رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

3459

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

كذّاب ربيعة أحب إلينا من صادق مُضر

05 مارس 2025 , 02:00ص

يروي لنا التاريخ، كما في “تاريخ الأمم والملوك” للطبري، قصة طلحة النميري حين سأل عن مسيلمة، فقيل له: “هو رسول الله”، فقال: “لا أصدق حتى أراه”. فلما التقى به، سأله: “من يأتيك بالوحي؟”، قال مسيلمة: “رحمن”، فسأله طلحة: “أفي نور أم في ظلمة؟”، فأجابه: “في ظلمة”، عندها قال طلحة قولته الشهيرة: “أشهد أنك كذاب، ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر”، لقد ادعى مسيلمة النبوة كذبا، ومع ذلك وجد مناصرين كثرا، ليس لاقتناعهم بصدقه، بل حمية وتعصبا أعمى، إذ لم يكن طلحة غافلا عن كذب مسيلمة، لكنه فضله على الصادق الأمين، محمد صلى الله عليه وسلم، فقط لأنه من قومه! وهكذا، تغلبت العصبية على العقل، وتقدم الهوى على الحقيقة.

إنها ليست حكاية من زمن ولى، بل مشهد يعيد نفسه بألف صورة في كل عصر، كم من عقول تقيدها العصبية، فلا ترى إلا ما تريد، وكم من حقائق تطمر، لأن أصحابها ليسوا من المقبولين، وكم من باطل يسوق لأنه يوافق الأهواء.

هناك من يبحث عن الحق أينما كان، يزن الأمور بعقل متجرد، وهناك من يأخذ الأقوال كمسلمات لا تقبل النقاش، حتى لو كانت تخالف العقل والمنطق، هذه الظاهرة ليست جديدة، لكنها اليوم أكثر انتشارا بفعل وسائل التواصل التي جعلت من كل مقولة راسخة في الأذهان وكأنها وحي لا يرد.

المشكلة الحقيقية ليست في الأقوال ذاتها، بل في التعصب لها دون تفكير، حين يقدس الرأي أكثر من الحقيقة، وحين تتبع العبارات المنمقة أكثر من الحجج الدامغة، نجد هذا في السياسة، وفي الدين، وفي الاقتصاد، وحتى في حياتنا اليومية البعض لا يسأل: “هل هذا صحيح؟” بل يسأل: “من قال هذا؟”، فإن وافق هواه صدق بلا تثبت، وإن خالفه رفض بلا تدبر.

في عالم اليوم، لم يعد الكذب بحاجة إلى مسيلمة، فقد أصبحت له منصات، وأبواق، وأتباع يتبنونه بلا دليل، ويدافعون عنه بلا حجة، يكفي أن يوافق الهوى، حتى يصبح “حقيقة”، ويكفي أن يخالف الرغبة، حتى يصبح “كذبا”، والمصيبة ليست في انتشار الباطل، بل في تعطيل العقول، في تسليمها بلا تمحيص، في جعلها أسيرة للشعارات لا للحقائق، كم من أفكار تقدس لمجرد أنها مشهورة! وكم من حقائق تدفن لأنها لا تتماشى مع العاطفة!.

لقد أصبحت مقولة طلحة النميري مثلا يضرب لمن يتبع الرجال تعصبا، لا بحثا عن الحق، ولذا قال الإمام علي رضي الله عنه: “لا تعرف الحق بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله”، وقال الإمام مالك رحمه الله: “كل يؤخذ من قوله ويرد، إلا صاحب هذا القبر”، مشيرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

وختاما، فإن العاقل هو من يجعل ميزانه الحق، لا الأشخاص، ومن يقيس الأمور بميزان الحكمة، لا العصبية والهوى.

والله من وراء القصد.

مساحة إعلانية