رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أقسى ما يفعله الغياب أنه لا يأخذ الأشخاص وحدهم؛ يأخذ النسخة منّا التي كانت تضحك حين كانوا هنا.
نكتشف هذه الحقيقة متأخرين، غالبا بعد أن تهدأ الأيام الأولى للفقد، وبعد أن يعود البيت إلى ترتيب أشيائه المعتاد، وتعود المواعيد إلى انتظامها، وتصبح أسماء الغائبين أقل حضورا في الأحاديث. عندها فقط نلاحظ شيئا أكثر خفاء: نحن أيضا تغيرنا. هناك ضحكة كانت تسكننا واختفت، وخفة كانت تأتي بسهولة ثم صارت تحتاج إلى مناسبة، وشيء صغير في الروح كان يستجيب للحياة بسرعة، صار يتأخر كثيرا.
حين يغيب شخص نحبه، نفكر عادة في الأشياء التي أخذها معه: صوته، حضوره، طريقته في الكلام، عاداته التي كنا نتذمر منها ثم اكتشفنا قيمتها بعد رحيله. نتذكر كرسيه، رسائله، رقمه في الهاتف، وربما نحتفظ بصورة له أكثر مما نحتفظ بصورنا نحن. لكن ما يغيب عن انتباهنا أن بعض الأشخاص كانوا يصنعون نسخة خاصة منا. نسخة لا تظهر مع الجميع، ولا يعرفها الجميع، وربما لم نكن نعرفها نحن إلا بقربهم.
هناك أشخاص يجعلوننا أكثر عفوية، وأكثر قدرة على الضحك من أشياء صغيرة، وعلى الحديث ساعات في تفاصيل لا قيمة لها خارج علاقتنا بهم. معهم نتصرف كما لو أن الحياة أقل تعقيدا مما نعرفها عادة. وحين يرحلون، لا نفقد الرفقة وحدها، وإنما نفقد السياق الذي كان يسمح لتلك النسخة منا أن تظهر.
لهذا قد نسمع نكتة بعد رحيل شخص عزيز فنبتسم، ثم نتوقف فجأة. نعرف أن النكتة كانت ستضحكه، وأننا كنا سنلتفت إليه تلقائيا، وأن تعليقًا واحدا منه كان سيجعل الحكاية أكثر طرافة. نضحك أحيانا، لكن الضحكة نفسها تبدو غريبة، كأنها خرجت من مكان قديم فينا ثم لم تجد صاحبها.
وهنا يصبح الغياب تجربة تخصنا نحن أيضا. الشخص الذي رحل ترك وراءه فراغا، لكن الفراغ لا يجلس في مكان واحد. يتمدد في تفاصيل كثيرة: في فنجان القهوة الذي كان له طقس خاص، في أغنية مرتبطة بمشوار قديم، في مطعم اعتدنا أن نذهب إليه، في كلمة كان يستخدمها بطريقة مضحكة، وفي خبر صغير كنا نرسله إليه من دون تفكير. الأشياء التي تبدو عادية للآخرين قد تصبح عندنا مفاتيح لأبواب مغلقة.
وربما لهذا السبب يحتاج الحزن إلى وقت أطول مما نتوقع. نحن لا نتعلم كيف نعيش من دون الشخص فقط، وإنما نتعلم كيف نعيش من دون أنفسنا القديمة التي كانت موجودة معه. نعيد توزيع عاداتنا، ونكتشف طرقا جديدة لقضاء الوقت، ونعتاد أن نقول لأنفسنا ما كنا نقوله له. وقد نضطر إلى اكتشاف اهتمامات نسيناها، وأصدقاء ابتعدنا عنهم، وأماكن لم نعد نذهب إليها، لأن الشخص الذي كان يمنحها معناها لم يعد هناك.
ومع ذلك، لا تختفي تلك النسخة منا تماما. ربما تتوارى فقط، ثم تعود على هيئة مفاجأة صغيرة. نسمع أغنية فنضحك بالطريقة نفسها التي كنا نضحك بها معه. نقول جملة كان يحبها، أو نستخدم تعبيرا كان يسخر منه، أو نحكي قصة عنه لشخص أصغر سنا لم يعرفه. وفجأة نشعر أن شيئا منه ما زال يعمل فينا. كأن العلاقة، بعد أن انتهت صورتها اليومية، وجدت لنفسها شكلا آخر من البقاء.
وهذا أحد أجمل ما يمكن أن يفعله الحب بنا بعد الغياب: أن يترك فينا قدرة لا نعرف مصدرها. ربما نضحك يوما بالطريقة التي كان يحبها، وربما نتصالح مع شيء كان يراه بسيطا ونحن كنا نعقده، وربما نمنح أحدا آخر تلك الطمأنينة التي منحنا إياها ذات مرة. عندها يصبح ما أخذه الغياب جزءا مما تركه أيضا.
أفكر أحيانا أن بعض الأشخاص لا يدخلون حياتنا كي يبقوا فيها إلى الأبد، وإنما كي يفتحوا لنا بابا إلى أنفسنا. نعرف معهم كيف يمكن أن نكون أخف، وأصدق، وأكثر تلقائية. ثم يأتي الفراق، فنظل نبحث عن تلك النسخة التي عرفناها معهم.
وقد نقضي وقتا طويلا في البحث عنها في الآخرين، مع أنها كانت لنا منذ البداية.
ربما كل ما نحتاجه هو أن نفهم أن استعادة تلك النسخة لا تعني خيانة الغائب، وأن الضحك بعده لا يعني أننا نسيناه. للحزن حقه، وللذاكرة حقها، وللحياة أيضا حقها في أن تستمر. نحن لا نكرم من أحببناهم بأن نحول بقية أعمارنا إلى مقعد انتظار، وإنما بأن نحمل ما منحونا إياه إلى الأيام التالية.
فإذا كان الغياب قد أخذ منا النسخة التي كانت تضحك حين كانوا هنا، فلعل أجمل ما نستطيع فعله أن نعيد إليها الحياة، لا كي ننسى أصحابها، وإنما لأنهم كانوا يحبون تلك النسخة منا أيضا.
وربما، في لحظة ما، سنضحك فجأة من قلبنا، ثم نسكت قليلا لأننا تذكرناهم.
سنبتسم.
وهذه المرة لن نشعر بالذنب.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كاتبة كويتية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
9753
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2640
| 16 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
2406
| 22 أكتوبر 2026