رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

1566

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

صناعة المواطن العالمي

26 مارس 2025 , 02:00ص

في ظل التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة، تواجه بعض الدول الصغيرة تحديات ديموغرافية تؤثر على قدرتها على مواكبتها لتلك التحولات، وبالتالي على استدامتها الاقتصادية والاجتماعية، ومن بين تلك الدول بعض دول الخليج العربي، حيث يشكل المواطنون نسبة قليلة من إجمالي السكان، وهذا الواقع يفرض ضرورة توسيع شريحة النخب الوطنية، بحيث لا تقتصر على فئة محدودة، بل تشمل طيفاً أوسع من المجتمع، مما يضمن مشاركة أكبر في التنمية ويعزز القدرة على التنافس عالمياً.

ما المقصود بالمواطن العالمي؟

إن المواطن العالمي ليس مجرد شخص يجيد أكثر من لغة أو يحمل جواز سفر يتيح له حرية التنقل، بل هو فرد يمتلك رؤية واسعة تتجاوز الحدود الجغرافية، ويتمتع بقدرة على الفهم العميق للقضايا العالمية، والتفاعل مع الثقافات المختلفة، واستثمار الفرص المتاحة في مختلف المجالات، وفي الدول التي تواجه تحديات ديموغرافية يصبح بناء هذا النوع من الأفراد ضرورة استراتيجية لضمان استمرار التنمية وتعزيز الحضور الدولي.

إن صناعة المواطن العالمي تعني تأهيل أفراد يمتلكون المعرفة والمهارات التي تمكنهم من المشاركة والتفاعل مع القضايا المحلية والدولية، هؤلاء الأفراد ليسوا مجرد أكاديميين أو أصحاب شهادات عليا، بل أشخاص قادرون على بناء علاقات اقتصادية وثقافية، وتقديم حلول للمجتمعات الإنسانية عبر فهم عميق للمتغيرات العالمية.

لماذا نحتاج إلى مواطن عالمي؟

كما هو معلوم بأن النخب تشكل نسبة ضئيلة من أي مجتمع، قد تكون تلك النسبة كافية في الدول ذات التعداد السكاني الكبير نسبيًا، ولكنها لا تكفي في المجتمعات التي يكون فيها عدد المواطنين محدوداً كبعض دول الخليج مثلًا، هنا يصبح الاعتماد على فئة صغيرة من النخب أمراً لا يحقق أهداف التنمية المستدامة، فالتنمية الحقيقية لا تتحقق إلا من خلال تمكين أكبر عدد ممكن من الأفراد ليكونوا فاعلين في الاقتصاد، والإدارة، والابتكار.

إن المجتمعات التي تعتمد على قاعدة سكانية محدودة تحتاج إلى أفراد قادرين على التفكير بعقلية عالمية، وإقامة شراكات مؤثرة، والمساهمة في الاقتصاد والابتكار على مستوى يتجاوز الإطار المحلي، إن صناعة المواطن العالمي لا تتم بين ليلة وضحاها، بل تتطلب استراتيجيات طويلة الأمد تشمل التعليم المتطور، التفاعل الثقافي، تعزيز مهارات القيادة، وتنمية الوعي السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بحيث يصبح الفرد ليس فقط قادراً على مواكبة التغيرات العالمية، بل أيضاً مساهماً فعالاً في صياغتها.

ولتحقيق ذلك يجب التركيز على المحاور التالية على سبيل الإسترشاد لا الحصر:

• إصلاح النظام التعليمي بحيث يكون أكثر كفاءة وفاعلية، وأبعد عن النمطية والرتابة، ويضمن مخرجات متطورة ومنافِسة إقليميًا وعالميًا.

•إطلاق برامج ابتعاث وانتداب نوعية، تتيح للمواطنين التعلم من أفضل التجارب العالمية، ونقل تلك التجارب إلى الوطن.

•تعزيز دور القطاع الخاص في تأهيل الكفاءات الوطنية واستيعابها في سوق العمل.

•    خلق بيئة تشجع على البحث والابتكار، لأن الاقتصادات المستدامة لا تقوم على الاستيراد فقط، بل على إنتاج المعرفة.

وتعد التجربة السنغافورية من إحدى التجارب الملهمة في هذا المضمار، فلقد واجهت سنغافورة عند استقلالها تحديات شبيهة بتلك التي تواجهها بعض الدول ذات التركيبة السكانية غير المتوازنة، لكنها استطاعت عبر استثمارها في التعليم والبحث العلمي وتحفيز ثقافة الابتكار أن تتحول من دولة صغيرة بلا موارد إلى واحدة من أقوى الاقتصاديات العالمية.

وختامًا نقول: في عالم مترابط لا يمكن لأي دولة أن تعيش في عزلة عن التغيرات الدولية السريعة والهائلة في كل المجالات، فالمستقبل سيكون لأولئك الذين يستثمرون في عقولهم، وليس فقط في مواردهم!، ويبقى السؤال: «هل نحن مستعدون لمواجهة الطفرة الحضارية التي أطلت برأسها من جديد أم سنفوت الفرصة مرة أخرى؟».

مساحة إعلانية