداتها، بعد أن فتحت لها القوات الإسرائيلية ممرا بريا خاصاً ومحدداً برعاية المبعوث الأمريكي فيليب حبيب.. في حين رفض ياسر عرفات الخروج إلى دمشق أو عن طريقها وفضل الخروج إلى بلدٍ غربي هو اليونان، في إشارة سياسية صريحة تعكس حجم توتر العلاقة بين القيادتين السورية والفلسطينية خلال الحرب" كما نقل ممدوح نوفل الزعيم السياسي والعسكري وعضو المجلس الوطني الفلسطيني. وفي صيف عام 1983م حاصرت القوات السورية القائد الراحل ياسر عرفات بعد عودته لمناصرة قواته في شمال لبنان، إلى أن سقط مخيما البداوي ونهر البارد بعد ثلاثة أشهر بعد سقوط أكثر من 1000 شهيد فيهما من المقاتلين والمدنيين الفلسطينيين. كان هذا الخروج الثاني من لبنان حيث غادرعرفات طرابلس على متن السفينة "أوديسيوس إيليتيس" مع ضباطه و4000 مقاتل، أقلتهم 5 سفن يونانية ترافقها البحرية الفرنسية. قد تكون مثل هذه الأحداث جزءاً مما دفع الشاعرة العربية لينا أبو بكر للحديث يومها عما أسمته بـ "الحَول السياسي"، لكنها رأت مصداقاً آخر له بقولها: "فالدبابات تقَتحم درعا التي يقطنها مدنيون سوريون وتقع تحت سيادة سورية كاملة وعلى بعد 20 كيلومترا فقط من هضبة الجولان التي يحتلها الجيش الاسرائيلي منذ النكسة عام 1967، فأن يضطر نظامٌ ما لاحتلال ومحاصرة مدينة تقع أصلاً تحت حكمه وسيطرته لمجرد أن المدنيين يطالبون بإصلاحات، بينما يُغفل جيشاً بل ودولةً يفترض أنها عدوة تتوغل في عمقه الجغرافي منذ ما يزيد على الأربعين عاماً من دون أن يكلف نفسه إطلاق رصاصة عرس واحدة حتى في سمائها". هل ثمة داعٍ للتذكير، على سبيل المفارقة، بتفاصيل الصبر الأسطوري على كل أنواع المعاناة، والتي كانت من نصيب الشعب السوري على مدى عقود باسم المقاومة والممانعة؟ هل ثمة داعٍ للتوضيح بأن هذا الشعب، وليس غيره، هو الذي احتضن الفلسطينيين بعد (النكبة)، واحتضن اللبنانيين أثناء عدوان إسرائيل على لبنان عام 2006م؟ مايدعو للرثاء أكثر من كل شيء آخرهو تلك المحاولات المتخبطة لتغطية "فلتة" رامي مخلوف حين أعلن أحد مواقعه الالكترونية أن الصحيفة شوّهت تصريحاته. ثم حين ظهر أن سجلّ المقابلة موجود، خرجت علينا السفارة السورية في واشنطن ببيان تقول فيه أن الرجل (مواطنٌ سوري عادي) لايشغل أي منصب حكومي وأن آراءه شخصية ولاتعبر عن وجهة نظر الحكومة السورية؟! صدق المثل السوري (اللي استحوا ماتوا).
1190
| 07 أكتوبر 2014
منذ ثلاثة أسابيع، وفي يوم ذكرى أحداث سبتمبر المعروفة، اجتمع الرئيس الأمريكي باراك أوباما في البيت الأبيض مع مجموعة من البطاركة والكرادلة الكاثوليك والأرثوذوكس المشرقيين. حصل اللقاء بعد اجتماعٍ آخر لهم مع مستشارته للأمن القومي كوندوليزا رايس، وكان يهدف إلى مناقشة وضع المسيحيين في المشرق العربي وما يتعرضون له من انتهاكات واضطهادٍ وتهجير. سبق اللقاء مؤتمرٌ لمدة ثلاثة أيام في واشنطن العاصمة بعنوان (حماية المسيحيين في الشرق) دعت له (المؤسسة الأمريكية للدفاع عن المسيحيين) أو IDC. حضر اللقاء مجموعةٌ من أبرز رجال الدين المسيحيين في لبنان وسوريا والعراق هم البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي، وبطريرك الروم الملكيين الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحّام، وبطريرك السريان الكاثوليك اغناطيوس يوسف الثالث يونان، وبطريرك السريان الأرثوذكس اغناطيوس أفرام الثاني، وبطريرك الأرمن الأرثوذكس آرام الأول كيشيشيان، المتروبوليت جوزيف زحلاوي ممثل بطريرك أنطاكية للروم الأرثوذكس يوحنا العاشر يازجي، والمطران إبراهيم إبراهيم من الكنيسة الكلدانية. وحسب وكالات الأنباء، تقدم الحضورَ في المؤتمر ممثل بابا الفاتيكان الكاردينال ليوناردو ساندري رئيس مجمع الكنائس الشرقية، ومجموعة كبيرة من رجال الدين والسياسة والدبلوماسيين والمنظمات العاملة في الشؤون المدنية وحقوق الإنسان والمؤسسات الاعلامية والأكاديمية. وقد بدأ المؤتمر أعماله في قاعة أومني شوريهام بصلاة من أجل السلام في العالم، ثم الصلاة على أرواح شهداء الشعب المسيحي في الشرق الأوسط. ثم تليت عدد من الكلمات كانت في مقدمتها رسالة البابا الموجهة إلى المؤتمرين التي أعرب فيها عن تضامنه لمعاناة المسيحيين، ودعوته إلى دعم حقوقهم. كما استعرض بقية المتحدثين محنة المسيحيين في الشرق الأوسط، وأهمية مواجهة العصابات التكفيرية وإنهاء وجودها، وإيقاف كافة أنواع الدعم الذي يقدم إلى (داعش) وعلى كافة الأصعدة الاقتصادية المالية والعسكرية، والبحث عن أسباب الصمت الدولي حول اضطهاد تنظيم داعش الإرهابي ضد أتباع الديانات الأخرى، وناشدوا المجتمع الدولي بالتضامن مع محنة المسيحيين والدفاع عنهم. إلى هنا، قد يبدو الخبر طبيعياً مع ما يسمعه الجميع عن ممارسات (داعش) تجاه الأقليات، وإن كانت ممارساته تجاه من يُفترض بهم أن يكونوا (الأكثرية) لا تختلف بدرجةٍ كبيرة.. لكن الأهم في الموضوع يكمن في ملاحظةٍ انتبه إليها ونَشَرها في أكثر من موقع (جون حجار) عضو اللجنة التنفيذية لرابطة المسيحيين المشرقيين، حين قال إن "أغلب العاملين على إنجاح المؤتمر لهم نوايا حسنة، ولكن يجب أن يعرف الشعب الأمريكي بأن تركيز IDC على عنف داعش، أدى بقصد أو بدون قصد، إلى استغلال كلا النظامين الإيراني والسوري وكذلك حزب الله (حالش) لأهداف هذا المؤتمر". وعلى سبيل تأكيد رأيه، تحدث حجار عن "إغفال المؤتمر لاضطهاد النظام الإيراني للمسيحيين الإيرانيين" قائلاً: "العديد من الأمريكيين مطلعون على قضية القس سعيد العبادي (العبيديني) المعتقل في السجون الإيرانية وكل جريمته هو تحوله إلى المسيحية. هناك أيضاً العديد من القسس والناشطين وقد اغتيلوا وعذبوا وسجنوا لسنوات عديدة، كان على مؤتمر واشنطن أن يدعو بعض الإيرانيين المسيحيين وضحايا آخرين ليشهدوا على عنف نظام آيات الله ضد مجتمعهم". هذا إضافةً إلى معاناة المسيحيين بطوائفهم المختلفة في العراق من ممارسات الميليشيات الشيعية الطائفية على مدى الأعوام الماضية. بعد هذا، استغرب حجار كيف "أغفل المؤتمر الوحشية الواسعة النطاق التي مارسها النظام الأسدي ضد المسيحيين اللبنانيين خلال حرب 1975- 1990، ولم يأت على ذكر تعذيب وسجن واغتيال المئات من المواطنين اللبنانيين المسيحيين، والسياسيين والصحفيين خلال فترة الاحتلال السوري الممتدة من 1990 وحتى 2005. لقد تم اغتيال رئيسي جمهورية مسيحيين كما العديد من الوزراء والنواب والطلاب المسيحيين على يد النظام الأسدي لكن المؤتمر تناسى هذه المأساة. إضافة إلى ذلك لم يُدع المسيحيون المناهضون لبشار الأسد، ولكن من يدّعون بأنه ساهم في حمايتهم موجودون بكثرة". ثم تحدث حجار عن "حذف إرهاب حزب الله" من مداولات المؤتمر رغم أنه هو الذي "خطف واغتال وهدد ولا يزال وجود المسيحيين اللبنانيين، كما أبناء المذاهب الأخرى" مؤكداً أنه "لم يلحظ وجود ضحايا عنفه وإرهابه ضمن قائمة المتكلمين في المؤتمر". وبعد الإشارة لعدم دعوة منظمات مسيحية تُدين نظامي دمشق وطهران إلى المؤتمر، أورد الكاتب ملاحظةً حساسة قال فيها: "يرتدي حضور خمسة بطاركة مشرقيين أهمية مؤثرة، وهذا الحضور العاطفي لهؤلاء القادة الروحيين سيدفع دون شك العديد من أعضاء الجالية للحضور. ولكن الحقائق الجيوبوليتيكية لا يجب أن تغيب عن بالنا. فمقرات هؤلاء البطاركة في بغداد ودمشق وبيروت وهي عواصم واقعة تحت الاحتلال الإيراني. بالطبع سيدين القادة الروحيين هؤلاء، وعن حق، ممارسات داعش البربرية، ولكن هل سينتقدون نظامي طهران ودمشق؟". وبعد أن تساءل "ما هي الدوافع وراء حدث كهذا؟" أجاب قائلاً: "يبدو أن نوايا إدارة هذه المجموعة حسنة ولكنها ربما لا تدرك المشاكل بشكل شمولي. وبموجب التحاليل والوقائع المذكورة آنفاً، فإن النظامين الإيراني والسوري سيستغلون انشغال العالم بفظائع داعش، للتسلل إلى المجتمعات المسيحية، والسيطرة السياسية عليها، ومن ثم استعمالها في خدمة قادة بغداد الموالين لإيران، ونظام الأسد في دمشق، وحزب الله المسيطر على لبنان. تريد إيران وسورية أن تكتسب شرعية الشريك في الحرب ضد داعش بادعائها حماية المسيحيين. إن مؤتمر IDC وعن دون قصد سيلعب دور حصان طروادة أو جسراً لطهران ودمشق يسمح لهما الدخول إلى المجتمع المسيحي الأمريكي من أجل الحصول على دعمه لشراكة مع الأسد وتطبيع العلاقات مع نظام الملالي". كان هدفُ حجار، الناشط المسيحي الأمريكي، من كلمته التي كتبها ووزعها بالإنجليزية، مخاطبة الجمهور الأمريكي الذي يَسهلُ خلطُ الأمور عليه، واستجلاب تعاطفه. الأمر الذي سيدفع الإدارة الأمريكية إلى التناغم مع مشاعر ذلك الجمهور، ولو باجتماعٍ لمدة 35 دقيقة مع أوباما.. لكن الحقائق التي وضَّحَها الرجل يجب أن تُثير اهتمام النظام السياسي العربي بحيث يكون أكثر حسماً وحزماً تجاه مخططات إيران وأتباعها في المنطقة، وأكثر تركيزاً على استعمال الأوراق الاستراتيجية المناسبة لمواجهتها، وفي مقدمتها إسقاط نظام الأسد. وتلك مهمةٌ باتَ واضحاً أنها لم تعد تتعلق بمصير سوريا وحدها على الإطلاق..
990
| 05 أكتوبر 2014
ثمة لعبةٌ في عالم السياسة، الدولية تحديداً، يختلط فيها الإعلام بالدبلوماسية، ويمكن أن تؤثر سلباً أو إيجاباً بشكلٍ جذري في مصائر الشعوب والدول. تستغل اللعبة المذكورة وقائعَ معينة تجري على أرض الواقع، بل ربما يكون أطراف اللعبة ممن يخلق تلك الوقائع أصلاً، ثم يبنون عليها من خلال الخطاب الإعلامي والممارسات الدبلوماسية صورةً ذهنية مغايرةً تماماً للواقع، لكنها تُستخدم بمهارة للتنصل من التزاماتهم القانونية والأخلاقية أولاً، ثم إنها تساعدهم على تحقيق مصالحهم الخاصة في قضايا معينة، ولو جاء ذلك على حساب مصلحة الشعوب ذات العلاقة.وعلى مدى ثلاث سنوات، كان الغرب الذي يدﱠعي صداقة الشعب السوري يمارس تلك اللعبة تدريجياً، وبشكلٍ دقيق ومدروس أوصلَها إلى الواقع الذي تعيشه اليوم.من هنا، تأتي الأهمية البالغة لاستعادة الرواية الأصلية للثورة السورية، طرحاً لحقائقها المفصلية وشرحاً لملابساتها المتداخلة، بكل صراحةٍ ووضوح. وأن يحصل هذا على مسمعٍ من العالم بأسره، ومن خلال شخصيةٍ يسمعها هذا العالم.هذا تحديداً ما يجعل كلمة أمير قطر أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ أيام في غاية الأهمية بالنسبة للشعب السوري وقضيته. فالكلمة المذكورة جاءت مدروسةً بدقة لتعالج عملية خلط الأوراق التي كان النظام الدولي يمارسها، ولا يزال، فيما يتعلق بتلك القضية.ثمة عباراتٌ مفتاحية في الكلمة المذكورة سنحاول الإشارة إليها لتوضيح الحقيقة المذكورة أعلاه. فبعد أن تُذكِّر الكلمة بمرور أربع سنوات كاملة على مأساة الشعب السوري، مع الإشارة إلى تفاصيلها، تنتهي الفقرة بتوضيح الفلسفة الأساسية للنظام من وراء ممارساته "بإراقة الدماء وعملية تدمير سوريا بشكلٍ منهجي" بعبارة لها دلالة تؤكدُ أن هذا يصدرُ: "من نظامٍ خيّر شعبه بين قبوله أو حرق بلده". فهذه حقيقةٌ يقفز عليها النظام الدولي وإعلامُهُ بشكلٍ كبير، رغم كونها ظاهرةً غير مسبوقةٍ، على الأقل في التاريخ المعاصر، وغير مقبولة بكل المعايير والمواثيق والمعاهدات الدولية.ثم يأتي التذكير المطلوب بحقيقةٍ أخرى تم طمسُها تدريجياً واستبدالها بروايةٍ أخرى تحولت معها الثورة السورية، كما أراد نظام الأسد، حرباً أهلية في أحسن الأحوال، ثم مجرد حربٍ على الإرهاب. تناسى النظام الدولي حقائق أساسية في مسيرة الثورة، وجاءت الكلمة لتضع الأمور في نصابها بالشكل التالي: "وقد سبقَ أن حذّرنا أن مواصلة النظام الإرهاب وسياسة الإبادة والتهجير وعدم توفير الدعم للثورة السورية حين كانت ثورة مدنية تطالب بالحرية والكرامة، سوف تدفع الكثير من السوريين إلى الدفاع عن النفس. كما حذرنا المجتمع الدولي منذ البداية أنه إذا لم يفعل شيء تجاه ما يجري في سوريا فسوف نصل إلى ما وصلنا إليه. وحين دافع الشعب السوري عن نفسه بالسلاح طالبنا بدعمه قبل أن يُهدم النظام البلد وتنشأ المنظمات المتطرفة".نعم، تؤكدُ الكلمة. كانت الثورة السورية ثورةً مدنية، وتُذكِّر كل أولئك الذين يخلطون الأوراق ويتجاهلون التاريخ باستخفاف أنها كانت تطالب بالحرية والكرامة التي يدﱠعي العالم (المتقدم) أنها من حق كل الشعوب، وأن النظام هو الذي بدأ سياسات الإرهاب والإبادة والتهجير، وأن عدم توفير الدعم لها هو الذي دفع السوريين لممارسة اسمُها الصريح والواضح هو "الدفاع عن النفس" قبل أي شيء آخر. وإسكاتاً لحجة من لا يزال يدعي إلى الآن بأنه لم يستقرأ الواقع والمستقبل، تُذكِّرُ الكلمة بأن التنبيه والإشارة لهذه الحقائق حصل منذ ذلك الزمن، تفنيداً للمزاعم ولعمليات تزوير التاريخ والتلاعب بالحقائق.وفي إشارة إلى مهزلة (الخطوط الحمراء) التي وضعتها الإدارة الأمريكية، تأتي الكلمة واضحةً إلى درجة الصراحة فيما يتعلق بالموضوع، فهي لا تتحدث عن (تجاوز) تلك الخطوط والسكوت على ذلك، بل تضع الأمور في نصابها الصحيح وفق الأعراف السياسية الواقعية، لتؤكد أن ما جرى في حقيقة الأمر، وبغض النظر عن التصريحات الإعلامية، هو أنه "لم توضع أي خطوط حمر ليقف عندها النظام السوري، ولم يلتفت العالم حتى إلى قتل أطفال سورية ونسائها بالسلاح الكيماوي، وإلى قصف أحيائها المأهولة بالبراميل المتفجرة". بهذا، تتجاوز الكلمة بشفافية وصراحة كل الصخب والضجيج، وكل الحوارات الفارغة عن تلك المهزلة، وتسمي الأمور بأسمائها بشكلٍ واضحٍ ومُباشر.وفي معرض تحميل "مجلس الأمن مسؤوليته القانونية والإنسانية على وجه السرعة" توضح الكلمة ضرورة دعم "الشعب السوري ضد الخطريْن المحدقين به، خطر إرهاب النظام وجرائم الإبادة الجماعية التي يرتكبها وخطر القوى الإرهابية التي استغلت حالة البؤس والمرارة وغياب الدولة وغياب المجتمع الدولي". لكنها تحرص جداً، وبدقة، على محاربة الخلط الذي يتجاهله النظام الدولي في مجال الحديث عن الأسباب والنتائج فيما يتعلق بالخطرين المذكورين، وذلك بعبارةٍ حاسمة تقول:"وقد أسهم الأولُ في توليد الثاني".ومع أجواء الحرب على الإرهاب الدولي الحالية، تحرص الكلمة أيضاً على إيضاح رؤية شمولية للتعامل مع هذا الموضوع بشكلٍ عام، مع إشارةٍ دقيقة تتعلق بسوريا تؤكد أنه "ثبت بالدليل القاطع أنه لا يمكن مكافحة الإرهاب إلا من خلال بيئته الاجتماعية، وأنه لكي تقف المجتمعات معنا في مكافحة الإرهاب يجب أن ننصفها، وألا نخيرها بين الإرهاب والاستبداد"، مع التذكير والربط بحقيقةٍ يجري تغييبها والقفز عليها تقول: "لقد عانى الشعب السوري من الاستبداد والإرهاب، ولم يستمع المجتمع الدولي لصرخات استغاثته".إن القضية السورية تمثل اليوم مثالاً نموذجياً على استخدام النظام العالمي للإعلام والدبلوماسية بهدف ترسيخ روايةٍ تخدم أهدافه فيما يتعلق بالثورة السورية وقضيتها، وهو يعتمد في هذا إلى درجةٍ كبيرة على التعريفات والتأويلات للأحداث والوقائع. ولكن، كما يقول الكاتب والشاعر وليد سيف: "التنازع على التعريفات والتأويلات لا يجري بصورة متكافئة. هنا تتدخل علاقات القوة بكل تجلياتها المادية والمعرفية والروحية والسياسية، ليتمكن الطرف الأقوى من فرض تعريفاته وتأويلاته وتوصيفاته على عقول الآخرين. وبذا يتمكن من السيطرة على العقول والأفئدة، وتشكيل نظرتها للعالم وإدارة سلوكها واستجاباتها بناءً على ذلك. هكذا يتشكل خطاب القوة Discourse ورواية القوي Narrative".قد يتوجب على السوريين الانتباه إلى الأولوية الكبرى لتصحيح رواية الثورة السورية وليوظفوا في هذا المجال شيئاً من الجهود والأموال التي تضيع هدراً على قضايا هامشية أخرى.. وإلى أن يتحقق هذا الأمر، يبقى من أقل الواجب الإشارةُ إلى من يقوم بهذا الأمر، ولو بحدٍ أدنى من العرفان والامتنان.
841
| 28 سبتمبر 2014
يقولون بالإنجليزية: "أن تصل متأخراً خيرٌ من ألا تصل أبداً". قد يصدقُ هذا المثل على محاولة الغرب بشكل عام، وأمريكا تحديداً، للتعامل مع ظاهرة الإرهاب الدولي. ولكن، لو أن هذه القوى ستصل فعلاً لتحقيق ذلك الهدف.لماذا نُشكِّكُ في الأمر؟ لأن التفكير بأحداث عقدٍ ونصف من الزمان تجعل الحليم حيراناً فيما يتعلق بممارسات الغرب وسياساته المتعلقة بهذا الموضوع، وهي المُفعمة بالتناقضات، وإساءة الحسابات، والزهد في سماع اقتراحات الحلول، وفي الاستجابة للمبادرات. فمنذ عامين تقول السي آي إيه إن عدد (داعش) لا يتجاوز المئات، ثم يصبح بعد عامين عشرة آلاف، لتصرخ اليوم بأنهم تجاوزوا ثلاثين ألف مقاتل!والحقيقة أن مثل هذا التصرف إما أن يدل على سوءٍ في التقدير والتخطيط والحسابات لا يجوز معه اعتبار من يمارسه دولة (كبرى)، أو أنه يدل على رغبةٍ غير معلنة في تفاقم الظاهرة، تُصبح معها مثل تلك الممارسات غطاءً للإلهاء وصرف الأنظار عن الحقيقة المذكورة، ولا تفسير ثالث منطقياً لمثل هذه الظاهرة الغريبة.أكثر من هذا، لا ندري إن كانت أمريكا وأوروبا بمراكز أبحاثها ومؤسساتها التي يُفترض بها أن تحفظ كل معلومة صغيرة أو كبيرة في هذا العالم، تتذكر أن ثمة مؤتمراً دولياً لمكافحة الإرهاب عُقد في الرياض منذ قرابة عشر سنوات حضرته أكثر من ستين دولة. وأن أجندة المؤتمر ودراساته وأوراقه وتوصياته كان يمكن أن تكون (دليل المُستخدِم)، إن صح التعبير، للقضاء على ظاهرة الإرهاب الدولي لو تم الأخذ بها منذ ذلك الوقت.الأرجح أن السادة من خبراء العالم الذين يجمعون اليوم أربعين دولةً لمكافحة إرهاب (داعش) بالتركيز على القوة والضربات الجوية، نسوا تماماً ذلك المؤتمر وتوصياته الذهبية. من هنا، كان ضرورياً أن نذكِّرهم، ونذكر العالم، بها. وكم سيكون مؤلماً أن نذكرهم مرةً أخرى بها بعد زمن في حال فشل جهودهم المبنية على رؤية مختزلة وأحادية للإرهاب ولسبيل مكافحته بشكل شاملٍ ونهائي.ذَكَرَت التوصياتُ يومَها أن الأسباب الجذرية للإرهاب تشمل الفقر المدقع، والنظام والهيكل الاجتماعي غير العادل، والفساد، والأسباب السياسية، والاحتلال الأجنبي، والاستغلال الشديد، والتطرف الديني، والانتهاك المنتظم لحقوق الإنسان، والتمييز، والتهميش الاقتصادي، والاستلاب الثقافي نتيجة للعولمة، إضافة إلى الصراعات الإقليمية التي تستغل كذريعة للأعمال الإرهابية ولعمليات المنظمات الإرهابية. فأين النظام الدولي من معالجة هذه القضايا بالشكل الذي يكفل محاربة الإرهاب الحقيقي؟ذكرت التوصيات أنه ينبغي بذل محاولات جادة لتسوية المنازعات الإقليمية والدولية سلمياً من أجل تفويت الفرصة أمام المنظمات الإرهابية لاستغلال معاناة الشعوب التي ترزح تحت وطأة ظروف غير عادلة.ذكرت أنه ينبغي دعم جهود الإصلاح الوطني بهدف توسيع المشاركة السياسية والتعددية، وتحقيق التنمية المستدامة، والتوصل إلى توازن اجتماعي وتعزيز دور منظمات المجتمع المدني بغية التصدي للظروف التي تعزز العنف والتطرف.نعم، أكدت التوصيات أنه بصرف النظر عن أي ذريعةٍ يسوقها الإرهابيون تبريراً لأعمالهم، فإن الإرهاب لا مبرر له. لكنها أَوضَحت أيضاً أن غياب الاتفاق بشأن تعريف شامل للإرهاب يعيق الجهود الدولية لمكافحته، ولهذا يكون من الضروري دائماً التغلب على مشكلة تعريفه.هاهي إيران، مثلاً، تمارس أكبر دورٍ في الإرهاب الرسمي المنظم في المنطقة، وتقف بقوة وراء إرهاب لم يسبق له مثيل من قِبل نظام الأسد، والحوثيين، وتدعم ممارسات الطرفين عبر حركاتٍ إرهابية وميليشيات منظمة مثل الحركة التي تسمي نفسها (حزب الله) وغيرها من المنظمات الطائفية. لكن الحملة الدولية المعاصرة تتجاوز كل ذلك، ولا تذكره بكلمةٍ واحدة. في حين أننا نعلم أن خلق إجماعٍ شعبي ووطني كبير على المهمة الخطيرة المتمثلة في محاربة (داعش) تتطلب ربطاً واضحاً بين هذه القضايا. وهذا ما كان المقصود إلى درجة كبيرة حين ذَكرت التوصيات أن "من الأهمية بمكان معالجة العوامل التي توفر أرضية خصبة لازدهار الإرهاب بغرض الإسهام في القضاء على الإرهاب". ويعلم القاصي والداني دور إيران الرئيس في توفير أرضية خصبة لازدهار الإرهاب في المنطقة بكل أنواعه، وعن سابق قصدٍ وإصرار. الأنكى أن تحاول إيران التذاكي على دول المنطقة وعلى العالم بادعاء البراءة والحديث عن ضرورة محاربة الإرهاب، وعن رغبتها في المشاركة في ذلك، في حين أن عليها أن تفعل الكثير لتُثبت أنها ليست منغمسة فيه إلى النخاع كدولة راعية رسمية للإرهاب.لم تأخذ دول العالم المقترح المذكور بشكلٍ جدي للأسف، ولم تتعامل مع موضوع الإرهاب الدولي بما يتناسب مع خطورته الحقيقية بشكلٍ يثير الكثير من الاستغراب والتساؤلات. حصل هذا رغم أن ألف باء التفكير السياسي تؤكد أنه لو تمت الاستجابة لمثل تلك التوصيات، فإن من المؤكد أن عمل عشر سنوات وفقاً لها كان يمكن له أن يخلق واقعاً لا نصل معه إلى ما وصلنا إليه اليوم.هكذا، تتضح مرةً أخرى مشكلة النظام الدولي وافتقاده القدرة أو الإرادة، وفي كثيرٍ من الأحيان كليهما، في معرض التعامل مع القضايا الكبرى التي تمس غالبية الدول والشعوب. وإلا فإن من غير الممكن وجود تفسير آخر لهذا الاستهتار كل هذه المدة، في مقابل الصحوة المفاجئة التي نراها الآن. والكل يعلم أن فعالية التعامل مع مثل هذه القضايا المعقدة بتخطيط شمولي طويل الأمد هي أكبرُ بكثير منها عندما تكون مُستعجلةً وقائمةً على الحشد والتعبئة والترتيبات الانفعالية التي تأتي استجابةً للضغوط الراهنة.ما يزيد الأمر سوءاً هو أن مثل هذه السياسات القصيرة النظر تسمح لدولٍ مثل روسيا بلعب أدوارٍ فيها الكثير من الانتهازية والنفاق. فروسيا التي عطلت مجلس الأمن مرات عندما حاول القيام بدورٍ لمواجهة إرهاب نظام الأسد، والذي كان منبع إرهاب داعش وغيرها بممارساته الوحشية، هي التي تتصنع اليوم المناداة بالشرعية والحرص عليها، وترفض محاربة الحركة دون ذلك، بل والأسوأ أنها تُطالب بدورٍ لنظام الأسد الإرهابي في الحرب على الإرهاب.لقد قالت العرب دائماً إن (درهم وقاية خير من قنطار علاج). وفي حين يبدو النظام الدولي في وارد الغفلة عن تلك القاعدة، فإن المشاركة في الجهود الحالية مطلوبة، رغم أن تحقيق أهدافها بشكلٍ فعال قد لا يكون ممكناً، في نهاية المطاف، إلا بمشروعٍ إقليميٍ شاملٍ وعاقل ينبني على مقولة عربيةٍ أخرى تؤكد دائماً بأن (أهل مكة أدرى بشعابها).
1055
| 21 سبتمبر 2014
"إن من شيوخي مَنْ أستنزلُ بهم المطر ولكن لا أقبل شهادتهم".. بهذه الجملة القصيرة والمُعبّرة التي صدرت عن أحد علماء المسلمين منذ قرون، يمكن وضع قاعدة ذهبية لتجاوز المأزق الناتج عن الخلط بين مسألتي الإخلاص والصواب، خاصةً عند الحكم على الأفكار والمواقف الصادرة عن البشر، أياً كانوا وأياً كانت مواقعهم في المجتمع.كانت تلك المقولة محاولةً عبقريةً مبكرة لإدراك خطورة ذلك الخلط، ليس فقط على محاولات المسلمين لتنزيل قيم الإسلام ومبادئه على واقعهم المعيّن بالشكل المطلوب، وإنما أيضاً على أصل التصورات الإسلامية في العقول والقلوب. إذ إن من المستحيل فَهم آفاق وأبعاد ومقاصد تلك التصورات، من خلال التركيز القوي والمستمر على معاني الإخلاص لها، والرغبة الصادقة لتحقيقها وحمايتها، في غياب الأدوات العقلية والعلمية التي تساعد عملياً على تحقيق ذلك الحفظ وتلك الحماية.ثمة ضغطٌ نفسيٌ وعمليٌ شديد على السوريين بشكل عام، وعلى الإسلاميين منهم تحديداً، يجعل مجرد الحديث في مثل هذه القضايا مدخلاً للاتهام والشكوك وسوء الظن، خاصةً إذا تجاوز الكلام الطروحات النظرية المجردة، ودخل في تفاصيل الأمثلة الواقعية. وما من شكٍ أن مجرد قراءة عنوان المقال ستكون، لدى البعض، مدعاةً للغضب والتبرم، والإعراض عن متابعة القراءة في أقل الأحوال. سيما حين يأتي الكلام بعد أيام من استشهاد قادة "أحرار الشام" بشكلٍ أثار مشاعر الحزن والأسى لدى شريحةٍ واسعة من السوريين.وحتى نختصر التقديم للموضوع، نؤكد اعتقادنا بأن إنشاء الحركة وتاريخها وممارساتها ومآلاتها الراهنة تُشكل جميعاً مثالاً تطبيقياً صارخاً على ملابسات الخلط بين مفهومي الإخلاص والصواب.كان تشكيل الحركة من البداية متميزاً عن غيرها، وذلك بعاملٍ أساسي يتمثل في اجتماع شريحةٍ من الثوار السوريين المشهود لهم بين معارفهم بالإخلاص. ومع الفوضى العارمة التي صاحبت إنشاء كثيرٍ من الفصائل الأخرى، وما رافق ذلك من أحداث ومعلومات وممارسات تتعارضُ، من قِبل أهلها، مع مقتضيات الإخلاص بشكلٍ أو بآخر.. استقطبت الحركة مزيداً من الكوادر التي كانت أقرب إلى معاني الإخلاص ومقتضياته. ولئن كان الإخلاص في جوهره أمراً قلبياً بين المرء وربه، إلا أن تلك المقتضيات تظهر في معاني التجرد والتواضع وإرادة الخير للناس، ودرجة تستطيع الشعور بها من صلة المرء بخالقه، والالتزام بما يؤمن به من مبادئ.. وغير ذلك من الظواهر التي كانت شائعةً في أوساط الحركة، خاصة في صفها القيادي. هذا ما اتفق عليه كثيرون ممن يثق المرء برأيهم، وهو ما ظهر لي شخصياً في لقاءات قليلة مع بعض القيادات أيام العمل في أوساط المعارضة، ومع بدايات تشكيل الحركة.بالمقابل، كانت الحركة مقتنعةً تماماً بفكرة إقامة (الدولة الإسلامية) في سوريا منذ البدايات. ورغم كل الحوارات المتعلقة بافتقاد تلك الفكرة إلى الواقعية من منطلقاتٍ إسلامية وسياسية وعملية، بقيت الحركة متمسكة بالفكرة فترةً طويلة. وصاحبَ هذا التفكير زهد كبير في أي تعاون مع القوى المختلفة للثورة السورية السياسية أو العسكرية، ولو في بعض المجالات، أو إنشاء قنواتٍ للتواصل معها، بلغة الخطاب الوطني ومفرداته. فقد كان الرفض واضحاً لكل ماله علاقة بالخطاب الوطني المذكور في أي مجالٍ من المجالات، وكان التمسك شديداً بـ (إسلامية) الثورة، والتحرجُ ظاهراً من كل فكرةٍ أو تجمعٍ أو حتى شعارٍ لا يؤكد على تلك الإسلامية.كانت الحركة إذاً منسجمةً جداً مع نفسها فيما يتعلق بمبلغ علمها من فهم الإسلام وفهم الواقع المحلي والدولي، لكنها كانت تحاصر الإسلام في فهمٍ طهوري جهادي يُبسِّط دوره في الأرض، ويضعه بين احتمالين: فإما إقامة دولةٍ على صورة دولة الخلافة الأولى، أو تقديم الروح رخيصةً دون ذلك.وكان كثيرٌ من أفرادها نماذج في الرقي عند التعامل الشخصي مع آخرين ينتمون لمدارس مغايرة في التفكير، لكنها لم تكن قادرةً، كحركة، على تصور إمكانية للتعامل التنظيمي مع مؤسسات خارج إطار منظومتها الفكرية.ورغم استحالة وضع المسؤولية عليها وحدها فيما يتعلق بعدم قدرة الفصائل الجهادية على الوحدة، إلا أن ثمة معلومات متواترة تؤكد أن موقفها المتردد كثيراً ما أخَّر أو ألغى مشاريع للوحدة على مدى قرابة عامين. الأمر الذي يطرح تساؤلاً آخر حول صوابية مثل هذا الموقف من منطلقات إسلامية وواقعية على حدٍ سواء.أما موقفها من (داعش) فقد كان أيضاً، في البدايات، من أسباب تمكين ذلك التنظيم من التمدد والتمكن. هنا مثلاً، ظهر تأثيرُ الإخلاص في مجانبة الصواب. فرغم تكرار الحوادث والأمثلة والوقائع، وتصاعد دلالاتها على خطورة داعش، ليس فقط على سوريا وثورتها، بل على الإسلام والمسلمين، ظلت مقولات (حُسن الظن) و(تجنب اقتتال الإخوة) تُعلنُ مرةً بعد أخرى لتبرير التردد الطويل في التعامل الحاسم مع التنظيم، حتى جاء اليوم الذي انقلب فيه الوضع بشكلٍ كامل، ولكن تحت ضغط الواقع العملي، وبعد فوات الأوان.ثمة تفصيلٌ في الموضوع لا يحتمله المقامُ هنا، ورغم احتمال مسارعة البعض إلى الطعن في الكلام أعلاه إلا أن المرء مطمئنٌ إلى صدوره من متابعةٍ ومعرفة بواقع الحال، بعيداً عن (التفكير الرغائبي) الذي يمكن أن يُلبسَ من تُحبهُ بسبب (إخلاصه) لَبوسَ الصواب الكامل.أكثر تعبيراً من هذا، تأتي الوقائع العملية، خاصةً خلال الشهور الأخيرة، ومعها (المراجعات) التي ظهرت في نفس الفترة بشكلٍ متفرق، دليلاً على صحة الطرح الوارد هنا، ولو بدرجةٍ من الدرجات. ربما يكون القبول بـ "ميثاق الشرف الثوري"، بعد جهود مكثفة وطويلة، وبخطابه الوطني الواضح، أكبر دليلٍ عملي على ذلك.
941
| 14 سبتمبر 2014
من الواضح أن واقعنا العربي والإسلامي مليءٌ بالملفات التي يجب فتحها والتعامل معها بشكلٍ صريح وموضوعي في نفس الوقت. ومن مفارقات هذا الواقع أن الكثيرين يشعرون بضرورة ذلك، وهو ما يجب أن يؤدي بشكلٍ تلقائي إلى وجود (تيارات) تعمل على تلك المهمة وتطالب بها، لكن هذا لا يحصل عملياً.. بالمقابل، يُشير المرء إلى بعض هذه الملفات فتأتيه تعليقات كثيرة تؤيد مثل هذا الأمر، ولكن بشكلٍ خاص، وفي أحسن الأحوال على شكل علامة إعجاب أو(لايك) في صفحة الفيسبوك.. كيف يمكن لواقعنا أن يتطور نحو الأفضل في ظل هذه السلبية؟ ولماذا يكتم الكثيرون آراء مُعتبرة في مواضيع هامة يمكن لتراكُمها أن يخلق ثقافةً مغايرة؟ هذه أسئلةٌ هامة يمكن أن تكون موضوع مقالاتٍ أخرى، وسأترك المجال هنا لأحد تلك الآراء التي وصلتني تعقيباً على مقال الأسبوع الماضي. والكلام للناشر والباحث المُخضرم الأستاذ مجير العُمري: "لقد طرقت موضوعاً حساساً جداً يُحجم كثيرون عن وُلوجه، ربما جُبناً منهم، أو لعدم رغبتهم في مواجهة جمهورٍ عظيم من المسلمين، وبخاصة الذين (يقدسون) الشيخ ناصر الألباني رحمه الله.أنا أعرف الشيخ ناصر شخصياً، رحمه الله تعالى، وأعرف مواقفه في التضعيف والتصحيح. أنا لا أتهمه بسوء رحمه الله.. الصورة العامة عند الناس أن الألباني متشدد جداً في التصحيح، ويبدو أن هذه الصورة غير صحيحة، فقد صحح أحاديث كثيرة هي ضعيفة وصححها من طرق أتعب نفسه في سلوكها. هذا الموضوع جدير بالمراجعة والبحث، وقد آن الأوان لذلك.إن مشكلتنا اليوم مع المتمسكين بالحديث تمسكهم بالسند دون النظر إلى المتن أو النص، وهذه مشكلةٌ لم تكن عند المتقدمين، فكثير من أئمة القرون الأولى لم ينظروا إلى الحديث بسنده دون النظر في النص. ويقول الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- في كتابه "الباعث الحديث" ص35: "واختلفوا في الحديث الصحيح؛ هل يوجب العلم القطعي اليقيني، أو الظن؟ وهي مسألة دقيقة تحتاج إلى تحقيق. أما الحديث المتواتر لفظاً أو معنى فإنه قطعي الثبوت، لا خلاف في هذا بين أهل العلم.. وأما غيره من الصحيح فذهب بعضهم إلى أنه لا يفيد القطع، بل هو ظني الثبوت، وهو الذي رجحه النووي في التقريب.وهذا هو مربط الفرس هنا. وهذا ما وقع فيه الألباني، فهو لم ينظر إلى نص الحديث في التصحيح والتضعيف، وإنما كان جل اهتمامه في السند وفي البحث عن طرق في السند ترفع الحديث من الضعف إلى الصحة، وهذا بخلاف المتقدمين الذين نظروا في النص وصحة قبوله مع عدم إهمال السند.قال الشيخ شعيب الأرنؤوط في تخريج حديث في كتاب "سير أعلام النبلاء1: 283": عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن معاذ بن رفاعة، عن جابر. قال الشيخ شعيب: معاذ بن رفاعة - وإن أخرج له البخاري - ضعفه ابن معين، وقال الأسدي: لا يُحتج بحديثه." فانظر يرحمك الله، من يجرؤ اليوم على تضعيف حديث أخرجه البخاري، والشائع بين عامة الناس أن "صحيح البخاري" أصح كتاب بعد كتاب الله ..وأعود إلى ما نقله الشيخ أحمد شاكر عن الإمام النووي، فهذا هو العقل السليم، وهذا ما سار عليه المتقدمون.. فالحديث المتواتر الذي رواه مجموعة من الصحابة ثم رواه عنهم مجموعة من التابعين لا يمكن تواطؤهم على الكذب، ثم رواه عنهم مجموعة لا يمكن تواطؤها على الكذب، وهكذا، فهذا أقبله وأحتج به، غير أني لست ملزما بالاحتجاج بحديث آحاد.. والله تعالى أمر بأربعة شهداء لإثبات زنا زانية وإلا يُجلد من اتهمها بالزنا، فكيف أقبل حكما أدين الله به بشاهد واحد؟وإذا نظرنا إلى الأحاديث المتواترة في كتب السنن فهي تعد على أصابع اليد. وهنا تبرز مسألة مهمة جداً في موضوع الأحاديث المتواترة؛ لقد فُرضت صلاة الجمعة بعد الهجرة إلى المدينة مباشرة، فخطب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الجمعة طيلة عشر سنين وشهرين تقريباً، ولنقل إن رسول الله قد خرج من المدينة خلال تلك السنين مدة ما مجموعه سنة كاملة، فقد خطب رسول الله الجمعة ما مجموعه تسع سنين، أي 450جمعة، خطبها على ملأ من المسلمين فهي بمثابة الأحاديث المتواترة لو وصلت إلينا، غير أن أحداً لم يذكر هذه الخطب التي ينبغي أن تكون متواترة .ونُقلت إلينا خطبته في حجة الوداع التي خطبها على نحو مئة ألف من المسلمين. غير أن هذه الخطبة قد جاءتنا بحديث آحاد، رواها لنا جابر بن عبد الله فقط ! لماذا؟ونجد الشيخ ناصر الألباني، رحمه الله تعالى وغفر له، يفرد لنا حجة الوداع في كتيب عن حجة الوداع ويقول في عنوانه "برواية جابر". لم يفكر الشيخ رحمه الله في هذه المعضلة، وهي عنده ليست معضلة، فجل اهتمامه السند على طريقة من وضع قواعد قبول السند. وفي هذه القواعد أسئلة كثيرة، وفي تاريخ تدوين الحديث أسئلة كثيرة، يُحرِّم علماؤنا اليوم الدخول فيها.. علماً أن أول مدونة للحديث كانت صحيفة همام بن منبه على عهد عمر بن عبد العزيز، أي سنة مائة للهجرة.. فكيف يغيب الحديث قرناً ثم يبدأ التدوين، وكانت ذروة التدوين الذي نتمسك به في نحو 260 للهجرة، أي بعد وفاة البخاري ومجيء أصحاب السنن من مسلم وأبي داود والنسائي والترمذي وابن ماجه ووو.. فهل كان ثمة وسائل لإشاعة الخبر للناس بأن هذه هي الأحاديث الصحيحة؟ وكم استغرق شيوع هذه السنن من وقت ليتداولها الناس ويتركوا ما سواها.. أسئلة كثيرة تحتاج إلى عقلاء باحثين بعيدين عن العواطف، فيبينوا لهذه الأمة ما وضعته هذه السنن من حرام وحلال ربما لم ينزل الله به سلطانا".انتهى كلام الأستاذ العمري، ولايمكن إلا التأكيد مرةً أخرى بأن الدفاع الحقيقي عن الإسلام ورسوله وسُنته لايكون إلا بالبحث الدقيق والعلمي في كل الأسئلة المشروعة، بعيداً عن المسارعة للتشكيك والاتهام، وعن تقزيم الإسلام بدعوى الخوف عليه.
2951
| 07 سبتمبر 2014
مساحة إعلانية
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام...
2913
| 01 مارس 2026
في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار...
1971
| 04 مارس 2026
-الفخر بقيادتنا الحكيمة.. والشكر لحكومتنا الرشيدة - دفاعاتنا...
1077
| 02 مارس 2026
المشهد يتكرر كل يوم جمعة، وهو مؤلم بقدر...
1044
| 04 مارس 2026
-قطر لم تسمح باستخدام أراضيهاونَأَتْ على الدوام عن...
930
| 01 مارس 2026
شهدت منطقة الشرق الأوسط اندلاع حرب خطيرة بين...
858
| 02 مارس 2026
انطلقت الحرب الإسرائيلية- الأمريكية على إيران والمرمى الرئيسي...
711
| 02 مارس 2026
في كل مجتمع لحظة اختبار خفية هل يُقدَم...
627
| 05 مارس 2026
رسالتي هذا الأسبوع من حوار القلم إلى الرجل...
609
| 05 مارس 2026
الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وجعلنا من أمة...
588
| 04 مارس 2026
اختلطت الأوراق بدأت عواصف الحرب تأخذ مجراها كما...
579
| 01 مارس 2026
لقد حدث الاحتمال الصعب الذي ظلت تحذر منه...
576
| 02 مارس 2026
مساحة إعلانية