رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
"إن من شيوخي مَنْ أستنزلُ بهم المطر ولكن لا أقبل شهادتهم".. بهذه الجملة القصيرة والمُعبّرة التي صدرت عن أحد علماء المسلمين منذ قرون، يمكن وضع قاعدة ذهبية لتجاوز المأزق الناتج عن الخلط بين مسألتي الإخلاص والصواب، خاصةً عند الحكم على الأفكار والمواقف الصادرة عن البشر، أياً كانوا وأياً كانت مواقعهم في المجتمع.
كانت تلك المقولة محاولةً عبقريةً مبكرة لإدراك خطورة ذلك الخلط، ليس فقط على محاولات المسلمين لتنزيل قيم الإسلام ومبادئه على واقعهم المعيّن بالشكل المطلوب، وإنما أيضاً على أصل التصورات الإسلامية في العقول والقلوب. إذ إن من المستحيل فَهم آفاق وأبعاد ومقاصد تلك التصورات، من خلال التركيز القوي والمستمر على معاني الإخلاص لها، والرغبة الصادقة لتحقيقها وحمايتها، في غياب الأدوات العقلية والعلمية التي تساعد عملياً على تحقيق ذلك الحفظ وتلك الحماية.
ثمة ضغطٌ نفسيٌ وعمليٌ شديد على السوريين بشكل عام، وعلى الإسلاميين منهم تحديداً، يجعل مجرد الحديث في مثل هذه القضايا مدخلاً للاتهام والشكوك وسوء الظن، خاصةً إذا تجاوز الكلام الطروحات النظرية المجردة، ودخل في تفاصيل الأمثلة الواقعية. وما من شكٍ أن مجرد قراءة عنوان المقال ستكون، لدى البعض، مدعاةً للغضب والتبرم، والإعراض عن متابعة القراءة في أقل الأحوال. سيما حين يأتي الكلام بعد أيام من استشهاد قادة "أحرار الشام" بشكلٍ أثار مشاعر الحزن والأسى لدى شريحةٍ واسعة من السوريين.
وحتى نختصر التقديم للموضوع، نؤكد اعتقادنا بأن إنشاء الحركة وتاريخها وممارساتها ومآلاتها الراهنة تُشكل جميعاً مثالاً تطبيقياً صارخاً على ملابسات الخلط بين مفهومي الإخلاص والصواب.
كان تشكيل الحركة من البداية متميزاً عن غيرها، وذلك بعاملٍ أساسي يتمثل في اجتماع شريحةٍ من الثوار السوريين المشهود لهم بين معارفهم بالإخلاص. ومع الفوضى العارمة التي صاحبت إنشاء كثيرٍ من الفصائل الأخرى، وما رافق ذلك من أحداث ومعلومات وممارسات تتعارضُ، من قِبل أهلها، مع مقتضيات الإخلاص بشكلٍ أو بآخر.. استقطبت الحركة مزيداً من الكوادر التي كانت أقرب إلى معاني الإخلاص ومقتضياته. ولئن كان الإخلاص في جوهره أمراً قلبياً بين المرء وربه، إلا أن تلك المقتضيات تظهر في معاني التجرد والتواضع وإرادة الخير للناس، ودرجة تستطيع الشعور بها من صلة المرء بخالقه، والالتزام بما يؤمن به من مبادئ.. وغير ذلك من الظواهر التي كانت شائعةً في أوساط الحركة، خاصة في صفها القيادي. هذا ما اتفق عليه كثيرون ممن يثق المرء برأيهم، وهو ما ظهر لي شخصياً في لقاءات قليلة مع بعض القيادات أيام العمل في أوساط المعارضة، ومع بدايات تشكيل الحركة.
بالمقابل، كانت الحركة مقتنعةً تماماً بفكرة إقامة (الدولة الإسلامية) في سوريا منذ البدايات. ورغم كل الحوارات المتعلقة بافتقاد تلك الفكرة إلى الواقعية من منطلقاتٍ إسلامية وسياسية وعملية، بقيت الحركة متمسكة بالفكرة فترةً طويلة. وصاحبَ هذا التفكير زهد كبير في أي تعاون مع القوى المختلفة للثورة السورية السياسية أو العسكرية، ولو في بعض المجالات، أو إنشاء قنواتٍ للتواصل معها، بلغة الخطاب الوطني ومفرداته. فقد كان الرفض واضحاً لكل ماله علاقة بالخطاب الوطني المذكور في أي مجالٍ من المجالات، وكان التمسك شديداً بـ (إسلامية) الثورة، والتحرجُ ظاهراً من كل فكرةٍ أو تجمعٍ أو حتى شعارٍ لا يؤكد على تلك الإسلامية.
كانت الحركة إذاً منسجمةً جداً مع نفسها فيما يتعلق بمبلغ علمها من فهم الإسلام وفهم الواقع المحلي والدولي، لكنها كانت تحاصر الإسلام في فهمٍ طهوري جهادي يُبسِّط دوره في الأرض، ويضعه بين احتمالين: فإما إقامة دولةٍ على صورة دولة الخلافة الأولى، أو تقديم الروح رخيصةً دون ذلك.
وكان كثيرٌ من أفرادها نماذج في الرقي عند التعامل الشخصي مع آخرين ينتمون لمدارس مغايرة في التفكير، لكنها لم تكن قادرةً، كحركة، على تصور إمكانية للتعامل التنظيمي مع مؤسسات خارج إطار منظومتها الفكرية.
ورغم استحالة وضع المسؤولية عليها وحدها فيما يتعلق بعدم قدرة الفصائل الجهادية على الوحدة، إلا أن ثمة معلومات متواترة تؤكد أن موقفها المتردد كثيراً ما أخَّر أو ألغى مشاريع للوحدة على مدى قرابة عامين. الأمر الذي يطرح تساؤلاً آخر حول صوابية مثل هذا الموقف من منطلقات إسلامية وواقعية على حدٍ سواء.
أما موقفها من (داعش) فقد كان أيضاً، في البدايات، من أسباب تمكين ذلك التنظيم من التمدد والتمكن. هنا مثلاً، ظهر تأثيرُ الإخلاص في مجانبة الصواب. فرغم تكرار الحوادث والأمثلة والوقائع، وتصاعد دلالاتها على خطورة داعش، ليس فقط على سوريا وثورتها، بل على الإسلام والمسلمين، ظلت مقولات (حُسن الظن) و(تجنب اقتتال الإخوة) تُعلنُ مرةً بعد أخرى لتبرير التردد الطويل في التعامل الحاسم مع التنظيم، حتى جاء اليوم الذي انقلب فيه الوضع بشكلٍ كامل، ولكن تحت ضغط الواقع العملي، وبعد فوات الأوان.
ثمة تفصيلٌ في الموضوع لا يحتمله المقامُ هنا، ورغم احتمال مسارعة البعض إلى الطعن في الكلام أعلاه إلا أن المرء مطمئنٌ إلى صدوره من متابعةٍ ومعرفة بواقع الحال، بعيداً عن (التفكير الرغائبي) الذي يمكن أن يُلبسَ من تُحبهُ بسبب (إخلاصه) لَبوسَ الصواب الكامل.
أكثر تعبيراً من هذا، تأتي الوقائع العملية، خاصةً خلال الشهور الأخيرة، ومعها (المراجعات) التي ظهرت في نفس الفترة بشكلٍ متفرق، دليلاً على صحة الطرح الوارد هنا، ولو بدرجةٍ من الدرجات. ربما يكون القبول بـ "ميثاق الشرف الثوري"، بعد جهود مكثفة وطويلة، وبخطابه الوطني الواضح، أكبر دليلٍ عملي على ذلك.
الاحتساب: بطاقة الأجر الخفي
الاحتساب خُلُقٌ يتمتع به أصحاب القلوب التقيّة المخلصة، المستسلمة لله تعالى في كل كبيرة وصغيرة، تُسلِّم الأمر كله... اقرأ المزيد
231
| 09 مارس 2026
من التجارب عبر ودروس
اعتدنا في كثير من الأحيان عدم التعلم من التجارب السابقة ومن أحداث سابقة كثيرة مشابهة لما يحدث اليوم... اقرأ المزيد
159
| 09 مارس 2026
الوفاء لدولة قطر ليس واجباً فقط.. بل شرف
كوني عراقيا مقيما على هذه الأرض الطيبة الكريمة المحمية بالله تعالى، اسطر هذه المشاعر النابعة من القلب أوجهها... اقرأ المزيد
228
| 09 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار خط الدفاع الأول للاستقرار، فجوهر هذا المبدأ واضح ومباشر، الخلاف السياسي لا يبرر تهديد أمن الدولة المجاورة، ولا تحويل التوترات إلى مواجهات عسكرية، وعندما تُستبدل لغة الحوار بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فإن المشهد يتغير من خلاف دبلوماسي إلى خطر إقليمي مفتوح. حسن الجوار ليس بالضرورة التطابق في المواقف، بل يعني احترام الحدود والسيادة والامتناع عن أي تصرف يعرّض المدن أو المنشآت الحيوية للخطر. فلكل دولة الحق في أن تشعر بالأمان داخل أراضيها، وأن تحمي بنيتها التحتية وسكانها من أي استهداف مباشر أو غير مباشر. هذه قاعدة بديهية في العلاقات الدولية، لأنها تمس حياة المدنيين قبل أن تمس الحسابات السياسية. ما فعلته إيران من قصف منشآت داخل قطر، واستخدام صواريخ وطائرات، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد رسالة سياسية. استهداف البنية التحتية أو المرافق الحيوية يمثل تصعيدًا عسكريًا يضع المنطقة أمام احتمالات حرب خطيرة، فحين تُطلق الصواريخ وتنطلق الطائرات، لا تُصيب هدفًا ماديًا فحسب، بل تُصيب معها الثقة والاستقرار والأمن الإقليمي. الأخطر من ذلك أن مثل هذه الانتهاكات تجر دول الجوار إلى دائرة حرب المواجهة المباشرة وقد تتوسع سريعًا لنطاقات لا حد لها. فالهجمات بالصواريخ أو الطائرات لا تبقى ضمن إطار ثنائي، بل تفرض على الدول المجاورة اتخاذ إجراءات مقابلة، وهكذا تتحول حادثة واحدة إلى سلسلة ردود أفعال متلاحقة، قد تدفع المنطقة بأسرها إلى حافة مواجهة دامية. المنطقة الخليجية شديدة الترابط سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، أي تصعيد عسكري فيها يكون شرارة تحرق الأخضر واليابس. المنشآت المستهدفة ليست مجرد مبانٍ، بل مراكز طاقة واتصالات ومطارات وخدمات تمس حياة الملايين. وعندما تُستهدف، تتأثر سلاسل الإمداد، وتضطرب الأسواق، وتتراجع الثقة في استقرار الإقليم. وهذا ما يجعل أي عمل عسكري يتجاوز الخلاف السياسي ليصبح تهديدًا عالمياً مباشراً. من حق أي دولة أن تختلف مع جارتها في الرؤية أو التحالفات أو المواقف الإقليمية، لكن ليس من حقها البتة أن تنقل هذا الخلاف إلى مستوى استخدام القوة وحرب مفتوحة. فالصواريخ لا تحل النزاعات، والطائرات لا تبني جسور تفاهم. بل على العكس، هي أدوات ترفع منسوب القلق، وتزيد احتمالات سوء التقدير، وتفتح الباب أمام سيناريوهات يصعب احتواؤها. إن استمرار مثل هذه التصرفات يضع قطر ودول الجوار أمام معادلة صعبة إما القبول بواقع أمني مضطرب، أو الدخول في سباق تصعيد لا يخدم استقرار المنطقة. وفي الحالتين يكون الثمن باهظًا على الجميع. لذلك فإن التمسك بمبدأ حسن الجوار لم يعد خيارًا أخلاقيًا، بل ضرورة إستراتيجية لتجنب الانزلاق إلى حرب لا يريدها أحد. وختامًا استهداف المدن والمنشآت بالصواريخ والطائرات لا يمكن تبريره تحت أي خلاف سياسي وتحت أي ذريعة مهما كانت. بل إنه يمثل خطوة تدفع المنطقة نحو حافة مواجهة أوسع. الحفاظ على الأمن الإقليمي يبدأ باحترام سيادة الدول وحدودها، وبتغليب لغة التهدئة على منطق القوة. دون ذلك، يصبح الجوار ساحة صراع بدل أن يكون إطارًا للتعايش والاستقرار.
2460
| 04 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. [email protected]
1512
| 09 مارس 2026
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما أضيف إلى "مان" من أفلام الخيال العلمي التي أنتجتها هوليود، كلها من مخرجات الحداثة، التي تغالي في قيمة الفرد، وتسرّب إلى الجماهير مفهوم الفرد المخلّص الذي ينقذ المجموع بعيدا عن الحل الجماعي. الركون إلى فكرة انتظار الفرد المخلص وأن شخصًا ما أو عدة أشخاص بيدهم الحل لكل أزماتهم ومشكلاتهم، هي آفة يكاد لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، وكلما تفاقمت أزمات مجتمع منها كلما ازداد تعلقا بفكرة الفرد المخلص، سواء كان هذا الانتظار والترقب ناتجا عن انتظار تقلبات المناخ السياسي التي يمكن أن تسفر عن ظهور شخصية تقود المجتمع إلى بر الأمان، أو كان هذا الانتظار والترقب متعلقًا بالنبوءات الدينية. لكن أين عمل المجموع؟ أين الحلول الجماعية؟ هنا يكون الخرق والتصدع الفكري. نعم لا نستطيع أن ننكر المسؤولية الفردية، ولا قيمة الجهد الفردي، فرب فكرة فردية عاشت الأمم والبشرية في ظل ثمارها، والمخترعات والاكتشافات تمت معظمها عن طريق أفراد، لكن هذه الجهود الفردية لم تكن لتؤتي ثمارها لو لم تجد حاضنة اجتماعية أو علميةوجهودا جماعية تقوم بها وتعمل عليها. حتى أنبياء الله ورسله، لم يأت أحدهم ليمسح على رؤوس الناس فيتغير وجه الحياة، بل بذلوا جهودهم من أجل إيجاد الثلة المؤمنة التي تقوم بأعباء تبليغ الرسالة بعمل جماعي يرتكز على منهج رصين. وفي سورة الكهف، نقرأ في خواتيمها قصة ذي القرنين، ذلك الملك الصالح الذي جاب مشارق الأرض ومغاربها، هذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تحمل توجيهات إدارية قوية في معالجة الأزمات، أبرزها التوازن بين الحل الفردي والحل الجماعي، وعدم الركون إلى فكرة الشخص المخلص. يأتي ذو القرنين قومًا تمثلت أزمتهم في الهجمات والغارات الهمجية لقوم يأجوج ومأجوج، الذين يتدفقون من بين الجبلين فيعيثون في الأرض فسادًا. عندما عاينوا قوة وبأس ذلك الملك رأوا فيه الشخص المخلّص الذي يمكن أن يرفع عنهم ما هم فيه من معاناة، ومن أجل ذلك طلبوا منه حمايتهم على أن يجعلوا له جُعلًا من المال. الشاهد من القصة، أن ذا القرنين ترفّع عن أخذ المقابل، لكنه أشركهم معه في العمل، وجعلهم جزءًا من الحل لا الاكتفاء بوضعية المتفرج، فحدّد لهم خطة عملية يعملون عليها بأيديهم تحت مراقبته وإدارته ورعايته. أمرهم بجمع قطع الحديد ووضعها بعضها فوق بعض بين السدين، إلى أن يحاذي الحديد رؤوس الجبلين طولا وعرضا، ثم أمرهم بأن يضرموا فيه النار، حتى إذا اشتعل كله أمرهم بصب النحاس المذاب عليه حتى يزداد صلابة، فلا يستطيع المعتدون المرور من بين السدين أو تسلق هذا المرتفع الشاهق. كانت الفكرة فردية من قِبل ذي القرنين، لكن التنفيذ كان بأيديهم، ليخرج العمل في النهاية جماعيًا بامتياز، لا يقوم به فرد وحده مهما بلغت قوته، وتلك هي كلمة السر في عمليات النهوض أو مواجهة الأزمات. لقد استوقفنتني حكاية جاءت بها كتب الطبقات والتراجم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال لأصحابه يومًا: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- فقال: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- وأتصدق به، ثم قال: تمنوا، قالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: لكني أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح. لقد أدرك عمر قيمة الرجال والعمل الجماعي، فلم يتمن شخصًا مثل أبي عبيدة، ولكنه تمنى أشخاصًا وجمعًا مثل أبي عبيدة، فهكذا الأوطان تنبى بجهود جماعية، حتى وإن قادها الفرد وأرشدها وأنار لها الطريق. ومع كل حدث ساخن في المنطقة يعمد فئام من أمتنا إلى إسقاط نبوءات الساعة الواردة في النصوص النبوية وتنزيلها على الواقع بلا روية، وخاصة المتعلقة بظهور المهدي المنتظر، يستبشرون وهم قعود لا يبذلون ولا يعملون، كل بضاعتهم انتظار المخلص، لكنهم لا يعلمون أن المهدي لن يقود أمة من الكسالى الضائعين، بل يأتي ليحكم أمة عرفت الطريق، تحتاج فقط إلى من يكون رأسًا فيها.
1332
| 08 مارس 2026