رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الاحتلال يهدم المساجد ويحرق المصاحف!

لا تزال حرب الإبادة في غزة مستمرة، ولم تنجُ المساجد والكنائس من هذا الإجرام الإسرائيلي، وكان آخرها المسجد الكبير في غزة، الذي بُني منذ 96 عامًا، أي أنه أقدم من دولة الاحتلال بعقدين من الزمن. هذه الممارسات الصهيونية الإجرامية، للأسف، لا تجد من يقف ضدها، ويُلجم غيّها إلا المقاومة. إن استهداف الاحتلال الإسرائيلي للمساجد في غزة، وحرق المصاحف؛ يمثل جانبًا مأساويًا آخر من جرائم الحرب والانتهاكات التي ترتكبها إسرائيل ضد الفلسطينيين، يتجلى ذلك من خلال تدمير أماكن العبادة، التي تمثل رموزًا دينية وثقافية مهمة، مما يُعد انتهاكًا للقوانين الدولية وحقوق الإنسان. وإذا تتبعنا هذه الجرائم التي استهدفت المساجد في غزة، سنجد أن هذه الجرائم متعمدة، حيث تم تدمير العديد من المساجد، أو تعرضت لأضرار كبيرة خلال العمليات العسكرية التي شنتها إسرائيل على غزة، ومن أبرز الأمثلة على ذلك: عملية «الرصاص المصبوب» (2008-2009)، في هذه العملية، تم تدمير أكثر من 45 مسجدًا بشكل كامل، بينما تعرضت العشرات الأخرى لأضرار جزئية، بعض هذه المساجد كانت قديمة وتاريخية، وكانت تؤدي دورًا مهمًا في المجتمع المحلي. وفي عملية «الجرف الصامد» (2014)، دُمرت حوالي 73 مسجدًا بشكل كامل، بينما تضرر أكثر من 200 مسجد بشكل جزئي، كان من بين المساجد التي تم تدميرها مسجد عمر بن عبد العزيز في بيت حانون، والذي يُعد من أقدم المساجد في المنطقة. عملية «حارس الأسوار» (2021)، خلال هذه العملية، استهدفت الغارات الجوية الإسرائيلية العديد من المساجد، مما أدى إلى تدمير بعضها، وإلحاق أضرار جسيمة بالآخرين. وغالبًا يتم استهداف المساجد تحت ذرائع أمنية بدعوى أن المساجد تُستخدم لتخزين الأسلحة، أو كأماكن لاجتماعات «عناصر إرهابية»، كما يدعون، مما يعتبره الاحتلال مبررًا لاستهدافها. ومع ذلك، لم تقدم إسرائيل أدلة كافية لدعم هذه الادعاءات، وغالبًا ما يتضح أن الاستهداف كان عشوائيًا، أو مقصودًا لإحداث أكبر قدر من الضرر، والرعب في صفوف المدنيين. ونتيجة لتدمير المساجد، يُحرم الآلاف من المصلين من أماكن عبادتهم، مما يترك فراغًا روحيًا واجتماعيًا كبيرًا، فالمساجد في غزة ليست فقط أماكن للصلاة، بل هي أيضًا مراكز للتعليم والثقافة والمجتمع. وتدمير المساجد يترك أثرًا نفسيًا عميقًا على سكان غزة، حيث يعتبرون هذه الأماكن مقدسة، ولا ينبغي أن تُستهدف بأي حال من الأحوال. وتدمير المساجد يمكن اعتباره جزءًا من سياسة أوسع تهدف إلى إضعاف الروح المعنوية للفلسطينيين عن طريق استهداف رموزهم الدينية والثقافية، ويشكل ذلك انتهاكًا واضحًا لحقوق الإنسان والقوانين الدولية، بما في ذلك اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر تدمير الممتلكات المدنية والدينية. ورغم التنديد الدولي المتكرر باستهداف المساجد وأماكن العبادة، لم يتخذ المجتمع الدولي إجراءات فعّالة لوقف هذه الجرائم، أو محاسبة المسؤولين عنها، ويظل الوضع القانوني المعقد في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والمصالح السياسية للدول الكبرى، عائقًا أمام تحقيق العدالة للفلسطينيين. وفي بعض الحالات، تم استهداف المساجد في أوقات تكون فيها مكتظة بالمصلين، مما أدى إلى وقوع إصابات وقتلى، وتعتبر هذه الهجمات مروعة بشكل خاص لأنها تستهدف المدنيين أثناء ممارستهم لشعائرهم الدينية. ويعد استهداف المساجد جزءًا من سياسة أوسع تتبعها إسرائيل في قطاع غزة، تهدف إلى تدمير البنية التحتية، وتشتيت المجتمع الفلسطيني، هذه الممارسات تعكس الاستهتار بالقوانين الدولية والمعايير الإنسانية، وتبرز الحاجة الملحة لتحقيق العدالة والمساءلة على الصعيد الدولي. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الجرائم تتم بموجب تغطية دولية في كثير من الأحيان، في ظل عجز المجتمع الدولي عن محاسبة إسرائيل على انتهاكاتها، وتستمر هذه الجرائم وسط معاناة شديدة يعاني منها سكان القطاع، مع تزايد الدعوات لرفع الحصار وإنهاء الاحتلال.

771

| 26 أغسطس 2024

الشباب والطريق إلى التغيير

الشباب في أي مجتمع هم سر نهضة الأمم، وحامل رايتها، وأساس التغيير إلى الأفضل، إذا توفرت لديهم الإرادة الحقيقية لفكرة الإصلاح والتغيير، وعليهم أن يكونوا أداة للبناء، وليس معولاً للهدم، ومن ثمَّ عليهم الدور الأساس في تنمية منسوب الوعي في المجتمع من خلال عدة طرق، منها: نشر المعرفة والمعلومات؛ حيث إنهم يمتلكون القدرة على الوصول إلى المعلومات بسرعة، وبطرق متنوعة، مما يمكّنهم من نشر المعرفة حول القضايا الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والبيئية. كما يمكنهم المشاركة في الأنشطة المجتمعية، والفعاليات التي تهدف إلى زيادة الوعي حول مواضيع محددة، مثل حملات التوعية الصحية، والتطوع في المشروعات الخيرية، وتنظيم الفعاليات الثقافية. ولديهم الاستعداد للابتكار والإبداع؛ حيث يسهمون في تطوير طرق جديدة، ومبتكرة لزيادة الوعي، مثل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لعرض القضايا الاجتماعية والبيئية، وإطلاق المبادرات، والمشروعات التي تعالج مشاكل المجتمع، ويساعد الشباب على تمكين مجتمعاتهم من خلال توفير التعليم، والتدريب للأفراد الأقل حظًا، مما يعزز من مستوى الوعي العام والثقافة. كما يمكنهم المساهمة في زيادة الوعي السياسي من خلال المشاركة في النقاشات السياسية، والتصويت في الانتخابات، والانخراط في الحركات الاجتماعية التي تهدف إلى التغيير والإصلاح، والشباب قادرون على المشاركة في مشاريع التنمية المحلية والإقليمية، والمساهمة في تحسين البنية التحتية، والزراعة، والتعليم، والصحة، وغيرها من المجالات التي تعزز من رفاهية المجتمع. ويمكن أن يساهم الشباب في تعزيز ثقافة الحوار، والتفاهم، والتسامح بين مختلف أفراد المجتمع، وأن يلعبوا دورًا محوريًا في بناء مجتمعات أكثر انسجامًا وتعاونًا، والشباب لديهم القدرة على تشجيع الممارسات البيئية المستدامة، مثل إعادة التدوير، واستخدام الموارد الطبيعية بشكل مسؤول، لبناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة. كما يتجه العديد من الشباب نحو ريادة الأعمال، بما يسهم في خلق فرص عمل جديدة، وتحسين الاقتصاد المحلي، وتشجيع الابتكار، ويستطيع الشباب التواصل، وبناء الجسور بفضل انفتاحهم، وتعدد ثقافاتهم، مما يعزز من التعاون والسلام العالمي. من خلال هذه الأدوار المتنوعة، يمكن أن يعمل الشباب على بناء مستقبل أكثر إشراقًا واستدامةً، مستفيدين من طاقتهم وحماسهم وإبداعهم. وهذه الأدوار المنوطة بالشباب لا يمكن أن تتم إلا بعد وضع إستراتيجية شاملة ومتكاملة، تشمل العديد من الجوانب التي تضمن مشاركتهم بشكل فعّال وإيجابي، ومن هذه الطرق المهمة لإتاحة الفرصة للشباب: التعليم والتدريب المهني؛ من خلال توفير تعليم عالي الجودة، ومتاح للجميع، بما في ذلك تعليم العلوم، والتكنولوجيا، والهندسة، والرياضيات، وتصميم برامج تدريب مهني متخصصة لتزويد الشباب بالمهارات العملية اللازمة لدخول سوق العمل، وتقديم الدعم المالي والتمويل، من خلال المنح والقروض الميسرة لرواد الأعمال الشباب، لتشجيعهم على بدء مشاريعهم الخاصة، وتوفير برامج تمويل للشباب الذين يرغبون في متابعة تعليمهم العالي، أو التدريب المهني. ومساعدتهم على الوصول للتكنولوجيا الحديثة، مما يساعدهم على التواصل، وتطوير مهاراتهم، وتعلم مهارات جديدة، مع توفير فرص العمل والتوظيف، ويتم ذلك من خلال تشجيع الشركات على توظيف الشباب، وتقديم الحوافز، وبرامج التدريب المتخصصة لهم. وإذا تحققت هذه الإستراتيجيات، يمكن توفير بيئة داعمة للشباب للقيام بدورهم المنوط بهم، وتساعدهم على تحقيق إمكانياتهم، والمساهمة بشكل فعّال في تطوير مجتمعاتهم. وقد اهتم النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، بالشباب اهتمامًا كبيرًا، من خلال العديد من المواقف والتوجيهات التي ركّز فيها على تنمية الشباب ودعمهم، وتوجيههم للسلوك الحسن، والبعد عن الأخطاء، وسلّمهم مسؤوليات كبيرة ووثق بهم في مختلف المواقف، وكان يستمع إليهم، ويأخذ بآرائهم في الكثير من الأحيان، مما يعزز ثقتهم بأنفسهم ويشجعهم على التفكير والمشاركة الفعالة، كما اهتم النبي، صلى الله عليه وسلم، بالاحتياجات النفسية، والاجتماعية للشباب، وكان يعاملهم بلطف ورحمة، ويُقدم لهم النصائح الأبوية، مما يساعدهم على مواجهة تحديات الحياة.

873

| 19 أغسطس 2024

هنيئًا لهنيّة الشهادة بعد جهاد طويل

يظن البعض أنه باستشهاد قائد، أو موته تنقضي حركة المقاومة، أو تنهار، وهذا خلل في التفكير، واعوجاج في الفهم، لأن الحركات الجهادية المقاوِمة تَبني حساباتها على أن يكون كل فرد فيها مؤهلا لكي يستلم الراية. ولنا في سيرة الصحب الكرام خير مثال ونموذج. ففي غزوة أُحد استُشهد مصعب بن عمير، على يد عمرو بن قميئة الليثي الذي هاجمه، وهو يحمل اللواء، وضرب يد مصعب اليمنى فقطعها؛ فأخذ اللواء باليسرى فقطعها ابن قميئة؛ فضمّ مصعب اللواء بعضديه إلى صدره فطعنه ابن قميئة برمح في صدره فقتله. فأعطى النبي، صلى الله عليه وسلم، اللواء لعلي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، وهكذا بعد جهاد الصحابي، وثباته تنتقل القيادة لغيره بطريقة سلسة، لأن الجميع يريدون أن يحظوا بنيل هذا الشرف الكبير. تاريخ من التضحية والنضال تاريخ حركة المقاومة الإسلامية (حماس) مثال بارز للتضحية والفداء من أجل تحرير المسجد الأقصى من براثن اليهود، أو إن شئت قلت تحرير الأمة من كيد الأعداء، ومكر الكائدين. فمنذ تأسيس الحركة في ديسمبر/كانون الأول 1987 كانت قياداتها السياسية والعسكرية هدفًا لاغتيالات نفذها الاحتلال الإسرائيلي داخل وخارج فلسطين، وكان على رأس قيادات حماس التي اغتالتها إسرائيل مؤسس الحركة الشيخ أحمد ياسين (2004)، والقياديون فيها عبدالعزيز الرنتيسي (2004)، وصلاح شحادة (2002)، وإبراهيم المقادمة (2003)، وسعيد صيام (2009)، ونزار ريان (2009)، ونائب رئيس الحركة صالح العاروري (2024). واغتالت قوات الاحتلال الإسرائيلي يوم 21 أغسطس/آب 2003 المهندس إسماعيل أبوشنب، أحد القادة البارزين في حركة حماس، مع اثنين من مساعديه. واغتيل القيادي في حماس محمود المبحوح يوم 19 يناير/كانون الثاني 2010 في أحد فنادق دبي بدولة الإمارات، كما اغتيل محمد الزواري، وهو مهندس طيران ومخترع تونسي، وأحد القادة الذين أشرفوا على مشروع «طائرات الأبابيل القسّامية»، في 15 ديسمبر/كانون الأول 2016. وفي 31 من يوليو تم استهداف رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية أثناء تواجده في إيران للمشاركة في تنصيب الرئيس الجديد مسعود بزشكيان. وتعرض هنيّة لمحاولات اغتيال سابقة، إذ جُرحت يده يوم 6 سبتمبر/أيلول 2003 إثر غارة إسرائيلية استهدفت بعض قياديي حماس من بينهم الشيخ ياسين، كما قصفت إسرائيل منزله في قطاع غزة عدة مرات في حربها على القطاع المحاصر سعيًا لاغتياله. وقد فشلت محاولات اغتيال قادة آخرين، منهم رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل (1997)، وعضو مكتبها السياسي محمود الزهار، والقيادي في فرع حماس بلبنان محمد برهوم. وحاول الكيان الإسرائيلي اغتيال القائد العام لكتائب القسام محمد الضيف 7 مرات أعوام 2001 و2002 و2003 و2006 و2014 و2023 و2024، وباءت جميعها بالفشل. أقول: مع كل هذه التضحيات إلا أننا نجد أن الحركة لا تزال عصيّة على أعدائها، على الرغم من كل المؤامرات والمكائد التي تحاك لها من القريب قبل الغريب، فقد اجتمع عليها الغرب بكل إمكانياته وترسانته العسكرية، داعمين للكيان الصهيوني، وتآمرت عليها بعض الدول العربية، وتمنّت لو تخلصت منها اليوم قبل الغد. وهناك بعض الملاحظات والأسئلة الأولية على طريقة استشهاد إسماعيل هنية يجب الإشارة إليها، منها: أولًا: الترتيبات الأمنية التي رافقت إسماعيل هنية في هذا التنصيب المهم للرئيس الإيراني كانت دون المستوى بالمقارنة بالمرات السابقة، وهذا يحتاج إلى تفسير. ثانيًا: ما ورد في صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، أن رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» إسماعيل هنية، قُتل جراء انفجار قنبلة وضعت سرًا قبل نحو شهرين في المقر الذي أقام فيه ليلة الاغتيال، ماذا يعني ذلك؟. ثالثًا: هل المنطقة العربية ستشهد تحولات جذرية باستشهاد هنية، يكون منها تحولات في المشهد السياسي لصالح الشعوب، أم أن إسرائيل ستتحكم في المنطقة أكثر بمعاونة، ودعم بعض الأنظمة العربية التي شاركت، وتشارك في تثبيت أركان هذا الكيان؟. لعل الأيام القادمة تُظهر لنا الحقائق، لتزداد الصورة وضوحًا، وتعرف الأنظمة المُغيّبة أنه لا أمل إلا في الشعوب، وأن التعويل على المنظومة الغربية لن يكون في صالحهم. رحم الله القائد الفذ، والمجاهد الكبير أبا العبد (إسماعيل هنية)، وكتب كل جهاده في ميزان حسناته، وأسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

609

| 05 أغسطس 2024

كظم الغيظ يقهر الغضب

كظم الغيظ؛ هو احتمال الغيظ بالصبر عليه، وحبسه إذا كاد أن يخرج من كثرته، وضبطه بعدم إظهاره، مع القدرة على الإيقاع بالمسيء. قال اللهُ تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) (آل عمران: 133 - 134). والشرع المطّهر قد أجاز لنا أن نعاقب بمثل ما عوقبنا به، لكنه مع ذلك بيَّن أن العفو، وكظم الغيظ أفضل، وأحسن: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) (النحل:126). وعن ابن عمر، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (ما من جرعة أعظم أجرًا عند الله من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه الله). ومن فوائد كظم الغيظ: أولًا: نيل مغفرة الله وجنته: قال الله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) (آل عمران: 133 - 134). ثانيًا: عظم الأجر به وتوفيره: فعن ابن عمر قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ما من جرعة أعظم أجرًا عند الله من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه الله). ثالثًا: خضوع العدو وتعظيمه للذي يكظم غيظه: فعن ابن عباس، رضي الله عنهما، في قوله تعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (المؤمنون: 96)، قال: الصبر عند الغضب، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا عظّمهم عدوهم، وخضع لهم. رابعًا: دلالة قهر الغضب به على الشدة النافعة: فعن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب). خامسًا: التغلب على الشيطان: عن أنس، رضي الله عنه، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، مرَّ بقوم يصطرعون، فقال: (ما هذا؟ فقالوا: يا رسول الله، فلان الصريع، لا ينتدب له أحد إلا صرعه! فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ألا أدلكم على من هو أشد منه؟ رجل ظلمه رجل، فكظم غيظه فغلبه، وغلب شيطانه، وغلب شيطان صاحبه). سادسًا: سبب في دفع الإساءة بالإحسان، والمكروه بالمعروف، والقهر باللطف: قال اللهُ تعالى: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (فصلت: 34 - 35). ومن الوسائل المعينة على كظم الغيظ: معرفة الأجر المترتب على كظم الغيظ، وما ينتج عنه من فوائد، والتمسك بخلق الرحمة والشفقة مما يعين على كظم الغيظ، وإخماد نار الغضب، وأن يربي المؤمن نفسه على سعة الصدر؛ فإن سعة الصدر تحمل على الصبر في حال الغضب، والعفو عند المقدرة، وشرف نفس المرء واتصافه بعلو الهمة من الأسباب المؤدية إلى كظم الغيظ؛ فهو يترفع عن التلفظ بما ينزل نفسه، ويحط من قدرها، والحياء من التلبس بأخطاء المخطئ، ومقابلته فيما يفعل؛ قال بعض الحكماء: (احتمال السفيه خير من التحلي بصورته، والإغضاء عن الجاهل خير من مشاكلته). وتعويد النفس، وتدريبها على خلق الصبر؛ فهو خير مُعين عند الغضب، وأن يقطع المرء الملاحاة، والجدل في مواقف الخصومة، وأن يمسك عن السباب والشتائم؛ فقد حكي أن رجلًا قال لضرار بن القعقاع: (والله لو قلت واحدة لسمعت عشرًا! فقال له ضرار: والله لو قلت عشرًا لم تسمع واحدة)، وأن يُقدم المرء مصلحة الاجتماع والألفة على الانتقام للنفس؛ فإن ذلك يحمله على كظم غيظه، والتنازل عن حقه؛ ولهذا أثنى النبي، صلى الله عليه وسلم، على الحسن، رضي الله عنه، بقوله: (ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين)، وتذكير النفس بما في الانتقام من نفرة القلوب عن المتشفي، ومن نسبته إلى الخفة والطيش، وأشد من ذلك على الرؤساء إعمال الحيلة عليهم في طلب الخلاص منهم متى عرفوا بسرعة البطش، ومعالجة الانتقام. فهيا نعوّد أنفسنا كظم الغيظ، والتحلي بالحلم عسى أن يملأ الله قلوبنا إيمانًا وحكمة، ويزيدنا يوم القيامة رفعة.

456

| 29 يوليو 2024

وإِنْ تَعْفُوا وتَصْفَحوا

العفو؛ هو التجاوز عن الذنب، وترك العقاب عليه، والصفح: إزالة أثر الذنب من النفس. والعفو عن الآخرين ليس بالأمر الهين؛ إذ له في النفس ثِقل لا يتم التغلب عليه إلا بمصارعة حب الانتصار، والانتقام للنفس، ولا يكون ذلك إلا للأقوياء الذين استعصَوا على حظوظ النّفس ورغباتها. قال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: 133 - 134). بين الله سبحانه صفات المتقين الذين أعد لهم جنته، وذكر منها صفة العفو، فقال: (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ). قال السعدي في تفسيره: (يدخل في العفو عن الناس العفو عن كل من أساء إليك بقول، أو فعل، والعفو أبلغ من الكظم؛ لأن العفو ترك المؤاخذة مع السماحة عن المسيء، وهذا إنما يكون ممن تحلى بالأخلاق الجميلة، وتخلى عن الأخلاق الرذيلة، وممن تاجر مع الله، وعفا عن عباد الله رحمة بهم، وإحسانًا إليهم، وكراهة لحصول الشر عليهم، وليعفو الله عنه، ويكون أجره على ربه الكريم، لا على العبد الفقير، كما قال تعالى: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (الشورى: 40). وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (التغابن: 14). فمن عفا، عفا الله عنه، ومن صفح، صفح الله عنه، ومن غفر، غفر الله له، ومن عامل الله فيما يحب، وعامل عباده كما يحبون وينفعهم، نال محبة الله ومحبة عباده، واستوثق له أمره. وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله). وعن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، قال: (جاء رجل إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، كم نعفو عن الخادم؟ فصمت، ثم أعاد عليه الكلام، فصمت، فلما كان في الثالثة قال: اعفوا عنه في كل يوم سبعين مرة)، وقال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: (أفضل العفو عند القدرة)، وقال ابن عباس، رضي الله عنهما: (ما عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله بها عزًا). وفي تأديب الله لرسوله بهذا الأدب أنزل الله عليه في المرحلة المكية قَولَه: (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) (الحجر: 85 - 86)، فكان يقابِلُ، صلى الله عليه وسلم، أذى أهل الشرك بالصفح الجميل، وهو الصفح الذي لا يكون مقرونًا بغضب، أو كبر، أو تذمر من المواقف المؤلمة، وكان كما أدبه الله تعالى، ثم كان يقابل أذاهم بالصفح الجميل، ويعرض قائلاً: سلام! ومن الوسائل المعينة على اكتساب العفو والصفح: العلم بعظيم الثواب الذي جعله الله للعافين عن الناس، ومجاهدة النفس على التحلي بمكارم الأخلاق، ومعرفة فوائد العفو، وآثاره الطيبة في الدنيا، وسلامة الصدر من الحقد، والغل، والرغبة في الانتقام، وأن يعلم أن الذي يعفو يتعبد لله بمقتضى اسم من أسمائه وصفة من صفاته. والله سبحانه وتعالى يحب أسماءه وصفاته التي منها: العفو، ويحب من خلقه من تخلق بها، وأن يعلم أنه لا يخلو إنسان من زلة، فليوطِّن نفسه على ذلك، وليقابل الزلات بالعفو، والصفح. قال الشاعر: سامح صديقك إن زلت به قدمفليس يسلم إنسان من الزلل وأن يعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به؛ فليعف عن مسيئهم كما يحب أن يعفى عنه إن أساء. فما أحوجنا إلى هذا الخلق العظيم ففيه الطمأنينة والسكينة، وفيه العزة وشرف النفس، وبه تكتسب الرفعة والمحبة عند الله، وعند الناس. فتعافوا بينكم عباد الله، وتجاوزوا عمّن أساء إليكم؛ اجعلوا العفو، والصفح شعاركم، وخلقًا لكم في بيوتكم، وشوارعكم، ونواديكم، وأسواقكم.

522

| 22 يوليو 2024

حُسن الظن منجاة للعبد

حُسن الظن؛ هو تغليب جانب الخير على جانب الشر، وتجنّب المسارعة بالاتهام دون برهان. قال اللَّه، تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) (الحجرات: 12). قال ابن حجر الهيتمي: «عقّب تعالى بأمره باجتناب الظن، وعلّل ذلك بأن بعض الظن إثم، وهو ما تخيلت وقوعه من غيرك من غير مستند يقيني لك عليه، وقد صمم عليه قلبك، أو تكلم به لسانك من غير مسوّغ شرعي». وكأن الآية الكريمة تنهى عن أن يتلوث الإنسان بالظن السيئ فيقع في الإثم، وتحث على أن يظل الإنسان طاهر القلب، نقي الصدر، بريء الساحة، يطوي فؤاده على حسن الظن بالناس. وعن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تباغضوا، وكونوا إخوانًا)، قال النووي: المراد: النهي عن ظن السوء. وقال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: «لا يحل لامرئ مسلم سمع من أخيه كلمة أن يظن بها سوءًا، وهو يجد لها في شيء من الخير مصدرًا»، وقال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: «من علم من أخيه مروءة جميلة، فلا يسمعن فيه مقالات الرجال، ومن حسُنت علانيته فنحن لسريرته أرجى». ومن صور حسن الظن: أولًا: حُسن الظن بالله: فعن جابر، رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قبل موته بثلاثة أيام يقول: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله، عز وجل)، فإحسان الظن بالله، تبارك وتعالى، واجب، وهو أُنس للعبد في حياته، ومنجى له بعد مماته، قال ابن القيم: «كلما كان العبد حسن الظن بالله، حسن الرجاء له، صادق التوكل عليه؛ فإن الله لا يخيّب أمله فيه البتة؛ فإنه سبحانه لا يخيب أمل آمل، ولا يضيع عمل عامل». ثانيًا: حُسن الظن بين الرؤساء والمرؤوسين: فلا ينتظم أمر هذه الأمة إلا بالعلاقة الحسنة بين أفرادها رؤساء ومرؤوسين؛ لذا كان من وصية علي، رضي الله عنه، للأشتر عندما ولاه مصر: «واعلم أنه ليس شيء أدعى إلى حسن ظن وال برعيته من إحسانه إليهم، وتخفيفه المؤونات عنهم، وترك استكراهه إياهم على ما ليس له قبلهم؛ فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظن برعيتك، فإن حسن الظن يقطع عنك نصبًا طويلًا، وإن أحق من حسن ظنك به لمن حسن بلاؤك عنده، وإن أحق من ساء ظنك به لمن ساء بلاؤك عنده». ثالثًا: حُسن الظن بالإخوان والأصدقاء: فعلى المسلم أن يحسن الظن بإخوانه المسلمين عامة، وبأصدقائه المقربين خاصة، وهذا ما أرشدنا إليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبيّن أنه واجب على المسلم تجاه أخيه المسلم، فيجب على المسلم أن يلتمس لإخوانه الأعذار ما استطاع، ويحمل عليها ما يبلغه عنهم من قول، أو فعل، فإذا لم يجد محمل، فليقل: لعل لهم عذرًا لم أعرفه. رابعًا: حُسن الظن بالسلف وأهل العلم: قال السبكي: «ينبغي لك، أيها المسترشد، أن تسلك سبيل الأدب مع الأئمة الماضين، وألّا تنظر إلى كلام بعضهم في بعض إلا إذا أتى ببرهان واضح، ثم إن قدرت على التأويل، وتحسين الظن فدونك، وإلا فاضرب صفحًا عمّا جرى بينهم؛ فإنك لم تخلق لهذا، فاشتغل بما يعنيك، ودع ما لا يعنيك، ولا يزال طالب العلم عندي نبيلاً حتى يخوض فيما جرى بين السلف الماضين، ويقضي لبعضهم على بعض». خامسًا: حُسن الظن بين الزوجين: إن إحسان الظن بين الزوجين من أهم الدعائم التي يُبنى عليها البيت المستقر والمطمئن، وبغير حُسن الظن، فإن البيوت مهددة بالتصدع والانهيار، فلا بد أن يكون بين الزوجين حسن ظن متبادل، وألّا يتركا للشيطان مجالاً للتلاعب بهما، وقذف الشكوك في قلبيهما؛ لأنه متى ما انفتح باب إساءة الظن بينهما جرّ ذلك إلى ويلات قد تهدد استقرار البيت بأكمله. اللهم ارزقنا حسن الظن بك، وصدق التوكل عليك، ولذة الافتقار لك.

948

| 15 يوليو 2024

الغِنى غِنى النفس د. كمال أصلان

الزهد هو استصغار الدنيا، واحتقارها، وخلو القلب مما خلت منه اليد، وترك ما لا ينفع في الآخرة. وليس الزهد في الدنيا بتحريم الطيبات وكف النفس عنها، فإن النبي، صلى الله عليه وسلم، كان أزهد الناس، ولم يُحرّم على نفسه شيئًا أباحه الله له. قال تعالى: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيْهِ) (طه: 131)، يقول ابن كثير: أمره ألا يتشوف إلى متاع الدنيا، أي: لا تنظر إلى هؤلاء المترفين، وما هم فيه من النعم، فإنما هو زهرة زائلة ونعمة حائلة؛ لنختبرهم بذلك. وقال النبي، صلى الله عليه وسلم: (ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس)، وقال: (ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبّر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر)، وفيه: الحض على الاستغناء عن الناس بالصبر، والتوكل على الله، وانتظار رزق الله، وذلك أفضل ما أعطيه المؤمن. ومن علامات الزهد في الدنيا: التواضع، والبعد عن الشهرة، وعدم الحزن، والهمِّ على فوات الدنيا، والفرح بكثرتها، قال مالك بن دينار‏:‏ «بقدر ما تحزن للدنيا يخرج همّ الآخرة من قلبك، وبقدر ما تحزن للآخرة يخرج همّ الدنيا من قلبك‏».‏ والقناعة بما قسم الله من الرزق، قال الفضيل بن عياض: «أصل الزهد الرضا عن الله عز وجل، وعدم منافسة الخلق في الدنيا والتطلع لما في أيديهم، والورع عن الحرام والشبهات»، وقال أبو سليمان الداراني: «الورع أول الزهد كما أن القناعة أول الرضا». وسئل أبو عبد الله؛ أحمد بن حنبل عن الرجل يدع العمل، ويجلس، ويقول: «ما أعرف إلا ظالمًا أو غاصبًا، فأنا آخذ من أيديهم، ولا أعينهم، ولا أقويهم على ظلمهم، قال: ما ينبغي لأحد أن يدع العمل، ويقعد ينتظر ما في أيدي الناس، أنا أختار العمل، والعمل أحب إليَّ، إذا جلس الرجل، ولم يحترف دعته نفسه إلى أن يأخذ ما في أيدي الناس، وأنا أختار للرجل الاضطراب في طلب الرزق، والاستغناء عمّا في أيدي الناس، وهو عندي أفضل». ومن الوسائل المعينة على الزهد: تعويد النفس على القناعة؛ قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (قد أفلح من أسلم، ورزق كفافًا، وقنعه الله بما آتاه)، والاقتداء بالنبي، عليه الصلاة والسلام؛ قال عمرو بن العاص: «أيها الناس، كان نبيكم، صلى الله عليه وسلم، أزهد الناس في الدنيا، وأصبحتم أرغب الناس فيها»، وكذلك النظر في سير السلف الصالح؛ قال عمرو بن دينار: «ما رأيت أحدًا الدراهم أهون عليه من الزهري، إن كانت الدراهم عنده بمنزلة البعر»، والبعر: ما يخرج من بطون الغنم والإبل. وطلب العلم؛ قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: «العلم وسيلة إلى كل فضيلة»، وترك مجالسة أهل الشره والطمع، واليأس مما في أيدي الناس؛ لأن الإنسان إذا أيس من الشيء استغنى عنه، والرضا بالمقسوم والثقة بما عند الله؛ قال الحسن بن حي: «إني لأصبح، وما عندي دينار، ولا درهم، ولا رغيف، وكأنما حيزت لي الدنيا بحذافيرها»، وطلب الرزق من الله، فلا يبقى له حاجة إلى الخلق، وكان بكر بن عبد الله يقول في دعائه: «اللهم ارزقنا رزقًا يزيدنا بك عمن سواك غنىً وتعففًا»، وسؤال الله غنى النفس؛ فكان النبي، عليه الصلاة والسلام، يدعو: (اللهم إني أسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى)، قال القاضي عياض: والغنى: هو غنى النفس، والاستغناء عما في أيدي الناس. وأخيرًا علم العبد أن الدنيا ظل زائل وخيال زائر، نهى الله عن الاغترار بها، وسماها متاع الغرور، (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِيْنَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (الحديد: 20).

1155

| 08 يوليو 2024

الاعتزاز بالانتساب للإسلام

العِزُّ؛ خلاف الذل، والعزة: حالة مانعة للإنسان من أن يغلب، وهي إحساس يملأ القلب، والنفس بالإباء والشموخ، والاستعلاء، والارتفاع، وهي ارتباط بالله، وارتفاع بالنفس عن مواضع المهانة، والتحرر من رق الأهواء، ومن ذل الطمع، وعدم السير إلا وفق ما شرع الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم. قال اللَّهُ تبارك وتعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) (فاطر: 10)، أي: من كان يود أن يكون عزيزًا في الدنيا والآخرة، فليلزم طاعة الله تعالى؛ فإن بها تنال العزة؛ إذ لله العزة فيهما جميعًا. وقال الله، تبارك وتعالى: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران: 139)، في هذه الآية الكريمة أدب قرآني عظيم، وتوجيه رباني كبير للثلّة المؤمنة المجاهدة، والصابرة، يحثهم فيه على عدم الهوان الذي يُنافي العزة ويضادها، فهو أمر للمؤمنين بالثبات على عزتهم، حتى في الأوقات العصيبة؛ لتبقى العزة ملازمة لهم، لا تنفك عنهم في الضراء والسراء، في الفرح والحزن، في الحرب والسلم، في النصر والهزيمة. ومن صور العزة المحمودة: أولًا: الاعتزاز باللَّه تبارك وتعالى، فهو يعرف أن الله عزيز، يهب العزة من يشاء، كما أنه ينزعها ممن يشاء، كما أنه يوقن أن الاعتزاز بالعزيز عزة، والاعتماد عليه قوة، والالتزام بنهجه شموخ، فتراه قويًا بإيمانه به، عزيزًا بتوكله عليه، شامخًا بيقينه به، وهو يعلم أن الاعتزاز بغيره ذل وهوان، والاستقواء بغيره ضعف، معتبرًا بحال كل من اعتز بغير الله تعالى، كيف هوى إلى مدارك الذلة، وهبط إلى حضيض المهانة. ثانيًا: الاعتزاز بالانتساب للإسلام، والاعتزاز بهديه وشرائعه: فهو يعلم أن هذا الدين دين العزة والقوة، الذي يستمد المسلمون عزهم من عزه، وقوتهم من قوته، ومتى طلبوا العزة في سواه، من مناهج الأرض الشرقية أو الغربية، أذلهم الله، كما أنه لا يعتز بقبيلة، أو قومية، أو نسب، أو عرق مما ينتسب إليه أهل الجاهلية في القديم، والحديث، بل عزته بدينه فقط. ثالثًا: الاعتزاز برسول الله، صلى الله عليه وسلم: فهو يعتز بكونه فردًا في أمة محمد، صلى الله عليه وسلم، ينتسب إليه إذا انتسبت الأمم، ويفاخر به إذا ذُكر القادة والمصلحون العظماء، يرجو شفاعته، ويتمنى لقاءه، ويسأل الله أن يوفقه للسير على نهجه، وإحياء سنته، والقيام بحقوقه. رابعًا: إظهار العزة على الكافرين، والذلة وخفض الجناح للمؤمنين: وهذه من أعظم صور العزة، ومظاهرها؛ أن يُري المؤمن الكافرين من نفسه عزة، وقوة، واستعلاء، لا كبرًا وبطرًا، بل إظهارًا لقوة هذا الدين، وعزته، وعلوه؛ قال الله، عز وجل، وهو يصف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (الفتح: 29)، فهم رحماء فيما بينهم، إلا أنهم أشداء على الكافرين، أقوياء في مواجهتهم. ومن الوسائل المعينة على اكتساب العزة: الاعتقاد الجازم، والإيمان اليقيني بأن الله تعالى هو العزيز الذي لا يغلبه شيء، وأنه هو مصدر العزة وواهبها، وصدق الانتماء لهذا الدين، والشعور بالفخر للانتساب له، والاعتزاز به حتى ولو كان ذلك في زمن الاستضعاف، واستقواء أعداء المسلمين؛ يقول تعالى: (وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (آل عمران: 139)، ومتابعة الرسول، صلى الله عليه وسلم، في هديه، وطاعته في أمره، ولزوم سنته؛ فإنه بقدر ذلك تكون عزة العبد في الدنيا، وفلاحه في الآخرة. واليقين بأن دين الله قد كتب له العلو، والتمكين في الأرض، وأن دولة الكافرين، وعزتهم سائرة إلى زوال؛ لأنها بُنيت على باطل وسراب، فبهذا الاعتقاد يتولد عند المؤمن شعور بالعزة، وإحساس بالشرف والعلو، وتربية الأولاد والنشء على العزة بالالتزام بتعاليم الإسلام ظاهرًا وباطنًا، وتقوية الإيمان، وللعبد من العلو بحسب ما معه من الإيمان وحقائقه، فإذا فاته حظ من العلو والعزة، ففي مقابلة ما فاته من حقائق الإيمان، علمًا وعملًا، ظاهرًا وباطنًا، وعمل الطاعات والمبادرة إليها، والحذر من المعاصي؛ فهي من أعظم أسباب ذل الإنسان، ولا ذل أشد من ذل المعصية، وبمقدار طاعته له تكون العزة والشرف والسؤدد، والعكس، والعفة عمّا في أيدي الناس تعصم الإنسان من إذلال نفسه.

1884

| 01 يوليو 2024

احرِصْ على الموت تُوهب لك الحياة

الشجاعة في معناها العام؛ هي شدة القلب عند البأس، والإقدام على المكاره، والمهالك عند الحاجة إلى ذلك، وثبات الجأش عند المخاوف، والاستهانة بالموت. وهي ملكة بها يقدم على أمور ينبغي أن يقدم عليها كتخليص المظلوم من يد الظالم. وقد أمر الله، سبحانه وتعالى، المسلمين بالقتال في سبيله، والثبات عليه، والإقدام في الحروب، وعدم الجبن؛ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (الأنفال: 15 - 16). وأمر اللهُ المسلمين بالثَّبات في الجهاد فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الأنفال: 45). وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قُل قدّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان). وقال أبو بكر، رضي الله تعالى عنه، لخالد بن الوليد، رضي الله عنه: (احرص على الموت توهب لك الحياة). وعن أنس، رضي الله عنه، قال: كان النبي، صلى الله عليه وسلم، أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق الناس قِبل الصوت، فاستقبلهم النبي، صلى الله عليه وسلم، قد سبق الناس إلى الصوت! وهو يقول: لن تراعوا، لن تراعوا! وهو على فرس لأبي طلحة عري ما عليه سرج! في عنقه سيف، فقال: لقد وجدته بحرًا، أو إنه لبحر. ومن فوائد الشجاعة على الفرد والمجتمع: أولًا: أنها سبب لانشراح الصدر وحصول السعادة: قال ابن القيم، رحمه الله: (فإن الشجاع منشرح الصدر، واسع البطان، متسع القلب، والجبان أضيق الناس صدرًا، وأحصرهم قلبًا، لا فرحة له ولا سرور، ولا لذة له، ولا نعيم إلا من جنس ما للحيوان البهيمي، وأما سرور الروح ولذتها، ونعيمها، وابتهاجها، فمحرم على كل جبان، كما هو محرم على كل بخيل، وعلى كل معرض عن الله سبحانه، غافل عن ذكره، جاهل به، وبأسمائه تعالى، وصفاته ودينه، متعلق القلب بغيره). ثانيًا: الشجاعة أصل الفضائل، وتحمل صاحبها على عزة النفس وإيثار معالي الأخلاق والشيم: فمن يتصف بالشجاعة يتحلى، أيضًا، بالنجدة، وعِظَم الهمة، والثبات والصبر، والحلم، وعدم الطيش، والشهامة، واحتمال الكد، وكما قال النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم: (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب). ثالثًا: الرجل الشجاع يُحسن الظن بالله: قال ابن القيم: (والجبن خلق مذموم عند جميع الخلق، وأهل الجبن هم أهل سوء الظن بالله، وأهل الشجاعة، والجود هم أهل حسن الظن بالله، كما قال بعض الحكماء في وصيته: عليكم بأهل السخاء والشجاعة؛ فإنهم أهل حسن الظن بالله). رابعًا: لا تتم مصلحة البلاد والسياسة إلا بالشجاعة: قال ابن تيمية: (لا تتم رعاية الخلق، وسياستهم إلا بالجود الذي هو العطاء، والنجدة التي هي الشجاعة، بل لا يصلح الدين والدنيا إلا بذلك؛ ولهذا كان من لا يقوم بهما سلبه الأمر ونقله إلى غيره، كما قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (التوبة: 38 - 39). ومن الوسائل المعينة على اكتساب الشجاعة: اللجوء إلى الله بالدعاء، والإكثار من الذكر، وترسيخ عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر، والتقرب إلى الله، والاستعانة به، وترك العجز، واتخاذ القدوة الحسنة، وعرض مشاهد الشجعان، وذكر قصصهم، وإثارة دوافع التنافس، وتنشئة الأطفال على العزة والكرامة، ومصاحبة الشجعان من الأخيار.

5223

| 24 يونيو 2024

العيد فرحة

شُرعت الأعياد لكي يفرح الناس ويبتهجون، وللأعياد عند المسلمين بهجة خاصة، حيث تأتي بعد طاعة وعبادة؛ فعيد الفطر يأتي بعد صوم رمضان، وعيد الأضحى يأتي بعد فريضة الحج. وهكذا تقترن الأعياد بركنين عظيمين من أركان الإسلام، وهذا يعني أن الفرائض التي فرضها الله علينا تؤسس لمقصد شرعي عظيم يقضي بإحداث تحول في حياتنا، وعليه يكون الابتهاج والفرح. وقد عرف المسلمون الأوائل الأعياد بكل ما هو مشروع في إدخال السرور على الجميع، بداية من الأسرة، وانتهاءً بالمجتمع، حتى تسري في ربوعه الترفيه، والفرح المبهجين طبقًا لما جاء به النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، دون إفراط ولا تفريط، في أجواء يحفُّها التلاقي والتآزر الاجتماعي، وكان رائد المسلمين في هذا السلوك البهيج هو ما علمنا إياه الرسول، صلى الله عليه وسلم، الذي أرشد أمته إلى طرائق البهجة والسرور، وكان يحرص على أن يكون هو، ومن حوله أشدَّ الناس فرحًا بالأعياد. فالعيد إذن عبادة ونُسُك، ومظهر من مظاهر الفرح التي أكرمنا الله بها، وفرصة عظيمة لصفاء النفوس، وإدخال السرور على الأهل، والأولاد، والأصحاب، وهو لا يعني، بطبيعة الحال، الانفلات من التكاليف، والتحلل من الأخلاق والآداب، بل لا بد فيه من الانضباط بالضوابط، والآداب التي شرعها لنا الإسلام. ومن مظاهر العيد صلة الأرحام التي يجب أن تكون في العيد وغيره، لكنها في العيد ألزم؛ لأن النبي، صلى الله عليه وسلم حثّ على صلة الأرحام في هذه الأيام العظيمة خاصة العيدين لما فيهما من إدخال السرور على الأقارب، وذوي الأرحام، ولما لصلة الرحم من أثر عظيم على الإنسان، لأنها من علامات الإيمان، كما قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخـر فليـكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا، أو ليصمت)، كذلك صلة الأرحام تُوسّع في الرزق، وتزيد في العمر، لقول النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم: (من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه). كل هذه المظاهر مهمة في أعيادنا، وتميّز المسلمين عن غيرهم. ومما يزيد المسلمين سعادة حينما يشعرون بأن الأعياد تأتي، وقد تخلصت الأوطان من الفساد والمحسوبية، والاستبداد السياسي، ونهضت أمتنا من كبوتها، وتحررت فلسطين المباركة أرضُ الرباط، من دنس اليهود الصهاينة. عيدنا الأكبر؛ عندما يفرح المظلومون في كل مكان برفع الظلم عن كاهلهم، ورد الحقوق إلى أصحابها، عيدنا الحقيقي حينما تفيق الأنظمة في عالمنا العربي والإسلامي لحقيقة ما يحاك لأمتنا، ويسعون بكل السبل لتحريرها من كل مغتصب. عيدنا الأكبر؛ حينما تتحرر أوطاننا تحررًا حقيقيًّا من كل سلطانٍ أجنبي ظاهر، أو خفي، تحت أي مسمى، وأي عنوان وأي لافتة، وحين تكون كلمةُ الأمة بيدها، وقراراتها نابعة من إرادتها، ومحققة لمصالحها، وحين تتخلص من معاهدات الذل، والعار التي قيدتها ومزقتها. عيدنا الحقيقي؛ حينما تتوقف الدماء في غزة، وتتوحد الأمة لنصرة قضاياها، وتحقيق الوحدة الشاملة التي تجمع شتاتها، وتلم شعثها، وهذا ما أكد عليه النبي، صلى الله عليه وسلم، يوم الحج الأكبر، حيث قال: (فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا). عيدنا الأكبر؛ حينما تحرر أنفسنا من الاستعباد لغير الله، والسعي والتمكين لديننا، والنصر على الأعداء الذين سلبوا مقدراتنا، ونهبوا ثرواتنا. يومها يحق لنا أن نفرح الفرح الكبير، الذي تنشرح له الصدور، هذا هو عيدنا الأكبر. (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (يونس: 58) وكل عام وأنتم بخير، وتقبل الله طاعتكم.

984

| 17 يونيو 2024

فريضة الحج .. مقاصد وغايات

الله تبارك وتعالى شرع للأمة فريضة الحج، من أجل غايات عظيمة، وأهداف سامية لبناء الإنسان المسلم بناءً صحيحاً متكاملاً، يفيده في الدنيا وينفعه في الآخرة، هذه الفريضة التي يخرج منها الإنسان كما ولدته أمه، طاهراً مُطهراً من الذنوب والمعاصي، ومن أهم مقاصد الحج وغاياته: أن الله جعله عبادة توقيفية فلا اجتهاد فيها مع النصوص الشرعية فهي حق لله، عز وجل، لا حق لأحد فيها، فهو المشرع لهذه العبادات وحده كما قال تعالى (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). ولا حق لأحد أن يُغيّر أو يُبدّل ما شرعه الله، وهذا يغرس في النفس صدق العبادة وإخلاصها لله عز وجل، وكمال التسليم لأمره، وأن الشرع ما شرعه الله لا تلك البدع والضلالات التي هي من صنع البشر. والحج تربية للمسلم على التوازن في حياته اليومية؛ فالإسلام دين عدل، ووسطية حتى مع حقوق المسلم على نفسه، فالإسلام لا يأمر بأمر فيه ضرر، أو إجحاف، بل كل أوامره، ونواهيه تصب في مصلحة من ينتمي إليه، يقول الله تعالى (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ)، فالحج يجمع بين مصالح الفرد الدنيوية من بيع وشراء، وغيرها، وبين مقاصد هذه العبادة من ذكر، وصلاة، ودعاء وغير ذلك. وهذا يدلنا على أن الإسلام ما منع من شيء إلا وأباح أشياء أخرى، وهذه هي عين مراعاة حاجات الإنسان. والحج يحقق مبدأ المساواة؛ حيث يجتمع المسلمون من كل جنس، ولغة، ولون، ووطن في صعيد واحد لباسهم واحد، وعملهم واحد، ومكانهم واحد، ووقتهم واحد، وحدة في المشاعر، ووحدة في الشعائر، وحدة في الهدف، ووحدة في العمل، ووحدة في القول. والحج يعود الإنسان على الخشونة وصعوبة العيش، حيث يمنع نفسه من الترف الذي كان قد اعتاد عليه قبل إحرامه، ويحرم نفسه من مباحات كان يتمتع بها قبل أن يهل بحجه، مثل الطيب، وحلق الشعر، والصيد، وغيرها من محظورات الإحرام، ليعتاد المسلم على الصبر وشظف العيش وشدته. كما أن كثرة العدد في مكان مزدحم ضيق والتنقل بين المشاعر مع البعد والمشقة كل ذلك لتعويد النفس على تحمل الصعوبات. والحج يُؤصِّل معنى مهمًا في قلب كل حاج، فمنذ شروع الحاج في بداية الحج بلبس ملابس الإحرام، وهو يؤكد في نفسه صلته بالله وحده، ومرجعه إليه، وأن لا معبود سواه يُعبَد بحق، فله يصرف جميع العبادات، وإليه يتقرب بجميع الطاعات والقربات. وإذا تأملنا باقي المناسك من طواف، وسعي، ووقوف بعرفة، ورمي الجمار، وغيرها لوجدناها تؤكد ذلك المعنى، وتؤكد حقيقة قول الله تعالى (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). ولترسيخ عقيدة التوحيد كان شعار الحج (لبيك اللهم لبيك) شعار التوحيد. وفي الحج يتحقق التعارف؛ ذلك المعنى الرفيع كما أخبر الله بذلك فقال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)، وإن اختلفت اللغات والأوطان والمشارب، فالتعارف من أكبر أسباب الألفة بين أهل الإسلام. كما أن الحاج حينما يلبس ملابس الإحرام التي تشابه تلك الأكفان التي يكفّن بها الميت ليلحد في قبره، وهذا تذكير له بالموت واليوم الآخر، ومن ثمّ يكون الإنسان على وعي تام بالحساب وما بعده، ولا ينشغل بالملهيات في الدنيا. ومن أبرز ما يجنيه الحاج، أيضًا، من حجه الدوام والاستمرار في العبادة بعد الحج، وهو علامة على قبول العمل.

525

| 10 يونيو 2024

الرفق رأس الحكمة

الرفق هو التلطف في الأمور، والبعد عن العنف والشدة والغلظة، وهو لين الجانب في أخذ الأمر بأحسن الوجوه وأيسرها. وهو رأس الحكمة، ودليل كمال العقل، وقوّة الشخصية، والقدرة القادرة على ضبط التصرّفات والإرادات واعتدال النظر، ومظهر عجيب من مظاهر الرشد، بل هو ثمرة كبرى من ثمار التدين الصحيح. فيه سلامة العرض، وصفاء الصدر، وراحة البدن، واستجلاب الفوائد، وجميل العوائد، ووسيلة التواصل، والتواد، وبلوغ المراد. قال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ، فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ، إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران: 159). وعن عائشة، رضي الله عنها، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال لها: (يا عائشة، إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف،، وما لا يُعطي على ما سِواه). وقال عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه: (أحب الأمور إلىّ الله ثلاثة: العفو في القدرة، والقصد في الجدة، والرفق في العبادة، وما رَفَق أحد بأحد في الدنيا إلا رفق الله به يوم القيامة). ومن صور الرفق: أولًا: الرفق بالنفس في أداء ما فُرض عليه: فالمسلم لا يحمل نفسه من العبادة ما لا تطيقه؛ فالإسلام دين يسر وسهولة؛ قال صلى الله عليه وسلم: (إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة، والروحة، وشيء من الدلجة). ثانيًا: الرفق مع الناس عامة: ويكون بلين الجانب وعدم الغلظة والجفاء، والتعامل بالسماحة واللطف؛ قال، صلى الله عليه وسلم: (وكونوا عباد الله إخوانًا). ثالثًا: الرفق بالرعية: الراعي سواء كان حاكمًا أو رئيسًا أو مسؤولًا، عليه أن يرفق برعيته، فيقضي حاجتهم، ويؤدي مصالحهم برفق؛ قال، صلى الله عليه وسلم: (إن شر الرعاء الحطمة). رابعًا: الرفق في الدعوة والنصح والموعظة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: قال سفيان الثوري: (لا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر إلا من كان فيه ثلاث خصال: رفيق بما يأمر رفيق بما ينهى، عدل بما يأمر عدل بما ينهى، عالم بما يأمر، عالم بما ينهى). خامسًا: الرفق بالمستفتي: قال النووي في آداب الفتوى: (إذا كان المستفتي بعيد الفهم فليرفق به، ويصبر على تفهم سؤاله، وتفهيم جوابه؛ فإن ثوابه جزيل). سادسًا: الرفق بالخادم والمملوك: عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول لله، صلى الله عليه وسلم: (للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق). سابعًا: الرفق في طلب الحقوق ودفعها: عن جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (رحم الله رجلا سمحًا إذا قضى، وإذا اقتضى). ثامنًا: الرفق بالغريم: فعن عائشة، رضي الله عنها، قالت: سمع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، صوت خصوم بالباب عالية أصواتهما، وإذا أحدهما يستوضع الآخر، ويسترفقه في شيء، وهو يقول: والله لا أفعل، فخرج عليهما رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: أين المتألي على الله لا يفعل المعروف؟! فقال: أنا يا رسول الله، وله أي ذلك أحب. تاسعًا: الرفق بالميت: قال عطاء: (حضرنا مع ابن عباس، رضي الله عنهما، جنازة ميمونة بسرف، فقال ابن عباس: هذه زوجة النبي صلى الله عليه وسلم: فإذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوها، ولا تزلزلوها، وارفقوا...). عاشرًا: الرفق بالحيوان: فمن الرفق بالحيوان أن تدفع عنه أنواع الأذى، كالعطش، والجوع، والمرض، والحمل الثقيل، وهذا من عظمة الإسلام، وتميزه على الأديان، والملل الأخرى. ومن ثمّ الرفق في الحقيقة هو الطريق لنيل كل محبوب، ودفع كل مكروه، فارفقوا في حياتكم تنالوا رضا ربكم.

2094

| 03 يونيو 2024

alsharq
وثائق إبستين ووهْم التفوق الأخلاقي

عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب...

13278

| 08 فبراير 2026

alsharq
الرياضة نبض الوطن الحي

يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة،...

1296

| 10 فبراير 2026

alsharq
ماذا بعد انتهاء الطوفان؟

لم يكن الطوفان حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه مع...

798

| 10 فبراير 2026

alsharq
قطر والسعودية ركيزة للاستقرار الإقليمي

تعكس الزيارات المتبادلة بين دولة قطر والمملكة العربية...

624

| 05 فبراير 2026

alsharq
صعود تحالف الاستقرار في المنطقة ؟

يشهد الشرق الأوسط منذ سنوات طويلة حالة مزمنة...

543

| 09 فبراير 2026

alsharq
التأمين الصحي 2026

لقد طال الحديث عن التأمين الصحي للمواطنين، ومضت...

522

| 11 فبراير 2026

alsharq
من 2012 إلى 2022

منذ إسدال الستار على كأس العالم FIFA قطر...

498

| 11 فبراير 2026

alsharq
الموبايل وإبستين.. الطفولة في خطر

لم يعد هذا الجهاز الذي نحمله، والمسمى سابقاً...

495

| 09 فبراير 2026

alsharq
قوة الحضارة الإسلامية

لم يكن البناء الحضاري في الإسلام مشروعا سياسيا...

483

| 08 فبراير 2026

alsharq
الجنة وطريقها..

«الآخرة التي يخشاها الجميع ستكون بين يديّ الله،...

444

| 05 فبراير 2026

alsharq
الصحة في قبضة الخوارزميات

يستيقظ الجسد في العصر الرقمي داخل شبكة دائمة...

435

| 10 فبراير 2026

alsharq
أنا وهم والجزيرة.. لحظة الترجل

الثاني من فبراير 2026م، ليلة النصف من شعبان...

414

| 09 فبراير 2026

أخبار محلية