رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يُعَدّ التعليم من أهم العوامل التي تؤثر في الحراك الاجتماعي داخل المجتمعات الحديثة. ورغم الاهتمام الكبير الذي توليه هذه المجتمعات للتعليم، إلا أن طول فترة التعليم وارتفاع تكاليفها يحد من قدرة الجميع على الوصول إلى المستوى التعليمي المطلوب. إذا لم تعمل الدولة على تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص للأطفال الفقراء، فإنهم سيظلون عالقين في دائرة الفقر، بينما يواصل الأطفال الأغنياء الاحتفاظ بمكانتهم المادية. وينطبق الأمر ذاته على مستوى الدول؛ إذ تستثمر الدول الغنية بشكل أكبر في التعليم، مما يسمح لها بالانتقال إلى اقتصادات ذات قيمة مضافة عالية، في حين تبقى الدول الفقيرة محصورة في الأعمال التي تعتمد على العمالة الرخيصة.عند ظهور الإنترنت لأول مرة، ساد تفاؤل واسع بأنه سيساهم في إزالة الفجوة التعليمية بين الأغنياء والفقراء، سواء على مستوى الأفراد أو الدول. حيث كان الاعتقاد السائد أن الإنترنت سيكون متاحًا للجميع بسهولة، مما سيحقق فرصًا متكافئة في التعليم. ومع ذلك، سرعان ما اتضح أن انتشار الإنترنت لم يكن متساويًا بين الجميع، بل أدى إلى تعميق الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة. وبنفس الطريقة، تزايدت الفوارق بين الطبقات الغنية والفقيرة داخل نفس الدولة.أطلق علماء الاجتماع على هذه الظاهرة مفهوم «الفجوة الرقمية»، وهي تعبر عن التفاوت بين الأفراد الذين لديهم إمكانية الوصول إلى أجهزة الحاسوب والهواتف المحمولة والإنترنت، وبين من يفتقرون إلى هذه الإمكانية. ومع الانتشار الواسع لشبكات التواصل الاجتماعي وظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبحت هذه الفجوة أعمق. في مجالات التعليم والعمل وحتى السياسة، بات الأفراد الذين يستطيعون الوصول إلى الإنترنت والمعلومات يتمتعون بمزايا تفوق بكثير أولئك الذين لا يملكون نفس الفرصة. تتأثر الفجوة الرقمية بعوامل مثل مستوى التعليم، مستوى الدخل، والفروقات الإقليمية، مما تؤدي إلى تأثيرات متفاوتة على فئات المجتمع المختلفة، بما في ذلك الجنس، العمر، والعرق. فلدى الرجال فرص أكبر للوصول إلى الإنترنت مقارنةً بالنساء، بينما تكون مهارات كبار السن في استخدام الإنترنت أقل من الشباب، وتعاني المجموعات السوداء من فرص أقل للوصول إلى الإنترنت بسبب الفقر والتمييز العنصري. هذه التباينات تؤثر بشكل مباشر على نجاحهم في مجالات التعليم وسوق العمل. أثناء جائحة كوفيد- 19، برزت أهمية الوصول إلى الإنترنت مجددًا عندما أصبح التعليم عن بعد ضروريًا. وبينما تلقى الشباب تعليمهم في المنازل لمدة تقارب السنة والنصف، كان الذين يتمتعون بإمكانية الوصول إلى الإنترنت في وضع أفضل بكثير من غيرهم. فقد تمكن الطلاب الذين لديهم إنترنت من متابعة دروسهم عبر الإنترنت بسهولة، وأداء واجباتهم باستخدام المصادر المتاحة. ومع ذلك، فإن الطلاب الذين لم يكن لديهم إمكانية الوصول إلى الإنترنت بسبب الفقر أو أولئك الذين يعيشون في المناطق الريفية، كانوا بعيدين ليس فقط عن معلميهم، بل أيضًا عن مصادر المعلومات.خلال فترة كورونا، كانت معرفة الوالدين بأساسيات الإنترنت مهمة جدًا في تكيُّف الأطفال وتطورهم التعليمي. إذ شكل استخدام تطبيقات مثل «زووم» وغيرها من المصادر الرقمية تحديًا كبيرًا، خاصة للأطفال الصغار ووالديهم. من جهة أخرى، يعاني بعض الشباب الذين يقضون أوقاتًا طويلة على الإنترنت من مشكلات مثل إدمان الإنترنت والألعاب، وهي مشكلات تظهر بشكل أكبر لدى الأطفال الأثرياء. هناك جهود تُبذل لتحسين الوصول الرقمي في المدارس. وعلى الرغم من أن الحكومات تسعى لضمان وصول الجميع إلى الإنترنت، فإن ذلك ليس سهلاً. فالقدرة على شراء أجهزة الكمبيوتر أو الهواتف المحمولة ليست متاحة للجميع بنفس السهولة. وللتغلب على هذا العائق في تركيا، قامت الحكومة بتوزيع أجهزة لوحية على طلاب التعليم الثانوي، وقدمت وزارة التعليم والمؤسسات الحكومية الأخرى مصادر تعليمية مجانية. على الصعيد العالمي، بدأ مشروع توزيع الأجهزة اللوحية على الدول الفقيرة تحت رعاية الأمم المتحدة لمحاولة سد الفجوة الرقمية، ولكن تأثيره كان محدودًا للغاية. قطر تساعد أيضًا الدول الفقيرة في التعليم الرقمي لكن توفير أجهزة الكمبيوتر لجميع الطلاب الفقراء في العالم هو أمر مستحيل. علاوة على ذلك، لا تزال هناك مناطق في إفريقيا تفتقر إلى الكهرباء، ناهيك عن الوصول إلى الإنترنت. نفس المشكلة تواجهها المناطق المتضررة من النزاعات مثل غزة والسودان بعد تدمير البنية التحتية التعليمية، مما يعيق حتى التعليم التقليدي، فضلاً عن التعليم الرقمي. باختصار، تجاوز سد الفجوة الرقمية لن يكون مهمة سهلة بالنسبة للجميع.
963
| 18 سبتمبر 2024
في الوقت الذي لا تزال فيه بعض المناطق في الدول الأفريقية تعاني من نقص في الكهرباء، تسعى القوى الكبرى ودول أخرى إلى تحقيق ميزة إستراتيجية من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي. هذه التقنية التي تعتمد على الآلات وأجهزة الكمبيوتر للتفكير والبحث والتحليل أصبحت تعرف باسم الذكاء الاصطناعي، وعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي هو نتاج لعلم الحاسوب، إلا أنه يؤثر في العديد من العلوم الأخرى مثل البيولوجيا، علم النفس، والفيزياء. كما بدأ يلعب دورًا حاسمًا في العلاقات الدولية. ففي هذا المجال، يمكن للذكاء الاصطناعي مراقبة التطورات في الدول المنافسة، وتحليلها في الوقت الفعلي، مما يساعد على اتخاذ قرارات إستراتيجية فعالة تؤثر بشكل كبير على العمليات الدبلوماسية والسياسات الأمنية، هذا التأثير يمكن أن يعيد تشكيل أهم عوامل المنافسة في النظام الدولي بشكل جذري. يبدو أن الذكاء الاصطناعي سيصبح عاملاً حاسماً في إعادة تشكيل المنافسة والمزايا الاستراتيجية بين الدول، وتشمل العناصر الأساسية للمنافسة هياكل الأنظمة السياسية، وتوجهات القادة وقراراتهم، وبناء قوات عسكرية ذات كفاءة عالية، وتعزيز الأمن القومي، والحد من الإرهاب، وملاحقة المجرمين، والتفوق في تكنولوجيا المعلومات، بالإضافة إلى تحسين كفاءة وفعالية المشتريات، وزيادة مستويات التعاون الدولي، وتعزيز المزايا التجارية. يمكن لكل من هذه العوامل أن يتأثر بشكل كبير باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، مما يتيح فرصاً أكبر لتحسين الأداء وتحقيق التفوق الاستراتيجي. في المنافسة التجارية، يُمكّن الذكاء الاصطناعي الدول والشركات من تحسين عملياتها التشغيلية من خلال تحليل أسرع لتوازن العرض والطلب في الأسواق العالمية. وبهذه الطريقة، يمكنها اكتساب ميزة تنافسية اقتصادية وتعزيز مرونتها وكفاءتها في السوق العالمية، مما يتيح لها اتخاذ موقف أقوى. كما يسهم الذكاء الاصطناعي في تعميق المنافسة بين الدول والشركات من خلال خفض التكاليف وزيادة الربحية في مجالات التجارة والتعاون وبالتالي تعميق المنافسة بين الدول والشركات. في التجارة العالمية، تلعب تقنيات الذكاء الاصطناعي دورًا حيويًا في تحسين طرق التجارة وجعل العمليات اللوجستية أكثر كفاءة، كما تسهم بشكل كبير في إدارة سلاسل الإمداد. وهذا يمكّن الدول والشركات متعددة الجنسيات من تحقيق مزايا استراتيجية في التجارة الدولية. علاوة على ذلك، يساعد الذكاء الاصطناعي في إجراء تحليلات تنبؤية للمعاملات التجارية الدولية، مما يسهم في التكيف بشكل أسرع مع التغيرات في السوق. يمكن لهذه التقنيات أن تخفف من آثار الأزمات الاقتصادية وتقلل من مخاطر الاستثمار. من المنظور الأمني، أصبح الذكاء الاصطناعي ذا أهمية متزايدة. في عملية بناء قوة عسكرية فعالة، يمكن للذكاء الاصطناعي تعزيز المزايا الاستراتيجية للدول من خلال تحليل البيانات الضخمة والتنبؤ بالتهديدات المستقبلية المحتملة. كما تلعب الذخائر والأسلحة الذكية دورًا حيويًا في تحسين أنظمة المراقبة، وتحليل التهديدات المحتملة، وتعزيز الأمن السيبراني.تمتاز تقنيات الذكاء الاصطناعي بقدرتها على توقع الأزمات ومنع الصراعات، وهي قدرة ذات قيمة كبيرة. ومع ذلك، يمكن استخدامها أيضًا لإثارة الأزمات بين الدول، من خلال نماذج التنبؤ بالتوترات والصراعات، يتيح الذكاء الاصطناعي التنبؤ بالأزمات مسبقًا واتخاذ خطوات وقائية أو محفزة. على سبيل المثال، يمكن أن يسهم الذكاء الاصطناعي في تعزيز الأنشطة التي تزيد من العنصرية والكراهية بين المجتمعات، وقد يتم استخدامه في سياقات مثل المجتمعات في الشرق الأوسط. يمكن لخوارزميات الذكاء الاصطناعي تحليل التهديدات الأمنية الوطنية والدولية لتطوير أنظمة إنذار مبكر. في مكافحة الإرهاب واعتقال المجرمين، تتيح التحليلات المدعومة بالذكاء الاصطناعي لقوات الأمن التصرف بشكل أكثر فاعلية وسرعة. تعزز قدرات الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات والتنبؤ في اتخاذ القرارات من قبل الدول بشكل أسرع، وأكثر، وعيًا واستراتيجية. يمكن لهذه التقنيات تحسين تصرفات القادة، مما يساهم في تقليل عدم اليقين على الساحة الدولية ويؤدي إلى نظام عالمي أكثر قابلية للتنبؤ. وبالمثل، يمكن للمنظمات غير الحكومية والجماعات المعارضة استخدام الذكاء الاصطناعي لتطوير استراتيجياتها. كما يقدم الذكاء الاصطناعي حلولاً فعّالة في مجال الدبلوماسية. في عمليات المفاوضات الدبلوماسية، يمكنه تطوير اقتراحات توازن مصالح الأطراف، مما يساعد على تسريع وتيرة العملية الدبلوماسية. من خلال المحاكاة السلوكية المستقبلية للأطراف المعنية، يمكن لمفاوضات الذكاء الاصطناعي تقديم نتائج مثلى، مما يعزز إمكانية التوصل إلى توافق في العلاقات الدولية. ومع ذلك، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي أيضًا من قبل القوى التي تسعى إلى تعزيز الصراعات بدلاً من التفاهم. سيكون الذكاء الاصطناعي عاملاً مهمًا في تشكيل العلاقات الدولية في المستقبل.
2502
| 11 سبتمبر 2024
تعود العلاقات بين تركيا ومصر إلى العصور القديمة، حيث استقر الأتراك في مناطق مثل الأناضول وسوريا قبل وصولهم إلى مصر. بعد سقوط العباسيين، تعززت الروابط بشكل كبير خلال العصور المملوكية والعثمانية. تبقى الروابط الاجتماعية والثقافية بين البلدين قوية، مثل وجود أصول تركية في مصر واستخدام كلمات تركية باللهجة المصرية. رغم أن الحرب العالمية الأولى فرقت بين الشعبين، إلا أن كلا البلدين دعما بعضهما في معركة الاستقلال بين عامي 1919 و1922. فصلت معاهدة لوزان بين شعوب المنطقة، لكن التأثير العثماني في مصر استمر حتى عام 1952. بعد ذلك، وُضعت خطط حالت دون تعزيز العلاقات بين البلدين، خصوصًا خلال فترة حكم أنور السادات، رغم تحول السياسة الخارجية لكلا البلدين نحو الولايات المتحدة. في الثمانينيات، عارضت تركيا ومصر الغزو الروسي لأفغانستان، بينما دعمت مصر صدام حسين في الحرب العراقية الإيرانية، والتزمت تركيا بالحياد. خلال أزمة الكويت في التسعينيات، لعبت مصر وتركيا دورًا في إخراج العراق من الكويت. في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، رفضت الدولتان الغزو الأمريكي للعراق، ومع صعود حزب العدالة والتنمية في تركيا، تحسنت العلاقات مع مصر بشكل ملحوظ. بعد الربيع العربي وعودة مصر إلى النظام القديم تحت قيادة عبد الفتاح السيسي، تصاعدت التوترات بين تركيا ومصر، مما أدى إلى قطيعة طويلة بين الجانبين. خلال السنوات الإحدى عشرة الماضية، تغيرت التوازنات العالمية والإقليمية بشكل ملحوظ. من بين هذه التغيرات، نذكر انتهاء الحصار على قطر، وفشل انقلاب خليفة حفتر في ليبيا، وظهور تعقيدات جديدة في اليمن، بالإضافة إلى جائحة كوفيد-19، وانسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، والحرب في أوكرانيا، والحرب الأهلية في السودان، وأخيرًا الهجوم الإسرائيلي على غزة. كل هذه الأحداث أثرت بشكل كبير على العلاقات الثنائية بين مصر وتركيا. ومع استمرار القضايا المعقدة مثل التوترات في شرق البحر الأبيض المتوسط والأزمة في ليبيا، أصبح الحوار بين البلدين أكثر إلحاحًا من الصراع. من أبرز القضايا التي تعزز التعاون بين تركيا ومصر هي مسألة تقسيم المناطق الاقتصادية الخالصة في شرق البحر الأبيض المتوسط. تتوافق رؤية تركيا بشأن تقسيم هذه المناطق مع مصالح مصر وليبيا، رغم أن الاتفاق بين تركيا والحكومة الليبية الشرعية كان خطوة غير مرغوب فيها بالنسبة لمصر، التي دعمت سياسيًا قائد الانقلاب خليفة حفتر. ومع ذلك، لم تشهد العلاقات بين البلدين توترًا شديدًا. في الواقع، يعد استقرار وتنمية ليبيا مهمًا لكلا البلدين. بالرغم من محاولات بعض الدول لتشجيع مصر على دعم حفتر، إلا أن إدارة السيسي اختارت عدم الانخراط في هذا الصراع. في السنوات الأخيرة، ظهرت ثلاثة تطورات رئيسية تثير قلق مصر. أولاً، سد النهضة الذي بنته إثيوبيا على نهر النيل وبدأت في ملئه، مما يشكل تهديدًا لمصادر المياه الحيوية لمصر. ثانيًا، الحرب الأهلية السودانية تسببت في نزوح ملايين السودانيين إلى داخل البلاد، مما أثر أيضًا على مصر التي استقبلت عددًا كبيرًا من هؤلاء اللاجئين. ثالثًا، حرب غزة التي زادت من التوترات في المنطقة، بما أن غزة جارة لمصر وتأثرت بشكل كبير بالأزمة هناك. في ظل هذه التطورات، تعرضت مصر لضغوط متزايدة للتدخل بشكل أكبر في الساحة الدولية والمحلية. من بين القضايا التي تساهم في تعميق الشقاق بين تركيا ومصر هي مسألة لجوء ممثلي جماعة الإخوان المسلمين إلى تركيا. على الرغم من أن تركيا توفر لهم اللجوء بشكل مشابه للدول الغربية، فإنها تتجنب استفزازهم سياسيًا. في هذا السياق، قد يسهم تطبيع العلاقات بين تركيا ومصر في تخفيف حدة المعارضة، كما حدث خلال فترة أنور السادات، أو قد تقوم تركيا بدور الوسيط في حل هذه القضية. على الرغم من تضييق العلاقات الدبلوماسية بين تركيا ومصر في الفترة الأخيرة، فإن العلاقات الاقتصادية بين البلدين لم تتأثر. تواصل تركيا استيراد مجموعة متنوعة من المنتجات من مصر، بما في ذلك السلع الصناعية والاستهلاكية، فضلاً عن الغاز الطبيعي والمنتجات الغذائية. من ناحية أخرى، تواجه مصر تحديات اقتصادية كبيرة وتسعى للاستفادة من الإنتاج التركي والإمكانات الاستثمارية لتعزيز اقتصادها. في الوقت نفسه، ترى تركيا في مصر بوابة استراتيجية إلى أفريقيا والعالم العربي، حيث يقترب إجمالي عدد السكان من 200 مليون نسمة، مما يعزز الإمكانيات التجارية بين البلدين.
1695
| 05 سبتمبر 2024
المعرفة هي أساس كل شيء والإنسان عدو ما يجهله، إن العديد من المشكلات التي نواجهها اليوم تنبع من نقص المعرفة أو المعرفة المشوهة، في عصر المعلومات والعولمة، يبدو أن لدينا الكثير من المعلومات ولكن لا يتم استخدامها بشكل بناء، ولا تتحول إلى معرفة مفيدة، بالطبع، تزعم منصات التواصل الاجتماعي أنها ضد خطاب الكراهية وتحظرها قدر الإمكان، لكن المنشورات المعادية للمسلمين أو العرب أو الأتراك يتم منحها لمسة إضافية عمدًا بواسطة خوارزميات هذه المنصات، على العكس من ذلك، يتم حذف المنشورات ضد إسرائيل والصهيونية تلقائيًا أو تقليل عرضها وتفاعلها، النتيجة الطبيعية لهذا التطور هي صورة مشوهة للعالم الإسلامي والقضايا الإسلامية. في نفس الوقت، لدينا فرص مجانية وغير مكلفة نسبيًا لنشر المعلومات والمعرفة عبر الإنترنت لرواة الحقيقة ولنشر المعلومات أو المعرفة الحقيقية، نحتاج إلى إنتاج معلوماتنا وتحليلاتنا ومعارفنا العلمية في العالمين العربي والتركي، على سبيل المثال، نحتاج إلى دراسة تاريخنا من مصادرنا الخاصة مثل الأرشيف العثماني أو المصري أو التونسي. وبالمثل، تغطي وسائل الإعلام الغربية الأحداث الجارية في العالم الإسلامي بشكل متحيز وتضخم التطورات السلبية وتقلل من شأن التطورات الإيجابية، ويهدف البعض إلى تشويه الواقع عمدًا بينما يحدث بعض التحيز عن غير قصد. ولهذا الغرض، فإن الإنتاج المشترك للمعلومات والمعرفة الصحيحة في الدوائر الأكاديمية التركية والعربية أمر بالغ الأهمية، والخطوة الثانية هي مشاركة هذه المعلومات بين بعضنا البعض ومع العالم أوسع، ولكن هناك حاجزا لغويا بين الجانبين، وبسبب التوجه الغربي للكمالية، لا يتحدث الأكاديميون الأتراك اللغة العربية عمومًا، وينطبق وضع مماثل إلى حد ما على العلماء العرب الذين لا يتحدثون التركية، في الواقع، اعتاد العلماء العرب والأتراك على التفاهم بشكل جيد جدًا قبل حوالي 120 عامًا، حيث تم تدريس اللغة العربية على نطاق واسع في المدارس والجامعات العثمانية، وبالمثل، اعتاد العلماء العرب دراسة اللغة التركية العثمانية التي كانت قريبة جدًا من العربية أيضًا. في عصر العولمة والذكاء الاصطناعي، لا يمكن لحاجز اللغة أن يعيق التواصل والتعاون بين العلماء العرب والأتراك لأنهم يستطيعون قراءة كتابات ومنشورات الآخرين بسهولة من خلال الترجمة الآلية، علاوة على ذلك، يتحدث الجانبان اللغة الإنجليزية بشكل عام ويقرؤون المنشورات الأكاديمية لبعضهما البعض، يلتقي العديد من هؤلاء العلماء في مؤتمرات دولية في الغرب، ولكن العادة القديمة المتمثلة في إعطاء الأولوية للغرب لا تزال تعرقل التفاعل النشط، نشهد تنظيم العديد من المؤتمرات الثنائية التي تسمى بعربية أمريكية، أو تركية أمريكية، أو ألمانية عربية، أو ألمانية تركية حول مواضيع مختلفة، ومع ذلك، نادرًا ما نجد مؤتمرًا يحمل اسم «عربي تركي أو تركي سعودي، الخ» في العديد من المجالات الممكنة. إدراكًا للحاجة إلى المزيد من التعاون الأكاديمي بين الجانبين، بدأت شخصيًا في تنسيق العديد من المؤتمرات العربية التركية للعلوم الاجتماعية (ATCOSS) التي عقدتها جامعة القاهرة وجامعة عثمان غازي ومركز أبحاث تركي منذ عام 2010، بدأت في أنقرة وتكررت كل عام في مدن مختلفة، وهي القاهرة وإسطنبول وعمان ومراكش، لكنها توقفت بعد ذلك، لقد عُقدت مؤتمرات مشتركة أخرى ولكن لا يزال أمامنا طريق طويل لنصل إلى المستوى الكافي، وأنا شخصيا أشجع هذا التعاون الأكاديمي في كل المجالات وأسعد عندما أرى بعض المنتديات أو اللقاءات الأخيرة بين الدول العربية والتركية في آسيا الوسطى مثل أذربيجان وأوزبكستان وتركمانستان. هناك العديد من الجامعات الغربية الناجحة في الدول العربية وتركيا، ونحن بحاجة أيضا إلى جامعات تركية في الدول العربية وجامعات عربية في تركيا، أو على الأقل جامعات مشتركة مثل الجامعات والمؤسسات التركية العربية أو القطرية التركية أو الجزائرية التركية. ويمكن للجامعات أن تقدم شهادات مشتركة بينما يمكن للأقسام والمعاهد ومراكز البحوث أن تنظم معاً ندوات وتنشر الكتب والمجلات، ومن الطرق السهلة الإشراف المشترك على الأطروحات (الماجستير أو الدكتوراه) من قبل علماء أتراك وعرب. على سبيل المثال، يمكن للطالب التركي الذي يدرس الجانب الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للمجتمع العربي أن يكون لديه مشرف من الجانبين، وبالمثل، يمكن لبرامج الدرجات المشتركة في التاريخ والعلاقات الدولية والإدارة والاقتصاد واللغات العربية والتركية أن تسمح لطلابها بالدراسة لمدة عامين في تركيا وسنتين في دولة عربية. ما زال الطريق طويلا، ويلزم أن نبدأ من خلال مذكرات التفاهم وتنسيق فعاليات صغيرة بخطوات صغيرة، حيث «إنما الأعمال بالنيات».
1368
| 28 أغسطس 2024
مع انتشار الإسلام في بلاد الشام وشمال أفريقيا والأندلس بعد ظهوره حاول العالم الكاثوليكي بقيادة البابا طرد المسلمين من أراضيهم عبر الحروب الصليبية. هاجم الصليبيون منطقة الشام بحجة حماية الأراضي المقدسة، لكن جيش صلاح الدين الأيوبي طردهم عام 1187، إلا أنهم واصلوا هجماتهم على المنطقة برا وبحرا خلال القرون التالية. كانت هناك 6 حملات صليبية كبرى بعد صلاح الدين والعديد من الحملات الصليبية الصغرى الأخرى. وكانت الحملة الصليبية السابعة ذات أهمية خاصة حيث جاء الملك الفرنسي إلى دمياط وتم صده عام 1250 لكنه عاد مرة أخرى إلى تونس بعد 20 عامًا وقُتل في تلك المرة (الحملة الصليبية الثامنة). أوقفت الدولة العثمانية معظم الحروب الصليبية التالية في أوروبا الشرقية، وكان انتصار فارنا حاسماً بشكل خاص في عام 1444. وبعد سقوط الأندلس، استهدفت عدة حملات صليبية الأراضي العربية والإسلامية في الغرب. أول استعمار بحري جاء على يد البرتغال وإسبانيا حيث قسم البابا ليو العاشر العالم من أجل استعمارهما. أطلق الصليبيون الجدد على أنفسهم اسم الفاتحين وحملتهم كانت مبنية على الدين والمجد والذهب. على سبيل المثال، هاجم الإمبراطور شارل الخامس تونس عام 1535 والجزائر عام 1541 والإسبانيون هاجموا على المهدية في تونس عام 1390. وعلى الرغم من أنه كان علمانيًا، إلا أن هجوم نابليون على مصر عام 1798 يمكن اعتباره حملة صليبية أخرى. من المحتمل أن الحملة الصليبية الأكثر أهمية والتي مرت دون اهتمام كبير جاءت في حرب وادي المخازن في المغرب عام 1578، والتي دفنت الإمبراطورية البرتغالية في التاريخ. وبدعم روحي من البابا، سيطرت البرتغال على مناطق مهمة في الهند، وإفريقيا، والخليج العربي، وأمريكا. وقد صد الجيش العثماني جهودهم للسيطرة على المحيط الهندي بما في ذلك الخليج العربي والبحر الأحمر خلال معظم القرن السادس عشر. كان هناك صراع طويل بين الإمبراطورية العثمانية والإمبراطورية البرتغالية من أجل السيطرة على المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط. وآخر هذه الصراعات كانت حرب وادي المخازن أو حرب ثلاثة ملوك. وتمشيا مع المنطق الصليبي، حرصت البرتغال على غزو المغرب منذ قرن من الزمان، لكن وحدة البلاد والتضامن مع الدولة العثمانية التي وحدت شبه الجزيرة العربية مع المغرب العربي تحت الخلافة العثمانية، حال دون ذلك. عند وفاة السلطان السعدي عبد الله الغالب عام 1574، ورث ابنه محمد الثاني المتوكل العرش لكن عمه عبد الملك أسقطه من العرش بدعم روحي وعسكري من الدولة العثمانية عام 1574. طلب المتوكل المساعدة من الملك البرتغالي سيباستيان الذي أراد أن يحقق حلمه السيطرة على المغرب. وقاد سيباستيان، الذي كرّس كل موارده تقريبًا لهذه الحرب، جيشًا قوامه حوالي 20 ألف جندي ونبلاء إلى جانب جيش المتوكل المخلوع. وكان جيشه يشبهه الحملات الصليبية بدوافعها الدينية، وكان قوامه 2000 متطوع من إسبانيا، و3000 مرتزق من الفلمنكيين وألمانيا إلى جانب 600 إيطالي، بإجمالي حوالي 30 ألف جندي. من ناحية أخرى، وصل عدد الجيش المغربي إلى 40 ألفًا بدعم عثماني من ولاية الجزائر. يقول المؤرخون البعض إن القادة العثمانيين قادوا إدارة الحرب. وكانت النتيجة انتصار الجيش المغربي بمساندة الجيش العثماني الجزائري بعد نصف يوم من المعارك العنيفة التي قتل فيها ثلاثة ملوك. غيّر الانتصار مجرى التاريخ حيث اختفت البرتغال كقوة عظمى من الساحة العالمية وأجل الاستعمار الغربي للأراضي العربية نحو 3 قرون. إلا أن هذه الحرب الكبرى تم تجاهلها لعدة أسباب. الأول: أن المؤرخين الغربيين لا يهتمون بالموضوع لأنه يدل على قوة المسلمين، على عكس اليوم. ثانياً، حدث النصر في عهد السلالة السعدية، ثالثًا، أهمل المؤرخون الأتراك أيضًا هذا الحدث من بين أحداث أخرى، إن لم يتم التعتيم عليه عمدًا. رابعاً، الدراسة الشاملة للحدث مهمة صعبة لأنها تتضمن الأدبيات والوثائق باللغات العربية، والتركية العثمانية والإسبانية والبرتغالية. السؤال يطرح نفسه لماذا سيطرت البرتغال على العديد من الأماكن حول العالم ولم تستطع أن تسيطر على المغرب والجواب يكمن في قوة الوحدة. في النهاية، فإن هذا الانتصار العظيم المنسي في التاريخ له دلالات كثيرة للشراكة العربية التركية اليوم.
1032
| 21 أغسطس 2024
بعد انهيار الخلافة العثمانية، تأسست تركيا كدولة حديثة على النمط الغربي تقوم على القومية العلمانية. حاول المؤسسون الحد من دور الإسلام بقطع كل الروابط تقريبًا مع الماضي. بسبب استبدال الأبجدية العربية بالأبجدية لزم إعادة كتابة كل النصوص الدينية لتعليم الجمهور التركي بالدين. تم تقليص دور الإسلام بشكل كبير بالتحول من الخلافة إلى مديرية الشؤون الدينية (Diyanet İşleri) ولكن العلماء والشعب بذلوا جهوداً كبيرة للحفاظ على دينهم. على الرغم من دورها التابع للسلطة، لم تخدم مؤسسة الديانة في إضفاء الشرعية على السياسات العلمانية للنظام الجديد ولكنها حاولت تعليم الإسلام قدر الإمكان. ظهر العديد من المديرين البارزين لمؤسسات الديانة ذوي المعرفة والكاريزما في 100 عام. كان طيار ألتيقولاتش أحد أولئك الذين تركوا إرثًا كبيرًا أثناء خدمتهم في فترة صعبة بعد الانقلاب العسكري عام 1980. بالتعاون مع حكومة تورغوت أوزال المدنية، استفاد من تراخي الدولة فيما يتعلق بالإسلام في مواجهة التهديد المتزايد للشيوعية ومطالب الجمهور القادمين من المناطق الريفية. كان مشروعه الرئيسي هو إنشاء مركز إسام للدراسات الإسلامية (ISAM) بتمويل من مؤسسة الديانة في عام 1983. أصبح مركز إسام مركزًا للدراسات والبحوث الإسلامية جنبًا إلى جنب مع مشاريعه الرئيسية الأخرى: (أ) موسوعة الإسلام، (ب) مكتبة كبيرة ومركز توثيق، (ج) إرسال طلاب الدراسات العليا إلى الخارج، (د) تقديم المؤسسة لخدمات دينية للمسلمين في أوروبا و(هـ) جامعة 29 مايو. حقق كل من هذه المشاريع نجاحًا كبيرًا ومن المحتمل أن يكون لها تأثيرات دائمة في الحياة الفكرية والدينية في تركيا. كان أهم مشروع للمركز هو إنتاج موسوعة الإسلام التي نشرت أول مجلد لها عام 1988 واكتملت بـ 46 مجلدًا في عام 2016. ساهم أكثر من ألفين باحث في كتابة المقالات من جميع أنحاء العالم. تضمنت الموسوعة حوالي عشرين ألف موضوع متعلق بالإسلام والتاريخ والحضارة الإسلامية وكذلك المجتمعات الإسلامية في جميع أنحاء العالم وهي مفتوحة للجميع مجانا عبر الإنترنت منذ عام 2014. يحتوي موقعها الإلكتروني الجديد على واجهة بسيطة مع إمكانيات بحث متقدمة. وكذلك نُشرت الموسوعة المختصرة للإسلام باللغة الإنجليزية في ثمانية مجلدات (2019). تُرجمت إلى اللغة الروسية وستتبعها لغات أخرى. كما أنتج المركز موسوعة إسطنبول في 10 مجلدات تحتوي على 363 مقالاً و4000 مادة بصرية عالية الجودة، مثل الخرائط والمنمنمات والنقوش واللوحات والوثائق الأرشيفية. بالإضافة إلى ذلك، أنتج مركز إسام ما يقرب من 260 كتابًا مرجعيًا. ويعمل المركز حالياً على مشروع الموسوعات الموضوعية بمشاركة 18 لجنة أكاديمية تضم 130 خبيراً. وستغطي الموسوعات الموضوعية مثل الاقتصاد والتمويل الإسلامي، والموسيقى الدينية في العالم الإسلامي، والحج، والأديان العالمية، والفقه، والتاريخ الإسلامي الكلاسيكي للعلوم، وأفريقيا، والحديث، والفكر السياسي الإسلامي، والدول والمجتمعات الإسلامية المعاصرة، والأخلاقيات الحيوية الإسلامية وأدب العالم الإسلامي، والمذاهب الإسلامية، والتصوف. وقد أطلق المركز مؤخراً قاعدة بيانات عن العلماء المسلمين. تأسس مركز أبحاث إسام بالتزامن مع مشروع الموسوعة، ولكنه لا يزال يخدم النشاط العلمي حتى بعد اكتمال الموسوعة. وقد أُنشئت مكتبته الضخمة في عام 1984 لجمع المنشورات اللازمة لإعداد موسوعة ديانت للإسلام. وتستضيف المكتبة 347.000 كتاب، و237.000 إصدار من 4.253 مجلة، و23.670 سجلاً للمحكمة العثمانية، كما تم التبرع بالعديد من المكتبات الخاصة. وتجذب صالات الدراسة المريحة الباحثين وخاصة طلاب الدراسات العليا حيث يفضل بعض الأساتذة البحث في المركز عن مكاتبهم في الجامعة. ويسمح فقط لطلاب الدراسات العليا والأكاديميين والباحثين المستقلين باستخدام المكتبة التي تفتح أبوابها من الساعة 9.00 صباحًا حتى 11.00 مساءً كل يوم. قدم المركز الدعم الأكاديمي والمالي لطلاب الدراسات العليا والبحوث في الخارج. واستفاد من المنح الدراسية 149 طالبًا حيث أكمل 62 درجة دكتوراه حتى الآن. ويدعم المركز بعض برامج التدريب الجامعي والصيفي في الداخل. ينتشر معظم الأكاديميين والباحثين في جامعات البلاد بينما يعمل آخرون في المركز كباحثين. وباعتباره مشروعًا فريدًا من نوعه للنشر الإسلامي ومرافق البحث، فإن مركز إسام هو مشروع حضاري وفكري ضخم يخدم الحفاظ على التراث الإسلامي في تركيا والخارج. أخيراً أود أن أقول إن كل المدن الإسلامية تحتاج إلى مكتبات وإمكانيات بحثية مثل إسام.
1542
| 14 أغسطس 2024
بات من الواضح أنّ العالم يمرّ باضطرابات جدّية، لكن العالم الإسلامي أكثر من يعاني. من المجازر الإسرائيلية في غزة وحتى الهجمات على المسلمين في الغرب، والانهيار المفاجئ للأسواق العالمية واحتمالية الحرب الإقليمية، سمع العالم إعلان إنهاء بنغلادش لحكم حسينة الذي دام ١٥ عاما بعد انتفاضة شعبية كبيرة انتهت بانقلاب يشبه الثورة. سيكون لهذه الحادثة تداعيات للجيوسياسيا الآسيوية والعالمية كذلك. كون بنغلاديش بوابة تصل بين شبه القارة الهندية وجنوب شرق آسيا، فهي مهمة للتجارة العالمية واستراتيجية الولايات المتحدة والهند والصين واليابان وأستراليا وروسيا لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ. وهي رابع أكبر دولة مسلمة مع ما يقارب ١٦٠ مليون نسمة، وبما أنّهم دخلوا الإسلام تحت الحكم التركي البابري، فقد كانت لهم علاقات قوية مع الخلافة العثمانية كسائر المسلمين الهنود. وتستضيف الدولة أكثر من مليون مسلم من الروهينغيا الذين فرّوا من الإبادة العرقية والدينية في ميانمار. في العام الماضي مرت باكستان باضطراب سياسي عندما أقصى الجيش وحلفاؤه السياسيون رئيس الوزراء عمران خان، ما أدى لاحتجاجات جادة من مؤيدي عمران خان، إلا أنّ ذلك لم يحل بينه وبين الاعتقال والسجن. وفي بنغلادش، حوّلت شيخة حسينة الدولة إلى حليف للهند وإلى دولة فقيرة مع ٢٥٠٠ دولار في إجمالي الناتج المحلي للفرد الواحد بحسب البنك الدولي . هناك صراع أيديولوجي في بنغلادش يعود لفصل الدولة عن باكستان عام ١٩٧١. شكّلت الخيانة أساس هذا الاضطهاد حيث عارضت الأحزاب الإسلامية كالجماعة الإسلامية الانفصال عن باكستان. قضت حكومة حسينة على غالبية المعارضين وخاصة المعارضة الإسلامية من خلال شنق قادتها. وأرادت الحكومة مكافأة داعميها من خلال تشريع ذلك التمييز بحجة دعم حركات الاستقلال بتخصيص نصف الوظائف الحكومية لمجموعات معينة. وقالت المعارضة إنّ الهندوس وجماعات إثنية ودينية وأيديولوجية مقربة من النظام ستستفيد من تلك السياسة. خلق ذلك ضجة واسعة في دولة فقيرة ذات ١٨ مليون من الشباب العاطلين عن العمل بحسب الأرقام الرسمية. بدأت الاحتجاجات سلمية ضد نظام الحصص التمييزي في الشهر الماضي، لكن حكومة حسينة اختارت قمعها من خلال السماح للشرطة بإطلاق النار على المتظاهرين، وقتل ٣٣٠ مواطناً بحسب الأرقام الرسمية، إلا أنّ الاحتجاجات ازدادت قوة. وبعد هذه الأحداث المأساوية، حاولت الحكومة إلقاء اللوم كله على خصمها، الجماعة الإسلامية، وقامت بحظرها. رفض الطلاب المحتجون وعامة الناس هذه الاتهامات واستمرت بمطالبتها استقالة حسينة حتى بعد سحب القانون التمييزي من قبل المحكمة العليا. إلى جانب الاحتجاجات، بدأ ملايين من المواطنين حركة عصيان مدني ضخمة حيث رفضوا دفع الضرائب وامتنعوا عن الذهاب إلى العمل لشلّ الحياة الاجتماعية والاقتصادية على نطاق غير مسبوق. ازداد الضغط الشعبي المنظم على حكومة حسينة بدعم من المحتجين من مختلف الأعمار، وبعد رؤية حجم الاضطراب الشعبي وتصاعد إراقة الدماء، أعلن جيش بنغلادش أنه سيمتنع عن إطلاق النار على المواطنين، وشكّل ذلك أملاً مضافاً للمحتجين لإطاحة الحكومة. إلا أنّ الشرطة استمرت بقمع الطلاب والمحتجين، وتوالت أخبار مقتل المحتجين من مناطق مختلفة وارتفع عدد الوفيات لأكثر من ٤٥٠ بحسب معلومات رسمية، وتقول مصادر غير رسمية إنّ الرقم يساوي ١٢٠٠. بعد هذا الوضع المتوتر، أعلنت حكومة حسينة رغبتها التفاوض مع الطلاب والجماعة الإسلامية، ورفض الطلاب التفاوض مع الحكومة التي ردت بقطع الانترنت وإعلان حالة الطوارئ وفرض حظر التجول، إلا أنّ المحتجين تجاهلوا ذلك. وفي السابع من أغسطس، أقال الجيش حكومة حسينة وشكل حكومة مؤقتة معبراً عن التزامه بمطالب الشعب، كما وعد بمحاكمة قتلة المتظاهرين. يريد الشعب الديمقراطية إلا أنّ التحول للديمقراطية ليس واضحاً لأنّ بنغلادش، مثل باكستان وغيرها من الدول المسلمة، تميل للوصاية العسكرية، كما تشكل هدفاً للتنافس العالمي. ستتجلى علامات الاتجاه المستقبلي قريباً ونتمنى الأفضل لشعب بنغلادش.
1053
| 07 أغسطس 2024
كان حفل افتتاح الألعاب الأولمبية في باريس الأسبوع الماضي استعراضًا للقوة لفئة LGBT على نطاق عالمي. من رجل عارٍ يمثل العشاء الأخير ليسوع المسيح إلى أزياء المثليين والمتحولين جنسياً التي انتشرت في أروقة الحفل. لقد شهدنا ترويجاً رسمياً لأسلوب حياة الفوضى الجنسية من قبل الغرب. في افتتاح الألعاب الأولمبية، أعلن الرئيس الفرنسي ماكرون «هذه هي فرنسا» كترويج لثقافة LGBT. ومع مرور الوقت، تزايد عدد الحروف التي تمثل هذه الجماعة، من LG (تمثل المثليات والمثليين) إلى أن وصل حالياً إلى+LGBTQIA. من الصعب تتبع معنى كل هذه الرموز ولكنك تشعر أن هنالك جماعات ضغط قوية تقف وراءهم. إن الترويج لأسلوب حياة LGBT ليس شيئًا جديدًا، إلا أنه حالياً يتم الترويج له ونشره في العالم من خلال الأفكار الليبرالية العالمية خاصة تحت إدارة بايدن الأمريكي. إنها مدعومة رسميًا من الدول الغربية ومعتمدة من قبل وسائل التواصل الاجتماعي والأفلام الأمريكية ومنصات الترفيه مثل نت-فليكس. ومثلما انتقاد إسرائيل يُصنف على أنه معاداة للسامية، فإنهم يصنفون انتقاد نمط حياة المثليين على أنه «رهاب المثلية» أو «التمييز» ضد فئة من البشر. على سبيل المثال، عندما تنشئ حسابًا جديدًا على أي من منصات التواصل الاجتماعي، بدأوا في تقديم خيارات إضافية في خانة الجنس. كما يتم الترويج للمثليين أو غيرها من ظواهر الإباحية الأخلاقية والدفاع عنها من قبل الليبراليين وأنصار العولمة. لدى الدول الغربية مجتمعات محافظة لكنها خسرت بالفعل المعركة ضد هذه الليبرالية الثقافية الجديدة، حيث أصبح خطاب المثليين مهيمنًا جدًا في الفضاء العام الآن. على سبيل المثال؛ الجيش الأمريكي يقبل تطوع الذين يعلنون عن أنفسهم بأنهم مثليين في صفوفه منذ عام 2011، بعد مشوار طويل من السياسة السابقة «لا تسأل.. لا تخبر» التي تم اعتمادها في عام 1993. ومع ذلك، تقاوم بعض الجماعات والأحزاب المحافظة هذا الاتجاه في الغرب لكنها في موقف دفاعي. لقد لعب هذا الموقف دورًا واضحًا في الفوز السابق لدونالد ترامب في الولايات المتحدة، وميلوني في إيطاليا، وأوربان في المجر. يختلف ليبراليو اليوم عن الليبرالية الكلاسيكية التي تتصور الحرية والتحرر في الاقتصاد والسياسة بدلاً من الأخلاق. كذلك يمكننا ادراج الليبرالية العربية والتركية ضمن الفئة الكلاسيكية بدرجة أقل قليلاً. وذلك لأن القيم الأخلاقية الإسلامية لا تزال مهيمنة في مجتمعاتنا في مجال الزواج والأسرة والجنس والانجاب. ومن المثير للاهتمام أن الليبراليين الأتراك أكثر انفتاحًا في تبنيهم للقيم الغربية وأن الليبراليين العرب يدعمون الحرية في الشؤون الاجتماعية والثقافية ولكنهم يقلون في دعمهم في المجالات السياسية والاقتصادية. وذلك لأن تركيا كانت معرضة لسياسات التغريب لفترة طويلة، لكن القيم الأسرية لا تزال قوية في المجتمع التركي. إن جماعة المثليين ليست قوية في تركيا لكنهم يستمتعون بأجواء الحرية العامة ويتحدثون بصوت عال بدعم من رعاتهم الغربيين. في السياق الإسلامي، لا تزال القيم الإسلامية والأسرية قوية ولكننا لسنا معفيين من تأثير وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت والعولمة. في مقال سابق ناقشت «فقدان الأسرة والمؤسسات التعليمية السيطرة على تعليم أولادنا». بالإضافة إلى الدعم المفتوح لهذه الثقافة، تخصص جماعات الضغط الليبرالية والعالمية أموالاً ضخمة للدعاية للمثليين من خلال الأفلام ومؤثري اليوتيوب وشخصيات وسائل التواصل الاجتماعي. وبالطبع، تؤثر هذه الدعاية على عقول شبابنا نسبيا حول موضوع الزواج والأسرة والجنس. من ناحية أخرى، يستمر الغرب في دعم الحركة النسوية وكأن النساء والرجال يجب أن يكونوا أعداء بدلا من أن يكونوا شركاء. ومع ذلك، فإن حركة المثليين أكثر خطورة من النسوية. نحتاج إلى ملاحظة أن بعض المحاكم الأوروبية تأخذ أطفال المهاجرين المسلمين بالقوة وتعطيهم للأزواج المثليين. ونتوقع أن يؤدي التقدم الجريء لثقافة المثليين إلى المزيد من المقاومة من الثقافات المسيحية والإسلامية وغيرها من الجماعات الدينية التي تدافع عن اتحاد الأسرة المكونة من الرجل والمرأة. إن التعاون المسلم المسيحي معرقل في سياق الدعم الأعمى في العالم المسيحي لإسرائيل والاستقطاب العالمي القائم على الدين بدلاً من الاستقطاب بين قيم الأسرة وقيم المثليين. في العالم المتحول وعهد الصراعات، يتوقع البعض حرباً علمية بين أمريكا والصين أو بين الشرق والغرب، فإن الحرب العالمية القادمة ستكون على القيم المعنوية إلى جانب القيم المادية.
672
| 31 يوليو 2024
لقد مر ما يقارب قرنين من الزمان منذ أن مجّد الفرنسي ألكسيس دو توكفيل الديمقراطية الأمريكية بالمجتمع المدني النشط والعلاقات الطبيعية بين الدين والسياسة. كما أشار إلى مخاطر الديمقراطية كاحتمالية الاستبداد الناعم والفساد والعبودية والتأثير السلبي لرأس المال على السياسة الأمريكية خلال أربعينيات وخمسينيات القرن التاسع عشر. ولأن المساعي السياسية مثل الحملات الانتخابية مكلفة في أمريكا، فإن رأس المال الكبير وجماعات الضغط تهيمن على المشهد والعملية الانتخابية. على سبيل المثال، للدعاية في انتخابات عام 2020 جمع دونالد ترامب 325 مليون دولار بينما جمع جو بايدن 215 مليون دولار. كانت السياسة الأمريكية توجه بما يسمى المجمع الصناعي العسكري حيث تمارس قطاعات الأمن والصناعة تأثيرًا غير عادي على الديمقراطية والسياسة. خلال العقود الثلاثة الماضية، لاحظنا صعود الشركات الرقمية الضخمة (جوجل، وآبل، وفيسبوك، ومايكروسوفت، إلخ) التي تقود الاقتصاد العالمي جنبًا إلى جنب مع الاقتصاد والسياسة الأمريكية. في حين أن المجمع الصناعي العسكري لديه ميل قومي، فإن الشركات الرقمية تدافع عن نهج أكثر عالمية ودولية للسياسة الأمريكية في الداخل والخارج. المؤسسة الأمريكية لا ترحب بالمفاجآت حيث شهدنا عدة اغتيالات بحق الرؤساء والتي قد تغير الوضع الراهن في البلاد. ففي السابق، قُتل أربعة رؤساء أمريكيين (لينكولن وجارفيلد وماكينلي) وكان اغتيال الرئيس كينيدي هو الأكثر شهرة. يشتبه الكثيرون في أنه اصطدم بالمصالح القائمة في البلاد. كان العديد من رؤساء الولايات المتحدة أيضًا هدفًا لمحاولات اغتيال، آخرها استهدفت دونالد ترامب الأسبوع الماضي. وارتبط ذلك باحتمالية موقفه ضد الوضع الراهن، وخاصة القطاع الرقمي العالمي. ونظرًا لأن نظام الحزبين مغلق أمام المنافسين من خارج المؤسسة، فإنه ينتج رؤساء متشابهين. كما يجبر النظام الرؤساء على السعي إلى المصالحة الحزبية في التشريعات وفي تعيين الوزراء والسفراء. إن النظام السياسي الأمريكي يخلق حماساً ضئيلاً بين عامة الناس للمشاركة السياسية، لذا فإن نسبة المشاركة في الانتخابات ليست عالية جداً، إذ تبلغ في العموم نحو 50 بالمائة. وفي سياق نسبة المشاركة المنخفضة، فإن جماعات الضغط مثل اللوبي اليهودي قد يكون لها تأثير حاسم على نتائج الانتخابات. فعندما لا يكون النظام الأمريكي راضيا عن مرشح معين، فإنها قد تتدخل بالأموال والحملات الإعلامية والقضايا القانونية. خلال حياتي، شهدت شخصياً التلاعب بالانتخابات الأمريكية لصالح أحد الجانبين في السباق. على سبيل المثال، خسر جورج بوش الأب الانتخابات في عام 1992 على الرغم من أنه جعل الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة من خلال إدارة سقوط الاتحاد السوفياتي والفوز في حرب الخليج الأولى ضد غزو صدام للعراق. وربما فضلوا المثل الليبرالية للحزب الديمقراطي في عهد بيل كلينتون أكثر ملاءمة للعالم حيث زعم البعض أن نهاية التاريخ ستكون بانتصار الديمقراطية الليبرالية. إن المال الكثير والمجمع الصناعي العسكري يحاولان تحديد اختيار الرؤساء من كلا جانبي الساحة السياسية. بعد فترتين ناجحتين كنائب للرئيس بيل كلينتون، كان المراقبون يتوقعون تولي آل غور منصبه ولكن تقرعلت العملية بسبب الحملة الإعلامية بشأن قضية ليفينسكي والتدخل القانوني في فرز الأصوات في فلوريدا لصالح بوش الابن على الرغم من فوز آل غور بالأصوات الشعبية. ربما جاء التدخل لأن المؤسسة لم تثق في أجندة آل غور الإصلاحية للسلام العالمي والبيئي وفضلت خطة جورج بوش للولايات المتحدة الأمريكية المتضاربة في الساحة العالمية. بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، قد طبق جورج بوش هذه السياسة في احتلال أفغانستان والعراق. في الانتخابات عام 2004، منحت محاكم ولاية أوهايو النصر لبوش للمرة الثانية. وفاز باراك أوباما كأول مرشح أسمر بالرئاسة في عام 2008 لكنه حافظ على السياسة الخارجية التقليدية للولايات المتحدة لفترتين. في انتخابات عام 2016، اتُّهم ترامب بالتلاعب بوسائل التواصل الاجتماعي لصالح قضيته بمساعدة روسيا وكامبريدج أناليتيكا. وفي عام 2020، فاز بايدن في ظروف استثنائية لكوفيد- 19، وطعن ترامب في النتيجة باعتبارها احتيالًا وتم الإبلاغ عن العديد من المخالفات. تلوح الخلافات في الأفق بشأن انتخابات 2024 أيضًا، مع وجود قضايا قانونية ضد ترامب ومحاولة اغتياله وانسحاب بايدن المفاجئ من السباق حيث انقسمت الولايات المتحدة بين معسكر القوميين والعولميين والحروب الثقافية. الديمقراطية الأمريكية وانتخاباتها ليست طبيعية لأن الولايات المتحدة ليست دولة طبيعية بتركيبتها العرقية الفريدة، وبقيادتها في التكنولوجيا والقدرة العسكرية، وبسيطرتها على الاقتصاد العالمي.
1668
| 24 يوليو 2024
أسس عسكريون مثل مصطفى كمال أتاتورك وعصمت إينونو تركيا الجديدة. ولعب الجيش دورًا في حماية النظام الجديد وضمان إصلاحات التغريب والعلمانية. ومع ذلك، لم يسمح مصطفى كمال للعسكريين بالانخراط بشكل مباشر في السياسة، وطالبهم بخلع زيهم العسكري قبل دخول السياسة. وبطبيعة الحال، وضع مبادئ النظام الجديد في تركيا خلال العقود الثلاثة الأولى. وكان الجيش أول من استوعب مبادئ العلمانية والقومية تلك ونشرها إلى قطاعات أخرى من المجتمع. مع إدخال الديمقراطية في عام 1950 بوصول الحزب الديمقراطي إلى السلطة في تركيا، طالبت الغالبية العظمى من الناس بالتطبيع مع المجتمع التركي المحافظ. واعتبر الحزب الجمهوري الكمالي ذلك تراجعاً عن العلمانية وتحالفاً مع الجيش لإسقاط الحكومة المنتخبة في عام 1960. وعلى الرغم من أن الدستور الجديد لعام 1961 ركز على الحريات، إلا أنه وضع آلية وصاية على النظام الديمقراطي من خلال إنشاء المحكمة الدستورية ومجلس الشيوخ ومجلس الأمن القومي وحتى الرئاسة على البرلمان. علاوة على ذلك، شكّل انقلاب عام 1960 والدستور الذي تلاه سابقة وقاعدة قانونية للتدخلات العسكرية المستقبلية التي تكررت كل 10 سنوات تقريبًا. في عام 1970 أجبر الإنذار العسكري الحكومة على الاستقالة، وتدخل الجيش بشكل مباشر وشكل الساحة السياسية في عام 1980. ومع ذلك، انتُخب تورغوت أوزال ضد رغبات كينان إيفرين وحاول فتح المجال للسياسيين المدنيين خلال الثمانينيات، كما عاد إلى التطبيع مع المجتمع المحافظ وعزز المبادئ الديمقراطية. إلا أنه عندما وصل حزب الرفاه الإسلامي بزعامة نجم الدين أربكان إلى السلطة، طرده الجيش التركي من الحكومة في عام 1997 وقمع المؤسسات الدينية مثل مدارس الحجاب ومدارس الأمة والخطباء. وكان هناك نقاش حاد حول ما إذا كان الجيش لديه القاعدة القانونية لإملاء قرارات مجلس الأمن القومي الذي يهيمن عليه الجيش. ولأن التدخل جاء تحت ستار قانوني، فقد أطلق عليه الانقلاب الأبيض (أو «الضربة ما بعد الحداثية» باللغة التركية) لأن نفس القاعدة القانونية سهلت صعود حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في عام 2002. لقد قادت الحكومات الموجهة من الجيش البلاد إلى أزمة اقتصادية ضخمة في عام 2001 والتي فتحت الطريق لصعود حزب العدالة والتنمية. وتحت قيادة أردوغان، دخل حزب العدالة والتنمية في صراع طويل مع الجيش لفتح المجال لنفسه أو للمدنيين المنتخبين. واشتد الصراع في الانتخابات الرئاسية عام 2007 حيث عارض كبار القادة العسكريين العلمانيين رئيسًا من حزب العدالة والتنمية، ولكن الأخير تغلب على ذلك بالاستعانة بصناديق الاقتراع التي سمحت بانتخاب عبد الله جول. ومن خلال السيطرة على منصب الرئاسة والبرلمان والحكومة، بدأ حزب العدالة والتنمية في تقليص دور الجيش ونفوذه من خلال تنفيذ الإصلاحات القانونية وتعيين قيادة عسكرية أكثر تعاونًا. إلى جانب الاتجاه العام لقمع الثورات العربية بالانقلابات العسكرية أو الحروب الأهلية أو الإرهاب، استُهدفت تركيا عدة مرات بالاضطرابات الاجتماعية ومحاولات الانقلاب المحتملة في وقت لاحق. بالتزامن مع الاحتجاجات في ميدان التحرير والانقلاب الذي أعقب ذلك في مصر، شهدت تركيا احتجاجات ميدان تقسيم، لكن أردوغان انتصر في صيف عام 2013، لتدخل جماعة غولن المشهد لاحقاً للإطاحة بأردوغان من خلال الوسائل القانونية (اتهامات بالفساد) في ديسمبر 2013. وقد عول الغولينيون على خسارة أردوغان في الانتخابات المحلية لعام 2014، إلا أنه انتصر مرة أخرى. ثم استخدموا جناحهم العسكري المتغلغل في المؤسسة العسكرية آنذاك للإطاحة به عن طريق الانقلاب في عام 2016.لكن المجتمع التركي كان لهم بالمرصاد وعارض محاولة الانقلاب بطريقة أسطورية لتسود الديمقراطية مجدداً. وختاماً، على عكس نظرائه في الشرق الأوسط، تدخل الجيش التركي بشكل متكرر لكنه لم يختر البقاء في السلطة، بل فضّل عوضاً عن ذلك نظام وصاية يحافظ على امتيازاته وسيطرته على النظام دون أن يحكم الدولة والاقتصاد فعليًا. وسعت الحكومات الديمقراطية لتوسيع مساحتها لصالح الجمهور. وفي هذا الصدد، فإن أكبر إنجاز حققه أردوغان في تركيا هو فرض السلطة المدنية على الجيش التركي الذي هيمن تقليديًا على الأمن والسياسات الخارجية. خلقت محاولة الانقلاب الفاشلة من قبل أعضاء مجموعة غولن معلمًا جديدًا في العلاقات المدنية العسكرية بعد عام 2016 في تركيا. أصبح الانقلاب مستحيلاً بالنسبة لمتمنيه لأن العديد من الإصلاحات سنّت لضمان الحكم المدني، وكان الغولنيون وغيرهم من المتدخلين محتقرين من قبل الجمهور وتم تطهير الجيش ومؤسسات الدولة الأخرى من العديد من أفراد غولن.
1485
| 17 يوليو 2024
عندما توفي الرئيس الإيراني السابق إبراهيم رئيسي في حادث تحطم مروحية غير متوقع الشهر الماضي، فوجئ العالم أجمع وبدأ يتساءل عما إذا كان هذا سيخلق مجالاً للتغيير في البلاد. لأن إيران دولة مهمة في الشرق الأوسط بتورطها في العديد من الشؤون العربية من سوريا واليمن إلى حرب غزة. كما لعبت إيران دوراً فعالاً في قمع مطالب الشعبين السوري واليمني بالديمقراطية والحرية والتنمية. وإلى جانب العراق، تدخلت إيران في العديد من الدول العربية إما بشكل مباشر أو غير مباشر. في هذه المقال سأناقش أهمية الرئيس الإيراني الجديد للمنطقة وخاصة للعالم العربي. في إيران، اختار مجلس صيانة الدستور ستة مرشحين في الانتخابات الرئاسية. ونظراً لإقصاء المرشحين الجادين سابقاً مثل أحمدي نجاد (الرئيس السابق الشعبوي)، وافق المجلس أيضاً على المرشح المفاجئ مسعود بازشكيان الذي ظهر كمرشح إصلاحي من أصل تركي. هو تصدر في الجولة الأولى من الانتخابات وهزم المرشح المحافظ جليلي بـ 16.3 مليون صوت مقابل 13.5 مليون صوت لجليلي في الجولة الثانية. وكان معدل المشاركة هو الأدنى منذ ثورة 1979 بنسبة تحت 50 في المائة، على عكس انتخابات عام 2009 التي بلغت نسبة المشاركة 85 في المائة. ويُظهر توزيع الناخبين أن بازشكيان كان أقوى على أطراف إيران حيث تعيش معظم الأقليات غير الفارسية مثل الأتراك الأذربيجانيين والأكراد والبلوش والتركمان. وعد بازشكيان بفتح إيران للعالم وتقليص القيود القانونية على النساء والإنترنت. ولغرض هذا المقال، نحن مهتمون أكثر بسياساته الخارجية وتأثيرها على الشرق الأوسط. يهيمن المرشد الأعلى آية الله خامنئي والحرس الثوري على السياسة الخارجية والأمنية في إيران. على سبيل المثال، لم يكن الرئيس السابق أحمدي نجاد حريصًا على قمع الثورة السورية لكن الحرس الثوري وقسم سليماني فعلوا العكس. وكان دور خاتمي في السياسة الخارجية محدوداً للغاية أيضا، وقد تسربت شكاوى وزير الخارجية جواد ظريف بشأن مثل هذه الضغوط إلى الصحافة في وقت سابق. كانت علاقات إيران مع تركيا تتأرجح دائماً بين المنافسة والتعايش أي تعامل بحذر. وإن الأصل التركي لبازشكيان يشكل عاملاً إيجابياً لتحسين الحوار بين تركيا وإيران، ولكن الهوية الطائفية أكثر تأثيرا في السياسات الإيريانية. وقد اختلف البلدان خلال الربيع العربي. دعمت تركيا مطالب الشعوب العربية بالديمقراطية والحرية والتنمية، في حين حاولت إيران منع مثل هذه التطورات في سوريا واليمن والعراق. وقد يهدف سماح النظام الإيراني لسياسي من أصل تركي إلى الحد من موج القومية التركية في الجزء الشمالي الغربي من إيران حيث يشكل الأتراك الأذربيجانيون غالبية السكان. والتوتر إزداد بين إيران وأذربيجان في السنوات الآخيرة أيضاً، خاصة بعد تحرير قرباغ. سوف يعمل بازشكيان تحت نظام وصاية الحرس الثوري، وقد تكون أجندته الإيجابية مقيدة بشكل كبير فيما يتصل بالسياسة الخارجية. إن قدرة الرئيس الشخصية وعلاقاته والسياق الداخلي والخارجي ستؤثر على قدرته على الحد من وصاية الحرس الثوري (مثل ما فعله أوزال وأردوغان في تركيا). إن انخفاض معدل المشاركة يمكن أن يفسر كدليل على انخفاض التوقعات بين الشعب الإيراني. لن يسيطر بازاشكيان على السياسة الخارجية ولكن سيكون له بعض الصوت في سياق السياسة الداخلية المزدحمة والاقتصاد المتعثر جنبًا إلى جنب مع الديناميكيات الخارجية الرئيسية مثل حربي أوكرانيا وغزة. إن تقدم كلتا الحربين ونتيجة الانتخابات الأمريكية سيؤثران على موقف إيران في المنطقة والعكس صحيح. سيكون موقف الرئيس الجديد مهمًا فيما يتعلق بالعالم العربي. على الرغم من أن إيران كانت مسؤولة عن تدمير سوريا واليمن، إلا أنها اكتسبت شعبية لدعمها للمقاومة في حرب غزة مؤخرًا. فشلت إيران في تشجيع حليفها حزب الله على فتح جبهة في شمال إسرائيل، لكن حزب الله والحوثيين يواصلان إزعاج الأنشطة العسكرية والاقتصادية الإسرائيلية. تحت الوساطة الصينية، بدأت المملكة العربية السعودية عملية تطبيع مع إيران. قد تتغير هذه السياسة إذا يفوز دونالد ترامب كرئيس للولايات المتحدة العام المقبل، ولكن حتى الآن، تواصل إدارة بايدن التعامل الإيجابي مع إيران كما فعل أوباما. وسوف يتشكل دور الرئيس الإيراني الجديد في سياق الشرق الأوسط من خلال وصول ترامب إلى السلطة، والمنافسة العالمية بين الولايات المتحدة والصين في ضوء التطورات الإقليمية في حربي أوكرانيا وغزة. الدول العربية وتركيا سترحب بإيران كجار مسلم أكثر من جار مخاصم وهذا يعتمد على قرار النظام الإيراني وليس على الرئيس الإيراني الجديد.
693
| 10 يوليو 2024
مشروع التحديث الكمالي ألقى بظلاله على موسيقى الأرابيسك (شبه العربيةArabesk ) في تركيا، حيث رسمت رؤية التحديث الكمالي مساراً لتغريب الجمهورية التركية الجديدة، خاصة في المجالات الثقافية. بعد تغيير الأبجدية العربية واللباس التقليدي، امتد التأثير إلى الموسيقى التركية نفسها حتى اقترحوا وضع كراسي داخل المساجد، لكنهم فشلوا في تنفيذ هذه الفكرة، وكان المشروع مستندًا إلى أفكار المفكر القومي ضياء غوكالب الذي دعا إلى استبعاد جميع العناصر «الأجنبية» من الثقافة التركية وإقامة «ثقافة جديدة نقية». هذا المفهوم رفض أيضًا الموسيقى التركية الفنية باعتبارها «متخلفة»، مدعيًا أنها تجمع بين التأثيرات العربية والفارسية إضافة إلى السمات البيزنطية وبشكل مثير للاهتمام، اعتبروا أن الموسيقى الفنية المعقدة سيئة في حين اعتبروا الموسيقى الشعبية البسيطة جيدة، لم يكن لديهم مشكلة في مزج الموسيقى التركية مع أنماط الموسيقى الغربية، بل كانوا يشجعون هذا الاتجاه وكانوا يتصورون أن الموسيقى الغربية هي ذروة التقدم الموسيقي، كما رفض الكماليون الغناء المنفرد للأغاني الشعبية وكانوا يفضلون الأداء بأسلوب الجوقات الغربية. في عام 1934، حظرت الحكومة الأغاني التركية وبالطبع كانت الإذاعة الوسيلة الرئيسية للترفيه العام والمعلومات وكانت النتيجة مفاجئة، حيث رفض الناس في منازلهم ومقاهيهم الاستماع إلى الموسيقى الغربية على الإذاعة التركية وفضلوا الاستماع إلى الإذاعة المصرية بدلاً من ذلك. يمكن القول إن الموسيقى المصرية كانت تعتبر أيضًا نسخة من الموسيقى العثمانية بمزيج من النغمات التركية والعربية. النواب الجمهوريون مثل أحمد تلات أوناي، الذين آمنوا بإصلاح الموسيقى، انتقدوا الحظر معتبرين أنه «أرغم الناس على الاستماع إلى الموسيقى المصرية بدل الموسيقى التركية». كانت الموسيقى المصرية في أوج ازدهارها مع عبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب وأم كلثوم في منتصف القرن العشرين كما أن اندلاع الحرب العالمية الثانية أدى إلى انقطاع شراء الأفلام الفرنسية وكانت الأفلام المصرية بديلاً أرخص حققت شعبية كبيرة. أعتقد أن التقارب الثقافي بين البلدين لعب دورًا في هذا الاستقبال الحار للأفلام مصرية مثل شعبية المسلسلات التركية بين العرب اليوم. في عام 1938 حظرت الحكومة التركية مجددًا استخدام الأغاني العربية في السينما واختار صناع الأفلام دبلجة نفس الأفلام المصرية بلغة وأغان تركية. بدأ الموسيقيون الأتراك أيضًا في تأليف أغان أصلية مشابهة لتلك الأفلام المصرية وبيع إنتاجهم في الأسواق وحظي بجمهور كبير. حاول بعض صناع الأفلام الأتراك أيضًا تقليد أفلام مصرية بسيناريوهات وموسيقى مماثلة. ابتداءً من الخمسينات، شهدت المدن التركية تدفق المهاجرين من المناطق الريفية واستقرارهم في الأحياء العشوائية. تناسبت موسيقى الأرابيسك تمامًا مع هؤلاء المهاجرين الجدد الذين كانوا يعانون من الفقر والظلم وكانت الأغاني الشعبية عن الحياة الريفية والنقل، حيث لم يكن لديهم اهتمام بالموسيقى الفنية التي كانت تستمتع بها النخب الإسطنبولية، لذا ظهرت موسيقى الأرابيسك كشكل هجين يجمع بين الأنماط الحضرية والريفية بخلفية قوية في أساليب الموسيقى الغربية والتركية. جمع الملحن والمغني الشهير للموسيقى العربية أورهان جينجباي بين الساز التركي والجيتار الغربي مؤسسا موسيقاه على تواصل التراث الموسيقي التركي بأسلوب حر، إذ تمثل أغنيته الشهيرة «Bir Teselli Ver» (واسيني) صورة عن معاناة الناس وصراعهم. كما تعبر أغاني موسليم جورسيس، فردي تايفور أو إبراهيم تاتليسس عن معاناة مماثلة. وقد تم حظر هؤلاء الفنانين الشهيرين من الظهور على قنوات التلفزيون العامة حتى أواخر التسعينات، حيث كان يُسمح لهم فقط بأداء أغاني موسيقى الفولكلور. بعد الانقلاب العسكري في عام 1980، انتعشت موسيقى الأرابيسك مع موجة هجرة كبيرة أخرى من القرى إلى المدن. انتقل إبراهيم تاتليسس وفردي تايفور شخصيًا من جنوب شرق البلاد الريفي إلى المدن الغربية. لقد لاقت أغانيهم رواجا كبيرا داخليًا وخارجيًا بين الأتراك والعرب وخلال هذه الفترة، حاولت الحكومة التأثير على الموسيقى من خلال تشجيع كتابة كلمات أكثر إيجابية في نسخة مشرقة من موسيقى الأرابيسك أو الأرابيسك الخالي من الألم. انتشرت الموسيقى أيضًا في وسائل النقل العامة مثل (الدولموش)، الملاهي الليلية والحفلات العامة. بعض الأغاني الشهيرة تتضمن عبارات مثل «ليذهب هذا العالم إلى الجحيم»، «لا أستطيع الضحك»، «ألست إنسانًا؟»، «حقائق مؤلمة». مع عملية التحول نحو الديمقراطية وارتفاع الإنترنت، توقفت الحكومة التركية عن معارضة موسيقى الأرابيسك في التسعينات والألفية الجديدة. ومع ذلك، تظهر قصة موسيقى الأرابيسك في تركيا أن الثقافة والمجتمع لا يمكن أن يتم تصميمهما وفقًا لرغبات النخب الحاكمة ونعلم أن الثقافة التركية والعربية لا تنفصلان.
1959
| 03 يوليو 2024
مساحة إعلانية
عندما أقدم المشرع القطري على خطوة مفصلية بشأن...
1623
| 25 نوفمبر 2025
أصبحت قطر اليوم واحدة من أفضل الوجهات الخليجية...
1527
| 25 نوفمبر 2025
شهدت الجولات العشر الأولى من الدوري أداءً تحكيميًا...
1278
| 25 نوفمبر 2025
في مدينة نوتنغهام الإنجليزية، يقبع نصب تذكاري لرجل...
1110
| 23 نوفمبر 2025
في زمن تتسارع فيه المفاهيم وتتباين فيه مصادر...
840
| 25 نوفمبر 2025
الصداقة من خلال الرياضة.. الشعار العالمي للمجلس الدولي...
747
| 24 نوفمبر 2025
في زمنٍ تتزاحم فيه الأصوات، وتُلقى فيه الكلمات...
528
| 28 نوفمبر 2025
حين ينضج الوعي؛ يخفت الجدل، لا لأنه يفقد...
510
| 23 نوفمبر 2025
* يقولون هناك مدير لا يحب تعيين المواطن...
510
| 24 نوفمبر 2025
منذ فجر الحضارات الفرعونية والرومانية وبلاد ما وراء...
489
| 24 نوفمبر 2025
للمرة الأولى أقف حائرة أمام مساحتي البيضاء التي...
441
| 26 نوفمبر 2025
استشعار نعمة الأمن والأمان والاستقرار، والإحساس بحرية الحركة...
414
| 27 نوفمبر 2025
مساحة إعلانية