رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سعدية مفرح

كاتبة كويتية

مساحة إعلانية

مقالات

180

سعدية مفرح

أعرفك منذ سنوات..

14 سبتمبر 2026 , 12:15ص

يحدث أن تعرف شخصاً عمراً بأكمله، تحفظ طريقته في الكلام، وتعرف ما يحب وما يكره، وتتذكر مواقف كثيرة جمعَتكما، وتظن أنك قطعت معه شوطاً كافياً يجعل مفاجآت المعرفة مستحيلة. ثم يأتي موقف عابر، كلمة واحدة، أو تصرف صغير في لحظة لم تكن معدة للاختبار، فتراه فجأة كما لو أنك تراه للمرة الأولى.

تتأمل وجهه نفسه، وصوته نفسه، وربما المكان نفسه الذي جلستما فيه عشرات المرات، وتسأل في داخلك: كيف لم أعرف هذا الشخص طوال كل هذه السنوات؟

المفارقة أن السنوات لا تمنحنا دائما معرفة أعمق بالآخرين. أحيانا تمنحنا ألفة أعمق معهم فقط. والألفة شيء، والمعرفة شيء آخر. قد نعتاد شخصاً حتى نكف عن النظر إليه، لأننا رسمنا له في داخلنا صورة مكتملة، ثم أخذنا نتعامل مع الصورة بدلا من الشخص الحقيقي.

نعرفه كما اعتدناه: الصديق الذي لا يتخلى، والقريب الذي نطمئن إليه، والزميل الذي نعرف طباعه، والحبيب الذي حسبنا أننا قرأنا قلبه كله. ومع مرور الأيام تصبح هذه الصفات جزءا من تعريفنا له، حتى يأتي موقف واحد فيكشف أن تحت هذه الصورة حياة أخرى لم نرها.

وقد يكون الموقف بسيطاً جداً. شخص يحتاج إلى مساعدة، فيتردد من كنت تراه كريماً. شخص يتعرض للظلم، فيختار الصمت من كنت تظنه شجاعاً. امرأة تفتح لك قلبها في لحظة غضب، فتكتشف أن وراء هدوئها الطويل أسئلة ومرارات لم تخطر لك على بال. وقد يحدث العكس أيضا؛ شخص حسبته قاسيا، فإذا به في موقف واحد أكثر رحمة مما توقعت، وشخص ظننته أنانياً، فإذا به يتنازل عن شيء يخصه من أجل آخر من دون أن ينتظر كلمة شكر.

المواقف الصغيرة تملك أحياناً قدرة غريبة على هدم سنوات من الانطباعات. لأنها تأتي من دون استعداد مسبق. حين نعرف أننا تحت الاختبار نرتب إجاباتنا ونختار وجوهنا وكلماتنا، أما اللحظة المفاجئة فتترك الإنسان أقرب إلى حقيقته.

ولهذا ربما كان علينا أن نكون أكثر حذرا حين نقول: “أنا أعرفه”. ماذا تعني المعرفة هنا؟ هل نعرف الشخص نفسه، أم نعرف النسخة التي اختار أن يقدمها لنا؟ وهل تكفي عشرون سنة من الصحبة لمعرفة ما يفعله حين يخاف، أو حين يغضب، أو حين يخسر، أو حين يصبح قادراً على إيذاء شخص أضعف منه؟

قد يعيش شخصان تحت سقف واحد سنوات طويلة، ويتبادلان تفاصيل الأيام، ثم يكتشف أحدهما في موقف حاسم أن بينهما مسافة لم يلاحظها أحد. وقد تستمر صداقة عقودا ثم تنتهي بسبب موقف واحد، لا لأن الموقف كان أكبر من كل ما سبقه، وإنما لأنه أضاء شيئاً كان موجوداً طوال الوقت ولم نكن نراه.

وهنا تأتي تلك اللحظة الثقيلة التي لا نعرف ماذا نفعل بها. هل نصدق السنوات أم نصدق الموقف؟ هل نقول إن شخصاً عرفناه طويلا لا يمكن أن يكون كذلك، أم نعيد قراءة كل ما مضى على ضوء ما اكتشفناه الآن؟

ربما لا تحتاج الإجابة إلى اختيار أحدهما. الناس أكثر تعقيداً من أن تختصرهم لحظة، وأكثر غموضا من أن تفسرهم سنوات الصحبة وحدها. قد يكون الموقف كاشفاً لوجه حقيقي، وقد يكون استثناء عابرا، وقد يكون الإنسان نفسه قد تغير من حيث لم ننتبه. نحن أيضا نتغير، وأحيانا لا نعرف أنفسنا إلا حين تضعنا الحياة أمام امتحان لم نطلبه.

لكن بعض المواقف لا تمنحنا رفاهية الشك. هناك لحظات تكفي وحدها لتقول لنا شيئاً واضحاً جداً عن صاحبها. موقف أمام المال، أو السلطة، أو الضعف، أو الخلاف، قد يكشف ميزاناً أخلاقياً كاملاً. وحينها تصبح المفاجأة مؤلمة لأننا لا نكتشف الآخر فقط، وإنما نكتشف أيضا مقدار ما أسقطناه عليه من ثقة، وما بنيناه حوله من يقين.

أقسى ما في الأمر أن اكتشاف الآخر يأتي أحيانا متأخراً، بعد أن نكون قد منحناه مفاتيح كثيرة من حياتنا. وقد لا يؤلمنا ما فعله بقدر ما يؤلمنا أننا كنا نراه بطريقة مختلفة تماما.

ومع ذلك، ربما علينا ألا نحول كل اكتشاف إلى محاكمة. بعض الناس يستحقون فرصة للتفسير، وبعض المواقف تحتاج إلى سياق، وبعض العلاقات تستطيع النجاة بعدما تنكسر صورتها الأولى. وهناك علاقات أخرى يكون اكتشاف الحقيقة فيها رحمة متأخرة، لأن معرفة الشخص كما هو، مهما كانت موجعة، أكرم من الاستمرار في محبة صورة لا وجود لها إلا في مخيلتنا.

لذلك أحب أن أترك مساحة صغيرة بيني وبين أحكامي على الآخرين. أتعلم أن أقول: أعرف هذا الشخص كما عرفته حتى الآن. وهذه العبارة أكثر تواضعاً وأماناً. فكل واحد منا يحمل في داخله غرفا لا يدخلها الآخرون بسهولة، وبعض الأبواب لا تفتحها السنوات، وإنما يفتحها موقف واحد.

وقد نخرج من ذلك الموقف خاسرين شخصاً عرفناه طويلا، أو رابحين شخصاً لم نعرف قيمته من قبل. وفي الحالتين، تكون الحياة قد فعلت شيئاً واحداً: نزعت عن شخص ما الصورة التي صنعناها له، وتركتنا أمامه كما هو.

وعندها فقط نفهم أن معرفة شخص طوال العمر لا تعني بالضرورة أننا عرفناه. أحيانا نحتاج إلى لحظة واحدة كي نراه، وأحيانا نحتاج إلى تلك اللحظة كي نرى أنفسنا أيضاً.

اقرأ المزيد

ماذا صنعت بنا الكتب؟ ماذا صنعت بنا الكتب؟

يمكن أن نعرف كثيرا من الكتب، ولا نعرف كثيرا عن الحياة. وقد نحفظ أسماء المفكرين والشعراء، ثم نكتشف... اقرأ المزيد

306

| 16 أغسطس 2026

متى صار الفراغ تهمة؟ متى صار الفراغ تهمة؟

أجلس أحيانا أمام فنجان قهوة ولا أفعل شيئا. أترك الهاتف بعيدا، أو أقرأ صفحتين من كتاب ثم أضعه... اقرأ المزيد

378

| 09 أغسطس 2026

كيف خسرنا فن الاختلاف؟ كيف خسرنا فن الاختلاف؟

كنت أظن أن أجمل ما في الاختلاف أنه يفتح نافذة جديدة في جدار اليقين. وأن المرء يخرج من... اقرأ المزيد

495

| 02 أغسطس 2026

مساحة إعلانية