رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. وائل مرزا

د. وائل مرزا

مساحة إعلانية

مقالات

1326

د. وائل مرزا

الحملة الأمريكية على داعش.. تخبط أم استغباء أم وقاحة؟

12 أكتوبر 2014 , 12:28ص

"من المفترض في السياسة أن تكون ثاني أقدم مهنة في العالم، ولكنني أدركت مع الوقت أن هناك شبهاً كبيراً بينها وبين أقدم مهنة".. لا يمكن إلا أن تتذكر هذه المقولة للرئيس الأمريكي السابق جورج ريجان حين تستعرض تطورات أحداث الأسبوع الماضي، خاصة فيما يتعلق بأهداف الإدارة الأمريكية من الحملة الدولية على "داعش".

فقد بات العالم يعرف تماماً أن هذه الحملة الجوية المرتبكة لن تؤدي إلى نتيجة ما لم تحصل في إطار إستراتيجية أكثر شمولاً تتضمن تدخلاً برياً محمياً بغطاء جوي، بل وإزاحة بشار الأسد وعصابته من الحكم في سوريا. هذا ما تصر عليه تركيا، وتؤكد عليه قطر والسعودية، وهي البلدان الأكثر معرفة بملابسات وشروط أي حرب حقيقية ممكنة على الإرهاب.

لكن من يسمع التصريحات المتناقضة للمسؤولين الأمريكان فيما يتعلق بهذه الرؤية يحتار بين تفسيرين، فإما أن ثمة وقاحةً لا حدود لها في رسم السياسة بشكل يحقق مصلحة أمريكية حصرية آنية قصيرة النظر، وربما تتعلق بحسابات الانتخابات والسياسة الداخلية أكثر من أي شيء آخر، أو أن هناك ارتباكاً كبيراً وفوضى عارمة في عملية صناعة تلك السياسة.

وفي الحالتين، يبقى مطلوباً من الدول التي تدرك أبعادَ الأمور الإصرارُ على رؤيتها الشمولية للمشهد، وعلى الاستمرار في محاولة (عقلنة) السياسة الأمريكية الرعناء من خلال أوراقها الجيوسياسية على أرض الواقع.

خلال الأيام القليلة الماضية قال المتحدث باسم البيت الأبيض جوش ارنست للصحفيين إن إقامة المنطقة العازلة "ليست أمراً قيد التفكير حاليا". أما الناطق باسم وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) فقد فتح الباب قليلاً حين قال إن إقامة منطقة حظر طيران "ليست على الطاولة حالياً، لكنه موضوع قيد نقاش دائم". ومثله فعل مسؤول في الخارجية الأمريكية صرح لصحيفة (الحياة) اللندنية قائلاً إن إقامة مناطق عازلة "ليست جزءاً من خطط حملة التحالف الحالية"، دون أن يغلق الباب أمام بحثها في مرحلة لاحقة، مؤكداً على اتصالات مستمرة مع الجانب التركي. وأكدت مصادر موثوقة للصحيفة أن إستراتيجية واشنطن ترتكز حالياً على ضربات "لا تستهدف سوى داعش وتنظيم خراسان الإرهابي (وليس جبهة النصرة)"، وأن الإدارة الأمريكية "لا تخطط لضرب قوات النظام، وتأمل بدعم إيران وروسيا لحل سياسي". وتوقعت المصادر أن يكون هناك "تنسيق أكبر مع الجيش الحر في المدى المنظور". وبينما كان الأمريكيون يضغطون لدفع تركيا للتدخل برياً، وحدها، لإنقاذ مدينة عين العرب (كوباني)، خرج وزير الخارجية كيري ليصرح، بكل وضوح أن عدم سقوط المدينة "ليس هدفاً إستراتيجياً"، فرغم فظاعة ما يحدث هناك فإن "الأهداف الحقيقية تركز على مراكز القيادة والبنية التحتية لتنظيم "الدولة الإسلامية" المعروف إعلاميا بـ"داعش"، حسب الوزير الأمريكي. أما قائد الجيش الأمريكي مارتين ديمبسي نفسه فقد صرح لقناة أي.بي. سي الأمريكية: "أخشى أن تسقط مدينة كوباني"، رافضاً الحديث عن الطريقة الفعالة للتعامل مع الوضع.

لكن الوقاحة الأمريكية تجلت بشكلٍ أكبر حين سربت الإدارة تصريحات لمسؤول كبير فيها، لم يُكشف عن اسمه، يُعبر فيها عن "قلق متزايد إزاء التلكؤ التركي في التحرك لمنع وقوع مذبحة على مسافة أقل من ميل من حدودها". بل ويزيد على هذا قائلاً: "هذه ليست هي الطريقة التي تتصرف بها دولة في الناتو عندما تكون أبواب الجحيم على مرمى حجر من حدودهم".

بالمقابل، جاءت تصريحات رئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلو لشبكة (سي إن إن) الأمريكية واضحةً لمن يريد أن يفهم، حيث قال إن "العمليات الجوية الأمريكية في سوريا ضرورية، لكنها غير كافية، فهذه الغارات ضرورية من أجل عرقلة تقدم تنظيم داعش، لكننا إذا لم نطور إستراتيجية موحدة، فإننا حينما نقضي على ذلك التنظيم من الممكن أن تحل محله تنظيمات أخرى جديدة".

كما ربط أوغلو بروز التنظيم المتشدد وتناميه في المنطقة بعدم إسقاط النظام السوري برئاسة بشار الأسد، حيث قال: "حينما استخدمت الأسلحة الكيماوية في سوريا طلبنا من الحلفاء رسمياً اتخاذ مواقف صارمة ضد النظام السوري، وذلك لأن السياسات الطائفية التي انتهجها ذلك النظام تسببت في حدوث فراغ سده تنظيم داعش". وتابع: "لقد سبق وأن حذرنا الولايات المتحدة وكافة الدول، وشددنا على ضرورة فعل شيء قبل قدوم العاصفة، لكن لم يتخذ أي إجراء".

المفارقة في الموضوع أن الإدارة الأمريكية تتجاهل في هذا الإطار حتى آراء خبرائها العسكريين. انتشر هذا في الأوساط السياسية والإعلامية، وكان من أمثلته تقرير مفصل نشرته مجلة (نيوزويك) الأمريكية منذ أيام بعنوان عريض لا يمكن أن يكون أكثر وضوحاً، يقول: "لن تنفع الهجمات الجوية على الإطلاق: مقابلات حصرية لنيوزويك مع قادةٍ على الأرض يبينون فيها كيف تتغلب داعش على هجمات التحالف".

وبالمثل، صرح جيم فيليبس من مؤسسة thinktank heritage المحافظة في واشنطن لموقع DW الإعلامي الألماني قائلاً: "إن القنابل وحدها غير كافية لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية أو القضاء عليه". ثم أضاف: "دون وجود تحرك أفضل على الأرض لن تكون نتائج الضربات الجوية مؤثرة بالشكل الذي تحاول الإدارة الأمريكية إقناع المواطنين به".

هل يدخل وصف السياسة الأمريكية في إطار التخبط أم الوقاحة أم استغباء الآخرين، عرباً وغير عرب؟ ربما يكمن التفسير الحقيقي لها في تشبيه ريجان الوارد أول المقال.

وإلى أن يأتي زمان يتغير فيه الحال، لا مانع ونحن نتعامل بواقعية وبرودة قدر الإمكان مع مقتضيات العلاقات الدولية الراهنة أن نشعر بشيء من الحزن الشفاف ونحن نتذكر مقولة الرئيس الأمريكي الأسبق وودرو ويلسون: "إننا جميعاً مواطنو هذا العالم الكبير، ولكن مأساة هذا العصر تكمن في أننا نبدو وكأننا لا نعرف هذه الحقيقة على الإطلاق".

مساحة إعلانية