رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

طريق النهوض والازدهار للأمم والدول

يعتمد النهوض والازدهار للأمم والدول بشكل كبير على قدرة هذه الدول على تحقيق الاعتماد على الذات، سواء كان ذلك في المجالات الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، أو الثقافية. ويجب أن تعتمد الدول التي تسعى للنهضة المستدامة على استراتيجيات، وسياسات تضمن استقرارها، وازدهارها بعيدًا عن التأثرات الخارجية، والاعتماد المفرط على دول أخرى، ومن هذه الاستراتيجيات: 1. تحقيق الاستقلال الاقتصادي؛ وهو أهم مظاهر الاعتماد على الذات، فعندما تعتمد الدول على نفسها في إنتاج السلع والخدمات الأساسية، يقل تعرضها للصدمات الخارجية التي قد تنجم عن الأزمات الاقتصادية العالمية، أو تقلبات السوق، وتحقيق الاكتفاء الذاتي في الموارد الأساسية يقلل من الحاجة إلى استيرادها بأسعار مرتفعة من الخارج، مما يعزز الاقتصاد الوطني. 2. تعزيز الأمن القومي والسياسي؛ فعندما تعتمد الدول على نفسها، فإنها تعزز استقلالها السياسي والأمني، وهذا يمنحها قدرة على حماية سيادتها، وعدم الخضوع لضغوط خارجية قد تؤثر على سياساتها الوطنية، فالدول المستقلة سياسيًا واقتصاديًا يمكنها اتخاذ قرارات تتناسب مع مصلحة شعبها، وأولوياتها الوطنية دون النظر إلى رغبات دول أخرى. على سبيل المثال، إذا كانت دولة ما تعتمد على دولة أخرى في استيراد السلاح، فإنها قد تجد نفسها مجبرة على اتخاذ مواقف سياسية معينة لا تتماشى مع مصالحها من أجل الحفاظ على تلك العلاقات التجارية. 3. خلق فرص عمل وتعزيز الكفاءة المحلية؛ فعندما تتبنى الدول سياسة الاعتماد على الإنتاج المحلي، فإنها توفر فرص عمل لمواطنيها وتساهم في تقليل معدلات البطالة، على سبيل المثال، الدول التي تعتمد على نفسها في الصناعات الحيوية مثل الزراعة، والطاقة، والتكنولوجيا، تخلق فرصًا لتوظيف عمالة محلية في هذه القطاعات، مما يسهم في تحسين الاقتصاد الوطني، ومستويات المعيشة، علاوة على ذلك، فإن الاعتماد على الذات يحفز الأفراد على تطوير مهاراتهم وقدراتهم المهنية، ويصبح المواطنون أكثر إبداعًا وابتكارًا، حيث يتم تشجيعهم على إيجاد حلول للتحديات التي تواجهها البلاد من أجل تحقيق الاعتماد الكامل على الموارد المحلية. 4. تطوير البنية التحتية وتعزيز الابتكار؛ ولتحقيق ذلك، تحتاج الدول إلى الاستثمار في التعليم، والأبحاث، والصناعات الحيوية، تلك الاستثمارات تؤدي إلى تنمية رأس المال البشري، وتعزيز الابتكار، مما يسهم في تحقيق تقدم تقني واقتصادي، ومن ثمّ تتحرر من الحاجة إلى استيراد التكنولوجيا الأجنبية، ويساعد هذا التقدم في تعزيز تنافسية الدول على الساحة الدولية، وفتح أبواب جديدة للتعاون التجاري، والاقتصادي مع دول أخرى على أسس متكافئة. 5. الحفاظ على الهوية الثقافية؛ فعندما تكون الدول قادرة على تلبية احتياجاتها محليًا، فإنها تكون أقل عرضة للتأثر بالثقافات الأجنبية بشكل سلبي، هذا لا يعني الانغلاق، ولكن يمكن للدول أن تتبنى الانفتاح المدروس الذي يحافظ على قيمها وعاداتها الأصيلة، مع الاستفادة من التجارب الخارجية دون التأثر بشكل كامل. 6. مواجهة الأزمات بثقة واستقرار؛ في حالات الطوارئ والكوارث، تكون الدول المعتمدة على نفسها أكثر قدرة على الاستجابة السريعة والفعالة، فعندما تعتمد الدولة على قدراتها الذاتية في توفير الغذاء، والدواء، الطاقة، والموارد الحيوية الأخرى، يمكنها مواجهة الكوارث الطبيعية، أو الأزمات العالمية بثقة كبيرة، واستقرار أكبر. 7. تحسين سمعة الدولة وتعزيز علاقاتها الدولية؛ فالدول التي تعتمد على نفسها تصبح أكثر احترامًا، وتقديرًا في المجتمع الدولي، هذه الدول غالبًا ما تكون أكثر قدرة على تقديم العون لدول أخرى محتاجة، مما يعزز سمعتها على المستوى الدولي، ويزيد من قوتها الدبلوماسية. وفي النهاية، يمكن القول إن الاعتماد على الذات يمثل ركيزة أساسية لنهضة الدول واستقرارها، ويعزز هذا المبدأ قدرة الدول على التصدي للتحديات العالمية، وتحقيق التنمية المستدامة، إلى جانب تحسين مستوى معيشة المواطنين، والحفاظ على الهوية الوطنية، فالدول التي تتبنى سياسات الاعتماد على الذات تصبح أكثر قوة واستقلالية، وأكثر قدرة على التأقلم مع التغيرات العالمية، كما أنها تسهم في بناء نظام عالمي أكثر توازنًا، واحترامًا للسيادة.

765

| 18 نوفمبر 2024

ما حكّ جلدك مثل ظفرك

ما حك جلدك مثل ظفرك فتول أنت جميع أمرك؛ قول منسوب للإمام الشافعي (204)، ويستخدم لتوصيل فكرة أساسية، وهي أن الشخص هو الأكثر قدرة على تلبية احتياجاته، وحل مشكلاته بنفسه، دون انتظار مساعدة من الآخرين. فالإنسان هو أقدر من غيره على فهم مشكلاته ومعالجتها، فهو الأعلم بأدق تفاصيل حياته وظروفه، والأكثر حرصًا على مصالحه، ولا يعني ذلك بالضرورة تجاهل مساعدة الآخرين، أو عدم الاستفادة من تجاربهم، بل يشجع المثل على أخذ المبادرة والاعتماد على النفس كخطوة أولى. والاعتماد على النفس من أهم القيم التي تشكل شخصية الفرد، وتؤهله لمواجهة تحديات الحياة، وتظهر أهمية هذا المفهوم من خلال العديد من الجوانب، منها: - تعزيز الثقة بالنفس: فعندما يتعلم الإنسان أن يكون معتمدًا على نفسه، يشعر بقدرة أكبر على مواجهة الصعوبات، ويساعد الاعتماد على النفس في بناء شخصية قوية قادرة على تحمل المسؤولية، ويُسهم في تعزيز الثقة بالنفس. - القدرة على اتخاذ القرارات: فالشخص الذي يعتمد على نفسه يمتلك قدرة أكبر على اتخاذ القرارات المستقلة، فهو لا يحتاج إلى الآخرين لتوجيهه، أو اتخاذ القرارات نيابة عنه، بل يكون قادرًا على تحديد ما هو الأفضل له بناءً على معرفته بظروفه واحتياجاته. - الاستقلالية وتحقيق الذات: فالاعتماد على النفس يتيح للفرد أن يكون مستقلًا في حياته، قادرًا على تحديد أهدافه والعمل على تحقيقها دون الاتكال على الآخرين، وهذه الاستقلالية هي جزء أساسي من تحقيق الذات والوصول إلى النجاح. - التعلم من التجارب: فالشخص الذي يعتمد على نفسه، ويأخذ زمام المبادرة في حل مشكلاته، يتعلم الكثير من خلال تجاربه الشخصية، فالتعلم من الأخطاء، وتحمل المسؤولية يسهمان في تنمية مهارات الفرد، ويجعلانه أكثر حكمة وذكاء في التعامل مع المواقف المستقبلية. ويعتبر الإسلام الاعتماد على النفس قيمة مهمة، وحث على العمل والاجتهاد، فقد قال النبي، صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز»، هذا الحديث يؤكد على أهمية السعي، والعمل، والاجتهاد في تحقيق ما ينفع الإنسان. كما أن الإسلام يعتبر العمل وسيلة لتحقيق الرزق والنجاح، وقد دعا القرآن الكريم إلى السعي وعدم الكسل، في قوله تعالى: (فَإِذَا قُضِیَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُوا فِی ٱلأَرضِ وَٱبتَغُوا مِن فَضلِ ٱللَّهِ) (الجمعة: 10) ويمكننا رؤية تطبيقات هذا المثل في حياتنا اليومية، حيث نرى العديد من الأمثلة التي تؤكد على أهمية الاعتماد على النفس، منها: - في العمل: عندما يعتمد الشخص على مهاراته ويعمل على تطوير نفسه في مجاله، يكون أكثر قدرة على تحقيق النجاح والاستقرار المهني، بدلاً من انتظار أن يتقدم الآخرون له بالفرص، يسعى بنفسه لتطوير قدراته، ويبحث عن فرص جديدة. - في التعليم: الطلاب الذين يعتمدون على أنفسهم في الدراسة وتحصيل العلم يكونون أكثر نجاحًا من أولئك الذين يعتمدون على الآخرين في الحصول على المعرفة، فالتعلم الذاتي يتيح للفرد فهم الأمور بشكل أفضل، ويجعله قادرًا على حل المشكلات بفاعلية أكبر. - في العلاقات: من المهم أن يكون الشخص قادرًا على تحقيق سعادته، واستقراره النفسي دون الاتكال الكامل على الآخرين، فالاعتماد المفرط على الآخرين في تلبية الاحتياجات العاطفية يمكن أن يؤدي إلى مشاكل في العلاقات، لذا من الأفضل أن يكون الإنسان مكتفيًا بنفسه وقادرًا على تلبية احتياجاته النفسية. - في الصحة: العناية بالصحة الشخصية هي مسؤولية كل فرد، فالشخص الذي يعتمد على نفسه في المحافظة على صحته من خلال ممارسة الرياضة وتناول الغذاء الصحي يكون أكثر صحة وقوة من الشخص الذي يهمل صحته ويعتمد على الآخرين في تذكيره بالعادات الصحية. ولتنمية قيمة الاعتماد على النفس يمكن اتباع بعض الخطوات التي تساعد على تطوير هذه الصفة المهمة، ومنها: تحديد الأهداف الشخصية، والتعلم المستمر، والاستفادة من الأخطاء، وتنمية الثقة بالنفس، والتدرج في تحمل المسؤولية.

4860

| 11 نوفمبر 2024

مؤتمر الأسرة في الدوحة

عُقد في الدوحة في الفترة من 30-31 أكتوبر 2024 مؤتمر «الذكرى الثلاثين للسنة الدولية للأسرة»، تحت عنوان: «الأسرة والاتجاهات الكبرى المعاصرة»، وهذا المؤتمر يُعقد مرة كل عقد من الزمان، ويقوم بدور محوري في تطوير السياسات والبرامج التي يمكنها دعم، وتمكين الأسر على نطاق عالمي. واللافت للنظر في الجلسة الافتتاحية حديث سمو الشيخة موزا بنت ناصر، الذي تناولت فيه التحديات التي تواجه الأسرة العربية والعالمية، وشددت على أهمية اللغة العربية كعنصر أساس في الحفاظ على الهوية الثقافية، معبّرة عن قلقها من تزايد الاعتماد على اللغات الأجنبية في الحياة اليومية، مما يهدد مكانة اللغة الأم في وجدان الأجيال الصاعدة. وأشارت إلى أن الأسرة تُعدّ حجر الأساس في مواجهة التغيرات السريعة والمتزايدة في العالم، خاصة في ظل التحديات الديموغرافية، والتحضر، والتغير المناخي، والتكنولوجيا الحديثة. وأكدت سموها أن الأسرة ليست فقط مصدرًا عاطفيًا، بل هي القاعدة التي ينطلق منها الأفراد للمساهمة في المجتمع بثقة وثبات، ودعت إلى تكاتف الجهود بين الأسرة، والمؤسسات التعليمية، والإعلامية، والدينية لدعم القيم الأساسية التي تضمن تماسك المجتمع وازدهاره. وكان لي شرف المشاركة كمتحدث في الدائرة المستديرة التي نظمها مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان، مع مجموعة متميزة من المتخصصين في هذا الشأن، وركزت في ورقتي المعنونة (كيفية بناء التماسك داخليًا بين أفراد أسر المغتربين)؛ على أن الاستقرار الأسري هو الذي يمنح أفراد الأسرة الأمان، ويشعرهم بالطمأنينة، ويحمي الأبناء من الانحراف والتشرد والجريمة؛ حيث أثبتت كثير من الدراسات أن التفكك الأسري من أهم الأسباب التي تؤدي إلى جنوح الشباب وانحرافهم، وهو عامل رئيس في انتشار الجريمة، التي تعد عبئًا اقتصاديًا على المجتمعات. *ثم تناولت ثماني استراتيجيات يجب التوافق عليها بين الزوجين أولًا، وأفراد الأسرة جميعًا؛ لتعزيز الترابط الأسري بين أفراد أسر المغتربين، وهي: -تعزيز التواصل الفعّال؛ من خلال تخصيص وقت للأسرة أسبوعيًا، والمتابعة اليومية عبر دردشة بسيطة حول يوم كل فرد، وتشجيع أفراد الأسرة على التعبير عن مشاعرهم وأفكارهم دون خوف من الانتقاد. -الاهتمام بالتعليم والتطوير الشخصي؛ من خلال تشجيع الأطفال وأفراد الأسرة على تحقيق أهدافهم التعليمية والمهنية، مما يعزز الشعور بالفخر والانتماء، ومتابعة تقدّم الأبناء في مدارسهم، وتقديم الدعم اللازم لهم للتكيف مع بيئة التعليم الجديدة. -تقسيم المسؤوليات بشكل عادل؛ فتوزيع المهام اليومية مثل الطبخ، والتنظيف بين أفراد الأسرة يعزز التعاون، ويخفف العبء عن فرد واحد في الأسرة، وهي (الأم). -تنظيم الوقت والأنشطة الأسرية؛ من خلال تخصيص وقت منتظم للأنشطة المشتركة مثل الرحلات، أو الألعاب الجماعية لتعزيز الألفة، والمتعة بين الأفراد، وإشراك الجميع في القرارات الأسرية، مثل التخطيط لنزهة، أو ترتيب المنزل، مما يعزز الشعور بالمسؤولية. -دعم الصحة النفسية والتكيف مع تحديات الغربة؛ فالغربة قد تخلق شعورًا بالوحدة، لذا من المهم تشجيع الحوار المفتوح حول التحديات النفسية التي قد يواجهها الأفراد، وإذا لزم الأمر، يمكن الاستفادة من خدمات الدعم النفسي المتاحة في مكان الإقامة؛ لتقديم المساعدة في حال ظهور ضغوط نفسية. -الاهتمام بالعلاقات الممتدة؛ من خلال الحفاظ على التواصل المستمر مع الأقارب، والأصدقاء في الوطن الأم عبر المكالمات، والزيارات الدورية لتعزيز الروابط الاجتماعية، ودعم استقرار الأسرة بقدر المستطاع. -الاحتفال بالعادات والقيم المشتركة؛ وذلك بالحفاظ على الروابط الثقافية، والدينية من خلال الاحتفال بالمناسبات الوطنية، والدينية، مما يمنح الأسرة شعورًا بالانتماء إلى جذورها، وإشراك الأطفال في الأنشطة التراثية مثل الطبخ التقليدي، أو المشاركة في الفعاليات الثقافية التي تعكس ثقافة الوطن الأم. -التكيف مع ثقافة المجتمع المضيف؛ وذلك بتشجيع أفراد الأسرة على الاندماج الإيجابي في المجتمع المُضيف من خلال المشاركة في الأنشطة المجتمعية والتعليمية، مما يخفف من الشعور بالعزلة، وتعليم الأطفال الاحترام والتعايش مع الثقافات المختلفة لتعزيز المرونة والانفتاح. من خلال هذه الاستراتيجيات، يمكن للأسر المغتربة بناء تماسك داخلي قوي يساعدها على التكيف مع ظروف الغربة وتعزيز السعادة والرضا بين أفرادها في بلد الإقامة، وفي كل مكان.

768

| 04 نوفمبر 2024

المسيري والصهيونية

الطبيعة الوظيفية لإسرائيل تعني أن الاستعمار اصطنعها لتقوم بوظيفة معينة، فهي مشروع استعماري لا علاقة له باليهودية. هذه العبارة قالها المفكر الكبير عبد الوهاب المسيري (1938-2008)، وهو أحد أبرز المفكرين العرب في العصر الحديث، واشتهر بإسهاماته الواسعة في دراسة الصهيونية والفكر اليهودي. لقد امتدت مسيرته الفكرية لعدة عقود، وشكّلت أعماله موسوعة نقدية عميقة للمشروع الصهيوني، أبرزها «موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية». لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا كرّس المسيري جهوده لكشف أهداف وأغراض الصهيونية بهذا العمق؟ أدرك المسيري أن فهم المشروع الصهيوني هو جزء لا يتجزأ من فهم التحديات التي تواجه الأمة العربية، وأن مقاومة الاحتلال الإسرائيلي تستوجب تفكيك الأساطير المؤسسة للصهيونية، ومن ثمّ بذل جهوده في هذا المجال لإظهار كيف تستغل الصهيونية فكرة «الشعب المختار»، و»حق العودة»، كأدوات أيديولوجية لشرعنة الاستيطان والتهجير. وكان يرى أن الصهيونية ليست مجرد قضية احتلال أرض، بل هي جزء من منظومة استعمارية تهدف إلى فرض هيمنة ثقافية وسياسية في المنطقة. ورأى المسيري أن الصهيونية تستند إلى نفس المبادئ التي قامت عليها الحداثة الغربية، من نزعة مادية، واستغلال للطبيعة والإنسان، وفصل القيم عن السياسة، هذا النقد للنموذج الغربي جعله يركز على تفكيك الأيديولوجيا الصهيونية التي توظف العلمانية، والأدوات المادية لخدمة أهداف استعمارية. وكانت أعماله محاولة لكشف التواطؤ بين الصهيونية والمؤسسات الغربية الكبرى في تحويل اليهودية من ديانة روحية إلى أداة سياسية. اهتم المسيري بكشف الأساطير التي قام عليها المشروع الصهيوني، مثل أسطورة «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض»، والتي ادعت أن فلسطين كانت أرضًا خالية عند قدوم اليهود، كذلك سلّط الضوء على الزعم بأن جميع اليهود يشكلون قومية واحدة ذات مصير مشترك، في حين أن واقع اليهود في العالم مختلف تمامًا على المستوى الثقافي والاجتماعي. هذا التفكيك للأساطير كان جزءًا من مشروعه لتعرية الصهيونية أمام الرأي العام العربي والعالمي، بهدف تفنيد الادعاءات التي يستخدمها الاحتلال لتبرير جرائمه. وكانت جهوده تهدف إلى تحصين العقل العربي من الوقوع في شراك الدعاية الصهيونية. من هنا، سعى المسيري إلى تقديم صورة شاملة للصهيونية، لا باعتبارها حركة تحرر قومي لليهود كما تزعم، بل باعتبارها مشروعًا استعماريًا ينتهك حقوق الإنسان، وينشر الكراهية بين الشعوب. وقد جعل هذا البعد الإنساني من أعمال المسيري مرجعًا يتجاوز البعد السياسي الضيق، ليصبح نقدًا شاملاً للظلم والاستبداد. كان المسيري يسعى من خلال أعماله إلى التأسيس لوعي نقدي عند القارئ العربي، يعينه على فهم أعمق لطبيعة الصراع مع الصهيونية، لم يكن هدفه مجرد توثيق المعلومات أو تقديم تاريخ سردي للصهيونية، بل أراد تمكين الأجيال القادمة من التفكير النقدي في هذا المشروع، وفهم أبعاده المختلفة. وقد جاءت موسوعته الكبرى «اليهود واليهودية والصهيونية» نتيجة لهذا الهدف، حيث قدّم فيها تحليلاً عميقًا للتاريخ اليهودي والصهيونية في سياقاتها المختلفة، مع التركيز على دور المصالح الاقتصادية والسياسية في تشكيل هذا المشروع، واعتبر المسيري أن الوعي النقدي هو السلاح الأقوى في مواجهة المشروع الصهيوني. إن اهتمام عبد الوهاب المسيري بكشف أغراض وأهداف الصهيونية كان نابعًا من إيمانه العميق بقضية التحرر الوطني والإنساني، ووعيه بخطورة المشروع الصهيوني كأداة للهيمنة الاستعمارية، وقد شكّلت تجربته الفكرية وتحولاته الشخصية دافعًا قويًا للغوص في أعماق الأيديولوجيا الصهيونية، وتفكيكها بأسلوب علمي رصين. لم تكن دراسة المسيري للصهيونية مجرد مشروع أكاديمي، بل كانت محاولة لبناء وعي نقدي عربي مقاوم، قادر على مواجهة التحديات الفكرية والسياسية التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي. وبفضل هذا الجهد، أصبحت أعماله مرجعًا أساسيًا لفهم الصهيونية وتاريخها، وساهمت في تعميق إدراك العرب والعالم بطبيعة هذا المشروع الاستعماري.

888

| 28 أكتوبر 2024

السنوار ومستقبل المقاومة الفلسطينية

اغتالت قوات الاحتلال الإسرائيلي رئيس المكتب السياسي لحركة حماس يحيى السنوار بالمصادفة يوم الأربعاء الموافق (16 – 10 - 2024). ويعتبر السنوار هو مهندس عملية (طوفان الأقصى) والشخصية القوية، التي تزعّمت الحركة بعد اغتيال رئيس مكتبها السياسي الراحل إسماعيل هنية في طهران. ويحيى السنوار، يُعد واحدًا من أبرز الشخصيات القيادية في الحركة، وله تأثير كبير على مستقبل المقاومة الفلسطينية، وهو من مؤسسي كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة «حماس»، ويعتبر من القيادات الأبرز في تاريخ الحركة، واعتقلته السلطات الإسرائيلية عام 1988 وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة، قبل أن يتم الإفراج عنه ضمن صفقة تبادل الأسرى «وفاء الأحرار» عام 2011. ومنذ الإفراج عنه، لعب السنوار دورًا محوريًا في إعادة هيكلة وتنظيم «حماس» بعد الأحداث الداخلية والخارجية التي أثرت على الحركة، ويتميز السنوار بصلابته ومواقفه المتشددة تجاه الاحتلال الإسرائيلي، لكنه أظهر في الوقت نفسه مرونة سياسية برزت في كيفية تعامله مع القضايا الداخلية، والعلاقات مع دول المنطقة. وشهدت «حماس» تحت قيادته، تطورًا ملحوظًا في بنيتها العسكرية، فقد عملت على تطوير قدراتها الصاروخية والأنفاق، بالإضافة إلى التكتيكات القتالية الأخرى التي أظهرتها خلال جولات الصراع مع إسرائيل، هذه التطورات جعلت «حماس» قادرة على مواجهة الاحتلال رغم الفارق الكبير في الإمكانيات العسكرية بين الطرفين. ومن ثم لعب السنوار دورًا محوريًا في تعزيز هذه القدرات، سواء من خلال دعمه لتطوير الأسلحة، أو من خلال توجيهه للتكتيكات العسكرية التي يتم اتباعها في الحروب والصراعات مع إسرائيل. هذا التطور أعطى «حماس» قدرات متزايدة على التأثير في مجرى الصراع وإجبار إسرائيل على إعادة حساباتها في أي مواجهة مستقبلية. وباستشهاد يحيى السنوار، رغم أهميته، لا يعني نهاية المقاومة الفلسطينية، فالحركات التحررية في فلسطين أثبتت تاريخيًا أن الاغتيالات تزيد من صلابتها وتماسكها، فحماس تعتمد على بنية تنظيمية مرنة، وتتمتع بدعم شعبي عالمي يعزز قدرتها على الصمود في مواجهة الاحتلال. وبالتالي، فإن المقاومة ستستمر، سواء عبر قيادة جديدة، أو من خلال تصعيد الانتفاضات الشعبية، والعمل المقاوم المستمر. ولن يمحي الزمن بصمة السنوار، بل سيزداد صداها مع مرور الأيام، وسيبقى استشهاده حافزًا لكل فلسطيني في مواصلة النضال والمقاومة. فاغتيال القادة المؤثرين في الحركات الجهادية ليس بالأمر الجديد، إذ لطالما استخدمت القوى المحتلة، أو المناوئة هذه الإستراتيجية لضرب القيادة، وإضعاف الروح المعنوية للمقاومين. وقد شهدت المقاومة الفلسطينية محطات عديدة من اغتيال القادة المهمين مثل: أحمد ياسين مؤسس الحركة، وعبد العزيز الرنتيسي، وصالح العاروري، وإسماعيل هنية وغيرهم كثير، لكن تلك الاغتيالات لم تؤدِ إلى توقف المقاومة بل كانت حافزًا لاستمراريتها. وفي ظل التحولات الإقليمية الكبيرة، خاصة التطبيع العربي مع إسرائيل، يُعد مستقبل المقاومة مرهونًا بقدرة «حماس» على الحفاظ على تحقيق توازن في علاقاتها مع الدول التي لها دور في الساحة الإقليمية كوسيط مثل مصر، ومساندة ودعم من تركيا. هذا التوازن سيحدد إلى حد كبير قدرة الحركة على الصمود في وجه التحديات. ويُعتبر التنسيق الداخلي بين الفصائل الفلسطينية، خاصة بين «حماس» وحركة «فتح»، عنصرًا حاسمًا في مستقبل المقاومة، رغم المحاولات المتكررة لتحقيق المصالحة الوطنية، فلا تزال الفجوة بين «حماس» و»فتح» عميقة، ولابد أن تدرك القيادة الفلسطينية أن الوحدة هي السبيل الوحيد لتحقيق التحرير، ومواجهة المحتل. ومع ذلك، يبقى مستقبل المقاومة مرهونًا بتطورات المشهد الإقليمي والدولي، وقدرة الحركة على إدارة التحديات الداخلية والخارجية، فإذا تمكنت المقاومة الفلسطينية من تحقيق توازن بين جميع هذه العوامل، فقد يساهم بشكل كبير في تشكيل مستقبلها لعقود قادمة.

918

| 21 أكتوبر 2024

الإيجابية في حياة المسلم

تحدثت في مقال سابق عن موقف المسلم في المحن، وذكرت أنه يجب عليه أن يتسم بالصبر، والاحتساب، والرضا والتوكل على الله أثناء المحن. وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، أن يكون الإنسان سلبيًا، بل مع ذلك عليه أن يتسم بالإيجابية في حياته، وبذل الوسع لمواجهة المحن والتحديات. إن المسلم حين يواجه الصعاب والمحن، سواء كانت على المستوى الفردي، أو المجتمعي، يُدرك أن هذه التحديات ليست إلا اختبارات من الله، ووسائل للتزكية، والارتقاء الروحي، والنفسي. والمسلم الإيجابي يرى في كل محنة فرصة للتعلم والنمو، وفي كل تحدٍ فرصة لتحقيق مزيد من النجاح والاقتراب من الله، قال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (البقرة: 286)، وهذا يجعل المسلم مطمئنًا بأنه مهما كانت التحديات التي يواجهها، فإنه قادر على مواجهتها والنجاح فيها، طالما يعتمد على الله، ويتوكل عليه. والرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، كان نموذجًا للإيجابية، والتفاؤل حتى في أصعب المواقف، فقد كان يبث في نفوس أصحابه الأمل حتى في اللحظات التي قد تبدو للبعض مستحيلة، ففي غزوة الخندق، حين اجتمعت قريش، وأحزابها على المدينة، وظن البعض أن الأمر انتهى، كان الرسول، صلى الله عليه وسلم، يبشر بفتح بلاد الشام، وفارس، واليمن. فالتفاؤل هو جزء من الإيمان بالله وبوعده، وهو ما يساعد المسلم على الاستمرار في العطاء، والعمل حتى في أصعب الظروف. والإيجابية تتطلب من المسلم أن يسعى دائمًا لتطوير نفسه، وهذا لا يعني فقط في الجانب الديني، بل في كل جوانب الحياة، فالمسلم يجب أن يكون شخصًا متعلمًا، مثقفًا، طموحًا، يسعى دائمًا لتحسين ظروفه، وتطوير مهاراته، وقدراته، فالإسلام يشجع على طلب العلم، والسعي وراء المعرفة، بل يعتبر ذلك عبادة قال، صلى الله عليه وسلم: (من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة). فالتعلم وتطوير الذات هما أدوات المسلم للتغلب على التحديات وخلق فرص جديدة في الحياة. والإنسان بطبيعته كائن اجتماعي، كما قال ابن خلدون، ولا يستطيع العيش بمفرده، لذلك فإن العلاقات الاجتماعية الجيدة، والمثمرة تلعب دورًا مهمًا في دعم الإيجابية لدى المسلم، ومن العوامل المساعدة على ذلك: الأسرة، والأصدقاء، والزملاء هم جميعًا شبكة دعم يمكن أن تلهم الشخص، وتمنحه القوة للمضي قدمًا في مواجهة تحديات الحياة. وقد حرص الإسلام على تعزيز هذه الروابط من خلال الحث على التواصل، والزيارة، والتعاون في الخير. قال عليه الصلاة والسلام: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)، فالمسلم الإيجابي هو الذي يدعم الآخرين، ويستمد الدعم منهم، فيكون قوة إيجابية في مجتمعه. ومن أهم مصادر الإيجابية في حياة المسلم العطاء للآخرين، والشعور بأن الإنسان يساهم في تحسين حياة من حوله، وذلك يمنحه شعورًا عميقًا بالرضا، والسعادة. قال صلى الله عليه وسلم: (خير الناس أنفعهم للناس). وهكذا يترك المسلم الأثر الإيجابي في مجتمعه، سواء كان ذلك من خلال الأعمال الخيرية، أو تقديم النصيحة، أو حتى الابتسامة الصادقة. الإيجابية في حياة المسلم، إذن، ليست مجرد شعور عابر، أو لحظة تفاؤل مؤقتة، بل هي نهج حياة يرتبط بالإيمان بالله والتوكل عليه، والصبر، والتفاؤل، والعمل الجاد، وتطوير الذات، والعلاقات الاجتماعية المثمرة، والروحانية العميقة. ومن خلال هذه القيم، يستطيع المسلم مواجهة تحديات الحياة بثقة وإصرار، وتحقيق النجاح في الدنيا والآخرة. ومن الأبيات الملهمة في ذلك، قول الشاعر: أيـهــــــــــــــــــا الـشـــــــــــــــــــــــــــــاكـي ومـا بـك داءُ كــــــــــــــن جـمـيـلاً تـر الوجــــــــــــــــــودَ جـميــــــــــــــلًا إنَّ مــــــــــــــــا تـخـشــــــــــــــــــــاه لـيـــــــس بـدائـمٍ هـكــــــــــــــــذا تـمـضــــــــــــي الليـــــــــــــالي فـُصـــــــــولًا

1923

| 14 أكتوبر 2024

موقف المسلم من المحن

المحن والابتلاءات جزء لا يتجزأ من الحياة البشرية، ويُنظر إليها في الإسلام كوسيلة لتقوية الإيمان، ورفع درجات المؤمنين عند الله. والصبر هو إحدى الركائز الأساسية في مواجهة المحن والابتلاءات، يقول الله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقرة: 155- 156)، فالصبر هو أول رد فعل للمسلم عند الابتلاء، ويقترن بالاعتراف بأن كل شيء بيد الله، وأن الابتلاء جزء من قضائه وقدره. والتاريخ الإسلامي مليء بأمثلة عظيمة تعكس كيف تعامل المسلمون مع الابتلاءات، من أبرز هذه الأمثلة: موقف النبي أيوب، عليه السلام، حيث تعرض لابتلاء شديد استمر لسنوات عديدة بفقد ماله وأهله وصحته، ومع ذلك لم يفقد إيمانه بالله بل استمر في الدعاء واللجوء إلى الله. قال تعالى، في وصف صبره: (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (ص: 44). كانت هذه التجربة من أعظم الأمثلة التي تُظهر صبر المؤمن وقوة ارتباطه بالله. ومن الأمور المهمة التي يجب أن يتحلى بها المسلم عند مواجهة المحن هو الاحتساب، أي أن يحتسب أجره عند الله تعالى. والاحتساب يعزز الإيمان بأن كل ما يمر به المسلم من صعاب سيؤجر عليه إن صبر واحتسب. ومن النماذج المضيئة في تاريخ الإسلام، نجد الصحابي الجليل بلال بن رباح، رضي الله عنه، حيث كان عبدًا في مكة، وتعرّض لتعذيب شديد من قِبل مشركي قريش بسبب إسلامه، كانوا يضعون الصخور الثقيلة على صدره في حرّ مكة، ومع ذلك كان يردد (أحد، أحد)، مما يعكس إيمانه الراسخ، واحتسابه للأجر عند الله. وقد كافأه الله في النهاية بأن أصبح مؤذن الرسول، صلى الله عليه وسلم. إلى جانب الصبر والاحتساب، يُعتبر الرضا بقضاء الله جزءًا أساسيًا من موقف المسلم تجاه الابتلاءات. المسلم المؤمن يعلم أن ما قدّره الله له هو الخير، سواء أكان ظاهرًا أم خفيًا، قال، صلى الله عليه وسلم: (عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له). قصة آل ياسر تُعد من أبرز الأمثلة على الرضا والصبر. حيث كان آل ياسر من أوائل المسلمين في مكة، وتعرضوا لأشد أنواع التعذيب على يد المشركين، ومع ذلك ظلوا ثابتين على إيمانهم، وقد بشرهم الرسول، صلى الله عليه وسلم، قائلاً: (صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة). المسلم يواجه الابتلاءات أيضًا بالتوكل على الله، فالتوكل هو الاعتماد الكامل على الله مع الأخذ بالأسباب. يقول الله تعالى: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق: 3). والتوكل لا يعني الاستسلام السلبي، بل هو جهد وإيمان معًا. مثال على هذا نجد في سيرة النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، أثناء الهجرة، عندما كان النبي وأبو بكر الصديق، رضي الله عنه، في الغار، وجاء المشركون بحثًا عنهما، قال أبو بكر وهو خائف على حياة النبي: (لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لرآنا)، فرد عليه النبي، صلى الله عليه وسلم، بكل ثقة: (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما). هذه الثقة العميقة بالله تعالى هي ما يجب أن يتحلى بها المسلم عند مواجهة المحن. وصدق الشاعر إيليا أبو ماضي: إذا ألقى الزمان عليك شرًا وصار العيش في دنياك مرًّا فلا تجزع لحالك بل تَذكّر كم أمضيت في الخيرات عمرًا

1221

| 09 أكتوبر 2024

وماذا بعد إراقة كل هذه الدماء؟

يحار الإنسان، وربما يذهب عقله، ويُشلّ فكره، ويُعقد على لسانه أحيانًا؛ حينما يرى كل هذه الدماء التي تراق، في غزة، ولبنان، والسودان ولا يتحرك، حتى ولو باستنكار لما يحدث، أو بالشجب، أو أو أو! فهل تعودنا على هذا الأمر؟! أم لا نستطيع أن نفعل شيئًا؟! أقول: الأمر جد خطير! تسألني لماذا؟ أقول: كل الديانات تستنكر إراقة وسفك الدماء بغير وجه حق، وتعتبره جريمة كبرى، وهذا واضح بشكل كبير في العديد من النصوص الدينية، وإذا تتبعنا بعض هذه النصوص الواردة في الديانات السماوية (اليهودية، والمسيحية، والإسلام)، سنجد أنهم يدينون العنف، والقتل غير المبرر: في التوراة (الكتاب المقدس في الديانة اليهودية)؛ هناك العديد من النصوص التي تُحرّم سفك الدماء بغير وجه حق، وتعتبر القتل جريمة عظيمة. ففي الوصية السادسة: في سفر الخروج 20:13، جاء في الوصايا العشر: (لا تقتل)، هذا النص من أشهر الأوامر في التوراة، وهو تحريم واضح، وصريح للقتل، وسفك الدماء. وفي سفر اللاويين 24:17: (وإذا قتل إنسانٌ إنسانًا فإنه يُقتل)، في هذا النص يشدد على عقوبة القاتل في حال سفك الدماء. وكذا في سفر العدد 35:33: (لا تدنسوا الأرض التي أنتم فيها، لأن الدم يدنس الأرض، ولا يُكفّر عن الأرض التي سفك فيها الدم إلا بدم سافكه)، هذا النص يظهر خطورة القتل، وسفك الدماء، ويشير إلى أن الأرض تتلوث بدماء القتلى، ولا يمكن تطهيرها إلا بمعاقبة القاتل. وفي الإنجيل (الكتاب المقدس في الديانة المسيحية)؛ نجد أن العديد من النصوص التي تدين القتل، وسفك الدماء، من ذلك: في إنجيل متى 5:21-22: (قد سمعتم أنه قيل للقدماء: لا تقتل، ومن قتل يكون مستوجب الحكم، وأما أنا فأقول لكم: إن كل من يغضب على أخيه باطلًا يكون مستوجب الحكم)، هذا النص، لا يدين القتل فقط، بل أيضًا الغضب، والعداوة التي قد تؤدي إلى العنف. وفي الدين الإسلامي الخاتم؛ وردت آيات كثيرة تحذر من قتل النفس البريئة، وأن ذلك يعادل قتل الناس جميعًا، يقول تبارك وتعالى: (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة: 32). وقال، عز وجل: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَٰلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا). هذه الآية تتحدث عن عقوبة قتل المؤمن عمدًا، وتصفها بأنها جريمة عظيمة تستوجب غضب الله، والعذاب الأبدي. وفي الحديث الشريف، قال النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق...)، فقتل النفس بغير حق من بين أكبر الذنوب التي تؤدي إلى الهلاك. أردت من إيراد هذه النصوص، وغيرها كثير، أن نعرف خطورة هذا الأمر على القاتل، ومن يعاونه، وعلى الساكت الذي لا يتحرك ولو بكلمة. وأن الصهاينة، ومن يعاونهم من الساسة الأمريكان، وغيرهم يخالفون ما ورد في الديانات السماوية، لتحقيق مآربهم الخبيثة للهيمنة، والسيطرة على العالم.

735

| 30 سبتمبر 2024

تداعيات الهجوم السيبراني على لبنان والمنطقة

تعتبر منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر المناطق توترًا في العالم، حيث تتداخل فيها المصالح السياسية، والأمنية، مما يجعل أي تصعيد عسكري له تداعيات خطيرة على المنطقة برمتها. فخلال الأيام الماضية قامت إسرائيل بداية من 17 سبتمبر 2024 بتفجير الآلاف من أجهزة الاتصال (البيجر) التي يحملها عناصر من حزب الله في لبنان وسوريا، وأدت إلى مقتل العشرات، وإصابة الآلاف، جِراح بعضهم خطيرة، حسب ما أعلنته وزارة الصحة اللبنانية. وجاءت هذه التفجيرات وسط دعوات في إسرائيل لشن حرب على حزب الله، وذلك بالتزامن مع تصاعد هجمات الحزب الصاروخية على مستوطنات الشمال، ومنها ما لم يسبق إخلاؤها من المستوطنين، وتبع ذلك غارات إسرائيلية متتالية على الجنوب اللبناني، مستهدفة قيادات عسكرية، لإرسال رسائل متعددة لحزب الله. ولعل الهدف من التفجيرات محاولة لاستدراج حزب الله لرد واسع، وشامل، وغير تقليدي على إسرائيل، وبالتالي تبرر إسرائيل لنفسها، وللمجتمع الدولي أنها تتعرض لحرب، ومن ثمّ توسع دائرة عملياتها ضد الحزب، وهذا ما نشاهده ونتابعه في هذه الآونة. ويبدو أن هذا التصعيد يعكس مزيجًا من الأهداف الاستراتيجية، والأمنية، والسياسية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، من تعزيز الردع الاستراتيجي ضد حزب الله وإيران إلى تحسين الوضع السياسي الداخلي، وتعزيز الدعم الشعبي، ومع ذلك، فإن المخاطر والتحديات المترتبة على هذا التصعيد تظل كبيرة، وقد تؤثر على استقرار المنطقة، والعلاقات الدولية بشكل أوسع. ويمكن أن يكون لهذا الهجوم السيبراني تداعيات واسعة النطاق على المستويات المحلية، والإقليمية، والدولية. منها على سبيل المثال: على المستوى الاقتصادي؛ تعرض القطاع المصرفي لاضطرابات كبيرة، مما يؤدي إلى فقدان الثقة من قبل المستثمرين والمودعين، وبالتالي تقليص الاستثمارات الأجنبية، وتضرر البنية التحتية للخدمات العامة مثل: الكهرباء، والمياه، مما يزيد من معاناة المواطنين، ويُعطل الأعمال اليومية، كما يمكن أن تتعطل العمليات التجارية، وتؤثر على سلاسل الإمداد، مما يؤدي إلى خسائر اقتصادية كبيرة. وعلى المستوى السياسي؛ قد يؤدي هذا الهجوم إلى تفاقم الأوضاع السياسية والاقتصادية، مما يساهم في عدم الاستقرار، وزيادة الاحتجاجات، وقد تستغل بعض الأطراف الإقليمية الهجوم لتعزيز مواقفها السياسية، مما يؤدي إلى تصاعد التوترات بين الدول. وقد يتسبب الهجوم في تعزيز المخاوف من تهديدات سيبرانية جديدة، مما يدفع الدول إلى تعزيز أمنها السيبراني، ويمكن أن يؤدي إلى زيادة التعاون بين الدول لمواجهة التهديدات السيبرانية، مما يخلق تحالفات جديدة، أو يعزز الموجودة. وعلى المستوى الاجتماعي؛ يمكن أن يساهم الهجوم في زيادة شعور المواطنين بعدم الأمان، وفقدان الثقة في الحكومة، مما يؤدي إلى انقسامات اجتماعية أكبر، ويزيد من معدلات الهجرة نتيجة الظروف المعيشية الصعبة، وتفاقم الأوضاع. وعلى مستوى التداعيات الدولية؛ قد تتعرض الدول التي يُعتقد أنها وراء الهجوم لانتقادات، أو حتى عقوبات من المجتمع الدولي، مما يؤثر على علاقاتها، وستعيد العديد من الدول تقييم استراتيجياتها السيبرانية، والتعاون الدولي في هذا المجال. وعلى مستوى الأمن السيبراني؛ ستدفع الحكومات، والشركات إلى تحسين استراتيجيات الأمن السيبراني، وتطوير قدراتها الدفاعية، كما تزداد البرامج التدريبية لرفع مستوى الوعي حول الأمن السيبراني بين الأفراد والمؤسسات. وفي العموم فإن الهجوم السيبراني على لبنان يمثل تحديًا معقدًا يؤثر على جميع الأطراف في المنطقة وخارجها، وربما يزيد من حالة الشك، والارتياب من الأجهزة الإلكترونية بشكل عام، والهواتف الذكية بشكل خاص. وربما يدفع العديد من الدول، وخصوصًا أصحاب الميزانيات الكبيرة للاهتمام بشكل أكبر بالأمن السيبراني، وتخصيص ميزانيات ضخمة للتسلح الإلكتروني، حيث تسعى كل دولة إلى تعزيز دفاعاتها الإلكترونية، وقدراتها الهجومية، وهذا يعني أن الحرب الإلكترونية أصبحت جزءًا من استراتيجية الأمن القومى للعديد من الدول، باعتبارها أداة أساسية للتجسس، والاستخبارات، والهزيمة في المعارك الدامية.

1374

| 23 سبتمبر 2024

السيرة النبوية نموذج للتغيير الإيجابي

سيرة النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، تتجلى في جوانب متعددة، فهو نموذج للأمانة، فقد عُرف بالصادق الأمين قبل أن يُبعث بالرسالة، وواصل على مدى حياته العطرة تجسيد الأمانة في كل تصرفاته، كما كان مثالاً للتواضع رغم مكانته العظيمة، وكان يقيم علاقات طيبة مع مختلف فئات المجتمع، ويعامل الناس بمودة ورحمة، مما جعله محبوبًا حتى من غير المسلمين. الرسالة النبوية التي جاء بها النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، تتلخص في نشر التوحيد والإصلاح الاجتماعي، فقد دعا إلى عبادة الله وحده، وإلى نبذ الشرك، والتعصب، كما ركز على إصلاح المجتمع من خلال تعزيز قيم العدالة، والمساواة، والرحمة، فقد كانت رسالة النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، تهدف إلى بناء مجتمع يسوده الحب، والتفاهم، والتعاون، حيث يتمتع كل فرد بكرامته وحقوقه. ومن أعظم القيم التي قدمها النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، هي قيمة الرحمة، فقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (الأنبياء: 107)، الرحمة التي تجسدت في كل أعماله، من تعامله مع الأسرى إلى اهتمامه باليتامى والفقراء، هذه الرحمة هي دعوة لكل مسلم ليتعامل مع الآخرين بقلوب رحيمة ومفتوحة. كما أن الصدق كان من أبرز سماته، صلى الله عليه وسلم، فقد عُرف بصدقه في جميع أقواله، وأفعاله، وكان يشجع أصحابه على التحلي بهذه الفضيلة، وفي كل مناسبة، كان، صلى الله عليه وسلم، يشدد على أهمية الصدق كمفتاح لبناء الثقة، وتعزيز الروابط الإنسانية. يجب علينا الاقتداء بالنبي محمد، صلى الله عليه وسلم، في حياتنا من خلال محاولة تجسيد هذه القيم النبيلة، فعلى المستوى الشخصي، يمكننا أن نبدأ بتطبيق الأخلاق الحسنة مثل الصدق، والتواضع، والرحمة، والأمانة في تعاملاتنا اليومية، ومن الضروري أن نلتزم بمبادئ العدالة، والاحترام لجميع الناس، والعمل على تحسين أوضاع المجتمع من حولنا. إن حياة النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، تذكير لنا بأن التغيير الإيجابي يبدأ من الفرد، وأن القيم التي عاشها النبي الكريم؛ تعزز من قوة المجتمعات، وتجعلها أكثر تماسكًا، ورحمة، وعندما نحتفل بميلاد النبي، فإننا لا نحتفل بمناسبة تاريخية فحسب، بل نؤكد على التزامنا بمبادئه، وتعاليمه في كل جوانب حياتنا. إن سيرة النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، فرصة للتفكر والاستلهام من أخلاقه وقيمه، إن الاقتداء بالنبي هو تجسيد للروح النبيلة التي حملتها رسالته، وهو السبيل لبناء مجتمعات متماسكة، ومحبة، تسعى للخير، والتعاون، والرحمة. وقال مادحًا لجنابه، الشاعر البوصيري: مُحَمَّدٌ أَشْرَفُ الأعْرَابِ والعَجَمِ مُحَمَّدٌ خَيْرٌ مَنْ يَمْشِي عَلَى قَدَمِ مُحَمَّدٌ باسِطُ المَعْرُوفِ جَامِعه مُحَمَّدٌ صاحِبُ الإِحْسانِ والكَرَمِ مُحَمَّدٌ تاجُ رُسْلٍ اللهِ قاطِبَةً مُحَمَّدٌ صادِقُ الأقْوَالِ والكَلِمِ صلى الله عليه وسلم.

1407

| 16 سبتمبر 2024

احذروا الشرك الخفي!

الشرك الخفي هو نوع من أنواع الشرك الذي لا يظهر للناس بشكل واضح أو جلي، بل يكون مخفيًا في قلب الإنسان ونواياه، وعلى عكس الشرك الجليّ الذي يتعلق بعبادة غير الله بشكل صريح، فإن الشرك الخفي يظهر في صور أقل وضوحًا مثل الرياء، الذي يعني: «القيام بالأعمال الصالحة لمرضاة الناس وليس الله»، أو الاعتماد على الأسباب المادية دون التوكل على الله، أو الخوف والرجاء من غير الله. وهو خطير لأنه يفسد نية العمل الصالح، ويُحبط الأجر والثواب، بل قد يودي بصاحبه إلى النار إن لم يتب إلى الله. قال الله تعالى في كتابه الكريم: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ) (النساء: 48)، وهذا يدل على خطورة الشرك على اختلاف أنواعه، بما في ذلك الشرك الخفي. وقد روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، قال: خرج علينا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ونحن نتذاكر المسيح الدجال، فقال: (ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟» فقلنا: بلى يا رسول الله، قال: «الشرك الخفي: أن يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل). هذا الحديث الشريف يبين أن النبي، صلى الله عليه وسلم، كان يخاف على أمته من الشرك الخفي أكثر من خوفه عليهم من الفتن الكبرى كالمسيح الدجال. ومن مظاهر الشرك الخفي: الرياء؛ وهو أحد أبرز مظاهر الشرك الخفي، وهو أن يقوم الإنسان بعمل صالح، لكنه يبتغي به مرضاة الناس، أو مديحهم بدلًا من مرضاة الله. والعجب بالنفس، وهو أن يشعر الإنسان بالعجب بأعماله الصالحة، ويظن أنها كافية لدخوله الجنة، وينسى فضل الله ورحمته، فيصير قلبه متعلقًا بنفسه، وأعماله بدلًا من تعلقه بالله. والتعلق بالأسباب؛ ويعني أن الشرك الخفي قد يظهر أيضًا في التعلق بالأسباب المادية دون الاعتماد الحقيقي على الله. فالله هو الذي يسبب الأسباب، ومن يتوكل على الأسباب وحدها دون الله يقع في نوع من الشرك الخفي. ولعلاج الشرك الخفي لا بد من الإخلاص في النية والعمل، قال الله تعالى: (وَمَاأُمِرُوإِلَّالِیَعبُدُواٱللَّهَمُخلِصِینَلَهُٱلدِّینَحُنَفَاءَ) (البينة: 5). فعلى المؤمن أن يحاسب نفسه قبل كل عمل ويسأل نفسه: هل أنا أبتغي بهذا العمل وجه الله وحده؟ أم أبتغي مدح الناس، أو اكتساب مكانة في أعينهم؟ والتوكل على الله وحده في كل الأمور، لأن الأسباب وحدها لا تأتي بالنتائج، بل الله هو من يسيّر الأمور كيف يشاء. قال الله تعالى: (وَمَنیَتَوَكَّلعَلَىٱللَّهِفَهُوَحَسبُهُ) (الطلاق: 3)، ولا يعني التوكل على الله ترك الأسباب، بل يعني الاعتماد القلبي على الله، واليقين بأنه هو المدبّر الحقيقي لكل شيء. وتعهد القلب بالمراقبة؛ فيجب على المؤمن أن يراقب قلبه بشكل دائم ويتعهد نيته باستمرار. قال سفيان الثوري: «ما عالجت شيئًا أشد عليّ من نيتي؛ لأنها تتقلب عليّ». والاستغفار والتوبة؛ لأن الإنسان قد يقع في الشرك الخفي دون أن يدرك، فإن التوبة، والاستغفار هما وسائل ضرورية للحفاظ على نقاء القلب، فالاستغفار الدائم يساعد الإنسان على تصحيح نيته وتنقية قلبه من أي شرك قد يتسلل إليه دون علمه. والدعاء لله بالحفظ من الشرك؛ فالنبي، صلى الله عليه وسلم، كان يُعلّم الصحابة أن يطلبوا من الله العون على الإخلاص، والتخلص من الشرك، فقد كان يقول في دعائه: (اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم).

1065

| 12 سبتمبر 2024

غزة الكاشفة لازدواجية الغرب

لا شك أن حرب الإبادة الجارية في غزة، أبانت الكثير عن طبيعة الصراع في المنطقة، وكشفت زيف المجتمع الدولي الذي يرفع دومًا شعارات الدفاع عن حقوق الإنسان، دونما أن يُقدم الدليل على ذلك! وهذا للأسف من قُبح الحضارة الغربية، التي تحاول أن تخدع الشعوب بالشعارات الزائفة، ولكن إذا تعلق الأمر بحقوق العرب والمسلمين، فالأمر مختلف، وتُصبح المصالح والمنافع مقدمة على كل شيء. فبالرغم من كل هذه الدماء التي تراق، والإبادة للحجر والشجر، والاعتقالات المستمرة، والتدمير الشامل لكل مظاهر الحياة في غزة إلا أننا لا نجد إلا الكلام الذي لا يؤثر في مجرم الحرب نتنياهو، الذي استباح كل شيء، ولم يعبأ بأي شيء من أنظمة عربية، أو مجتمع دولي. أقول إن الأحداث في غزة أظهرت بوضوح التناقضات في المواقف الدولية والعربية تجاه القضية الفلسطينية، وأبانت بشكل واضح الازدواجية الغربية في تطبيق حقوق الإنسان، إلى جانب المواقف العربية التي تعتبر مخزية من قبل العديد من المراقبين، وساهمت في تعميق الإحساس بالظلم، وعدم الإنصاف للشعب الفلسطيني المحتل. هذه الأحداث تذكرنا بأن القضية الفلسطينية لا تزال واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في العالم، لأن الغرب في الحقيقة، وعلى رأسه الولايات الأمريكية الداعمة للكيان الصهيوني بكل الوسائل، لا يرغب بشكل أو بآخر في حل هذه القضية العادلة. وهناك أدلة كثيرة على ذلك، منها على سبيل المثال: الانتهاكات المتكررة ضد المدنيين في غزة، والتي تتضمن قصف المنازل، وتدمير البنية التحتية، وتشريد الآلاف، وقصف المستشفيات، وقتل النساء والأطفال؛ إلا أن ردود الفعل الغربية دائمًا تكون داعمة لإسرائيل بشكل غير مشروط، وتُقدم إسرائيل على أنها تدافع عن نفسها ضد «الإرهاب»، بينما يتم تجاهل المعاناة للفلسطينيين، أو تبريرها بأنها نتيجة «أعمال عدائية» تقوم بها الفصائل الفلسطينية. الأمر الآخر أن الدول الغربية غالبًا ما تدعو إلى التهدئة والمفاوضات، ولكن دون فرض ضغوط حقيقية على إسرائيل لوقف عملياتها العسكرية، أو محاسبتها على أفعالها، بل تقوم بإمدادها بالأسلحة التي تستخدمها في الإبادة الجماعية. هذا التباين في التعامل مع القضية الفلسطينية يُسلط الضوء على التناقض بين ما يدّعيه الغرب من قيم، وبين ممارساته على أرض الواقع. من جهة أخرى، المواقف العربية الرسمية من الأحداث في غزة لا تزال محط نقد واسع من الشعوب، لأنها اكتفت ببيانات الشجب، والاستنكار الرمزية، دون أن تتخذ إجراءات ملموسة لدعم الفلسطينيين، وأصبح التطبيع مع إسرائيل الذي قامت به بعض الدول العربية في السنوات الأخيرة، تم تفسيره من قبل كثيرين على أنه خيانة للقضية الفلسطينية. هذا التطبيع جاء في وقت كانت فيه غزة تعاني من حصار طويل، وعمليات عسكرية مدمرة، مما جعل هذه الدول تبدو وكأنها تفضل العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية مع إسرائيل على حساب حقوق الفلسطينيين. أقول ما لم تتحقق العدالة للشعب الفلسطيني، ويتم إيقاف هذه الإبادة، والتدمير المتعمد للبشر والحجر، ستنفجر المنطقة برمتها، وتدخل في أتون فوضى تقضي على الأخضر واليابس، فحينما يرى بسطاء الناس هذه الازدواجية، وهذا الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني، ربما يندفع البعض إلى فعل ما لا يُحمد عقباه، ناهيكم عن التأثير السلبي على الاقتصاد المحلي والعالمي. ولا يمكن أن تنسى الشعوب في المنطقة العربية أن الدول الغربية تورطت في العديد من النزاعات والحروب التي أثرت سلبًا على مناطق مختلفة من العالم، وكان منها: الحروب في العراق وأفغانستان، التي قادتها الولايات المتحدة وحلفاؤها، وأثرت بشكل كبير على السكان المدنيين، وتسببت في خسائر بشرية ومادية هائلة.

639

| 02 سبتمبر 2024

alsharq
وثائق إبستين ووهْم التفوق الأخلاقي

عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب...

15147

| 08 فبراير 2026

alsharq
الرياضة نبض الوطن الحي

يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة،...

1623

| 10 فبراير 2026

alsharq
ماذا بعد انتهاء الطوفان؟

لم يكن الطوفان حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه مع...

825

| 10 فبراير 2026

alsharq
التأمين الصحي 2026

لقد طال الحديث عن التأمين الصحي للمواطنين، ومضت...

624

| 11 فبراير 2026

alsharq
صعود تحالف الاستقرار في المنطقة ؟

يشهد الشرق الأوسط منذ سنوات طويلة حالة مزمنة...

561

| 09 فبراير 2026

alsharq
«تعهيد» التربية.. حين يُربينا «الغرباء» في عقر دارنا!

راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة...

534

| 12 فبراير 2026

alsharq
من 2012 إلى 2022

منذ إسدال الستار على كأس العالم FIFA قطر...

516

| 11 فبراير 2026

alsharq
الموبايل وإبستين.. الطفولة في خطر

لم يعد هذا الجهاز الذي نحمله، والمسمى سابقاً...

504

| 09 فبراير 2026

alsharq
قوة الحضارة الإسلامية

لم يكن البناء الحضاري في الإسلام مشروعا سياسيا...

483

| 08 فبراير 2026

alsharq
الصحة في قبضة الخوارزميات

يستيقظ الجسد في العصر الرقمي داخل شبكة دائمة...

444

| 10 فبراير 2026

alsharq
أنا وهم والجزيرة.. لحظة الترجل

الثاني من فبراير 2026م، ليلة النصف من شعبان...

423

| 09 فبراير 2026

alsharq
زيادة القضايا الإدارية للموظفين.. أين الخلل؟

تشهد ساحات المحاكم في الآونة الأخيرة تزايدا ملحوظا...

390

| 09 فبراير 2026

أخبار محلية