رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
طبيعة اللغة الأردية تستحق المزيد من الاهتمام باعتبارها حلقة وصل بين اللغتين التركية والعربية. يأتي اسم «الأردية» من الكلمة التركية «أوردو ordu» والتي تعني الجيش أو لغة الجيش. تشكلت هذه اللغة خلال الحكم الإسلامي التركي في الهند من عام 1526 إلى عام 1858، حيث سيطر الحكام الأتراك على مناطق تشمل اليوم باكستان، بنجلاديش، وأفغانستان. وقد أطلقت عليها المصادر الغربية خطأً اسم «إمبراطورية المغول»، ولكن الاسم الصحيح هو «الإمبراطورية البابورية» لأنهم لم يكونوا مغولًا بل تحدثوا بلهجة تركية مختلطة بكلمات فارسية وعربية. يتحدث اليوم حوالي 600 مليون شخص اللغة الأردية كلغة أصلية، ويفهمها حوالي مليار شخص حول العالم.
لقد فوجئت عندما أخبرني السفير الهندي في تركيا أن لغتهم الأردية (أو الهندية) تحتوي على كلمات تركية أكثر من اللغة الأردية الباكستانية، مشيرًا إلى أن تأثير السلالة التركية الحاكمة حول دلهي كان أقوى مقارنة بالمناطق المحيطة مثل باكستان وبنجلاديش. من ناحية أخرى، فإن اللغة الأردية والهندية العامية قريبتان جدًا من بعضهما البعض، بينما تتباعد النسخ الأدبية عن بعضها البعض. بالإضافة إلى استخدام أبجديات مختلفة، تحاول الحكومة الهندية أيضًا استبدال الكلمات العربية والتركية في اللغة الهندية، كما فعل الكماليون في تركيا.
لقد احترم كل من العثمانيين والبابوريين اللغة العربية. هناك العديد من الكتب العربية التي كتبها علماء عثمانيون، ولم تتم ترجمتها إلى التركية حتى اليوم. على سبيل المثال، تفسير شيخ الإسلام العثماني أبو السعود أفندي هو واحد من العديد من الكتب التي بقيت باللغة العربية فقط، كما توجد آلاف المخطوطات العربية في المكتبات التركية. طور العثمانيون الخط العربي بأنماط الثلث والرقعة والديواني، وحتى إنهم طوروا خطًا متخصصًا جدًا للمحاسبين وخبراء الضرائب. حتى اليوم، لا تزال المدرسة الرئيسية للخط في تركيا، حيث قاوم العلماء والمثقفون ذوو الاهتمامات الحضارية الحظر المفروض على اللغة والحروف العربية والفنون التقليدية.
تأسست الجمهورية التركية الجديدة على وعد التغريب وفقًا لمعاهدة لوزان. ولأنهم رأوا في الإسلام حاجزًا أمام التغريب، حاولوا الحد من دور الإسلام وأي شيء يذكرهم به. ولأنهم اعتبروا اللغة العربية مرتبطة بالإسلام، فقد حظروا أيضًا الحروف واللغة العربية. كما حاولوا إزالة الكلمات العربية ذات الدلالات الإسلامية بشكل خاص في إطار مشروع اللغة التركية النقية. وكان الخبير الرئيسي المسؤول عن هذا المشروع هو اللغوي الأرمني هاكوب مارتايان (الذي أطلق عليه أتاتورك لاحقًا اسم (Dilaçar) ديلاجار أو فاتح اللسان).
عندما كان مارتايان يصمم الأبجدية اللاتينية للغة التركية الجديدة، قلل من أصوات الثلاثة «الحاء، الخاء، الهاء» إلى صوت واحد «H». كما قلل من الكاف والقاف إلى «K» متجاهلًا معارضة أحد المفكرين الحداثيين البارزين يعقوب قدري لأنه أراد كتابة اسمه بحرف «Q». كانت لجنة اللغة تتخلص من الكلمات العربية وتستبدلها بكلمات مختلقة أو كلمات فرنسية. وعلى الرغم من كل هذه الجهود، ظل الشعب التركي يستخدم الكلمات العربية في حياته اليومية. على سبيل المثال، لم يحب الناس كلمة « Yanıtيانييت» بدلاً من «جواب» أو « Olasılık أولاسيليق» بدلاً من «احتمال». وتحاول كلمة «موضوع» البقاء جنباً إلى جنب مع كلمة « Konuقونو».
وكان لإصرارهم على تغيير المفردات العربية لمدة 90 عاماً بعض التأثير على اللغة، حيث فرضوا استخدام كلمات جديدة في الكتب المدرسية والصحف والإذاعة والتلفزيون. ونتيجة لذلك، حل العديد من الكلمات الجديدة في اللغة التركية. وبعد وصول حكومة حزب العدالة والتنمية، أوقفوا مشروع «تصفية اللغة» لكنهم لم يجبروا الناس على استخدام اللغة التركية القديمة أيضاً. وبدلاً من ذلك، شجعوا تعلم اللغة العربية والتركية العثمانية في المدارس على أساس تطوعي.
أُجري ما يسمى بالإصلاح اللغوي على أساس القومية التركية، إلا أن من المفارقات العجيبة أنه أبعد تركيا عن الجمهوريات التركية في آسيا الوسطى، حيث استمر سكان تلك المنطقة في التحدث باللغة التركية القديمة الممزوجة بالكلمات العربية والفارسية. وعلى الرغم من جميع الجهود المبذولة، لا تزال الكلمات العربية تحتل مكانة رئيسية في اللغة التركية، متفوقة على اللغات الأخرى بمجموع 6467 كلمة، تليها اللغة الفرنسية بـ 5253 كلمة، الفارسية بـ 1359 كلمة، والإنجليزية بـ 485 كلمة. والأمر الأكثر غرابة هو أن الجيل الجديد لا يستطيع قراءة كتاب مصطفى كمال المعروف بعنوان «نطق» من النسخة الأصلية، الذي كان يروج لفكرة اللغة التركية النقية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أستاذ علم الاجتماع في جامعة قطر
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2106
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
894
| 04 فبراير 2026
امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على حالها، إن وجدتَها. ستلاحظ شيئاً غريباً في التصميم: الجدران قصيرة، والأبواب تكاد تكون متقابلة، و»السكيك» ضيقة وكأنها صُممت لتجعل الناس يصطدمون ببعضهم البعض فيلقون السلام. كان العمران هناك «خادماً» للوصل. وكانت روح الفريج حاضرة في كل تفصيلة معمارية. كان الحجر يُجبر البشر على التلاقي. ثم انتقل بسيارتك إلى أحيائنا السكنية الحديثة. شوارع فسيحة، وفلل تشبه القلاع الحصينة. كل بيت يحيط نفسه بسور عالٍ، وبوابات إلكترونية، وكاميرات مراقبة. لقد حصلنا على «الخصوصية» التي كنا نحلم بها، ولكن، هل سألنا أنفسنا عن الثمن؟ المعادلة بسيطة ومؤلمة: كلما ارتفعت الجدران الإسمنتية بين البيوت، ارتفعت معها الجدران النفسية بين القلوب، وتآكلت روح الفريج شيئًا فشيئًا. في زمن «الفريج»، كان الجار هو «خط الدفاع الأول»، وهو «الأهل» الأقرب. كانت الأمهات يتبادلن الأطباق، والأطفال يركضون من بيت لآخر وكأن الحي كله بيت واحد كبير. كانت «عين الجار» حماية، وصوته أنساً. لم يكن الفريج مجرد مكان للسكن، بل كان «نظاماً اجتماعياً» متكاملاً للتكافل والتربية المشتركة. اليوم، تحت ذريعة «الخصوصية» و»الاستقلالية»، عزلنا أنفسنا. أصبحنا نعيش لسنوات بجانب شخص لا نعرف إلا نوع سيارته. قد يمرض الجار، أو يحزن، أو يفرح، ولا نعلم عنه شيئاً إلا إذا رأينا خيام العزاء أو الزفاف صدفةً عند الباب. تحول الجار من «سند» إلى «غريب»، وأحياناً إلى مصدر إزعاج نشتكي منه إذا أوقف سيارته أمام سورنا. لقد قتلنا «روح الفريج» بدم بارد، واستبدلناها بـ «ثقافة العزلة». نحن لا ننكر أن التطور العمراني ضرورة، وأن الخصوصية حق. لا أحد يطالب بالعودة إلى بيوت الطين وضيق المكان. ولكننا نطالب بـ «أنسنة» مدننا الحديثة. المشكلة ليست في «الحجر» وحده، بل في «البشر» الذين سمحوا لهذه الأسوار أن تتسلل إلى نفوسهم. لقد استوردنا تصاميم هندسية غربية تقدس الفردية، ونسينا أننا مجتمع «جمعي» يتنفس الوصل. صممنا مدناً للسيارات لا للمشاة، وللأبواب المغلقة لا المشرعة. هل يمكننا استعادة ما فقدناه؟ نعم، ولكن البداية ليست بـ «هدم الأسوار» الإسمنتية، بل بهدم «الأسوار النفسية». أن نمتلك الشجاعة لنطرق باب الجار ومعنا «طبق حلو» وابتسامة، بلا مناسبة. أن نُحيي «مجلس الحي» ولو مرة في الشهر. أن نعلم أطفالنا أن «حق الجار» ليس مجرد كف الأذى، بل هو بذل الندى، والسؤال، والاهتمام. وهو جوهر روح الفريج. إن «الوحشة» التي نشعر بها في أحيائنا الفارهة لا يعالجها المزيد من الرخام والزجاج، بل يعالجها «دفء» القلوب المتواصلة. فلنجعل بيوتنا قلاعاً تحمينا من الخارج، نعم، ولكن لا تجعلها سجوناً تعزلنا عمن هم أقرب الناس إلينا جغرافياً، وأبعدهم عنا شعورياً.
696
| 04 فبراير 2026