رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بحدٍ معقول من المنطق والتحليل، لا تزيدُ الوقائعُ والأحداثُ في سوريا المرءَ إلا يقيناً بأن القدرَ الأكبرَ للثورة في سوريا يتمثل في أن تقودَ إلى ثورةٍ حقيقيةٍ في فهم الإسلام وتنزيله على الواقع، أكثرَ من أن تؤدي إلى (أسلَمةٍ) مُفترضة، بدأ الحديثُ عنها من قبل بعض الفصائل الإسلامية، لتصل اليوم إلى تجلياتها العملية مع (داعش) وممارساتها. ولكن، مع وضع هذا التنظيم وممارساته في إطار السياسات الدولية والإقليمية المتعلقة بسوريا بطبيعة الحال. بمعنى أن هذه السياسات أيضاً تخلقُ، دون أن تقصد، ردود أفعال وواقعاً يصبان في نفس الاتجاه.
ثمة عملية (صناعة تاريخ) مذهلة تجري فوق الأرض السورية تحديداً، ومن مفارقات الأقدار أنها إذ تتعلق بالإسلام، كدينٍ عالمي (مفتوح)، فإن صانعها لا يقتصر على الإنسان السوري، رغم دوره الأساسي، الراهن والمستقبلي، في الموضوع، وإنما بَشَرٌ من كل الخلفيات والأجناس والألوان.
إذ لم تكتفِ الأقدارُ بأن تكون في (داعش) تشكيلة غريبة من الأفراد تنتمي إلى ثقافات ودول عديدة، ولم يكفِ وجود ممثلين لثقافات من الدول التي تقف إلى جانب النظام السوري، بل إن (التحالف الدولي) الذي يحارب (داعش) فوق الأرض السورية، أكمل مهمة تمثيل البشرية في عملية صناعة التاريخ الجارية على أرض سوريا.
كتبتُ منذ شهور مقالاً من جزءين بعنوان: "سوريا: من أسلمة الثورة إلى ثورةٍ في الإسلام"، ولم أنتبه يومها إلى هذا العنصر الذي يضع التحليل في إطارٍ أكبر، بل ويجعل استنتاجاته أكثرَ واقعيةً وقابليةً للفهم. فالإنسان السوري يبدو لاعباً أساسياً بالتأكيد فيما يجري، لكن من غير الطبيعي أن يكون هو اللاعب الوحيد في صيرورةٍ حضاريةٍ ضخمةٍ بهذا الحجم، لابد من أن يشارك في تشكيل مكوناتها وعناصرها ممثلون لبشريةٍ تجمعُ كل هذا الاختلاف والتنوع الإنساني بكل إيجابياته وسلبياته، نجاحاته وإخفاقاته، سُمُوهِ وانحطاطه، وتجاربه وخبراته.
هكذا، تجرﱡ البشرية نفسها جراً إلى هذه المنطقة من العالم، تجرﱡ نفسها بأجنداتها المتضاربة، ومصالحها المختلفة، وغاياتها المُعلنة منها والدفينة، لتصنع سوياً تاريخاً قد يتبينُ لها في يومٍ قادم، للمفارقة أيضاً، أنها لم تكن تُريده على وجهِ التحديد.
وأنت إذ تفكر في الأمر قليلاً من منظورٍ مُعين، فإنك ستشعر بقشعريرةٍ دون شك.
هكذا تتوضحُ الأمور أكثرَ فأكثر، ويأتي كل حدثٍ ليقع في مكانه المناسب تماماً من العملية. وهي عملية ذكرنا سابقاً أنها تحدثُ ببطء "كما هي العادة في مثل هذه الظواهر، وبشكلٍ لا يراه بَصرٌ مُستعجل ولا بصيرةٌ مشوهة، فمثل هذه التغييرات الكبرى في واقع الدول والحضارات تحدث بأثر فعلٍ تراكمي يُدرك البشرُ، في نهاية المطاف، أنه كان يسير في اتجاهٍ يعاكسُ كل ما يوحي به ضجيج الأحداث الآنية وصخبُها المُلتبس في ذاته من جانب، والذي يدعو للالتباس من جانبٍ آخر".
في مثل هذا الإطار توضع أحداثٌ، قد لا تكون ضخمةً بذاتها، من خطبة السورية عفراء جلبي في كندا، إلى عملية رجم امرأةٍ في سوريا، من المحتمل أن يكون شارك فيها (كنديون)، لكنﱠ تَراكُمَ تأثيرها النفسي والفكري والاجتماعي على البشر أكبرُ بكثير مما نتصور، وهو تراكمٌ يُصبح رافعةً هائلة لعمليات تغييرٍ جذرية تحفر أرض الواقع الإنساني حَفراً، وتقلب تضاريسهُ رأساً على عَقِب.
بهذا الفهم، يُصبحُ صَخَبُ وصُراخُ وعويلُ المعترضين والرافضين مجرد ضجيج (noise) يجري على هامش صناعة التاريخ، وتفرض الحقائقُ نفسها تدريجياً على ألسنة جيلٍ جديد يبدو واضحاً تماماً معه أن "هذا أمرٌ قد تَوجَّه".
وكمثالٍ على العملية بأسرها، تَبهركَ نماذج تُعيد التذكير بما تحدثنا عنه من دور الإنسان السوري في الموضوع. ها هو، مثلاً، شابٌ سوري نبيه اسمه بشار غوجل يكتب على صفحته تعليقاً على حادثة رجم المرأة قائلاً: "إسلامُنا ليس بريئا أيها الأحبة، الإسلام، بنسخته (المهكرة) من قبل الفقهاء والتي نعرفها ونمارسها على مساحة العالم الإسلامي حاليا، ليس بريئا من داعش، ولا من الرجم، ولا من ضرب الأعناق. هؤلاء الشباب الدونكيشوتيون لم يأتوا من المريخ، وإنما تربوا تحت قباب مساجد العالم الإسلامي وتتلمذوا على يد (علمائه). إنما هي أفكارنا وقناعاتنا وأعمالنا توفى إلينا، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، وفهمه، وقناعاته، وممارساته وآبائيته وسلفه (الصالح). إلى أن يأتي اليوم الذي نمتلك فيه الشجاعة الفكرية ونعترف بهذه الحقيقة وبمسؤوليتنا الكاملة عن الموضوع، سنبقى نجتر جاهليتنا، إنه الخيار بين "فبما أغويتني"، وبين (ربي إني ظلمت نفسي)".
وها هو شاب سوري آخر اسمه إبراهيم الأصيل يكتبُ في نفس الموضوع قائلاً: "على فكرة، ما فعلته داعش وارد في الصحيحين، البخاري ومسلم، وأمامنا أحد أربعة خيارات:
الأوّل: أن نتخذ خطوة جريئة بنزع القدسية عن كتب الحديث، ونعلن بوضوح أنه قد يرد في الصحيحين ما هو غير صحيح ولا يناسب الفطرة وتجب إعادة نقدهما على ضوء ذلك وفهم القرآن ومقاصد الدّين. ومن أوّل الملفات التي يجب أن تُفتح هي حكم (المرتد) لأنها جاءت في حديث واحد مع حكم الزنا. الثاني: أن نعلن بوضوح أن انتقادنا لداعش هو عدم ثقتنا بقضائهم فقط، وبإجراءات القضاء، كاعتماد الشهود وبقية التفاصيل، في حين أنّنا نوافق أفكارهم ومبادئهم، وعلينا توضيح ذلك كي لا يحصل سوء تفاهم مع (إخوة المنهج) والدرب. الثالث: أن نقول لداعش (يعطيكم ألف عافية)، قمتم بإحياء ديننا وفعلتم ما عجزنا عنه ونقلتم ديننا من الكتب إلى التطبيق. الرابع: أن نتابع انتقادنا لما نؤمن به، ونكمل مسيرة انفصام العقيدة التي تسيطر علينا... ربّما، وبعد كل ذلك يكون لداعش أثر إيجابي فعلاً، بأن نفهم ديننا أكثر، وأن نبحث عن نبيّنا أكثر، وننفض عن مبادئه غبار الوسطاء"..
تقرأ هذا الذي يكتبه شباب سوري غيور كثيراً على الإسلام، وتفكر في أبعاد عملية صناعة التاريخ المذكورة أعلاه، فتتذكر قصة الصبي الذي أعلنَ ببراءة أن "الملك عريان" حينَ سكتَ الجميعُ عن تلك الحقيقة. وتنتبه، ليس فقط، لحجم المسؤولية الواقع في أعناق من يرون أنفسهم ويراهم بعض الناس (مُوقعين عن رب العالمين)، بل لدرجة غفلتهم عن تلك المسؤولية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4605
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3303
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1272
| 28 سبتمبر 2026