رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

1164

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

كريم.. بائع الورد

19 فبراير 2025 , 02:00ص

مغترب يحمل في قلبه حبًّا خاصًّا للأزهار، نشأ في بيئة تقدّر الطبيعة والجمال، وكان حلمه أن يفتح متجرًا للورود الطبيعية، يبيع فيها الزهور بكل ألوانها وروائحها، ليضفي لمسة من الحياة على شوارع المدينة الباردة التي لجأ إليها، ورغم وجود العديد من بياعي الورود الطبيعية في نفس المكان إلا أنه لم يُسمح لـ «كريم» بممارسة نفس النشاط حتى لا يتضرر المواطن الغربي من هذا المغترب العربي، فلم يكن أمامه سوى الحصول على ترخيص لبيع الورود الصناعية، تلك المصنوعة من البلاستيك، المتماثلة في مادتها، لكن مختلفة في أشكالها وألوانها.

حاول في البداية التعامل مع الأمر كحلٍّ مؤقت، لكنه وجد نفسه مجبرًا على التأقلم بعد أن أتقن فن المهنة الجديدة، فبدأ يسعّر الورود وفقًا لمظهرها، رغم أنها مصنوعة من نفس المادة، فالبعض كان يُباع على أنه “فاخر” كزهرة التوليب والأوركيد مثلًا، والبعض الآخر على أنه “عادي”، رغم أن الفرق كان مجرد اختلاف في التصميم لا في الجوهر، ومع الوقت أدرك أن الناس تقبلوا الفكرة، بل بدأوا يفضلون الورود الصناعية لأنها “لا تموت” ولا تحتاج إلى رعاية، وأدرك أيضًا أن الأشكال القديمة يمكن إعادة تدويرها وإنتاج ورود أخرى منها وعرضها من جديد.

ومع ازدهار تجارته إلا أنه لم يستطع تجاهل حقيقة أن الورود التي يبيعها مجرد تماثيل بلاستيكية تُحاكي الجمال دون أن تمتلكه أو تفوح بشذاه. تلك القصة ليست مجرد حكاية بائع زهور، بل هي مرآة تعكس واقعًا اجتماعيًا أوسع، حيث أصبح الشكل الخارجي أكثر أهمية من الجوهر، والمظهر يغلب الحقيقة. في مجتمعات تزدحم فيها الواجهات البراقة، نجد أن “كريم” ليس وحده من اضطر إلى التكيف؛ فالكثيرون أجبروا على تغيير قناعاتهم، التنازل عن مبادئهم، والاندماج في أنظمة لا تمنحهم إلا خيارات محدودة، تمامًا كما فرضت عليه الورود البلاستيكية بدلًا من الطبيعية.

ومع مرور الوقت، لم يعد الناس يفرقون بين الزهرة الحقيقية والمزيفة، بل أصبحوا يفضلون ما يدوم أطول، بغض النظر عن كونه بلا حياة. وهكذا، أصبحت حياتنا مليئة بالنماذج المكررة، الوجوه المتشابهة، الأفكار المستنسخة، والأحلام التي فقدت عبيرها الحقيقي، لكنها ظلت تُعرض على الرفوف في أشكال أكثر قبولًا وأكثر انسجامًا مع متطلبات السوق.

في هذا السياق، نجد أن القيم الأصيلة تُستبدل بأخرى سطحية، حيث يُقدَّر المظهر على حساب المضمون، والعلاقات الإنسانية أصبحت تعتمد على ما يبدو للعيان، وليس على ما يكمن في القلوب، والأفكار تُقيَّم بمدى شعبيتها وليس بعمقها أو فائدتها، حتى الطموحات والأحلام باتت تُصاغ بما يتوافق مع المعايير السائدة وليس بما يعبر عن الذات الحقيقية.

قصة “كريم” تذكرنا بأهمية التمسك بالجوهر، والسعي للحفاظ على القيم الحقيقية في عالم يميل إلى تفضيل الزيف على الأصالة. إنها دعوة للتفكير في اختياراتنا، والتأكد من أننا لا نضحي بما هو حقيقي مقابل ما هو مصطنع وبراق.

اقرأ المزيد

معركة بلا غنائم !!! معركة بلا غنائم !!!

في الطريق قد يسيء إليك سائق، وفي متجر قد يخطئ بائع، وفي فندق قد يختلف معك موظف الاستقبال،... اقرأ المزيد

990

| 02 سبتمبر 2026

أخلاق الفرسان.. مروءة الخلاف أخلاق الفرسان.. مروءة الخلاف

في الحياة المهنية، لا تظهر أخلاق الإنسان عندما تسير الأمور كما يريد، ولا عندما تتفق معه الآراء، وإنما... اقرأ المزيد

879

| 26 أغسطس 2026

حصان طروادة حصان طروادة

تروي الأسطورة أن مدينة طروادة صمدت سنوات أمام الجيوش التي حاصرتها، فلم تستطع الأسوار أن تُهزم بالقوة، حتى... اقرأ المزيد

945

| 19 أغسطس 2026

مساحة إعلانية