رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

ارضَ بما قسمه الله

الرضا هو الوقوف الصادق مع مراد الله، من غير تردد في ذلك، ولا معارضة، فيقف العبد حيثما وقفه ربه لا يطلب تقدمًا ولا تأخرًا، وهذا يكون فيما يقفه فيه من مراده سبحانه الكوني الذي لا يتعلق بأمر ولا نهي، وأما إذا وقفه في مراد ديني فكماله بطلب التقدم فيه دائمًا. والقناعةُ من أسبابِ سعادةِ الإنسانِ في هذه الدُّنيا، فمتى تحقَّقَت له بعَثَت في نفسه السَّكينةَ والرَّاحةَ، وقد رَغَّب القرآنُ الكريمُ فيها، ومِن ذلك، قوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل: 97). روي عن علي بن أبي طالب ومحمد بن كعب والحسن البصري في تفسير الحياة الطيبة: أنها القناعة. وكان النبي، صلى الله عليه وسلم، قنوعًا زاهدًا، فكان من أبعد الناس عن ملذات الدنيا، وأرغبهم إلى الآخرة، وقد خيره ربه جلَّ وعلا بين الدنيا، وأن يعيش فيها ما شاء، وبين الآخرة، فاختار الآخرة وما عند الله، وخيَّره أن يكون ملكًا نبيًّا أو عبدًا نبيًّا، فاختار أن يكون عبدًا نبيًّا. وعن عائشة، رضي الله عنها، زوج النبي، صلى الله عليه وسلم، قالت: «لقد مات رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وما شبع من خبزٍ وزيت، في يوم واحد، مرتين». وكان السلف، رضي الله عنهم، يتواصون بالرضا وتربية النفس عليه، لعلمهم بعلو منزلته، فهذا عمر الفاروق، رضي الله عنه، يكتب إلى أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه، فيقول: «أما بعد، فإن الخير كله في الرضا، فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر». وكان من وصايا لقمان عليه السلام لولده: «أوصيك بخصال تقربك من الله وتباعدك من سخطه: أن تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وأن ترضى بقدر الله فيما أحببت وكرهت». إن من وطَّن نفسه على الرضا عاش في الدنيا حياة طيبة، ولم تعرف الهموم والأكدار إلى قلبه سبيلاً، كيف وقد رضي الله عنه ورضي هو عن الله؟ ومن فضائل الرضا: أولًا: أنه سببٌ لمغفرة الذنوب: كما جاء في الحديث: (من قال حين يسمع المؤذن: رضيت بالله ربًا، وبمحمد رسولًا، وبالإسلام دينًا؛ غفر له ذنبه). ثانيًا: الرضا سببٌ لوجوب الجنة لصاحبه: عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه؛ أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم قال: (يا أبا سعيد! من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا؛ وجبت له الجنة). ثالثًا: الرضا سببٌ لنيل رِضوان الله الأبدي: لقول النبي، صلى الله عليه وسلم: (إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا وسعديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك. فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا رب! وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا). رابعًا: الراضي بقضاء اللهِ أغنَى الناس: لقول النبي، صلى الله عليه وسلم: (اتق المحارم؛ تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك؛ تكن أغنى الناس). خامسًا: الراضي يتذوق طعم الإيمان: لقول النبي، صلى الله عليه وسلم: (ذاق طعم الإيمان؛ من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا). ومن الأسباب المعينة على اكتساب الرضا والقناعة: اكتفاء الإنسان بما رُزق، والاطلاع على سيرة السلف الصالح، وزهدهم وقناعتهم، والاقتداء بهم، والاقتصاد في الإنفاق، وعدم الإسراف والتبذير، والإيمان الجازم بأنَّ الأرزاق مقدَّرة مقسومة، وتقوية الإيمان بالله تعالى، والاعتقاد بأن الله سبحانه جعل التفاوت في الأرزاق بين الناس لحكمة يعلمها، وتذكُّر الموت وزيارة القبور، وقراءة القرآن والتأمُّل في الآيات القرآنية التي تناولت قضية الرزق والمعيشة، وأن يعلم الإنسان أنَّ في القناعة عزة للنفس، وفي الطمع ذل ومهانة، وأن يعرف أنَّ في جمع المال انشغال القلب به، وأنه عليه أن يسعى ويجتهد في تحصيل الرزق الحلال، ويأخذ بالأسباب مع اليقين بأنه ما كان لك سوف يأتيك.

1422

| 27 مايو 2024

التواضع من أخلاق الكرام

التواضع صفة محمودة، وسبيل لنيل رضا الله، سبحانه وتعالى، وقد جعلها الله، عز وجل، سنّة جارية في خلقه أن يرفع المتواضعين لجلاله، وأن يذل المتكبرين المتجبرين، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله). أما الذي يسلك مسلك المتكبرين، فقد باء بشؤم العاقبة؛ يقول الله، عز وجل: (فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) (الزمر: 72). وقال تعالى: (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (لقمان:18)، قال ابن كثير: لا تتكبّر فتحتقر عباد الله، وتعرض عنهم بوجهك إذا كلموك. (وَلا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحاً)، أي متكبّرًا جبّارًا عنيدًا، لا تفعل ذلك يبغضك الله؛ ولهذا قال تعالى: (إنّ الله لا يُحِبُّ كُلَّ مُختَالٍ فَخُورٍ)، أي مختال مُعجَب بنفسه فخور على غيره. وضرب لنا النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، أفضل المثل في التواضع، فعن عائشة قالت: سأَلها رجُلٌ: هل كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يعمل في بيته؟ قالت: نعم كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته. وكان، صلى الله عليه وسلم، يتواضع للمؤمنين، يقف مع العجوز، ويزور المريض، ويعطف على المسكين، ويصل البائس، ويواسي المستضعفين، ويداعب الأطفال، ويمازح الأهل، ويكلم الأَمة، ويؤاكل الناس، ويجلس على التراب، وينام على الثرى، ويفترش الرمل، ويتوسد الحصير، يكلم النساء بلطف، ويخاطب الغريب بود، ويتألف الناس، ويتبسم في وجوه أصحابه، يقول: (إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد). وكان، صلى الله عليه وسلم، ينهى أن يُقام له، وأن يوقف على رأسه، وكان يجلس حيثما انتهى به المجلس، وكان يختلط بالناس كأنه أحدهم، ويجيب الدعوة، ويقول: (لو دُعِيتُ إلى ذِراعٍ أو كُراعٍ لأجَبْتُ، ولو أهدِيَ إليَّ ذِراعٌ، أو كُراعٌ لقَبِلتُ). وقال أبو بكر الصديق، رضي الله عنه: وجدنا الكرم في التقوى، والغنى في اليقين، والشرف في التواضع. وقال عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه: من تواضع لله تخشُّعًا، رفعه الله يوم القيامة، ومن تطاول تعظُّمًا، وضعه الله يوم القيامة. وقال الشافعي، رحمه الله: التواضع من أخلاق الكرام، والتكبُّر من شيم أخلاق اللئام. ومن الوسائل المعينة على التواضع: أولًا: تقوى اللَّه: وهي من أهم الوسائل التي تعين المرء على التواضع، وتردعه عن أخلاق أهل السفه والكبر؛ لأن التقوى وقاية من كل ما يغضب الله تعالى. ثانيًا: التَّفكُّرُ في أصل الإنسان: فإذا عرف الإنسان نفسه علم أنه أذل من كل ذليل، ويكفيه نظرة في أصل وجوده بعد العدم من تراب، ثم من نطفة خرجت من مخرج البول، ثم من علقة، ثم من مضغة، فقد صار شيئًا مذكورًا بعد أن كان لا يسمع، ولا يبصر، ولا يغني شيئًا. ثالثًا: معرفةُ الإنسان قَدْره: قال تعالى: (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا) (الإسراء: 37)، أي: أنت، أيها المتكبر المختال، ضعيف حقير عاجز محصور بين جمادين أنت عاجز عن التأثير فيها. رابعًا: تطهيرُ القلب: فالقلب إذا صلح صلح العمل كله بإذن الله تعالى، فعلى من أراد اكتساب خلق التواضع أن يُطهر قلبه من الأمراض التي عصفت به من حقد، وحسد، وعجب، وغرور؛ لأن القلب هو موطن هذه الأمراض كلها. خامسًا: أن يعلم أن التواضع من أخلاق الأنبياء والصالحين، فيجتهد في الاقتداء بهم: قال السَّمرقندي: (التواضع من أخلاق الأنبياء والصالحين. وقد مدح الله عباده المؤمنين بالتواضع، فقال: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا) (الفرقان: 63)، يعني: متواضعين، ومدحهم بتواضعهم، وأمر نبيه، صلى الله عليه وسلم، بالتواضع، فقال: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤمِنِينَ).

1392

| 20 مايو 2024

يسّروا ولا تُعسّروا

الإسلام دينُ اليسر والتيسير، وهو قائم على الرحمة، ورفع المشقة والحرج؛ ابتداءً من العقيدة وانتهاءً بأقل أمور التكاليف من الطاعات والعبادات والمعاملات، قال الله تعالى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (الحج:78)، وقال سبحانه (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة:185). وقال، صلى الله عليه وسلم: (إن الله لم يبعثني معنتًا، ولا متعنتًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا). وكان، صلى الله عليه وسلَم، يحبّ التيسير في كل شيء، ويكره التشديد في كل شيء؛ ففي الصحيحين عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، رضي الله عنه، قال: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أبا موسى، ومعاذ بن جبل إلى اليمن، ثم قال (يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا)، فديننا دين يسر ولين، دين رحمة ومحبة، ولذلك دخل إلى القلوب، وعشقته الأرواح، وافتدته المهج والنفوس. وعن عائشة، رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول في بيتي هذا (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم، فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا، فرفق بهم فارفق به). بل جاء الترغيب في التيسير على العباد حتى في الطاعات والعبادات: فعن أبي مسعود، رضي الله عنه، قال: قال رجل: يا رسول الله إني لأتأخر عن الصلاة في الفجر مما يطيل بنا فلان فيها، فغضب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما رأيته غضب في موضع كان أشد غضبًا منه يومئذ، ثم قال: (يا أيها الناس، إن منكم منفرين، فمن أمّ الناس فليتجوز، فإن خلفه الضعيف والكبير وذا الحاجة). وفي الصيام نهى النبي، صلى الله عليه وسلم، عن الوصال رحمة للمسلمين، فقالوا: إنك تواصل! قال: (إني لست كهيئتكم؛ إني يطعمني ربي ويسقيني). وفي الحج يسّر أفعال الحج رحمة بأمته؛ فعن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقف في حجة الوداع، فجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر، فحلقت قبل أن أذبح، «قال: اذبح ولا حرج»، فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، «قال: ارم ولا حرج»، فما سُئل يومئذ عن شيء قدم ولا أخر إلا «قال: افعل ولا حرج». ومن معالم التيسير ورفع الحرج في المعاملات: ‌أن رغّب الإسلام في التسامح في البيع والشراء، كما قال، صلى الله عليه وسلم: «رحم الله رجلا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى». ‌وأباح الملكية الفردية وحثّ الإنسان على السعي في الأرض وإعمارها، واستغلال خيراتها، وحرّم الاعتداء عليه، وأن يسلبه أحد ماله. ‌وأباح مع ضمان حرية الدعوة إلى الإسلام، وتحقيق منهج الله في الأرض، وإعلاء كلمة الله أباح مع ذلك تبادل المعارف والخبرات والمعاملات مع المشركين، إذا لم يكن ذلك ناتجًا عن ميل قلبي لهم، قال تعالى: (لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة:8). ومن معالم التيسير ورفع الحرج في فقه الأسرة والأحوال الشخصية: ‌أن أباح الإسلام للرجل النظر للمخطوبة قبل أن ينكحها حتى تتم بينهما الألفة مستقبلا، فعن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل)، قال: فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها. ‌وعندما يقع بين الزوجين ما يُنغِّص عليهما حياتهما مما يجعله مصدرًا للشقاء والتعاسة أباح الطلاق وجعله مراحل، وهذا يدل على سماحة الإسلام ويسره. فالحذر كل الحذر من أن نكون سببًا في تنفير الناس والمشقة عليهم؛ فإن الشرع الشريف قد حذَّر من ذلك أشد التحذير: قال النبي، صلى الله عليه وسلم: (من ضار أضر الله به، ومن شاق شاق الله عليه). وهذا التيسير على العباد لا يكون على حساب دين الله وشريعته: قال العلامة «الألباني»،رحمه الله: «فيجب أن نعلم أن التيسير على الناس لا يكون على حساب الدين ومخالفة نصوصه، وإنما التيسير على الناس هو بتطبيق الإسلام؛ لأن الإسلام هو في أصوله وفي أسسه بُني على اليسر، فإذا حرَّم الله شيئًا؛ فليس معنى ذلك أنه عَسِر علينا؛ لأنه حينما يحرم علينا أمرًا ما، فذلك لصالحنا في الدنيا قبْل الآخرة».

1653

| 13 مايو 2024

وتعاونوا على البر والتقوى

التّعاون قيمة اجتماعية عظيمة، وهو سرّ نجاح الأمم، فبالتعاون تحصل الأمّة على غاياتها وأهدافها، ويعيش المجتمع في رخاء وسعادة، وتسوده المحبّة والألفة، وبالتّعاون والتّكاتف يقف في وجه الأعداء، ويكبح جماح الشرّ والظلم، وبالتعاون يشعر كلّ فرد بأهميّته وقيمته في مجتمعه وأمّته. ومن فضائل التعاون على البر والتقوى: أولًا: أنه سبب الاجتماع، وتآلف القلوب، ونبذ الفُرقة قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً) (آل عمران: 103)، فبالتعاون يحقق المجتمع مصالحه الدينية والدنيوية. ثانيًا: إنه سبيل للحصول على المطلوب بلا تعب ولا مشقة، ولهذا لما كلّف الله نبيه موسى، عليه السلام، بإبلاغ رسالته إلى فرعون (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي)) طه:25-32) ثالثًا: إنه سبب في قوة المؤمنين، فإن اجتماع كلمتهم وتعاونهم سبب لقوتهم، وخوف الأعداء منهم؛ فمتى وجد الأعداء أن للإسلام قوة، واجتماع كلمة، وتآلف قلوبهم صارت قوة تُهاب وتُرعب، قال، صلى اللَّه عليه وسلم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضًا)؛ فكما أن البنيان يحتاج بعضه بعضًا، ويضطر بعضه لبعض فكذلك الأمة المسلمة مضطرة للتعاون فيما بينها؛ لكي تقطع الطرق على أعدائها الساعية؛ لتمزيق شملها، وإذلالها، وإفقارها. رابعًا: إن الجزاء من جنس العمل؛ فمن أعان أخاه أعانه الله، قال، صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة)، ويقول، صلى الله عليه وسلم: (وإن الله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه). خامسًا: الاشتراك في الأجر العظيم، يقول، صلى الله عليه وسلم: (من جهّز غازيًا في سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازيًا في سبيل الله بخير فقد غزا). سادسًا: صدقة الإنسان عن نفسه، يقول، صلى الله عليه وسلم: (يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى). سابعًا: إن مَنْ هذه صفاته يُعزه الله، ويقويه، ويعينه على أموره كلها، فلما بُدأ بالوحي بالنبي، صلى الله عليه وسلم، أتى لخديجة وأخبرها بما شاهد، فقالت (كلا أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدًا، والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق)؛ فعلى الفطرة السليمة أن من هذه أخلاقه وصفاته، فإن الله لا يُخزيه بل يؤيده وينصره. وقال عطاءُ بن أبي رَباح: (تعاهدوا إخوانكم بعد ثلاثٍ، فإن كانوا مرضى فعودوهم، وإن كانوا مشاغيل فأعينوهم، وإن كانوا نسوا فذَكِّروهم). وقال ابنُ تيميَّةَ: (حياة بني آدم وعيشهم في الدنيا لا يتم إلا بمعاونة بعضهم لبعض). وقال أبو حمزةَ الشَّيبانيُّ لمن سأله عن الإخوانِ في اللهِ: مَن هم؟ قال: (هم العاملون بطاعة الله، عز وجل، المتعاونون على أمر الله، عز وجل، وإن تفرقت دورهم وأبدانهم). ومن الوسائل المعينة على التعاون وتقويه: التعارف، ومعرفة المسلم لحقوق المسلم عليه، واحتساب الأجر، وتنمية الروح الجماعية، وتطهير القلب من الأمراض، وتعويد النفس على التعاون، والنظر في سيرة النبي والسلف الصالح، والاقتداء بهم، وتقوية الإيمان، وتدعيم أواصر الأخوة. وقد ضرب النبي، صلى الله عليه وسلم، في سنته المثل العملي ليكون قدوة وأسوة واقعية متمثلة أمام الناس للتعاون بين المسلمين، ففي يوم الأحزاب، عندما استقرّ رأيهم على حفر الخندق، قسّم العمل بين المسلمين، وكان يحفر كواحد منهم، فقد روى البخاري عن البراء بن عازب، رضي الله عنه، قال: (رأيت النبي، صلى الله عليه وسلم، يوم الخندق، وهو ينقل التراب حتى وارى التراب شعر صدره، وكان كثير الشعر، وهو يرتجز برجز عبد الله بن رواحة: اللهم لولا أنت ما اهتدينا.... ولا تصدقنا ولا صلّينا فأنزلــن سكــينة علــيـنـا.... وثبّت الأقدام إن لاقينا

1491

| 06 مايو 2024

لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون

قال اللهُ تعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (آل عمران: 92) يعني: لن تنالوا وتدركوا البر حتى تنفقوا مما تحبون من أطيب أموالكم وأزكاها؛ فإن النفقة من الطيب المحبوب للنفوس من أكبر الأدلة على سماحة النفس، واتصافها بمكارم الأخلاق، ورحمتها ورقتها، ومن أدل الدلائل على محبة الله، وتقديم محبته على محبة الأموال التي جبلت النفوس على قوة التعلق بها؛ فمن آثر محبة الله على محبة نفسه فقد بلغ الذروة العليا من الكمال، وكذلك من أنفق الطيبات، وأحسن إلى عباد الله، أحسن الله إليه. فالإيثار أعلى درجات المعاملة مع الناس، ويليه العدل وهو اختصاص كل فرد بحقه، وأسوأ درجات المعاملة الأثرة، والإيثار يرفع المجتمع إلى قمة الأمن، لأن أفراده ارتفعوا عن حظوظهم الدنيوية، وآثر بها كل منهم أخاه، فهو لا يفكر في أن يستوفي حقه كاملاً فضلاً عن التفكير في الأثرة والاستبداد. قال تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر: ٩). قال ابن كثير: «أي: يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم، ويبدؤون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك». وعن أبى هريرة، رضي الله عنه، أن رجلا أتى النبي، صلى الله عليه وسلم، فبعث إلى نسائه، فقلن ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (من يضم أو يضيف هذا) فقال رجل من الأنصار أنا، فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمى ضيف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقالت: ما عندنا إلا قوت صبيانى، فقال هيئي طعامك، وأصبحي سراجك، ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيأت طعامها، وأصبحت سراجها، ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته فجعلا يريانه أنهما يأكلان فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال (ضحك الله الليلة، أو عجب من فعالكما) فأنزل الله تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) (الحشر: ٩). وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرًا؟ قال: أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان. ولم يعرف تاريخ البشرية كله حادثًا جماعيًا كحادث استقبال الأنصار للمهاجرين بهذا الحب الكريم، وبهذا البذل السخي، وبهذه المشاركة الرضية، وبهذا التسابق إلى الإيواء واحتمال الأعباء، حتى ليروى أنه لم ينزل مهاجر في دار أنصاري إلا بقرعة لأن عدد الراغبين في الإيواء المتزاحمين عليه أكثر من عدد المهاجرين! وللإيثار فوائد عظيمة وثمار جليلة يجنيها أصحاب هذا الخلق العظيم؛ منها: دخولهم فيمن أثنى الله عليهم من أهل الإيثار، وجعلهم من المفلحين، والإيثار طريق إلى محبة الله، تبارك وتعالى، وتحقيق الكمال الإيماني؛ فالإيثار دليل عليه، وثمرة من ثماره، والتحلي بخلق الإيثار فيه اقتداء بالنبي، صلى الله عليه وسلم، وأن المؤثر يجني ثمار إيثاره في الدنيا قبل الآخرة، وذلك بمحبة الناس له وثنائهم عليه، والشعور بالرضا وطمأنينة النفس، كما أنه يجني ثمار إيثاره بعد موته بحسن الأحدوثة وجمال الذكر، فيكون بذلك قد أضاف عمرًا إلى عمره، والإيثار يقود المرء إلى غيره من الأخلاق الحسنة والخلال الحميدة؛ كالرحمة، وحب الغير، والسعي لنفع الناس، كما أنه يقوده إلى ترك جملة من الأخلاق السيئة والخلال الذميمة؛ كالبخل والشح، وحب النفس، والأثرة والطمع، وغير ذلك، والإيثار جالب للبركة في الطعام والمال والممتلكات، ووجود الإيثار في المجتمع دليل على وجود حِسّ التعاون والتكافل والمودة، وفقده من المجتمع دليل على خلوه من هذه الركائز المهمة في بناء مجتمعات مؤمنة قوية ومتكاتفة، وبالإيثار تحصل الكفاية الاقتصادية والمادية في المجتمع؛ فطعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة، والبيت الكبير الذي تستأثر به أسرة واحدة مع سعته يكفي أكثر من أسرة ليس لها بيوت تؤويها، وهكذا.

1299

| 29 أبريل 2024

الإخلاص يُفرّج الهموم ويُزيل الكروب

الإخلاص هو فضيلة من الفضائل، وخلق من الأخلاق الحسنة الحميدة، والتي يُعبِّر فيها الشخص بالقول والفعل عن آرائه ومشاعره ومعتقداته ورغباته دون رياء أو نفاق أو مواربة. ويرتبط الإخلاص بالصدق، إذ إنه يُعبِّر عن مدى تطابق القول مع الفعل. قَالَ تَعَالَى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ). وعن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه). ومن فضائل الإخلاص على النفس: أولًا: يُنجي صاحبه من إضلال الشيطان وإغوائه: قال تعالى: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ). ثانيًا: الإخلاص يورث صاحبه نعيم الجنة: قال تعالى: (وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ). ثالثًا: الإخلاص يُطهِّر قلبَ صاحبه مِن الحقد والغلِّ والخيانة: فعن زيد بن ثابت، رضي الله عنه، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (ثلاثٌ لا يُغِلُّ عليهن قلبُ امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، والمناصحة لأئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم؛ فإنَّ دعوتهم تحيط مِن ورائهم). رابعًا: الإخلاص طريق النصر: فعن سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (إنما ينصر الله هذه الأمَّةَ بضعيفها؛ بدعوتهم، وصلاتهم، وإخلاصهم). خامسًا: الإخلاص يفرج الهموم ويزيل الكروب: وهذا واضحٌ من حديث الثلاثة الذين آوَوا إلى الغار؛ حيث نجَّاهم الله تعالى بإخلاصهم. وللإخلاص فوائد جمّة في العمل؛ حيث يمنع الإخلاص التاجر من الخيانة والغش في الأصناف التي لا يعلمها غيره، ويدفع الكاتب إلى نقل الحقيقة دون تزوير وتملق، ويقود العامل إلى إجادة عمله دون تهاون وتكاسل، ويحمل الإخلاص صاحبه للوفاء بالعهود، وتقديم المشورة بعمله للقريب والبعيد، ويُضفي هالة من الاحترام على من يتسم بالإخلاص والصدق، ويتصف المخلص بالأمانة فلا يرتشي أو يقبل مالا حراما، ويدفع أصحاب المناصب إلى مباشرة الأعمال بأنفسهم واختيار الأتقى والأقوى، ويزيد من قدرة الفرد في الإنتاج مما يحقق الإحسان في القول والعمل. ومن فوائد الإخلاص في المجتمع تحقيق الاستقامة في سلوك الأفراد مما يجعل وصول القيم العليا مشتركة وجماعية لا فردية، وتوجيه طاقات المجتمع بشكل كامل، فيكون المجتمع كالجسد الواحد في تعامله مع الكوارث التي تحدث في الحياة، فيصبح المجتمع الإسلامي بإخلاصه كُلٌ في عمله وحدة واحدة في التطور، ودفع المجتمع للإنجاز والحرص على المصلحة الفردية. ومن وسائل تحقيق الإخلاص: 1. أن يعلم المُكلَف يقينًا بأنّه عبد محض، والعبد لا يستحق على خدمته لسيده عوضًا ولا أجرًا، إذ هو يخدمه بمقتضى عبوديته، فما يناله من سيده من الأجر والثواب تفضُّل منه وإحسان إليه، ولا معاوضة. 2. مشاهدته مِنَّة الله عليه وفضله وتوفيقه، وأنه بالله لا بنفسه، وأنه إنما أوجب عمله مشيئة الله لا مشيئته هو، وكل خير فهو مجرد فضل الله ومنته، ومطالعته عيوبه وآفاته وتقصيره منه، وما فيه من حظ النفس ونصيب الشيطان. 3. تذكير النفس بما أمر الله به من إصلاح القلب وإخلاصه، وحرمان المرائي من التوفيق والخوف من مقت الله تعالى، إذا اطلع على قلبه وهو منطوٍ على الرياء. 4. الإكثار من العبادات غير المشاهَدة وإخفاؤها، كقيام الليل، وصدقة السر والبكاء خاليًا من خشية الله. 5. الإلحاح على الله بالدعاء، فقد كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يُكثر من الدعاء والإلحاح على الله. 6. محاولة التخلص من حظوظ النفس، فإنه لا يجتمع الإخلاص في القلب، وحب المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار.

1386

| 22 أبريل 2024

الدين النصيحة

عن تميم الداري، رضي الله عنه، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (الدين النصيحة)، قلنا لمن؟ قال: (لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم). وللنصيحة آداب عامة ينبغي أن يتحلى بها الناصح، منها: أولًا: أن يكون دافعه في النصيحة محبة الخير لأخيه المسلم، وكراهة أن يصيبه الشر، قال ابن رجب، رحمه الله: « وأمَّا النصيحة للمسلمين: فأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، ويشفق عليهم ويرحم صغيرهم، ويوقّر كبيرهم، ويحزن لحزنهم، ويفرح لفرحهم، ويحب ما يصلحهم، ودفع كل أذى ومكروه عنهم». ثانيًا: أن يكون مخلصًا فيها، يبتغي بها وجه الله، فلا يريد بها إظهار العلو والارتفاع على أخيه. ثالثًا: أن تكون تلك النصيحة خالية من الغش والخيانة، قال الشيخ ابن باز، رحمه الله: «النصح هو الإخلاص في الشيء، وعدم الغش والخيانة فيه. فالمسلم لعظم ولايته لأخيه ومحبته لأخيه؛ ينصح له ويوجهه إلى كل ما ينفعه». رابعًا: ألا يريد بالنصيحة التعيير والتبكيت، فهدف النصيحة أن يُصحِّح المخطئ خطأه، وأن يعود الشارد إلى الطريق، وليس الهدف منها إبراز حجة المحاجج، ولا إفحام الخصم، ولا إظهار قوَّة الجدل عندك. خامسًا: أن تكون النصيحة بروح الأخوة والمودة، لا تعنيف فيها ولا تشديد، قال الله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل/ 125). سادسًا: أن تكون بعلم وبيان وحجة، قال السعدي رحمه الله: «من الحكمة الدعوة بالعلم لا بالجهل، والبداءة بالأهم فالأهم، وبالأقرب إلى الأذهان والفهم، وبما يكون قبوله أتم، وبالرفق واللين، فإن انقاد بالحكمة، وإلا فينتقل معه بالدعوة بالموعظة الحسنة، وهو الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب. فإن كان المدعو يرى أن ما هو عليه حق، أو كان داعية إلى الباطل، فيجادل بالتي هي أحسن، وهي الطرق التي تكون أدعى لاستجابته عقلا ونقلا». سابعًا: أن تكون في السر، فلا يجهر بها أمام الناس إلا للمصلحة الراجحة، قال ابن رجب، رحمه الله: « كان السَّلفُ إذا أرادوا نصيحةَ أحدٍ، وعظوه سرًا، حتّى قال بعضهم: مَنْ وعظ أخاه فيما بينه وبينَه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنَّما وبخه». ثامنًا: أن يختار الناصح أحسن العبارات، ويتلطف بالمنصوح، ويلين له القول. تاسعًا: كتمان السر، وستر المسلم، وعدم التعرض لعرضه، فالناصح رفيق، شفيق، محب للخير راغب في الستر. عاشرًا: أن يتحرى ويتثبت قبل النصيحة، ولا يأخذ بالظن، حتى لا يتهم أخاه بما ليس فيه. الحادي عشر: أن يختار الوقت المناسب للنصيحة، قال ابن مسعود، رضي الله عنه: «إن لهذه القلوب شهوة وإقبالا، وإن لها فترة وإدبارًا، فخذوها عند شهوتها وإقبالها، وذروها عند فترتها وإدبارها». الثاني عشر: أن يكون الناصح عاملاً بما يأمر الناس به، وتاركًا لما ينهى الناس عنه، قال الله تعالى موبخًا بني إسرائيل على تناقض أقوالهم مع أفعالهم: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) (البقرة/44)، وقد جاء الوعيد الشديد في حق من يأمر الناس بالمعروف ولا يأتيه، وينهاهم عن المنكر ويأتيه. ومن النماذج الرائعة للنصيحة موقف الحسن والحسين، رضي الله عنهما، مع الرجل الكبير؛ فيُروى أن الحسنَ والحسين، رضي الله عنهما، رأَيَا رجلاً كبيرًا في السنِّ يتوضَّأ، وكان لا يُحْسِن الوضوء، فأرادا تعليمَه، فذهبا إليه، فادَّعيا أنَّهما قد اختلفا: أيُّهما حسَنُ الوضوء أكثر مِن أخيه؟ وأرادا مِنه أن يَحكم بينهما، فأمر أحدَهما بالوضوء، ثم أمر الآخَر، ثم قال لهما: أنا الذي لا أعرف الوضوء، فعَلِّماني إيَّاه! وكما قال الشاعر: لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

1128

| 15 أبريل 2024

واصبر على ما أصابك

ذكر الله تعالى الصبر والصابرين في القرآن الكريم في نيف وسبعين موضعًا، وأضاف أكثر الدرجات والخيرات إلى الصبر، وجعلها ثمرة له، فقال عز وجل: (وَجَعَلنَا مِنهُم أَىِٕمَّةً یَهدُونَ بِأَمرِنَا لَمَّا صَبَرُوا)، وقال تعالى: (وَلَنَجزِیَنَّ ٱلَّذِینَ صَبَرُوا أَجرَهُم بِأَحسَنِ مَا كَانُوا یَعمَلُونَ)، وقوله تبارك وتعالى: (إِنَّمَا یُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجرَهُم بِغَیرِ حِسَاب). وأعلى درجات الصبر هو الرضا المطلق، والاطمئنان الكامل بقدر الله، أما أن يتلقى العبد البلاء بالجزع والكفر والاعتراض على قضاء الله وقدره، ثم بعد ذلك يقول أنا صابر، فهذا ليس صبرًا يثيب الله عليه أهل البلاء. والصبر وسيلة طيبة يستعان بها على الخير (یَـٰأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا ٱستَعِینُوا بِٱلصَّبرِ وَٱلصَّلَوٰةِ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِینَ). وعن أنس، رضي الله عنه، قال: مرّ النبي، صلى الله عليه وسلم، على امرأة تبكي عند قبر، فقال: اتقي الله واصبري، فقالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها إنه النبي، صلى الله عليه وسلم، فأتت النبي، صلى الله عليه وسلم، فلم تجد عنده بوّابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: (إنما الصبر عند الصدمة الأولى). وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة). والصبر يمكننا من النهوض بأعباء الفضائل الأخرى التي تتطلب احتمال المشاق، فالثبات يوم الزحف يتطلب الصبر على الرباط، وبر الوالدين يحتاج إلى الصبر على احتمال رعايتهما، وكفالة اليتيم تحتاج إلى الصبر على النهوض بمطالبه حتى يلي شؤون نفسه، والحج والصيام، والتعليم والعمل كل ذلك يحتاج إلى الصبر كشرط للنجاح فيه. وفي حالات الحرمان من المواهب الجسدية، أو من الولد والمال، يكون الصبر الفضيلة التي يعتصم بها المسلم ضد مزالق السخط، والطريق الذي يصون دينه، وهدوءه النفسي. وليس معنى هذا أن الصبر يوجب على المسلم الاستسلام، فالمسلم إذا استطاع أن يعمل شيئًا لدفع البلاء يفعل، وإنما يكون الصبر على ألم ليس إلى العبد إزالته. والصبر له أقسام، ذكرها أبو الحسن الماوردي (450هـ) في ستة أقسام: الأول: الصبر على امتثال ما أمر الله تعالى به، والانتهاء عمّا نهى الله عنه، لأنه به تخلص الطاعة، وبه يصح الدين، وتؤدى الفرائض ويستحق الثواب. الثاني: الصبر على ما تقتضيه أوقاته من رزية قد أجهده الحزن عليها، أو حادثة قد كدّه الهم بها، فإن الصبر عليها يعقبه الراحة، ويكسبه المثوبة عنها. الثالث: الصبر على ما فات إدراكه من رغبة مرجوة، وأعوز نيله من مسرة مأمولة، فإن الصبر عنها يعقب السلو منها، والأسف بعد اليأس خرق. الرابع: الصبر فيما يخشى حدوثه من رهبة يخافها، أو يحذر حلوله من نكبة يخشاها، فلا يتعجل همّ ما لم يأت، فإن أكثر الهموم كاذبة، وإن الأغلب من الهمّ مدفوع. الخامس: الصبر فيما يتوقعه من رغبة يرجوها، وينتظر من نعمة يأملها، فإنه إن أدهشه التوقع لها، وأذهله التطلع إليها انسدت عليه سبل المطالب، واستفزه تسويل المطامع، فكان أبعد لرجائه، وأعظم لبلائه السادس: الصبر على ما نزل من مكروه، أو حلّ من أمر مخوف، فبالصبر في هذا تنفتح وجوه الآراء، وتستدفع مكائد الأعداء، فإن من قلّ صبره عزب رأيه، واشتد جزعه، فصار صريع همومه، وفريسة غمومه. والمرء محتاج إلى الصبر في كل الأحوال؛ فهو يحتاج إليه في السراء، كما يحتاج إليه في الضراء. بل هو إليه في السراء أحوج، فالرجل كل الرجل من يصبر على العافية. وكما قال الشاعر: الصبرُ أفضلُ شيءٍ تستعينُ به على الزمانِ إِذا ما مسَّكَ الضررُ.

1086

| 08 أبريل 2024

الحِلْم من صفات المتقين

الحِلم خلق من أخلاق الإسلام العظيمة، والذي يتمثل في تريث الإنسان وتثبته من الأمر، ويعني الأناة وضبط النفس. وهو ضبط إرادي للانفعال في مواجهة إساءات الآخرين، ابتغاء وجه الله. وهذا الضبط الإرادي يعطي الحليم الفرصة للتفكير الهادئ والتقدير السديد لتلك الإساءات، فيقرر بطريقة سليمة خلقيًا ودينيًا أن يقابلها بمثلها، أو يعفو عنها. وهكذا يكفل الحلم لصاحبه البقاء ضمن إطار القانون والفضيلة ويجنبه تجاوزهما، أما الخير الذي يجنيه الغير من حلم الحليم فهو الأمن من الظلم، أو انتهاك الفضيلة والقانون بالاعتداء، أو بالعقاب المخالف لهما، وكذلك يتيح الحلم للغير الفرصة لنيل العفو والصفح عن إساءته. وعندما نتأمل آيات القرآن الكريم التي تعالج الحِلم نجد أنها تذكرة كصفة لله، عز وجل، ثم لأنبيائه، صلوات الله وسلامه عليهم، وأنها تقرنه غالبًا بالمغفرة. يقول تعالى: (لَّا یُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغوِ فِی أَیمَـٰنِكُم وَلَـٰكِن یُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَت قُلُوبُكُم وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِیم)، وقوله: (وَٱعلَمُو أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِیمٌ)، وقوله عز وجل: (إِنَّ إِبرَ ٰهِیمَ لَأَوَّ ٰهٌ حَلِیمٌ)، وقوله تبارك وتعالى: (وَٱلكَـٰظِمِینَ ٱلغَیظَ وَٱلعَافِینَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ یُحِبُّ ٱلمُحسِنِینَ)، وقوله: (وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُم یَغفِرُونَ). وقد ورد في السنة النبوية العديد من الأحاديث التي تحثّ على فضيلة الحلم، منها: قول النبي، صلى الله عليه وسلم: (ما من جرعة أعظم أجرًا عند الله من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه الله)، وقوله: (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب). ولقد حذّر النبي، صلى الله عليه وسلم، من الغضب الذي يخرج صاحبه عن حد الاعتدال، فعن أبي هريرة، رضي الله عنه، (أن رجلاً قال للنبي، صلى الله عليه وسلم، أوصني، قال: لا تغضب، فرد مرارًا قال: لا تغضب). وبالتأمل في صفة وخلق الحلم نجد أنها تعود على صاحبها بالخير والسعادة في الدنيا والآخرة، من ذلك: أولًا: جعل الله، عز وجل، الحلم والعفو من صفات المتقين الذين يسارعون إلى مغفرة الله وإلى الجنة، فقال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُم وَجَنَّةٍ عَرضُهَا ٱلسَّمَـٰوَ ٰتُ وَٱلأَرضُ أُعِدَّت لِلمُتَّقِینَ ٱلَّذِینَ یُنفِقُونَ فِی ٱلسَّرَّاءِ وَٱلضَّرَّاءِ وَٱلكَـٰظِمِینَ ٱلغَیظَ وَٱلعَافِینَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ یُحِبُّ ٱلمُحسِنِینَ). ثانيًا: الحلم يحيل العداوة محبة، يقول الله تعالى: (وَلَا تَستَوِي ٱلحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّیِّئَةُ ٱدفَع بِٱلَّتِی هِیَ أَحسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِی بَینَكَ وَبَینَهُ عَدَ ٰوَة كَأَنَّهُ وَلِیٌّ حَمِیم وَمَا یُلَقَّاهَا إِلَّا ٱلَّذِینَ صَبَرُوا وَمَا یُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِیم). ثالثًا: جعل الله تعالى الصفح، والعفو، والحلم من علامات القوة، وليس من علامات الضعف والعجز، قال تعالى: (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَ ٰلِكَ لَمِن عَزمِ ٱلأُمُورِ). رابعًا: الحلم يحبه الله تعالى، فعن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأشجع عبد القيس: (إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة)، وعن عائشة، رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه). خامسًا: الحليم العفوّ يدعوه الله يوم القيامة ليخيّره من الحور العين ما شاء، فعن معاذ بن أنس، رضي الله عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله سبحانه وتعالى على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيّره من الحور العين ما شاء). ما أحوجَنا إلى التحلِّي بهذا الخُلق الفضيل، والسلوك القويم؛ حتى نكُون مِن الذين يُنعم عليهم الخالق عز وجل بالثواب العظيم فقد روي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (إذا جمَع اللهُ الخلائقَ، نادى منادٍ: أين أهل الفضل؟ قال: فيقُوم ناس، وهم يسير، فينطلقون سراعًا إلى الجَنَّة، فتتلقَّاهم الملائكة فيقولون: ما فضْلكم؟ فيقولون: كنا إذا ظُلِمنا صَبرْنا، وإذا أُسيءَ إلينا حَلمْنا، فيقال لهم: ادخلوا الجَنَّة، فنعم أجر العاملين).

1443

| 02 أبريل 2024

أصل المحاسن كلها الكرم

الكرم خُلق عظيم من مكارم الأخلاق، وجميل الخصال التي تحلَّى بها الأنبياء، وحثَّ عليها المرسلون، فمَن عُرِفَ بالكرم عُرِف بشرف المنزلة، وعُلُوِّ المكانة، وانقاد له قومُه، فما ساد أحد في الجاهلية، ولا في الإسلام، إلا كان من كمال سُؤدده، وتحليه بالكرم. والكرم هو الإعطاء بالسهولة. والكرم إن كان بمال فهو: جود، وإن كان بكفِّ ضرر مع القدرة فهو: عفو، وإن كان ببذل النفس فهو: شجاعة. وصاحب الكرم لا بد أن يكون شديد التوكّل، عظيم الزهد، قوي اليقين. ولذلك فإن الكرم مرتبط بالإيمان ظاهره كرم اليد، ودافعه كرم النفس، وقد وصف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المؤمن بقوله: (المُؤمِنُ غِرٌّ كريمٌ، والفاجرُ خِبٌّ لئيمٌ). وقد وردت آيات قرآنية كثيرة تحث على الكرم والجود، منها: قوله تعالى: (مَّثَلُ ٱلَّذِینَ یُنفِقُونَ أَموَ لَهُم فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَت سَبعَ سَنَابِلَ فِی كُلِّ سُنبُلَة مِّائَةُ حَبَّة وَٱللَّهُ یُضَـٰعِفُ لِمَن یَشَاءُ وَٱللَّهُ وَ سِعٌ عَلِیمٌ). قال ابن كثير: «هذا مثل ضربه الله، تعالى، لتضعيف الثواب لمن أنفق في سبيله وابتغاء مرضاته، وأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف». وقال تعالى: (هَل أَتَىٰكَ حَدِیثُ ضَیفِ إِبرَ ٰهِیمَ ٱلمُكرَمِینَ إِذ دَخَلُوا عَلَیهِ فَقَالُوا سَلَـٰمًا قَالَ سَلَـٰم قَومٌ مُّنكَرُونَ فَرَاغَ إِلَىٰ أَهلِهِ فَجَاءَ بِعِجلٍ سَمِینٍ). قال الطبري: عن مجاهد، قوله: (ضَیفِ إِبرَ ٰهِیمَ ٱلمُكرَمِینَ)، قال: أكرمهم إبراهيم، وأمر أهله لهم بعجل حنيذ. وقد حث النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، على الجود والكرم في أحاديث كثيرة، منها: قوله، صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)، وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (دينارٌ أنفقْتَهُ في سبيلِ اللهِ، ودينارٌ أنفقتَهُ في رقَبَةٍ، ودينارٌ تصدقْتَ بِهِ على مسكينٍ، ودينارٌ أنفقتَهُ على أهلِكَ، أعظمُهما أجرًا الذي أنفقْتَهُ على أهلِكَ). قال النووي: «في هذا الحديث فوائد منها: الابتداء في النفقة بالمذكور على الترتيب، ومنها أن الحقوق والفضائل إذا تزاحمت، قُدم الأوكد فالأوكد، ومنها أن الأفضل في صدقة التطوع أن ينوعها في جهات الخير ووجوه البر بحسب المصلحة، ولا ينحصر في جهة بعينها». وعن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، قال: بينما نحن في سفر مع النبي، صلى الله عليه وسلم، إذ جاء رجل على راحلة له، قال: فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالًا، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (من كان معه فضل ظهر، فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد، فليعد به على من لا زاد له). وقال ابن المبارك: «سخاء النفس عمّا في أيدي الناس أعظم من سخاء النفس بالبذل». ومن أهم صور ومجالات الجود والكرم والعطاء: أولًا: الكرم والعطاء من المال، ومن كل ما يمتلك الإنسان من أشياء ينتفع بها، وكل مأكول، أو مشروب، أو ملبوس، أو مركوب، أو مسكون، أو أي شيء مادي يمكن أن يفيد به الآخرين. ثانيًا: العطاء من العلم والمعرفة، وهذا باب واسع، ويمكن للمعلم والأستاذ أن يفيض على طلابه بالعلم والمعرفة ولا يبخل عليهم، فيبذل علمه الذي جعله الله تعالى وديعة عنده؛ فيعلم خطابة، وتدريسًا، وتأليفًا، ونصحًا، وأمرًا بالمعروف، ونهيًا عن المنكر. ثالثًا: كرم النصيحة، فالإنسان الجواد، كريم النفس، لا يبخل على أخيه الإنسان بأي نصيحة تنفعه في دينه أو دنياه، بل يعطيه نصحه الذي ينفعه مبتغيًا به وجه الله تعالى. رابعًا: كرم النفس، فالكريم يُعطي من جاهه، ويُعطي من عطفه وحنانه، ويُعطي من حلو كلامه وابتسامته وطلاقة وجهه، ويُعطي من وقته وراحته، ويُعطي من سمعه وإصغائه، ويُعطي من حبه ورحمته، ويُعطي من دعائه وشفاعته، وهكذا إلى سائر صور الكرم من النفس. خامسًا: الكرم والعطاء من طاقات الجسد وقواه، فالكريم يُعطي من معونته، ويُعطي من خدماته، ويُعطي من جهده، ويميط الأذى عن الطريق والمرافق العامة، ويمشي في مصالح الناس، ويتعب في مساعدتهم، ويسهر من أجل معونتهم وخدمتهم، إلى سائر صور العطاء والكرم من الجسد.

1635

| 25 مارس 2024

أثر فضيلة العفة وضبط النفس في حياة المسلم

العفة: هي كف النفس عمّا لا يحلّ، وضبطها عن الشهوات، فهي حالة متوسطة بين الفجور الذي هو إفراط في الشهوة، والجمود الذي هو تفريط فيها، والعفة شرط في كل فضيلة، فلولاها لصارت الفطنة مكرًا ودهاءً، والشجاعة تجاوزًا للهدف، والعدالة نوعًا من الظلم، إنها تنظم الشهوات وتخضعها لحكم العقل. والقرآن الكريم يدفع المؤمنين إلى امتثال خلق العفة، يقول تعالى: (وَلَا تَقرَبُوا ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَـٰحِشَةً وَسَاءَ سَبِیلًا)، وقال: (قُل لِّلمُؤمِنِینَ یَغُضُّوا مِن أَبصَـٰرِهِم وَیَحفَظُوا فُرُوجَهُم ذَ ٰلِكَ أَزكَىٰ لَهُم إِنَّ ٱللَّهَ خَبِیرُ بِمَا یَصنَعُونَ). وهكذا نجد أن القرآن الكريم يحث أتباعه على تجنب الزنا والفاحشة، وحفظ الفرج، وغضّ البصر عن النظرة الحرام، ويُحرِّم كل اتصال جنسي بين الرجل والرجل، والمرأة والمرأة بأي طريق كان، فالإسلام يُحرّم المثلية تحريمًا مطلقًا. وحثّ النبي، صلى الله عليه وسلم، الشباب على الزواج، فقال: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء). بعد كل هذه الكفالات للعفة يصبح من المنطقي إيقاع عقوبة رادعة بالزناة، وخاصة المحصنين منهم؛ وهذا هو بالتدقيق ما تفعله الشريعة الإسلامية بهم، فالمحصن يرجم حتى الموت، وغير المحصن يجلد مائة جلدة، يقول عز وجل: (ٱلزَّانِیَةُ وَٱلزَّانِی فَٱجلِدُوا كُلَّ وَ ٰحِدٍ مِّنهُمَا مِائَةَ جَلدَةٍ). فالزنا اعتداء فاحش على الآخرين، وليس مجرد رذيلة، ولهذا شدد الإسلام على القذف، أو الاتهام الباطل بالزنا، فجعل عقوبة القذف ثمانين جلدة، يقول تعالى: (وَٱلَّذِینَ یَرمُونَ ٱلمُحصَنَـٰتِ ثُمَّ لَم یَأتُوا بِأَربَعَةِ شُهَدَاءَ فَٱجلِدُوهُم ثَمَـٰنِینَ جَلدَةً وَلَا تَقبَلُوا لَهُم شَهَـٰدَةً أَبَدًا وَأُولَـٰىِٕكَ هُمُ ٱلفَـٰسِقُونَ). فالزنا يلحق أضرارًا عديدة وخطيرة بالآخرين، فالزوج حين يزني ينكث عهدًا، يتضمنه عقد الزواج، وهو عهد خطير؛ لأن موضوعه العِرض لا المال، أو أي عرض آخر محدود القيمة. ولذلك نجد أن الإسلام أوْلى خلق العفة أهمية كبيرة، لقول النبي، صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف). وللعفة صور عديدة، منها: أولًا: العفة عمّا في أيدي الناس: وهي أن يعفّ الإنسان عمّا لدى الناس، ويترك مسألتهم، فعن ثوبان، رضي الله عنه، قال، قال: رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (من يكفل لي ألّا يسأل الناس شيئًا وأتكفل له بالجنة، فقال ثوبان أنا فكان لا يسأل أحدًا شيئًا). ثانيًا: العفة عمّا حرّم الله: وهي أن يعف الإنسان عن المحرمات والفواحش، ومن أبرز الأمثلة على ذلك عِفّة نبي الله يوسف، عليه السلام، حيث وُجدت أمامه دواعي الفتنة، ولم يستسلم للتهديدات والإغراءات، قال تعالى: (وَلَقَد هَمَّت بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَولَا أَن رَّءَا بُرهَـٰنَ رَبِّهِ كَذَ ٰلِكَ لِنَصرِفَ عَنهُ ٱلسُّوءَ وَٱلفَحشَاءَ إِنَّهُ مِن عِبَادِنَا ٱلمُخلَصِینَ). ثالثًا: كف اللسان عن الأعراض: فيجب على المسلم كفّ لسانه عن أعراض الناس، وألّا يقول إلا طيبًا، فعن عبد الله بن عمرو، رضي الله عنهما، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه). أنواع ضبط النفس: لا يقتضي ضبط النفس القضاء على الرغبات والشهوات، وإنما يقتضي تهذيبها واعتدالها وجعلها خاضعة لحكم العقل، ففي القضاء على الشهوات القضاء على الشخص وعلى النوع، وفي اعتدالها سعادتهما جميعًا. ومن أهم أنواع ضبط النفس: أولًا: ضبط النفس عند الغضب: فمذموم أن يكون الإنسان سريع الغضب، يخرج عن عقله للكلمة الصغيرة، والسبب الحقير، ولذلك قال النبي، صلى الله عليه وسلم: (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب). ثانيًا: ضبط النفس عن الاسترسال في الانقباض والسخط: لأن ذلك يُكدّر صفو الحياة، ويرى بعض الناس أنه لا أحد أسوأ منه بسبب المعاناة التي يعانيها، وهذا يعتبر من الساخطين المتشائمين. ثالثًا: ضبط النفس عن الاسترسال في الشهوات الجسمية: فهي شر ما يقع فيه الإنسان، ويفسد عليه حياته، وطريق الاحتياط لذلك عدم التعرّض للمغريات، فلا يجالس المستهترين، ولا يقرأ الروايات المثيرة، ولا يغشى أماكن اللهو، ويجب أن يصحب من قويت شخصيتهم، ونظف لسانهم، وطهرت روحهم. رابعًا: ضبط الفكر: فلا يتركه يهيم في كل واد، ويتجول في كل مجال، فالفكر إذا حام حول الشرور يوشك أن يقع فيها.

2091

| 18 مارس 2024

أخلاقنا في رمضان

فضّل الله الأيام على بعض، وفضّل الشهور على بعض، وفضّل الناس بعضهم على بعض، وجعل التقوى هي المعيار الأهم في القُرب منه، سبحانه وتعالى: (إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: 13). لذا وجب على كل مسلم ومسلمة الاهتمام بالقدر الكافي بالتقرب إلى الله في هذا الشهر الكريم بالطاعات، من قراءة القرآن، والصلوات في أوقاتها، والذكر، والاستغفار، وقيام الليل، والحرص على السنن الواجبة والمستحبة، لأن الفرض فيه بسبعين فيما سواه، والسنة كالفريضة فيما سواه، ولذلك حثّنا النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، في هذا الشهر على الاستفادة منه، حيث قال: (أتاكم شهرُ رمضانَ شهرٌ مباركٌ فرض اللهُ عليكم صيامَه تُفتَّحُ فيه أبوابُ السَّماءِ وتُغلَّقُ فيه أبوابُ الجحيمِ وتُغلُّ فيه مردةُ الشَّياطينِ للهِ فيه ليلةٌ خيرٌ من ألفِ شهرٍ من حُرم خيرَها فقد حُرم)، ومن ثمَّ عمل الخيرات، وترك المنكرات يعود بالفائدة العظيمة على الإنسان، لعظم الوقت وأهميته، ولأنه تُضاعف فيه الحسنات، وتُمحى فيه السيئات. والهدف العام من الصيام هو التمسك بالأخلاق الكريمة، وقد بيّن لنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما يمكن أن يُفسد الصوم من الأخلاق الذميمة، فقال، صلى الله عليه وسلم: (فإذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق)، والرفث هو التكلم بالكلام البذيء السيئ، الفاحش. ولكن اللافت في سلوكيات وأخلاق بعض المسلمين أنهم ينْصرفون عن الاستعداد الحقيقي لشهر القرآن، إلى الاستعداد المزيّف، فنجد البعض يبحث عن العروض والتخفيضات في الطعام والشراب، ويرتّب العزومات والولائم، المليئة بكل أنواع الأطعمة ما طاب منها وما لذّ، كأن هذا الشهر خُصص لكثرة الطعام، والملهيات من المسلسلات والأفلام. وهذا الفعل، في يقيني، يدخل في سوء التقدير للأوقات، والغفلة، وعدم استغلالها على الوجه الأمثل، ويُعتبر من الحماقة تضييع هذه الفرصة العظيمة في غير فائدة. ومن الأخلاق التي يجب أن يتمثّلها كل مسلم ومسلمة في هذا الشهر العظيم، خُلق الجود، والكرم، فالنبي، صلى الله عليه وسلم، «كانَ أجْوَدَ النّاسِ، وأَجْوَدُ ما يَكونُ في رَمَضانَ». والكرم إن كان بمال فهو جود، وإن كان بكفِّ ضرر مع القدرة فهو عفو، وإن كان ببذل النفس فهو شجاعة، ومن صور الجود والكرم: العطاء من المال، ومِنْ كل ما يمتلك الإنسان من أشياء يُنتفع بها، وكل مأكول، أو مشروب، أو ملبوس، أو مركوب، أو مسكون، أو أي شيء مادي يمكن أن يفيد الآخرين. والعطاء من العلم والمعرفة، وهذا باب واسع، ويمكن للمعلم والأستاذ أن يفيض على طلابه بالعلم والمعرفة، ولا يبخل عليهم، فيبذل علمه الذي جعله الله تعالى وديعة عنده. وكرم النصيحة، فالإنسان الجوّاد، كريم النفس، لا يبخل على أخيه الإنسان بأي نصيحة تنفعه في دينه أو دنياه، بل يعطيه نصحه الذي ينفعه مبتغيًا به وجه الله تعالى. والكرم والعطاء من طاقات الجسد وقواه، فالكريم يعطي من معونته، ويعطي من خدماته، ويعطي من جهده، ويميط الأذى عن الطريق والمرافق العامة، ويمشي في مصالح الناس، ويتعب في مساعدتهم، ويسهر من أجل معونتهم وخدمتهم، إلى سائر صور العطاء والكرم من الجسد. ومن أخلاق المسلمين أيضًا في شهر الصيام، عدم الغيبة والنميمة، فمن صام في نهار رمضان، ولم يصم لسانه عن غيبة الآخرين، وهتك أعراضهم، ولم تصم يده عن إيذاء الآخرين والنيل منهم، ولم يصم قلبه من الأحقاد والغلِّ على إخوانه المسلمين، فإنَّ صيامه ناقص، وفيه تفريط كبير لحدود الله. هذه الصور من الجود والكرم يتضاعف أجرها في رمضان، وتعود على صاحبها بالخيرات والفتوحات في الدنيا، والمغفرة والمثوبة في الآخرة، فصنائع المعروف تقي مصارع السوء. وكما قال الشاعر: أهل الخصوص من الصُوّام صومهم صون اللسان عن البهتان والكذبِ والعارفون وأهل الأنس صومهم صون القلوب عن الأغيار والحجبِ تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال، وكل عام وأنتم بخير.

1899

| 11 مارس 2024

alsharq
كبسولة لتقوية الإرادة

أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام...

2850

| 01 مارس 2026

alsharq
(زمن الأعذار انتهى)

الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة...

2808

| 27 فبراير 2026

alsharq
الدهرُ يومان... يومٌ لك ويومٌ عليك

في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ...

1062

| 26 فبراير 2026

alsharq
لسان «مكسّر».. هل نربي «أجانب» بملامح خليجية؟

المشهد يتكرر كل يوم جمعة، وهو مؤلم بقدر...

1020

| 04 مارس 2026

alsharq
رمضان.. شهر يُعيد ترتيب الخسائر

رمضان يأتي ليطرح سؤالًا ثقيلًا: ماذا تبقّى منك؟...

840

| 27 فبراير 2026

alsharq
الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل

شهدت منطقة الشرق الأوسط اندلاع حرب خطيرة بين...

756

| 02 مارس 2026

alsharq
العدوان الإيراني يظهر كفاءة عالية لمنظومتنا الدفاعية

-قطر لم تسمح باستخدام أراضيهاونَأَتْ على الدوام عن...

699

| 01 مارس 2026

alsharq
تحية مطرزة بالفخر.. لمنظومتنا الدفاعية

-الفخر بقيادتنا الحكيمة.. والشكر لحكومتنا الرشيدة - دفاعاتنا...

660

| 02 مارس 2026

alsharq
المشهد الإيراني المحتمل بعد خامنئي

انطلقت الحرب الإسرائيلية- الأمريكية على إيران والمرمى الرئيسي...

624

| 02 مارس 2026

alsharq
حين جار الجار

في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار...

585

| 04 مارس 2026

alsharq
الإمام بين المحراب والقيادة.. هل تراجعت هيبة المسجد

لم تكن المساجد في صدر الإسلام مجرد مساحةٍ...

576

| 26 فبراير 2026

alsharq
من المستفيد.. ومن الضحية؟!

اختلطت الأوراق بدأت عواصف الحرب تأخذ مجراها كما...

570

| 01 مارس 2026

أخبار محلية