رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سعدية مفرح

كاتبة كويتية

مساحة إعلانية

مقالات

33

سعدية مفرح

ترف الاختلاف الذي افتقدناه!

19 أكتوبر 2026 , 12:00ص

اشتقتُ في منصة إكس إلى من يختلف معي في الرأي، ويؤمن في الوقت نفسه بأدب الحوار وحق الاختلاف.

أشتاق إلى نقاش يبدأ بفكرة وينتهي بفكرة أوسع، وإلى شخص يقرأ ما أكتب بعقل مفتوح، ثم يرد عليَّ بما يجعلني أعيد النظر فيما أعتقد أنني أعرفه. يبدو أن هذا النوع من الاختلاف صار ترفًا يصعب الحصول عليه في منصة إكس، التي أحببنا أن نراها مساحة لتبادل الأفكار واختبار القناعات وتوسيع آفاق المعرفة.

أحب الاختلاف الذي يمنح الأفكار فرصة للنمو، ويحررها من الاطمئنان إلى صحتها. فالقناعة التي لا تواجه سؤالًا جادًا قد تتحول إلى عادة ذهنية، والرأي الذي يكتفي صاحبه بسماع أصدائه يوشك أن يصبح سجنًا صغيرًا يقيم فيه مطمئنًا. أما حين نلتقي بمن يفكر على نحو مختلف، ويمتلك القدرة على تقديم حجته والإصغاء إلى حجتنا، فإننا نحصل على فرصة ثمينة لمراجعة أنفسنا، حتى لو انتهى الحوار من دون أن يتغير رأي أحدنا.

والمؤسف أن كثيرًا من النقاشات في إكس تبدأ بافتراض سوء النية، فيتحول الاختلاف في قضية سياسية أو ثقافية إلى أحكام على الأشخاص ومقاصدهم وانتماءاتهم. ينتقل النقاش من الأفكار إلى محاكمة أصحابها، ويصبح الدفاع عن الكرامة الشخصية أهم من البحث عن حجة تستحق التأمل. وتغدو السخرية بديلًا عن النقاش، والتجريح وسيلة لإسقاط الرأي وصاحبه معًا.

ويزداد الأمر أسفًا حين نرى الرد الجارح يحظى بتفاعل واسع، فيما تمر مداخلة رصينة تستحق القراءة من دون أن يلتفت إليها كثيرون. عندها يصبح السؤال مشروعًا عن طبيعة المكافأة التي تمنحها المنصة لمستخدميها، وعن أثرها في تشكيل سلوكهم وطريقتهم في التعبير. فحين يصبح الانتصار على المحاور أهم من فهمه، يخسر الحوار غايته، ويغدو مجرد استعراض للمواقف أمام جمهور ينتظر من كل طرف أن يثبت تفوقه.

ومع ذلك، لا أريد أن أختصر إكس في هذه الصورة. ما زلت ألتقي فيها بأصوات تستحق الإصغاء، وبأشخاص يختلفون بأناقة، ويقدمون اعتراضاتهم بوضوح، ويعرفون أن احترام المحاور لا ينتقص من قوة الحجة. يعجبني أن أقرأ رأيًا يخالفني فأجد فيه ما يستحق التفكير، وأن أختلف مع صاحبه ثم أتابع قراءة ما يكتب باهتمام. تلك علاقة فكرية جميلة، تنشأ حين يجمع الفضول المعرفي بين شخصين لا يتفقان بالضرورة على كثير من الأشياء.

لقد علمتني القراءة والكتابة أن الرأي الجيد يستحق النقاش، وأن الرأي الضعيف يمكن كشف ضعفه بالحجة، وأن الشخص الذي نختلف معه يظل أوسع من موقف أعلنه أو جملة كتبها. لكل منا تجربته ومصادر معرفته ومناطق عماه، وربما احتجنا إلى عين أخرى تساعدنا على اكتشاف ما غاب عنا. ومن هنا تأتي قيمة الحوار، فهو يتيح لنا رؤية المسألة من نافذة مختلفة، ويذكرنا بأن المعرفة تتسع كلما اتسعت قدرتنا على السؤال.

وأنا لا أبحث عن اتفاق دائم مع الآخرين، ولا أنتظر أن يصفق أحدهم لكل ما أكتبه. أريد من يقرأني بعناية، ويختلف معي حين يجد سببًا يستحق الاختلاف، ويشرح وجهة نظره من دون أن ينتقص من حقي في التفكير. أريد نقاشًا أستطيع فيه أن أقول أخطأت، وأن يقول محاوري إنه أخطأ، من دون أن يتحول الاعتراف إلى مادة للسخرية أو وسيلة لتسجيل انتصار.

نعم.. اشتقتُ إلى الاختلاف الذي لا يفسد للود قضية، وإلى حوار يجعلنا أكثر فهمًا لبعضنا، حتى حين نعجز عن إقناع بعضنا. يا لها من مفارقة أن نملك كل هذه الوسائل للتواصل، ثم نفتقد أحيانًا أبسط شروطه. فحرية التعبير تفقد شيئًا من قيمتها حين يصبح الرأي المخالف سببًا للخصومة، وحين يخشى الكاتب ردود الفعل أكثر مما يتحمس لمشاركة أفكاره.

أريد أن أعود إلى إكس فأجد نقاشًا يجعلني أتأخر في مغادرة المنصة، لأنني وجدت فيه ما يستحق القراءة والتفكير. أريد أن أختلف مع أحدهم ثم أعود إلى ما يكتبه باهتمام، وأن يفعل الشيء نفسه مع كتاباتي. عندها سأشعر بأننا استعدنا شيئًا من المعنى الذي جئنا من أجله إلى هذه المساحات المفتوحة.

فهل صار الاختلاف الراقي ترفًا فعلًا، أم أننا نسينا، وسط انشغالنا بإثبات صحة مواقفنا، أن أجمل ما يمنحنا إياه الحوار هو أن نخرج منه أكثر فهمًا، حتى إن بقينا مختلفين؟

اقرأ المزيد

لماذا نحتفظ بأشياء لا نحتاجها؟ لماذا نحتفظ بأشياء لا نحتاجها؟

أحيانا نفتح درجًا قديمًا بحثًا عن شيء صغير، فنجد أنفسنا أمام أشياء لم نستخدمها منذ سنوات: تذكرة سفر... اقرأ المزيد

429

| 21 سبتمبر 2026

أعرفك منذ سنوات.. أعرفك منذ سنوات..

يحدث أن تعرف شخصاً عمراً بأكمله، تحفظ طريقته في الكلام، وتعرف ما يحب وما يكره، وتتذكر مواقف كثيرة... اقرأ المزيد

342

| 14 سبتمبر 2026

عن حياتنا المستعارة! عن حياتنا المستعارة!

هناك أفكار نعيش بها سنوات طويلة من غير أن نسأل أنفسنا: من أين جاءت؟ نقول: هكذا تربينا، هكذا... اقرأ المزيد

372

| 07 سبتمبر 2026

مساحة إعلانية