رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

1245

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

عندما لا نعرف ماذا نريد !

19 مارس 2025 , 02:00ص

‏جلس بجانبي في الطائرة وبعد الإقلاع سألته المضيفة كالعادة عن الطبق الذي اختاره من قائمة الطعام، وكان هناك ثلاثة خيارات، فرد عليها لم اختر بعد اعطني بعض الوقت، فعادت إليه بعد عدة دقائق، وكان لا يزال ينظر إلى قائمة الطعام، فسألته اي طبق اخترت، قال لها انا محتار بين طبقين اللحم والدجاج، فابتسمت قائلةً سيدي لم يتبق للأسف سوى الدجاج!!، تنهد وقال تمام سأتناوله لاحقًا، وهم بفتح البطانية وأمال كرسي الطائرة، فقالت له سيدي هل ترغب في ان اوقظك اذا بدأنا بتوزيع الوجبات؟ قال لا... سأستيقظ بنفسي قبل الهبوط بوقت كاف لتناول العشاء، انصرفت المضيفة لكن صاحبي رغم انه تهيأ للنوم لم ينم بل بدا منشغلًا بجواله.

استمر صاحبي بالتنقل بين التطبيقات، يفتح هذا ويغلق ذاك، يدخل إلى الإعدادات ثم يخرج منها بلا سبب واضح، وكأنه يبحث عن شيء لا يعرفه، وبعد فترة وضع هاتفه جانبًا وأغمض عينيه، لكنه لم يلبث أن تحرك في مقعده، أعاد ترتيب البطانية، ثم عدل وضعية الكرسي مرة أخرى، وبدا وكأنه يبحث عن راحة لم يجدها بعد.

* بعد مرور ساعة عادت المضيفة توزع الوجبات، لكنها لم توقظه كما طلب، بل تجاوزته احترامًا لرغبته، لكنه فتح عينيه فجأةً، وكأن حاسة خفية نبهته إلى أن الطعام يُوزع، التفت حوله، وجد الركاب يأكلون، فاستدعى المضيفة قائلًا: “ ألم أقل لك أن توقظيني؟” فنظرت إليه مستغربةً وقالت: “سيدي لقد طلبت مني ألا أفعل” فاستدرك خطأه ثم قال: “هل بقي شيء من العشاء؟”، تفحصت المضيفة العربة وقالت: “لم يتبقَّ إلا طبق من السمك”، تنهد بضيق وقال: “أنا لا أحب السمك!” أشفقت عليه وعرضت أن تبحث له عن خيار آخر في الدرجة الأولى إن أمكن، لكنها ما لبثت أن عادت تعتذر بأن كل الأطباق قد نفدت، أطرق رأسه مستاءً وقال: “حسنًا، لا مشكلة” لكن صوته كان يحمل نبرة خيبة واضحة.

ظل صامتًا للحظات، ثم التفت إليَّ قائلًا: “أتعلم؟ هذا الأمر يتكرر معي كثيرًا، ليس فقط في الطائرة، بل في حياتي كلها، أجد نفسي مترددًا أمام أبسط الخيارات، ثم ينتهي بي الأمر بخسارة أفضلها!” ابتسمت وقلت له: “يبدو أنك لا تعرف ماذا تريد” هز رأسه موافقًا، وقال: “ربما. أحيانًا أشعر أنني أضيع فرصًا كثيرة بسبب التردد، أظل أفكر وأفكر، حتى يسبقني الآخرون إلى القرار.”

* أجبته: “التردد ليس دائماً سيئًا، لكنه يصبح مشكلة عندما يجعلك تخسر ما تحب في الحياة، من لا يعرف ماذا يريد، ينتهي بأخذ ما يفرضه عليه الآخرون أو ما يتبقى بعد أن يختار الجميع، نظر من نافذة الطائرة بشرود، وكأنه يفكر في كلامي، ثم قال: “هل تعتقد أن بإمكاني التغيير؟”، أجبته: “بالطبع، أول خطوة أن تدرك مشكلتك، وقد أدركتها بالفعل، الخطوة الثانية أن تثق بحدسك، وتدرب نفسك على اتخاذ القرارات بسرعة، ليس كل قرار يحتاج إلى دراسة طويلة، وبعض الأشياء لا تتكرر، ابتسم وقال: “كما حدث مع وجبة العشاء!” ضحكت وقلت: “تمامًا! تخيل أن الحياة مثل قائمة طعام، الخيارات أمامك، وعليك أن تختار قبل أن تنفد.”

أغلق عينيه هذه المرة بارتياح، وقال: “سأبدأ بتغيير هذا الأمر فورًا” وبعد لحظات، كان قد غط في نوم عميق ولكن... كانت الطائرة على وشك الهبوط !!

مساحة إعلانية