رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في زحمة الحياة وتقلباتها المفاجئة، يظلّ سؤال الأمان حاضرًا في وجدان الإنسان: ما الذي يقيه من العثرات والمصائر القاسية؟ ومن خلال التأمل في الهدي القرآني، يتبين أن أعظم أسباب الحفظ الإلهي لا تكمن فقط في الاحتياط المادي، بل في رصيدٍ خفيّ من الخير يصنعه الإنسان في حياته، وهو ما تعبّر عنه الحكمة الجارية: صنائع المعروف تقي مصارع السوء. القرآن الكريم يؤسس لهذا المعنى من خلال ربطه العميق بين العمل الصالح والجزاء الإلهي، فليست الأفعال معزولة عن نتائجها، بل هي ممتدة الأثر في حياة صاحبها. يقول تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: 60]، وهي قاعدة قرآنية كبرى تشير إلى أن كل معروف يقدّمه الإنسان إنما يعود عليه، في صورة لطفٍ إلهي أو دفع بلاء أو تيسيرٍ في موطن عسر. ومن يتأمل قصص القرآن يدرك أن النجاة كثيرًا ما تكون ثمرة أعمال سابقة. فالإحسان الذي عاش به يوسف عليه السلام لم يكن مجرد خلق، بل كان سببًا في تحولات مصيرية في حياته، من ضيق السجن إلى سعة التمكين. وفي المقابل، يبيّن القرآن أن غياب المعروف والبخل قد يكونان سببًا في زوال النعم، كما في قصة أصحاب الجنة، حيث أدى منع الخير إلى الحرمان. كما يربط القرآن بين التقوى والعمل الصالح وبين الحفظ والرعاية، في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: 2]، وهذا المخرج لا يكون دائمًا ظاهر الأسباب، بل قد يأتي في صورة نجاة غير متوقعة، أو صرفٍ لشرّ لم يشعر به الإنسان أصلًا. ومن أعظم صور التقوى العملية: الإحسان إلى الناس، والسعي في قضاء حوائجهم، وبذل الخير دون انتظار مقابل. إن صنائع المعروف ليست مجرد سلوك أخلاقي، بل هي استثمار وجودي يمدّ الإنسان بأسباب الحفظ في أوقات لا تنفع فيها الحسابات المادية وحدها. فكم من إنسانٍ دُفِع عنه البلاء بسبب كلمة طيبة، أو يدٍ امتدت بالعون، أو موقفٍ صادقٍ خفّف به عن غيره. وفي زمنٍ تتزايد فيه المخاوف والاحتمالات، يقدّم القرآن رؤية مطمئنة: أن الخير لا يضيع، وأن ما يزرعه الإنسان في الخفاء قد يكون درعًا له في مواجهة المجهول. لذلك، فإن أصدق ما يملكه الإنسان لنفسه هو رصيد المعروف؛ لأنه، بإذن الله، يتحول عند الحاجة إلى نجاة.
111
| 10 أبريل 2026
في زمنٍ تتزاحم فيه الرؤى وتضطرب فيه المعايير، يبقى النور الإلهي هو البوصلة التي تهدي القلوب إلى سواء السبيل. فليست كل رؤيةٍ إبصارًا، ولا كل معرفةٍ هداية، وإنما هي نفحةٌ ربانية تفتح للإنسان آفاق الفهم العميق. ليس المقصود بالبصر في المنظور القرآني مجرد الرؤية الحسية، بل هو نورٌ يقذفه الله في القلب، فيجعل الإنسان يرى ما وراء الظواهر، ويستشرف مآلات الأفعال قبل وقوعها. ومن المعاني العميقة التي يُعبَّر عنها أن الله إذا أراد بعبدٍ خيرًا، فجّر في قلبه «عينين»: عينًا يرى بها الجنة، وعينًا يرى بها النار. وهي صورة بليغة تعبّر عن وعيٍ إيمانيٍّ متوازن يجمع بين الرجاء والخوف، فيصوغ سلوك الإنسان ويهذّب اختياراته. فالقرآن الكريم يربط الهداية بالبصيرة، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ، وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:46]، مما يدل على أن العمى الحقيقي هو عمى القلب عن الحقائق الكبرى. وحين يفتح الله على عبده باب البصيرة، يصبح قادرًا على رؤية «الجنة» لا بوصفها غيبًا مؤجلًا فحسب، بل كقيمة حاضرة تدفعه إلى العمل الصالح وتمنحه الأمل والثبات. فيرى أثر الطاعة نورًا، ويشعر بلذّة القرب من الله، وكأن الجنة تلوح له في أفق كل عمل صالح. وفي المقابل، يرى «النار» بعين أخرى؛ لا على سبيل اليأس أو القنوط، بل باعتبارها رادعًا أخلاقيًا يذكّره بعواقب المعصية. فيحذر من الظلم، ويتجنب الغفلة، ويستشعر مسؤولية أفعاله. وهذه الرؤية المزدوجة تخلق في داخله توازنًا دقيقًا؛ فلا يطغى عليه الرجاء فيأمن مكر الله، ولا يستبد به الخوف فيقنط من رحمته. لقد تجلّى هذا المعنى في سلوك الأنبياء والصالحين، الذين جمعوا بين شدة الخوف وحسن الرجاء، فكانوا يعملون وكأنهم يرون نتائج أعمالهم رأي العين، ولذلك بلغوا ذروة الإخلاص والاستقامة. فالبصيرة هنا ليست معرفة ذهنية فحسب، بل حالة قلبية تُثمر عملًا صالحًا، وتوجّه الإنسان نحو غايته الكبرى. وفي واقعنا المعاصر، حيث تتكاثر المغريات وتتشوش القيم، تبرز الحاجة إلى هذه «العينين» أكثر من أي وقت مضى. فالمؤمن الذي يرى بعين الجنة، يسعى لبناء ذاته ومجتمعه على أساس من القيم، والذي يرى بعين النار، يضع حدودًا واضحة تحميه من الانزلاق. وهكذا تتحول العقيدة من مجرد اعتقاد نظري إلى قوة دافعة للحياة. إنها دعوة لأن نسأل الله هذا النور: أن يفتح في قلوبنا أعينًا تبصر الحق، وترى العواقب، فنسير في طريق الهدى عن وعيٍ ويقين، لا عن تقليدٍ وغفلة.
552
| 03 أبريل 2026
يُعَدُّ حفظُ اللسان من أعظم القيم الأخلاقية التي أكَّد عليها القرآن الكريم، حتى أنَّ تأديب الكلمة وضبطها قد يكون أشدَّ على النفس من حفظ المال وصيانته. فالإنسان بطبيعته يحرص على ديناره ودرهمه، ويخشى ضياعهما، لكنه قد يُفرِّط في كلماته دون أن يُدرك ما قد تخلِّفه من آثارٍ عميقة لا تُمحى. من المنظور القرآني، الكلمة ليست مجرد صوتٍ عابر، بل هي مسؤولية عظيمة تُحاسَب عليها النفس، قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، وهي آية تُرسِّخ في وجدان المؤمن أن كل لفظٍ محسوب، وأن اللسان مرآة القلب وترجمان ما فيه. لذلك، كان ضبطه دليلاً على صفاء الداخل وقوة الإيمان. وقد قدَّم القرآن نماذج واضحة لأثر الكلمة، فالكلمة الطيبة شُبِّهت بالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أُكلها كل حين، بينما الكلمة الخبيثة كشجرةٍ خبيثة اجتُثَّت من فوق الأرض ما لها من قرار. هذا التصوير القرآني البليغ يُبرز كيف يمكن لكلمةٍ واحدة أن تُحيي أو تُميت، أن تبني أو تهدم. إنَّ صعوبة حفظ اللسان تكمن في سهولة إطلاقه، فالنفس قد تجد مشقةً في كظم الغيظ، أو في الامتناع عن الغيبة، أو في تجنُّب السخرية، لكنها لا تجد صعوبةً في العدِّ والحساب حين يتعلق الأمر بالمال. ولذلك كان الابتلاء في اللسان أعظم، لأنه اختبارٌ مستمرٌّ في كل لحظة، لا يحتاج إلى مناسبةٍ خاصة. ومن تأمَّل توجيهات القرآن، وجدها تدعو إلى تهذيب الخطاب، لا مجرد كفِّ الأذى، فقال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، فالأمر هنا يتجاوز الامتناع عن الشر إلى المبادرة بالخير. كما نهى عن الظن السيئ والغيبة والتنابز بالألقاب، وكلها آفات لسانية تُفسد العلاقات وتُضعف المجتمع. إنَّ من يحفظ لسانه، إنما يحفظ نفسه ودينه وكرامته، ويصون مجتمعه من التفكك. فالكلمة قد تُشعل فتنة، أو تُطفئ نزاعًا، وقد ترفع إنسانًا أو تضعه. ومن هنا، كان اللسان أمانةً تحتاج إلى وعيٍ دائم، ومراقبةٍ مستمرة. وفي زمنٍ تتسارع فيه الكلمات عبر وسائل التواصل، تزداد الحاجة إلى استحضار هذا المنهج القرآني، فليس كل ما يُقال يُكتب، وليس كل ما يُكتب يُنشر. فحفظ اللسان اليوم لم يعد خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة إنسانية تحفظ السلم الاجتماعي وتُعزِّز القيم. ختامًا، إذا كان الإنسان يحسب خسارته في المال بدقة، لأجدر به أن يحسب كلماته قبل أن ينطق بها، لأن خسارة الكلمة قد تكون أفدح وأبقى أثرًا من خسارة الدينار والدرهم.
201
| 27 مارس 2026
يأتي العيد في الإسلام مناسبةً جامعةً للفرح المشروع، لكنه في جوهره أعمق من مجرد مظهر احتفالي؛ إنه محطة إيمانية تتجلّى فيها معاني تعظيم شعائر الله، كما أرشد القرآن الكريم. يقول تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]، فجعل التعظيم مرتبطًا بتقوى القلب، لا بمجرد أداءٍ شكليٍّ أو عادةٍ اجتماعية. وشعائر الله في المفهوم القرآني تشمل كل ما جعله الله علامةً على طاعته وسبيلًا إلى مرضاته؛ من الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، إلى الأوقات الفاضلة كرمضان وأيام العيد. وقد بيّن المفسرون – ومنهم ابن كثير في تفسيره – أن تعظيم الشعائر يكون بإجلالها في النفوس، وأدائها بإخلاص، والقيام بحقوقها ظاهرًا وباطنًا. فليس المقصود مجرد الامتثال الظاهري، بل استحضار معاني العبودية والخضوع. ويؤكد القرآن أن تعظيم الشعائر يثمر تعظيمًا لأمر الله كله، قال تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [الحج: 30]. والفرق بين "الشعائر" و"الحرمات" أن الأولى علامات ظاهرة على الدين، والثانية ما يجب احترامه واجتنابه من المحرمات. وكلاهما يلتقيان في بناء شخصية مؤمنة تعيش مراقبة الله في السر والعلن. وفي سياق العيد، يظهر تعظيم الشعائر في المحافظة على صلاة العيد، وإظهار التكبير الذي شرعه الله في ختام الصيام، كما قال تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 185]. فالتكبير إعلانٌ لعظمة الله فوق كل مظاهر الدنيا، وتذكيرٌ بأن الفرح الحقيقي هو بتمام الطاعة وبلوغ الهداية. كما يتجلّى التعظيم في صلة الأرحام، وإدخال السرور على الفقراء والمحتاجين، امتثالًا لمقاصد الشريعة في تحقيق التكافل والرحمة. فالعبادة في الإسلام لا تنفصل عن أثرها الاجتماعي؛ إذ يربط القرآن بين التقوى والإصلاح، وبين الإيمان والعمل الصالح. إن تعظيم شعائر الله في العيد يعني أن يكون الفرح منضبطًا بالقيم، وأن تتحول المظاهر إلى معانٍ، والعادات إلى عبادات. فالعيد ليس نهاية موسم الطاعة، بل بداية عهدٍ جديدٍ مع الله، تُجدَّد فيه النية، ويُستأنف فيه السير إلى رضوانه. وحين يدرك المسلم أن تعظيم الشعائر مظهرٌ من مظاهر حياة القلب، يتحول العيد من يومٍ عابر إلى محطة تزكيةٍ وتجديد، فيبقى أثره ممتدًا في السلوك والخلق، وتبقى التقوى هي الزينة الحقيقية لكل احتفال.
285
| 20 مارس 2026
تتميّز الليالي العشر الأواخر من شهر رمضان بمنزلةٍ عظيمة في الإسلام، إذ جعلها الله تعالى موسماً مضاعفاً للعبادة، وفرصةً لتجديد الصلة بالله تعالى. وقد دلّ القرآن الكريم والسنة النبوية على فضل هذه الليالي، وفي مقدمتها ليلة القدر التي وصفها الله تعالى بأنها ليلة مباركة تتنزّل فيها الرحمة والسكينة على العباد. فالقرآن الكريم يلفت الأنظار إلى شرف هذه الليلة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (القدر: 1–3). وهذا النص القرآني يكشف عن عظمة هذه الليلة؛ فعملٌ صالح فيها يعدل عبادة أكثر من ثلاثٍ وثمانين سنة، وهي مدة تفوق عمر الإنسان في الغالب، مما يدل على عظيم فضل الله ورحمته بعباده. وقد وصفها القرآن أيضاً بأنها ليلة مباركة، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ (الدخان: 3). وبركة هذه الليلة تتجلى في نزول القرآن الكريم فيها، وهو أعظم كتاب هدايةٍ للبشرية، كما تتجلى في نزول الملائكة والرحمات، قال تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِن كُلِّ أَمْرٍ﴾ (القدر: 4). ومن مظاهر فضل هذه الليلة أن الله جعلها ليلة سلامٍ وأمان، فقال: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (القدر: 5)، أي يعمّ فيها السلام والطمأنينة، وتفيض على القلوب سكينةً وإقبالاً على الطاعة. ولأجل هذا الفضل العظيم كان النبي ﷺ يجتهد في هذه الليالي اجتهاداً لا يجتهده في غيرها؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل وأيقظ أهله وشدّ مئزره» (رواه البخاري ومسلم). كما أرشد إلى تحرّي ليلة القدر في العشر الأواخر، وبخاصة في الليالي الوتر منها. إن التأمل في دلالات هذه الليلة من منظور قرآني يبين أن الله سبحانه أراد للمؤمن أن يجعل من هذه الأيام محطةً روحيةً كبرى، يراجع فيها نفسه، ويكثر من تلاوة القرآن، والذكر، والدعاء، والصدقة، والقيام. فهي فرصة سنوية تتجدد فيها معاني الإيمان، وتُفتح فيها أبواب المغفرة والرحمة. إن ليلة القدر ليست مجرد ليلة في التقويم، بل هي رسالة إيمانية متجددة، تذكّر الإنسان بقيمة الزمن حين يُعمَر بالطاعة، وبأن لحظاتٍ قليلة قد تغيّر مصير الإنسان إذا أقبل فيها على الله بقلبٍ صادق. وفي هذا تتجلى رحمة الله بعباده؛ إذ جعل في أيامٍ معدودة من العمر أبواباً واسعةً للأجر العظيم، ليبقى الأمل مفتوحاً لكل من أراد أن يقترب من ربه ويغتنم نفحات هذه الليالي المباركة.
285
| 13 مارس 2026
في أيامٍ تتسارع فيها الأخبار، وتتزاحم فيها المنصات بالآراء، ويغدو الهاتف نافذةً لا تُغلق، يحتاج الإنسان إلى مرجعيةٍ ثابتةٍ تعيد ترتيب الداخل قبل الخارج. هنا تتجلى مركزية القرآن الكريم بوصفه كتاب هدايةٍ يربط الإنسان بربه، ويمنحه معيارًا أخلاقيًا يزن به ما يرى ويسمع. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: 9)، وهي آية تختصر وظيفة القرآن في تقويم المسار حين تختلط الاتجاهات. ليست الهداية القرآنية وعظًا مجردًا، بل هي بناءٌ للوعي: وعيٌ بالحقائق، وبالسنن، وبحدود الإنسان ومسؤوليته. ففي زمن الاستقطاب واللغة الحادة، يعلّمنا القرآن أدب الاختلاف: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (البقرة: 83)، ويضع قاعدة العدل فوق كل انتماء: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ (المائدة: 8). إنهما ميزانان يضبطان خطاب الفرد وسلوكه العام، في الأسرة والعمل والفضاء الرقمي. وفي خضم القلق العالمي وتقلّبات الاقتصاد والصحة، يذكّرنا القرآن بأن الطمأنينة تنبع من صلةٍ ثابتةٍ بالله: ﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28). ليست الطمأنينة هروبًا من الواقع، بل قوةً على مواجهته؛ فالقرآن يدعو إلى الأخذ بالأسباب مع التوكل، وإلى العمل مع الأمل، وإلى الصبر بوصفه استراتيجيةً أخلاقيةً طويلة النفس. ومن القضايا التي تتصدر المشهد اليوم: حماية القيم الإنسانية في عالمٍ رقميٍّ مفتوح. يقدم القرآن إطارًا يحفظ الكرامة والخصوصية، ويؤسس لثقافة التثبت من الأخبار: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات: 6). كم من أزمةٍ كان يمكن تفاديها لو ساد مبدأ التثبت قبل النشر وإعادة الإرسال! إن العودة إلى القرآن ليست عودةً إلى الماضي، بل استحضارٌ لمرجعيةٍ عابرةٍ للزمن، قادرةٍ على إضاءة الحاضر واستشراف المستقبل. حين نقرأه قراءة فهمٍ وتدبرٍ، ونحوّل قيمه إلى سلوكٍ يوميٍّ، يصبح القرآن قوةَ بناءٍ للإنسان والمجتمع معًا: يزكي النفس، ويهذب اللسان، ويقيم العدل، ويصنع الأمل. وفي زمن الضجيج، تبقى كلماته نورًا لا يخبو، وبوصلةً لا تضل.
561
| 06 مارس 2026
مع إشراقة شهر رمضان، تتجدد في القلوب معاني العبودية، وتسمو الأرواح إلى مدارج الطاعة، حامدةً لله تعالى أن بلغها هذا الموسم العظيم. فهو ليس شهر صيام فحسب، بل مدرسة إيمانية متكاملة، تتربى فيها النفوس على الإخلاص، والصبر، والبذل، والإحسان. يمتاز رمضان بأنه شهر نزول القرآن الكريم، الكتاب الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾. فارتبط هذا الشهر بالوحي، وأصبح موسماً لتجديد العهد مع كتاب الله تلاوةً وتدبّراً وعملاً. وفي لياليه تتجلى عبادة القيام، حيث يصدح القرآن في المساجد، وتخشع القلوب في ظلمة الليل، مصداقاً لقول النبي ﷺ: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه». إنها لحظات صفاء ومناجاة، يجد فيها المؤمن لذة القرب من ربه، ويستشعر أثر القرآن في قلبه وسلوكه. أما الصيام، فهو عبادة تهذب النفس وتربيها على التقوى، وقد وعد النبي ﷺ بقوله: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدّم من ذنبه». فالصائم الحق لا يقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب، بل يصوم عن كل ما يخدش أخلاقه أو ينقص أجره. ورمضان كذلك شهر الرحمة والعتق من النار، ففي كل ليلة عتقاء، مما يجعله فرصة ذهبية للتوبة الصادقة ومراجعة النفس. وتُفتح فيه أبواب الجنة وتُغلق أبواب النار، وتُصفد الشياطين، فيتهيأ الجو الإيماني للطاعة، وتلين القلوب للخير. ومن أبهى صور الإحسان في هذا الشهر الجود والبذل، فقد كان النبي ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان. فتتضاعف الصدقات، ويُطعم الطعام، وتُقضى الحاجات، ويشعر المجتمع بروح التكافل والتراحم. ولا يكتمل الحديث عن رمضان دون التوقف عند ليلة القدر، تلك الليلة المباركة التي هي خير من ألف شهر، والتي يتنزل فيها السلام والسكينة على العباد. إنها ليلة العمر، وموسم السباق إلى رحمة الله. رمضان إذن هو شهر الإحسان بمعناه الشامل: إحسان العبادة، وإحسان الخلق، وإحسان التعامل مع الناس، بل وإحسان السريرة مع الله. ومن أراد الفوز به حقاً فليغتنم أيامه ولياليه، وليجعل منه نقطة تحول في حياته. نسأل الله أن يعيننا على صيامه وقيامه، وأن يتقبل منا صالح الأعمال، وأن يجعلنا فيه من المقبولين.
228
| 27 فبراير 2026
مع إشراقة هلال رمضان، لا يتغيّر التقويم فحسب، بل تتبدّل ملامح القلوب، ويُعاد ترتيب الأولويات في حياة المسلم. إنه الشهر الذي تتكثّف فيه معاني العبادة، لا بوصفها طقوسًا موسمية، بل باعتبارها صلةً حيّةً بين العبد وربه، وتجديدًا لعهد الاستخلاف في الأرض. يُذكّرنا القرآن الكريم بحكمة الصيام في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ… لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183)، فالمقصد الأسمى هو بناء التقوى؛ تلك الرقابة الداخلية التي تُهذّب السلوك، وتُزكّي النفس، وتضبط العلاقة مع الله والناس. وقد بيّن الإمام ابن كثير في تفسيره أن الصيام مدرسةٌ لتربية الإرادة وكسر الشهوات، لما فيه من إمساكٍ عن المألوفات تقرّبًا إلى الله. ولا يقف معنى العبادة في رمضان عند حدود الصوم، بل يتسع ليشمل القيام وتلاوة القرآن والصدقة وصلة الأرحام. وقد ثبت في الصحيحين عن أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه» (رواه البخاري ومسلم). فالقيام ليس مجرد سهرٍ ليلي، بل خلوةٌ روحية تُرمّم ما أفسدته مشاغل الحياة. ورمضان شهر القرآن؛ فيه نزل الكتاب هدايةً للناس، كما نصّت الآية (البقرة: 185). لذا كان الشافعي يختم القرآن في رمضان مرّات عديدة، إدراكًا لخصوصية الزمان وفضيلة التلاوة فيه. إن تلاوة القرآن في هذا الشهر ليست عادة اجتماعية، بل عودةٌ إلى منبع الهداية، واستمدادٌ للقيم التي تُعيد بناء الإنسان من الداخل. ومن أبهى صور العبادة في رمضان التكافل الاجتماعي؛ فالزكاة والصدقات فيه تتضاعف أثرًا وأجرًا، ويشعر الغنيّ بحاجة الفقير، فيتحقق معنى الأخوّة الإيمانية. وقد وصف ابن رجب الحنبلي رمضان بأنه موسمُ المتنافسين، تتجلّى فيه معاني البذل والإحسان. إن العبادة في رمضان ليست انقطاعًا عن الدنيا، بل هي ارتقاءٌ في التعامل معها؛ فالصائم الحقّ هو من يصوم قلبه عن الحقد، ولسانه عن الأذى، وجوارحه عن المعصية. وإذا خرج المسلم من رمضان بقلبٍ أنقى، وسلوكٍ أرقى، وعزيمةٍ أقوى على الطاعة، فقد أدرك حقيقة العبادة. رمضان إذن ليس محطة عابرة، بل فرصة لإعادة تشكيل الروح، وترميم العلاقة مع الله، واستئناف المسير بقلبٍ ممتلئٍ نورًا ويقينًا.
441
| 20 فبراير 2026
تحتل سورة الفاتحة مكانة فريدة في القرآن الكريم، فهي أول ما يُفتتح به المصحف الشريف، ولا تصح صلاة المسلم إلا بقراءتها، مما يدل على عظيم شأنها ومركزيّتها في العبادة الإسلامية. وعلى قِصر آياتها، فإنها اشتملت على معانٍ جامعة تمسّ العقيدة، والعبادة، والتربية الروحية، وتؤسس لعلاقة متوازنة بين العبد وربه. تبدأ السورة باسم الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾، لتغرس في النفس أن الرحمة هي الأساس في التعامل الإلهي، وأن كل أمر يبدأ باسم الله يكون أقرب إلى البركة والتوفيق. ثم يأتي الثناء في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، حيث يتعلم الإنسان أن الحمد المطلق لا يكون إلا لله، ربّ الخلق جميعًا، والمتصرف في شؤونهم. وتؤكد السورة معاني الرجاء والخوف معًا، بذكر صفتي الرحمة، ثم الإيمان بالجزاء في قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، فيستحضر القارئ يوم الحساب، ويستقيم سلوكه على ضوء هذا اليقين. وفي قلب السورة تأتي الآية الجامعة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وهي إعلان صريح للتوحيد، يجمع بين إخلاص العبادة لله وحده، والافتقار الكامل إليه في كل شؤون الحياة. وتُختتم سورة الفاتحة بأعظم دعاء يتردد على لسان المسلم في كل صلاة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، وهو طلب دائم للهداية والثبات، والسير في طريق الحق، بعيدًا عن مسالك الضلال والانحراف. وبهذا تتحول السورة من مجرد ثناء إلى عهد، ومن دعاء إلى منهج حياة. ولم تقتصر منزلة سورة الفاتحة على كونها ركنًا من أركان الصلاة، بل ثبت في السنة النبوية الصحيحة أنها رقية وشفاء. فقد رقَى أحد الصحابة رضي الله عنه رجلًا لُدغ بقراءة الفاتحة، فشُفي بإذن الله، فقال النبي ﷺ: "وما يدريك أنها رقية؟". واستنادًا إلى ما ثبت في السنة النبوية من كون سورة الفاتحة رقية وشفاء، فإن العبد لو أحسن التداوي بها، وقرأها بيقينٍ وحسن توكّل، كانت سببًا للشفاء بإذن الله تعالى. وهكذا تبقى سورة الفاتحة سورةً حيةً في وجدان المسلم، تتجدد مع كل ركعة، وتمنحه طمأنينة روحية، وهداية متصلة، تجمع بين العبادة والشفاء، وتربط القلب بربه في كل حين. [email protected]
540
| 13 فبراير 2026
في زحمة الأيام وتسارع وتيرة الحياة، تمرّ علينا مواسم عظيمة قد لا ينتبه لها إلا من أيقظ قلبه بنداء القرآن. ومن رحمة الله بعباده أن جعل في السنة محطات إيمانية متجددة، تعيد ترتيب الروح وتوقظ الضمير، ومن أعظمها الأيام الفاضلة التي تسبق شهر رمضان المبارك. إنّ القرآن الكريم يربط الزمن بالمعنى، ويحوّل الأيام إلى فرص، قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5]، وهي أيام تتنزّل فيها الرحمات، وتُضاعف فيها الحسنات، وتُفتح فيها أبواب العودة الصادقة إلى الله. فالأيام الفاضلة ليست مجرد تواريخ، بل هي رسائل إلهية متكررة، تدعونا إلى المراجعة والتأمل والاستعداد. ومع اقتراب شهر رمضان، تتجلّى حكمة التهيئة الربانية؛ فالله سبحانه لا يفاجئ القلوب بالمواسم العظيمة، بل يسبقها بمحطات تدرّب النفس على الطاعة، وتخفف عنها ثقل الغفلة. لذلك كان النبي ﷺ يكثر من العبادة قبل رمضان، وكان الصحابة يستعدون له بالدعاء والعمل الصالح، إدراكًا منهم لعظم القادم. والاستعداد لرمضان – من منظور قرآني – ليس استعدادًا شكليًا، بل هو بناء داخلي يبدأ من القلب. قال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ… لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، فغاية الصيام هي التقوى، ولا تُنال التقوى إلا بقلب حاضر، ونية صادقة، ونفس مهيّأة. ومن الاستعداد الحقيقي أن نراجع علاقتنا بالقرآن قبل أن يدخل رمضان، فهو شهر القرآن، قال تعالى:﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185]. فكيف نستقبل شهر القرآن وقلوبنا بعيدة عن تدبره؟ وكيف نرجو أثره في حياتنا ونحن لم نفتح له أبواب قلوبنا؟ إنّ الأيام الفاضلة القادمة هي فرصة ذهبية لترميم ما تصدّع، وتصحيح ما انحرف، واستعادة البوصلة نحو الله. فمن أحسن الاستعداد، أحسن الاستقبال، ومن صدق في التهيئة، ذاق حلاوة القرب في رمضان. فلتكن هذه الأيام بداية جديدة، وعهدًا صادقًا مع الله، حتى ندخل رمضان بقلوبٍ حيّة، وأرواحٍ متشوّقة، ونفوسٍ تاقت إلى المغفرة والرضوان.
225
| 06 فبراير 2026
في خِضَمّ تسارع الحياة وتكاثر الانشغالات، ينسى الإنسان أحيانًا حقيقة وجوده في هذه الدنيا، فيأتي التوجيه النبوي العميق: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» ليعيد ترتيب الوعي، ويوقظ القلب من غفلته. فالدنيا – وفق الرؤية القرآنية – ليست دار إقامة، بل محطة عبور قصيرة في طريقٍ أطول وأبقى. يؤكد القرآن الكريم هذه الحقيقة في أكثر من موضع، فيصف الحياة الدنيا بأنها متاع زائل لا يُعوَّل عليه، قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185]. فالغرور هنا لا يعني تحريم متاع الدنيا، وإنما التحذير من الانخداع بها، وجعلها الغاية القصوى. ومفهوم الغربة في القرآن لا يعني الانسحاب من الواقع أو ترك العمل، بل يعني الوعي بحقيقة الدنيا مع حسن التعامل معها. فالمؤمن يعمل ويجتهد، لكنه لا يعلّق قلبه بما يفنى، قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77]. وهي آية ترسم منهجًا متوازنًا يجمع بين السعي في الدنيا والاستعداد للآخرة. ويصوّر القرآن قصر الحياة تصويرًا مؤثرًا يوقظ القلوب، فيقول سبحانه: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: 46]. إنها لحظة إدراك متأخرة، حين يكتشف الإنسان أن ما شغله طويلًا لم يكن سوى عابر. ومن هذا المنطلق، فإن «عابر السبيل» هو من أحسن الأثر، وخفّف التعلّق، ولم يُثقِل قلبه بما لا يصحبه إلى آخرته. فالغريب لا ينازع على الفاني، ولا يُخاصم من أجل الزائل، بل يجعل من وجوده فرصة للخير والعمل الصالح. إن استحضار هذا المعنى القرآني في حياتنا اليومية يثمر سكينة نفسية، وتوازنًا أخلاقيًا، ورحمة في التعامل مع الناس. فمن أيقن بالرحيل، أحسن المسير، وسعى لما يبقى لا لما يزول.
297
| 30 يناير 2026
في عالم تتسارع فيه الهموم وتتشابك فيه الأزمات، تبرز قيمة جبر الخواطر بوصفها إحدى أسمى القيم الأخلاقية التي يحتاجها الإنسان فردًا ومجتمعًا. وعلى الرغم من شيوع المصطلح في الثقافة الإسلامية، فإن جذوره العميقة تمتد في النص القرآني، حيث يُقدم القرآن تصورًا متكاملًا للرحمة، والعطف، ومراعاة ضعف النفس الإنسانية. فالقرآن الكريم يُقرر أن الإنسان خُلِق ضعيفًا، وأن حاجته إلى المواساة واللطف حاجة فطرية، قال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]. ومن هذا المنطلق، جاءت التوجيهات القرآنية لتداوي الكسور النفسية قبل أن تعالج الجراح المادية، فكان جبر الخاطر مقصدًا أخلاقيًا أصيلًا. ويظهر هذا المعنى جليًا في الخطاب الإلهي للنبي ﷺ حين اشتد عليه الأذى، فقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [الحجر: 97]، وهو تعبير قرآني بالغ الرقة في مواساة النفس، يعكس عناية الله بمشاعر عباده، ويؤسس لمبدأ الاعتراف بالألم وعدم تجاهله. كما يتجلى جبر الخواطر في الأمر بالإحسان في القول قبل الفعل، قال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]، فالكلمة الطيبة في المنظور القرآني ليست مجرد سلوك اجتماعي، بل عبادة تؤجر، وأداة إصلاح نفسي واجتماعي. وقد أكد القرآن هذا المعنى حين جعل الكلمة الطيبة خيرًا من الصدقة التي يعقبها أذى، فقال: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة: 263]. ولا يقتصر جبر الخواطر في القرآن على الأقوال، بل يمتد إلى رعاية الفئات الضعيفة: اليتيم، والفقير، والمكسور نفسيًا. قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: 9]، وهو نهي عن كل ما يكسر النفس، ولو كان معنويًا. إن جبر الخواطر في الرؤية القرآنية ليس سلوكًا عابرًا، بل هو تعبير عن فهم عميق للإنسان، وعن إيمان يُترجم إلى رحمة عملية. وفي زمن تتكاثر فيه القسوة، يبقى القرآن دليلًا أخلاقيًا يعيد الاعتبار للإنسان، ويعلمنا أن أعظم الأعمال قد تكون لمسة رحمة تُصلح قلبًا مكسورًا.
555
| 23 يناير 2026
مساحة إعلانية
في صباح أحد أيام أكتوبر 1973 توقفت إشارات...
10476
| 06 أبريل 2026
في ظل الإيقاع السريع المحموم لهذا العصر، تلاشت...
3186
| 05 أبريل 2026
إن تعيين الموظف بجهة إدارية أو حكومية يستلزم...
1542
| 06 أبريل 2026
في مشهد يعكس عمق الرؤية وسمو الاهتمام بالإنسان،...
1011
| 06 أبريل 2026
في عالمٍ تموج فيه الأزمات، وتتعثر فيه الدول...
795
| 08 أبريل 2026
منذ سنوات والحديث مستمر في مجالسنا ومؤسساتنا الإعلامية...
687
| 08 أبريل 2026
حين تضرب الأزمة، يتحرك الإعلام. تُفتح غرف الأخبار،...
669
| 09 أبريل 2026
في الحروب الكبرى، لا يكون السؤال الأهم: من...
618
| 10 أبريل 2026
التجاوز ليس ضعفًا كما يُظن، بل مهارة نجاةٍ...
600
| 06 أبريل 2026
في مقال سابق أحبائي القراء كتبت عن موت...
582
| 05 أبريل 2026
في ليلة من ليالي رابع أيام عيد الفطر،...
564
| 05 أبريل 2026
((يُدَبِّرُ الْأَمْرَ)) فكم في تدابير الله من عبرة!...
492
| 09 أبريل 2026
مساحة إعلانية