رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثمة لحظات في الحياة لا نُهزم فيها من الخارج، بل نُنهك من الداخل… من عقولنا التي لا تكفّ عن الدوران، عن محاكمة كل كلمة، وتشريح كل موقف، وتخيل كل سيناريو، ولو كان مستحيلاً، إنها لعنة التفكير المفرط، الذي لا يُشعل فقط الرأس، بل يُطفئ الروح. تبدأ القصة دائمًا بفكرة عابرة، أو موقف ما، ثم تتحول إلى احتمالات، ثم إلى قلق، ثم إلى دوّامة لا مخرج منها، هل أخطأت حين قلت كذا؟، ماذا لو فُهم كلامي بطريقة خاطئة؟، ماذا لو لم يكن هذا الطريق هو الأفضل؟، وأسئلة أخرى لا تنتهي، تأكل الوقت، وتسرق الطمأنينة، وتتركنا مرهقين دون أن نخطو خطوة واحدة. التفكير في جوهره نعمة، لكنه حين يفقد زمام العقل ويتحوّل إلى وحش هائج، يفقد الإنسان معه القدرة على الفعل، يصبح المرء أسيرًا في زنزانة “ماذا لو؟”، و”ماذا بعد؟”، و”ماذا قالوا؟”. وهو لا يدري أن الحياة لا تُدار بعقلٍ يعمل كآلة لا تنام، بل بقلب يعرف متى يفكر، ومتى يصمت. كبح جماح التفكير المفرط ليس تجاهلًا، بل إدارة ومهارة، أن تقول لعقلك: “شكرًا، لقد أوصلتني إلى ما يكفي، الآن دوري أن أعيش”، أن تمنح نفسك حق الهدوء، أن تفهم أن بعض الأمور لا تحتاج إلى تحليل، بل إلى مرور، أن تسمح لبعض الأسئلة أن تبقى بلا إجابة، وبعض الأمور أن تنتهي دون تفسير. علّم عقلك أن يتوقف عند الإشارة الحمراء، أن يعرف أن الليل للراحة، لا لجلسات تحقيق ذهنية، وأن الصمت أحيانًا أذكى من ألف حوار داخلي، وأن طلب الراحة ليس هروبا من الواقع، بل ضرورة للعودة بتفكيرٍ أكثر صفاءً. القدرة على كبح التفكير المفرط ليست ضعفًا في الذكاء، بل ذكاء في التوقيت، هي أن تروّض عقلك لا أن تقتله، أن تُطفئ المحرك حين لا تكون هناك حاجة للقيادة، فالصوت الداخلي لا يُسمع وسط الضجيج، بل في لحظة سكون. فهل تستطيع أن تصمت قليلاً… لتسمع نفسك حقًا؟.
843
| 07 مايو 2025
بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على استخدام الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته الهائلة، مرشح الحزب التكنولوجي المسمى بـ «الذكاء الاصطناعي» يمنى بخسارة فادحة في الانتخابات البرلمانية والتي جرت في عربستان هذا العام «2050م»، ومع أن النتيجة كانت مفاجأة للبعض إلا أن الكثير من المحللين السياسيين لم تخب توقعاتهم عندما رجحوا إمكانية أن يخسر المرشح المستقل وبخسارة مزلزلة على حد تعبير البعض، وقد عزى المحللون ذلك لأسباب عدة منها أسباب داخلية تتعلق بطبيعة «الذكاء الاصطناعي» وأخرى خارجية ليس له سيطرة مباشرة عليها ولا يمكن مواجهتها بأي نسخة من نسخ الذكاء الاصطناعي. فمن أهم الأسباب التي ساهمت في خسارة «الذكاء الاصطناعي» هي المبالغة في المهنية والدقة عند إعداده لبرنامجه الانتخابي، وتجنبه للتصريحات النارية المستهلكة، وتلك التي تدغدغ مشاعر الناخب، وعدم إعطاء أي اعتبار للعلاقات الشخصية ولا للمحسوبية، وعدم المرونة الكافية في قبول تمرير بعض الطلبات والمصالح الضيقة كشرط لانتخابه من قبل بعض الكتل الانتخابية. لقد اشتكى بعض الناخبين من أن “الذكاء الاصطناعي” لم يزر مناطقهم، ولم يطرح أي وعود انتخابية تخصهم كما فعل منافسوه، وكان حديثه شموليًا عندما تحدث عن الوطن والمواطن، وكان مقره الانتخابي فارغًا من الولائم المعهودة عدا بعض المشروبات، ولم يتفاعل مع المادحين له بسخاء، الأمر الذي جعل البعض يصفه بالبرود العاطفي والانفصال عن المزاج الشعبي. ومن ناحية أخرى، لعبت الموروثات السياسية والاجتماعية المتراكمة دوراً محورياً في تقويض فرص الفوز، حيث لا تزال شريحة واسعة من الناخبين في عربستان تعتقد بأن “الذكاء الاصطناعي” صنيعة غربية، ولا يُؤتمن، كما أن وجوده في البرلمان سيجعل البلاد تُدار من قبل آلات بلا قلب، بحسب ما ورد في أحد الخطابات النارية لأحد منافسيه الشعبويين. وقد كان خصمه الأبرز، المرشح “أبوعرب”، نموذجاً تقليدياً للبرلماني العربي؛ فهو يميل للمبالغة في الوعود، والخطابات الجوفاء، ويستشهد بالأمثال الشعبية أكثر من استشهاده بالقوانين، ويتفنن في استخدام العبارات العاطفية مثل “نحن أبناء القبيلة الواحدة”، و”الناس أمانة في عنقي”، وهو ما لاقى صدىً واسعاً في صفوف القواعد الانتخابية التقليدية. أما «الذكاء الاصطناعي»، فبرغم جهوده في تحليل البيانات، وفهم حاجات المجتمع عبر الخوارزميات المتقدمة، وتقديم حلول علمية دقيقة لمشكلات مثل البطالة، وسوء التخطيط الحضري، والخدمات العامة، ومحاربة الفساد، والهدر المالي، إلا أنه لم ينجح في اختراق جدران القناعات الراسخة المبنية على الولاء لا الكفاءة. وقد أظهرت النتائج أن 70٪ من الناخبين فضلوا المرشحين الذين ينتمون إلى قبائلهم أو طوائفهم، في حين لم يحصد “الذكاء الاصطناعي” سوى 5٪ من الأصوات، معظمها من فئة الشباب المتعلم والعائد من الخارج، والباقين صوتوا لمن تواصل معهم أولًا بغض النظر عن برنامجه الانتخابي، على طريقة «من سبق لبق». الغريب في الأمر أن بعض الناخبين الذين صوتوا للمرشح «أبوعرب»، عادوا ليشتكوا بعد الانتخابات من تردي الخدمات، وازدحام الشوارع، وانقطاع الكهرباء، وكأنهم لم يدركوا أن كفاءة المرشح ليست مجرد شعار بل برنامج قابل للتنفيذ، لو أنهم فقط منحوا الثقة لشيء مختلف. المفارقة الأهم أن «الذكاء الاصطناعي» نفسه توقع هذه النتيجة بدقة، لكنه لم يحاول تغيير استراتيجيته لأنه “ملتزم بالقيم البرمجية”، ولا يستطيع أن يتصنع الشعبوية أو يتلون حسب الأهواء، وبالرغم من خسارته فقد خرج من التجربة مرفوع الرأس، تاركاً وراءه سؤالاً مفتوحاً: “هل نحن مستعدون لقبول الكفاءة، حتى لو جاءت من دون عباءة القبيلة؟”. هكذا تنتهي ملحمة “الذكاء الاصطناعي” في انتخابات عربستان 2050م، لكنها قد تكون مجرد بداية لسؤال أعمق: من الذي يجب أن يتطور أولاً؟ الذكاء الاصطناعي، أم ذكاء الناخب؟
1074
| 30 أبريل 2025
اليمن، تلك الأرض التي فرضت عليها جغرافيتها أن تكون مطمع الملوك على مر الأزمان والعصور، وكلنا يعرف موقع اليمن الإستراتيجي وتحكمه بإحدى أهم الممرات المائية في العالم، لقد كانت اليمن عرضة لصراع أعظم إمبراطوريتين في التاريخ القديم وهما فارس والروم، كلا الإمبراطوريتين تحالفتا مع القبائل العربية التي كانت تقطن شمال جزيرة العرب، فتحالف الغساسنة مع الرومان، وتحالف المناذرة مع الفرس الذين خاضوا معهم حربًا بالوكالة ضد الرومان مابين 613 – 614م. وعلى إثر المجزرة التي قام بها آخر ملوك حمير «ذونواس» والتي تعرف بـ «الأخدود» كما جاء ذكرها في القرآن الكريم، إستغل الإمبراطور الروماني «جستنيان» تلك الحادثة وبذريعة نصرة الدين والانتقام للمسيحيين، تحالف عسكريًا مع ملك الحبشة وأمده بالسفن الحربية وأوعز إليه بغزو اليمن في العام 516م واستمرت الحرب عشر سنوات حتى تمكن الغزاة من بسط سيطرتهم عليها في العام 525م، ويرى بعض المؤرخين أن أهداف التحالف الروماني الحبشي على اليمن الغير معلنة كانت اقتصادية بحتة حيث كان الحميريون يهددون المصالح التجارية للدولة البيزنطية. وبعد أن بسط التحالف سيطرته على اليمن، أصبح أبرهة الأشرم واليًا عليها وبنى كنيسةً عظيمةً في صنعاء، وأخذ ينشر دين المسيحية وأرسل إلى ملك الحبشة يخبره أنه قد بنى له كنيسةً وأنه عازمٌ على أن يصرف العرب عن الحج إلى الكعبة ليتوجهوا بالحج إلى كنيسته، ثم ما لبث أن أخذ به الطمع والغرور فانقلب على الملك ونصب نفسه ملكًا على اليمن، لقد كانت الأهداف الغير معلنة لأبرهة من بناء الكنيسة هي الفوائد المادية من الحجيج، فكان رد العرب أنهم رفضوا وصايته عليهم وتدخل أبرهة في شؤونهم، فقام أحد العرب بقضاء حاجته في الكنيسة وعبث بأثاثها وانتهك حرمتها، فغضب أبرهة وأقسم أن يهدم الكعبة ويرغم العرب على الحج إلى كنيسته، لكن غضب أبرهة هذا وتوعده بهدم الكعبة أيضًا لم يكن للدين كما يدعي، بل كان ذريعةً للسيطرة على الحجاز وتوسع مملكته. فبدأ بتجهيز جيش جرار وجعل على مقدمة مجموعة من الفيلة يتقدمها فيل ضخم، والفيل بمثابة سلاح الدروع في الجيوش العصرية، فبإمكان الفيل هدم أي منزل في طريقه وجلده سميك جدًا لدرجة أنه لا تؤثر فيه ضربات السهام. توجه أبرهة بجيشه قاصدَا الكعبة وفي الطريق حاولت بعض القبائل العربية مقاومته دون جدوى حتى وصل إلى الطائف، وكان فيها «بيت اللات» فخشيت ثقيف أن يهدمه أبرهة ظنًا منه أنه الكعبة، فقالوا له إن الكعبة في مكة، وأرسلوا معه دليلًا يقال له «أبورغال» وقد توفي في الطريق بعد أن دلهم على الكعبة، وقريبًا من مكة استولى أبرهة على أموال قريش وغيرها من القبائل، فهمّت قريش وبعض القبائل أن تقاتل أبرهة فلما تبين لهم قوة جيشه وعظمته علموا أنهم لا طاقة لهم بذلك وآثروا أن يخرجوا من مكة ويصعدوا الجبال على أن يروا بيت الله يهدم. الموقف رهيب مع اقتراب ساعة الصفر، وهاهو أبرهة على وشك أن ينفذ خطته المشؤومة، فأمر الجيش بالتحرك في اتجاه الكعبة، وفجأة برك الفيل الذي في المقدمة في مكانه لا يريد التوجه إلى الكعبة لقد تعطل سلاح المدرعات ذلك السلاح الذي لا يقهره إلا سلاح الجو، سادت حالة من الترقب على كل الجبهات، وكان أهل مكة يرقبون الجيش من فوق الجبال المحيطة. وفجأة وبدون مقدمات، إذا بسلاح طيرانٍ من نوع خاص يملأ الأفق حاملًا أسلحة دمارٍ شامل، ولا يكاد يحدث أي صوت أو ضوضاء كما تفعل الطائرات في زماننا، إنها ليست طائرات كالتي نسمع عن ضرباتها الذكية كما يدعون ثم يكون معظم ضحاياها من الأبرياء، إنها سلاح ربانيٌ موجه بدقة لدرجة أنه يتعامل مع الأفراد فردًا فردا، إنها طير الأبابيل التي تحمل حجارةً من سجيل فجعلت القوم كعصف مأكول، ولم يكن ذلك نصرًا لتلك القبائل العربية التي كانت مغلوبةً على أمرها فحسب، بل كان انتصارًا لليمن أيضًا، فاعتبروا يا أولي الألباب.
984
| 23 أبريل 2025
في كل أمة هناك مدن تختزن الذاكرة، وتلخص التاريخ، وتُلهم الحاضر والمستقبل، ودمشق بالنسبة للعرب ليست مجرد عاصمة لدولة، بل هي عاصمة الوجدان العربي، وواحة الحكمة، ومسرح التحولات الكبرى التي شكلت وجدان هذه الأمة منذ قرون، فحين يُذكر اسم دمشق تُفتح صفحات التاريخ على مصراعيها، وتتناثر الحكايات من عبق الحضارات، وتنهض الصور من بين حجارة المآذن والكنائس، ويفوح شذى الياسمين حاملًا معه الأمل بغدٍ أفضل. كانت دمشق المقر الأول للخلافة الإسلامية بعد المدينة المنورة، حيث أصبحت أول عاصمة لأكبر دولة عرفها العرب آنذاك، ففي العصر الأموي امتد منها النور إلى أطراف الأرض، كان أحد أكثر العصور الزاخرة بالفتوحات شرقاً وغرباً، حيث بلغت فيه الدولة الإسلامية أقصى توسُّعٍ لها، إذ امتدت حُدودها من أطراف الصين شرقاً حتى جنوب فرنسا غرباً، وفي العهد الحديث لم تغب عن دورها الريادي، فكانت في طليعة حركات الاستقلال، والمقاومة، والنهضة الفكرية، ورغم كل ما مر بها من صراعات وتحديات ومحن عبر الزمن، بقيت دمشق واقفة، جدرانها تشهد، وشوارعها تحفظ الأسرار، وأهلها يحملون في قلوبهم حب الوطن، رغم كل الظروف. واليوم، وفي ظل التحديات التي تمر بها الأمة العربية، تأتي زيارة الرئيس السوري إلى قطر كرسالة مهمة في توقيتها ودلالاتها على عمق العلاقة وتقارب المواقف ووحدة الرؤية والهدف، قطر التي سخرت كل ما لديها من إمكانات لنصرة القضايا العادلة ولمّ الشمل العربي ونصرة الشعوب المظلومة. إن زيارة الرئيس الشرع للمنطقة هي بمثابة رسالة تنم عن تنسيق المواقف والبحث عن المشترك واستثماره في الخروج من المنطقة الحرجة التي يعيشها المشرق العربي إلى رحاب أوسع وأكثر استقرارا وازدهارا، فالشعوب العربية تتوق إلى الوحدة لا الانقسام، وإلى التنمية لا النزاعات. ونحن نرى الحكومة السورية الجديدة برئاسة السيد الشرع، نلمس نفَساً جديداً، يحمل معه رؤية قائمة على التوازن والانفتاح والتحديث، إنها فرصة ثمينة لاستعادة الدور العربي الريادي لدمشق، وهي فرصة أيضًا لتنطلق العاصمة السورية في كل اتجاه وعلى كل صعيد لتستعيد ما منحه لها التاريخ من ريادة إنسانية واجتماعية وحضارية، وما منحه لها الجغرافيا من مركز تتقاطع فيه قوافل السياسة والاقتصاد والثقافة والعلم، وكما انطلقت الخلافة الإسلامية من دمشق إلى أصقاع الأرض، تستطيع دمشق أن تستعيد مجدها التليد بتعاون أشقائها العرب وبسواعد أبنائها المخلصين لتصبح حاضرةً بقوة في الأروقة الدولية، وتصبح عضوًا فاعلًا في التكتلات العربية والإسلامية، ومنبرًا للحضارة كما كانت. وختامًا نرحب بزيارة الرئيس أحمد الشرع والوفد المرافق له، متمنين أن تثمر هذه الجولة عن تحقيق ما يتطلع له الشعب السوري الشقيق وما تتمناه شعوب المنطقة لسوريا من استقرار ونهضة وازدهار.
1245
| 16 أبريل 2025
في زمنٍ تكالبت فيه الأزمات، وتاهت فيه القيم بين زحام المصالح، جاءت غزة لتعيد ترتيب المشهد، ولتلقّن العالم درساً في الثبات والصبر، لم تكن مجرد بقعة على خارطة الجغرافيا، بل كانت ضميرًا نابضًا، يرفض الخضوع ويصرّ على الحياة رغم أنف الحصار والدمار، لقد علمتنا دروساً عظيمةً وما زالت تفيض على العالم بأسره بالعبر والدروس، لقد أعادت غزة تعريف الإيمان بالله والتوكل عليه، وكيف يكون المجتمع المسلم إذا ما اتحد تحت راية صادقة ونبذ الخلافات المذهبية والعنصرية والحزبية، وعلمتنا أثر التربية الصالحة للنشء على مستقبل الأمة ومصيرها، وعلمتنا دور المرأة العظيم في جميع أطوارها فتاة وزوجة وأمًا، وكيف كان أثرها البليغ في صلابة الأسرة التي هي نواة المجتمع. لقد ضخت غزة الكثير من الدماء في أطراف الأمة المشلولة وحافظت عليها من نهش الكلاب الضالة، فأصبح قلب الأمة ينبض من غزة فيسمع صداه في أطراف المعمورة، لم تكن دروس غزة حكراً على العرب والمسلمين فحسب، بل أعادت غزة ترميم البوصلة ورسم خارطة الطريق للكثير من الشعوب المقهورة في هذا العالم، وأرسلت العديد من الرسائل للطغاة والمستبدين، منها أن الحرية والكرامة خيار لا تسحقه القوة العسكرية، وأن الوطن لا يباع ولا يشترى كبيرًا كان أم صغيرًا فكل حبة تراب منه ترمز للكرامة والسيادة والشرف. علمتنا غزة أن القوة ليست في العتاد، بل في الإرادة، وأن الجدران مهما علت، لا تستطيع أن تحجب شمس الحرية عن من آمن بها، ففي كل مرة ظنّ المحتل وأعوانه أن الحكاية انتهت، خرجت غزة من تحت الركام، تنفض الغبار عن وجهها، وتقول بصوتها العالي: “سوف أبقى هنا”. علمتنا غزة أن الصبر ليس مجرد انتظار الفرج، بل عمل دؤوب وإيمان لا يتزعزع، لقد رأينا في وجوه أهلها كيف يكون الصبر زادًا للمقاومة، وكيف يصبح الألم حافزًا للمضيّ قدمًا، في كل بيت مهدوم، وفي كل طفلٍ فقد أسرته، وفي كل أمٍّ ودّعت أبناءها، كان هناك درسٌ جديد في معنى الصمود والتضحية. علمتنا غزة أن البطولة ليست حكراً على من يحمل السلاح، بل هي في صبر الأمهات، وفي صلابة الرجال، وفي عزيمة الأطفال الذين يرسمون أحلامهم على جدران مهدّمة، ليقولوا للعالم إن الإرادة لا تُهزم، وإن الأمل يولد من قلب الألم، وإن الظلم وإن طال، لا بد أن ينهزم أمام إرادة الشعوب، وفي كل مرة يعتدى على غزة، تضيء قناديل الأمل في قلوب الأحرار، فتُذكرهم أن هناك شعبًا أعزل، لكنه أقوى من الجيوش، لأنه يحمل قضية عادلة ويؤمن بها حتى النهاية. علمتنا غزة أن الكرامة لا تُشترى، وأن العزة لا تُوهب، بل تُنتزع بالثبات على الحق، في زمنٍ اعتاد فيه كثيرون على الانحناء، بقيت غزة شامخةً كالنخيل، لا يضرّها الريح وإن اشتدّت، ولا تهزّها العواصف وإن تكاثفت، وهكذا ستبقى غزة، مدرسةً للأحرار، تُعلمنا في كل يوم درساً جديداً في العزة، والصبر، والمقاومة، وتُثبت للعالم أن الشعوب التي ترفض الذل لا يمكن إلا أن تنتصر، وإن حاصروها بالنار والحديد. وأخيراً علمتنا غزة أن كياناتنا العربية وتجمعاتنا الإسلامية إنما هي كيانات من ورق لا تسمن ولا تغني من جوع، وأنها ظاهرة صوتية بامتياز، وأن مساحة الوطن العربي الهائلة لا تساوي في الساحة الدولية مساحة ورقة توت تستر بها هذا الضعف الرهيب والتخاذل الغريب.
1395
| 09 أبريل 2025
بين الفينة والأخرى، تظهر في بعض المؤسسات التي تفتقر للشفافية والمهنية شخصيات نافذة تمتلك صلاحيات واسعة، لا يُعلن عن دورها صراحةً، ويكتنفها الغموض والإشاعات، قد تلتقي ببعض المادحين لها من المستفيدين البسطاء، وفي المقابل ستسمع عنها من المتذمرين والمتوجسين ما لم يقله مالك في الخمر. هذا القادم إلى القصر بلا منصب واضح، يتنقل في الظل ويتحدث بلسان السلطة دون أن يكون جزءًا رسميًا منها، يحرك القرارات كما يشاء ويوزع النفوذ وفق أجندة مبهمة، يراه البعض صانعاً للمعجزات، يفتح الأبواب المغلقة بلمسة واحدة، بينما يراه آخرون طيفاً مرعباً، يجعل الكفاءات تتراجع، والإجراءات العادلة تلتوي لخدمة مصلحة ما. في اجتماعات المؤسسة، لا تجده على الطاولة، لكنه حاضر في كل قرار، تلمح أثره في العبارات المبهمة التي تُقال بحذر: “لقد جاء التوجيه من فوق”، أو “المسألة محسومة”، أو حتى في الصمت الذي يخيم عندما يُطرح سؤال حساس، هو ليس المدير، ولا المسؤول المباشر، لكنه أقوى منهما تأثيرًا، إذ يُملي التوجيهات دون توقيع، ويمارس سلطته بلا مساءلة. المفارقة أن هذه الشخصيات لا تعيش طويلاً في القصور، قد تصنع لنفسها هالة من القوة، لكنها تبقى مؤقتة، فالمؤسسات التي تقوم على هذه النماذج لا تصمد أمام العواصف، وعندما تتغير الظروف أو يأتي من يكشف الأوراق، تختفي فجأة كما ظهرت، تاركة وراءها إرثًا من الفوضى والشكوك. المؤسسات الناجحة لا تُدار بالأشباح، ولا تستقيم بالوجوه الخفية، بل تبنى على الشفافية والعدالة والكفاءة، وحين يُفتح الباب لمثل هذه الأدوات الغامضة، فإنها تزرع الخوف بدلًا عن الثقة، والمحسوبية بدلًا عن الاستحقاق، حتى يصبح السقوط حتمياً، أما من أفسح لها الطريق ومكنها من التحكم في مصائر الموارد البشرية والمادية، فهو وحده من يتحمل تبعات الخراب الذي تخلفه وراءها. ليس خطأً أن يستعين صاحب القرار في أي مؤسسة بمستشارين من ذوي الخبرة والكفاءة في مجالات معينة، بل بالعكس يفترض أن يكون له ذلك حتى يتمكن من القيام بواجباته على أفضل وجه، ويتمكن أيضًا من اتخاذ القرارات السليمة التي سيتحمل مسؤولياتها وتبعاتها، فالمستشار كالمدرس الخصوصي يشرح الدرس وينقل المعرفة بنصح لكنه بكل تأكيد لا يفترض أن يحل عنك الواجب. ختامًا، أنوه بأن هذا المقال كتب من وجهة نظر إدارية بحتة، فإن صادف وجود تلك الممارسات في مؤسسة ما فذلك من قبيل المصادفة لا الاستهداف، والله من وراء القصد.
1749
| 02 أبريل 2025
في ظل التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة، تواجه بعض الدول الصغيرة تحديات ديموغرافية تؤثر على قدرتها على مواكبتها لتلك التحولات، وبالتالي على استدامتها الاقتصادية والاجتماعية، ومن بين تلك الدول بعض دول الخليج العربي، حيث يشكل المواطنون نسبة قليلة من إجمالي السكان، وهذا الواقع يفرض ضرورة توسيع شريحة النخب الوطنية، بحيث لا تقتصر على فئة محدودة، بل تشمل طيفاً أوسع من المجتمع، مما يضمن مشاركة أكبر في التنمية ويعزز القدرة على التنافس عالمياً. ما المقصود بالمواطن العالمي؟ إن المواطن العالمي ليس مجرد شخص يجيد أكثر من لغة أو يحمل جواز سفر يتيح له حرية التنقل، بل هو فرد يمتلك رؤية واسعة تتجاوز الحدود الجغرافية، ويتمتع بقدرة على الفهم العميق للقضايا العالمية، والتفاعل مع الثقافات المختلفة، واستثمار الفرص المتاحة في مختلف المجالات، وفي الدول التي تواجه تحديات ديموغرافية يصبح بناء هذا النوع من الأفراد ضرورة استراتيجية لضمان استمرار التنمية وتعزيز الحضور الدولي. إن صناعة المواطن العالمي تعني تأهيل أفراد يمتلكون المعرفة والمهارات التي تمكنهم من المشاركة والتفاعل مع القضايا المحلية والدولية، هؤلاء الأفراد ليسوا مجرد أكاديميين أو أصحاب شهادات عليا، بل أشخاص قادرون على بناء علاقات اقتصادية وثقافية، وتقديم حلول للمجتمعات الإنسانية عبر فهم عميق للمتغيرات العالمية. لماذا نحتاج إلى مواطن عالمي؟ كما هو معلوم بأن النخب تشكل نسبة ضئيلة من أي مجتمع، قد تكون تلك النسبة كافية في الدول ذات التعداد السكاني الكبير نسبيًا، ولكنها لا تكفي في المجتمعات التي يكون فيها عدد المواطنين محدوداً كبعض دول الخليج مثلًا، هنا يصبح الاعتماد على فئة صغيرة من النخب أمراً لا يحقق أهداف التنمية المستدامة، فالتنمية الحقيقية لا تتحقق إلا من خلال تمكين أكبر عدد ممكن من الأفراد ليكونوا فاعلين في الاقتصاد، والإدارة، والابتكار. إن المجتمعات التي تعتمد على قاعدة سكانية محدودة تحتاج إلى أفراد قادرين على التفكير بعقلية عالمية، وإقامة شراكات مؤثرة، والمساهمة في الاقتصاد والابتكار على مستوى يتجاوز الإطار المحلي، إن صناعة المواطن العالمي لا تتم بين ليلة وضحاها، بل تتطلب استراتيجيات طويلة الأمد تشمل التعليم المتطور، التفاعل الثقافي، تعزيز مهارات القيادة، وتنمية الوعي السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بحيث يصبح الفرد ليس فقط قادراً على مواكبة التغيرات العالمية، بل أيضاً مساهماً فعالاً في صياغتها. ولتحقيق ذلك يجب التركيز على المحاور التالية على سبيل الإسترشاد لا الحصر: • إصلاح النظام التعليمي بحيث يكون أكثر كفاءة وفاعلية، وأبعد عن النمطية والرتابة، ويضمن مخرجات متطورة ومنافِسة إقليميًا وعالميًا. •إطلاق برامج ابتعاث وانتداب نوعية، تتيح للمواطنين التعلم من أفضل التجارب العالمية، ونقل تلك التجارب إلى الوطن. •تعزيز دور القطاع الخاص في تأهيل الكفاءات الوطنية واستيعابها في سوق العمل. • خلق بيئة تشجع على البحث والابتكار، لأن الاقتصادات المستدامة لا تقوم على الاستيراد فقط، بل على إنتاج المعرفة. وتعد التجربة السنغافورية من إحدى التجارب الملهمة في هذا المضمار، فلقد واجهت سنغافورة عند استقلالها تحديات شبيهة بتلك التي تواجهها بعض الدول ذات التركيبة السكانية غير المتوازنة، لكنها استطاعت عبر استثمارها في التعليم والبحث العلمي وتحفيز ثقافة الابتكار أن تتحول من دولة صغيرة بلا موارد إلى واحدة من أقوى الاقتصاديات العالمية. وختامًا نقول: في عالم مترابط لا يمكن لأي دولة أن تعيش في عزلة عن التغيرات الدولية السريعة والهائلة في كل المجالات، فالمستقبل سيكون لأولئك الذين يستثمرون في عقولهم، وليس فقط في مواردهم!، ويبقى السؤال: «هل نحن مستعدون لمواجهة الطفرة الحضارية التي أطلت برأسها من جديد أم سنفوت الفرصة مرة أخرى؟».
1518
| 26 مارس 2025
جلس بجانبي في الطائرة وبعد الإقلاع سألته المضيفة كالعادة عن الطبق الذي اختاره من قائمة الطعام، وكان هناك ثلاثة خيارات، فرد عليها لم اختر بعد اعطني بعض الوقت، فعادت إليه بعد عدة دقائق، وكان لا يزال ينظر إلى قائمة الطعام، فسألته اي طبق اخترت، قال لها انا محتار بين طبقين اللحم والدجاج، فابتسمت قائلةً سيدي لم يتبق للأسف سوى الدجاج!!، تنهد وقال تمام سأتناوله لاحقًا، وهم بفتح البطانية وأمال كرسي الطائرة، فقالت له سيدي هل ترغب في ان اوقظك اذا بدأنا بتوزيع الوجبات؟ قال لا... سأستيقظ بنفسي قبل الهبوط بوقت كاف لتناول العشاء، انصرفت المضيفة لكن صاحبي رغم انه تهيأ للنوم لم ينم بل بدا منشغلًا بجواله. استمر صاحبي بالتنقل بين التطبيقات، يفتح هذا ويغلق ذاك، يدخل إلى الإعدادات ثم يخرج منها بلا سبب واضح، وكأنه يبحث عن شيء لا يعرفه، وبعد فترة وضع هاتفه جانبًا وأغمض عينيه، لكنه لم يلبث أن تحرك في مقعده، أعاد ترتيب البطانية، ثم عدل وضعية الكرسي مرة أخرى، وبدا وكأنه يبحث عن راحة لم يجدها بعد. * بعد مرور ساعة عادت المضيفة توزع الوجبات، لكنها لم توقظه كما طلب، بل تجاوزته احترامًا لرغبته، لكنه فتح عينيه فجأةً، وكأن حاسة خفية نبهته إلى أن الطعام يُوزع، التفت حوله، وجد الركاب يأكلون، فاستدعى المضيفة قائلًا: “ ألم أقل لك أن توقظيني؟” فنظرت إليه مستغربةً وقالت: “سيدي لقد طلبت مني ألا أفعل” فاستدرك خطأه ثم قال: “هل بقي شيء من العشاء؟”، تفحصت المضيفة العربة وقالت: “لم يتبقَّ إلا طبق من السمك”، تنهد بضيق وقال: “أنا لا أحب السمك!” أشفقت عليه وعرضت أن تبحث له عن خيار آخر في الدرجة الأولى إن أمكن، لكنها ما لبثت أن عادت تعتذر بأن كل الأطباق قد نفدت، أطرق رأسه مستاءً وقال: “حسنًا، لا مشكلة” لكن صوته كان يحمل نبرة خيبة واضحة. ظل صامتًا للحظات، ثم التفت إليَّ قائلًا: “أتعلم؟ هذا الأمر يتكرر معي كثيرًا، ليس فقط في الطائرة، بل في حياتي كلها، أجد نفسي مترددًا أمام أبسط الخيارات، ثم ينتهي بي الأمر بخسارة أفضلها!” ابتسمت وقلت له: “يبدو أنك لا تعرف ماذا تريد” هز رأسه موافقًا، وقال: “ربما. أحيانًا أشعر أنني أضيع فرصًا كثيرة بسبب التردد، أظل أفكر وأفكر، حتى يسبقني الآخرون إلى القرار.” * أجبته: “التردد ليس دائماً سيئًا، لكنه يصبح مشكلة عندما يجعلك تخسر ما تحب في الحياة، من لا يعرف ماذا يريد، ينتهي بأخذ ما يفرضه عليه الآخرون أو ما يتبقى بعد أن يختار الجميع، نظر من نافذة الطائرة بشرود، وكأنه يفكر في كلامي، ثم قال: “هل تعتقد أن بإمكاني التغيير؟”، أجبته: “بالطبع، أول خطوة أن تدرك مشكلتك، وقد أدركتها بالفعل، الخطوة الثانية أن تثق بحدسك، وتدرب نفسك على اتخاذ القرارات بسرعة، ليس كل قرار يحتاج إلى دراسة طويلة، وبعض الأشياء لا تتكرر، ابتسم وقال: “كما حدث مع وجبة العشاء!” ضحكت وقلت: “تمامًا! تخيل أن الحياة مثل قائمة طعام، الخيارات أمامك، وعليك أن تختار قبل أن تنفد.” أغلق عينيه هذه المرة بارتياح، وقال: “سأبدأ بتغيير هذا الأمر فورًا” وبعد لحظات، كان قد غط في نوم عميق ولكن... كانت الطائرة على وشك الهبوط !!
1239
| 19 مارس 2025
مما يروى عن سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: "ليس كل ما يُعْرَف يُقال، وليس كل ما يُقال حَضَرَ أهلُه، وليس كل ما حَضَرَ أهلُهُ حان وقته، وليس كل ما حان وقته صَحَّ قوله"، وبغض النظر عن مدى صحة تلك الرواية فإن معناها إذا ما تأملناها صحيح وفيه حكمة بالغة، والحكمة هي رأس الأمر ولا تأتي بتزاحم الركب في مجالس العلم ما لم تطلب من أهلها، فهي هبة ربانية يؤتيها الله من يشاء من عباده، قال تعالى ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، فكم من عالمٍ في فنه يفتقر إليها ولو بلغ ما بلغ من مراتب العلم. وقد ورد لفظها في القرآن الكريم في تسعة عشر موضعًا منها عشرة مواضع مقترنًةً بالكتاب، فانظر إلى دعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام في سورة البقرة، قال تعالى: ﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾، وقد جاء في تفسير الطبري الْقَوْل فِي تَأْوِيل: ﴿ وَيُعَلِّمهُمْ الْكِتَاب وَالْحِكْمَة ﴾، يَعْنِي بِالْكِتَابِ الْقُرْآن، ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الْحِكْمَة الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّه فِي هَذَا الْمَوْضِع، فَقَالَ بَعْضهمْ هِيَ السُّنَّة، وقيل هي الْعَقْل فِي الدِّين، وجاء في التفسير ذاته أيضًا عن الآية: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا ﴾، أي لَمْ يَنْتَفِع بِالْآيَاتِ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ مَعَهَا حِكْمَة، قال: وَالْحِكْمَةُ شَيْء يَجْعَلهُ اللَّه فِي الْقَلْب يُنَوِّر لَهُ بِهِ كما جاء في التفسير. وفي سورة الإسراء يقول الحق جل وعلى: ﴿ وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا (36) وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولٗا (37) كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُۥ عِندَ رَبِّكَ مَكۡرُوهٗا (38) ذَٰلِكَ مِمَّآ أَوۡحَىٰٓ إِلَيۡكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلۡحِكۡمَةِ ﴾، أي أن تلك الوصايا العظيمة هي من الحكمة، وقد جاء في تفسير ﴿ وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚۗ﴾ تركُ تتبُّع ما لا علمَ به يُصلح عقولَ الأمَّة، فلا يختلط عندها المعلومُ والمظنون والموهوم، ومن ثَمَّ تسلَم من الوقوع في المهالك. لذا عندما تغيب تلك الخصلة تضيع البوصلة، ويختلط الحق بالباطل، ويكثر الجدال ويقع البعض في فخ إخراج الأمور عن سياقها، فيتحدثون بما لا ينبغي، أو بما هو في غير زمانه ومكانه، فيثيرون العواصف بدل أن يطفئوا نيران الفتنة، فتكون النتيجة عكس ما أرادوا، فالحكمة ليست مجرد علم يُكتسب، بل هي بصيرة تُهدي صاحبها إلى مواضع الصواب وتجنبه مواطن الفتنة والانزلاق إلى مساحات لا طائل منها إلا إثارة الجدل وتعميق الخلاف، ويتحول الإصلاح المزعوم إلى فتنة جديدة تزيد الفرقة وتعمّق الانقسام.
1539
| 12 مارس 2025
يروي لنا التاريخ، كما في “تاريخ الأمم والملوك” للطبري، قصة طلحة النميري حين سأل عن مسيلمة، فقيل له: “هو رسول الله”، فقال: “لا أصدق حتى أراه”. فلما التقى به، سأله: “من يأتيك بالوحي؟”، قال مسيلمة: “رحمن”، فسأله طلحة: “أفي نور أم في ظلمة؟”، فأجابه: “في ظلمة”، عندها قال طلحة قولته الشهيرة: “أشهد أنك كذاب، ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر”، لقد ادعى مسيلمة النبوة كذبا، ومع ذلك وجد مناصرين كثرا، ليس لاقتناعهم بصدقه، بل حمية وتعصبا أعمى، إذ لم يكن طلحة غافلا عن كذب مسيلمة، لكنه فضله على الصادق الأمين، محمد صلى الله عليه وسلم، فقط لأنه من قومه! وهكذا، تغلبت العصبية على العقل، وتقدم الهوى على الحقيقة. إنها ليست حكاية من زمن ولى، بل مشهد يعيد نفسه بألف صورة في كل عصر، كم من عقول تقيدها العصبية، فلا ترى إلا ما تريد، وكم من حقائق تطمر، لأن أصحابها ليسوا من المقبولين، وكم من باطل يسوق لأنه يوافق الأهواء. هناك من يبحث عن الحق أينما كان، يزن الأمور بعقل متجرد، وهناك من يأخذ الأقوال كمسلمات لا تقبل النقاش، حتى لو كانت تخالف العقل والمنطق، هذه الظاهرة ليست جديدة، لكنها اليوم أكثر انتشارا بفعل وسائل التواصل التي جعلت من كل مقولة راسخة في الأذهان وكأنها وحي لا يرد. المشكلة الحقيقية ليست في الأقوال ذاتها، بل في التعصب لها دون تفكير، حين يقدس الرأي أكثر من الحقيقة، وحين تتبع العبارات المنمقة أكثر من الحجج الدامغة، نجد هذا في السياسة، وفي الدين، وفي الاقتصاد، وحتى في حياتنا اليومية البعض لا يسأل: “هل هذا صحيح؟” بل يسأل: “من قال هذا؟”، فإن وافق هواه صدق بلا تثبت، وإن خالفه رفض بلا تدبر. في عالم اليوم، لم يعد الكذب بحاجة إلى مسيلمة، فقد أصبحت له منصات، وأبواق، وأتباع يتبنونه بلا دليل، ويدافعون عنه بلا حجة، يكفي أن يوافق الهوى، حتى يصبح “حقيقة”، ويكفي أن يخالف الرغبة، حتى يصبح “كذبا”، والمصيبة ليست في انتشار الباطل، بل في تعطيل العقول، في تسليمها بلا تمحيص، في جعلها أسيرة للشعارات لا للحقائق، كم من أفكار تقدس لمجرد أنها مشهورة! وكم من حقائق تدفن لأنها لا تتماشى مع العاطفة!. لقد أصبحت مقولة طلحة النميري مثلا يضرب لمن يتبع الرجال تعصبا، لا بحثا عن الحق، ولذا قال الإمام علي رضي الله عنه: “لا تعرف الحق بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله”، وقال الإمام مالك رحمه الله: “كل يؤخذ من قوله ويرد، إلا صاحب هذا القبر”، مشيرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وختاما، فإن العاقل هو من يجعل ميزانه الحق، لا الأشخاص، ومن يقيس الأمور بميزان الحكمة، لا العصبية والهوى. والله من وراء القصد.
3297
| 05 مارس 2025
مغترب يحمل في قلبه حبًّا خاصًّا للأزهار، نشأ في بيئة تقدّر الطبيعة والجمال، وكان حلمه أن يفتح متجرًا للورود الطبيعية، يبيع فيها الزهور بكل ألوانها وروائحها، ليضفي لمسة من الحياة على شوارع المدينة الباردة التي لجأ إليها، ورغم وجود العديد من بياعي الورود الطبيعية في نفس المكان إلا أنه لم يُسمح لـ «كريم» بممارسة نفس النشاط حتى لا يتضرر المواطن الغربي من هذا المغترب العربي، فلم يكن أمامه سوى الحصول على ترخيص لبيع الورود الصناعية، تلك المصنوعة من البلاستيك، المتماثلة في مادتها، لكن مختلفة في أشكالها وألوانها. حاول في البداية التعامل مع الأمر كحلٍّ مؤقت، لكنه وجد نفسه مجبرًا على التأقلم بعد أن أتقن فن المهنة الجديدة، فبدأ يسعّر الورود وفقًا لمظهرها، رغم أنها مصنوعة من نفس المادة، فالبعض كان يُباع على أنه “فاخر” كزهرة التوليب والأوركيد مثلًا، والبعض الآخر على أنه “عادي”، رغم أن الفرق كان مجرد اختلاف في التصميم لا في الجوهر، ومع الوقت أدرك أن الناس تقبلوا الفكرة، بل بدأوا يفضلون الورود الصناعية لأنها “لا تموت” ولا تحتاج إلى رعاية، وأدرك أيضًا أن الأشكال القديمة يمكن إعادة تدويرها وإنتاج ورود أخرى منها وعرضها من جديد. ومع ازدهار تجارته إلا أنه لم يستطع تجاهل حقيقة أن الورود التي يبيعها مجرد تماثيل بلاستيكية تُحاكي الجمال دون أن تمتلكه أو تفوح بشذاه. تلك القصة ليست مجرد حكاية بائع زهور، بل هي مرآة تعكس واقعًا اجتماعيًا أوسع، حيث أصبح الشكل الخارجي أكثر أهمية من الجوهر، والمظهر يغلب الحقيقة. في مجتمعات تزدحم فيها الواجهات البراقة، نجد أن “كريم” ليس وحده من اضطر إلى التكيف؛ فالكثيرون أجبروا على تغيير قناعاتهم، التنازل عن مبادئهم، والاندماج في أنظمة لا تمنحهم إلا خيارات محدودة، تمامًا كما فرضت عليه الورود البلاستيكية بدلًا من الطبيعية. ومع مرور الوقت، لم يعد الناس يفرقون بين الزهرة الحقيقية والمزيفة، بل أصبحوا يفضلون ما يدوم أطول، بغض النظر عن كونه بلا حياة. وهكذا، أصبحت حياتنا مليئة بالنماذج المكررة، الوجوه المتشابهة، الأفكار المستنسخة، والأحلام التي فقدت عبيرها الحقيقي، لكنها ظلت تُعرض على الرفوف في أشكال أكثر قبولًا وأكثر انسجامًا مع متطلبات السوق. في هذا السياق، نجد أن القيم الأصيلة تُستبدل بأخرى سطحية، حيث يُقدَّر المظهر على حساب المضمون، والعلاقات الإنسانية أصبحت تعتمد على ما يبدو للعيان، وليس على ما يكمن في القلوب، والأفكار تُقيَّم بمدى شعبيتها وليس بعمقها أو فائدتها، حتى الطموحات والأحلام باتت تُصاغ بما يتوافق مع المعايير السائدة وليس بما يعبر عن الذات الحقيقية. قصة “كريم” تذكرنا بأهمية التمسك بالجوهر، والسعي للحفاظ على القيم الحقيقية في عالم يميل إلى تفضيل الزيف على الأصالة. إنها دعوة للتفكير في اختياراتنا، والتأكد من أننا لا نضحي بما هو حقيقي مقابل ما هو مصطنع وبراق.
918
| 19 فبراير 2025
يقول أحد الأصدقاء: عندما كنت رئيسًا تنفيذيًا لإحدى المؤسسات دخل عليَّ ذات يوم موظف وفي يده ملف لأحد أقاربه من الدرجة الأولى، وطلب مني أن أنظر في توظيفه في المؤسسة، على إثر رفضه من لجنة التوظيف لأسباب وجيهة، بدا الرجل متفائلًا جدًا بموافقتي، وبدأ يمدح قريبه ويعدد سجاياه وأنا أنظر إليه، ثم أخذ به الحماس فطلب بأن يتم توظيفه في نفس الوحدة التي يعمل بها وذلك لأنهما يحملان نفس المؤهل والتخصص، وفي ذلك طبعًا مخالفة صريحة للوائح المعمول بها والتي تمنع توظيف الأقارب من الدرجة الأولى في نفس الوحدة الإدارية، ورغم دهشتي من جرأته إلا أنني أكبرت فيه حرصه ومثابرته وعدم استسلامه، عندها سألته قائلًا: "ألا تشعر بالحرج وأنت تزكي قريبك وتحرص على أن يعمل معك في نفس القسم؟"، نظر إليَّ بكل ثقة قائلًا: "أبدًا يا سعادة المدير، فقد قالها من هو خيرٌ مني لمن هو خيرٌ منك، فقد طلب موسى عليه السلام من الله جل وعلا أن يجعل أخاه هارون وزيرًا له حيث قال: (واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي)". يقول صاحبي: على الرغم من أن الرجل استخدم الآية في غير موضعها إلا أنه أصابني بالصدمة والذهول لبعض الوقت قبل أن ألملم شتات فكري وأطلب منه الامتثال لقرار اللجنة. ولك أن تتخيل كيف يتعامل ذلك النموذج من الموظفين مع المعاملات التي بين أيديهم، وعلى أي أساس يصنفون أولوياتها وأحقيتها، إن التباين في المفاهيم يؤدي إلى اصطدام حتمي في المقاصد، وفوضى في الإجراءات، وتفشٍّ للفساد، ومن ثم تقويض لنجاعة المؤسسة وخدماتها، ولتفادي ذلك خصوصًا في العمل المؤسسي تبرز الحاجة لتحديد المفاهيم، ولا يكفي للوصول إلى ذلك إصدار اللوائح، ومدونات الإجراءات والسلوك، ومدونة أخلاقيات المهنة، ما لم تتبعها حملة توعوية تصل بتلك المفاهيم إلى الموظفين في أطراف السلم الوظيفي عبر برامج تدريبية وورش عمل محكمة ومصممة بمهنية بعيدةً كل البعد عن الشكلية. وتشير بعض الدراسات التي اطلعت عليها شخصيًا بأن شريحة كبيرة من المخالفات التي قد يرتكبها الموظف العام وتصنف بأنها ممارسات فاسدة هي في الأساس صورة من صور الجهل باللوائح والإجراءات وحدود المسؤولية للفرد، وتلك ثغرة قد يتسلل منها الفساد عبر أطرافٍ أخرى لتحقيق مكاسب غير مشروعة ما لم نعمل على رفع نسبة الوعي ومراقبته بصورة دورية... فالوقاية خير من العلاج.
972
| 12 فبراير 2025
مساحة إعلانية
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة...
1695
| 14 يناير 2026
بين فرحة الشارع المغربي وحسرة خسارة المنتخب المصري...
1425
| 16 يناير 2026
اعتدنا خلال كل البطولات الأممية أو العالمية لكرة...
864
| 11 يناير 2026
للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات...
834
| 13 يناير 2026
في رحلتي من مطار حمد الدولي إلى منزلي،...
705
| 15 يناير 2026
في خطوة تنظيميّة مهمّة تهدف إلى ضبط سوق...
678
| 14 يناير 2026
لا تأتي القناعات الكبرى دائماً من التقارير الرسمية...
648
| 16 يناير 2026
لسنا بخير، ولن نكون بخير ما دمنا نُقدّس...
615
| 12 يناير 2026
ما يحدث في عالمنا العربي والإسلامي اليوم ليس...
609
| 15 يناير 2026
في عالم تتسارع فيه المنافسة على استقطاب أفضل...
573
| 15 يناير 2026
تقابلت مع أحد الزملاء القدامى بعد انقطاع طويل،...
567
| 12 يناير 2026
تجول في ممرات أسواقنا الشعبية المجددة، أو زُر...
534
| 14 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تابع الأخبار المحلية والعالمية من خلال تطبيقات الجوال المتاحة على متجر جوجل ومتجر آبل