رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. فاطمة سعد النعيمي

* أستاذ التفسير وعلوم القرآن- كلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة قطر

مساحة إعلانية

مقالات

210

د. فاطمة سعد النعيمي

ليلة القدر... بركة الزمان ونفحات القرآن

13 مارس 2026 , 03:39ص

تتميّز الليالي العشر الأواخر من شهر رمضان بمنزلةٍ عظيمة في الإسلام، إذ جعلها الله تعالى موسماً مضاعفاً للعبادة، وفرصةً لتجديد الصلة بالله تعالى. وقد دلّ القرآن الكريم والسنة النبوية على فضل هذه الليالي، وفي مقدمتها ليلة القدر التي وصفها الله تعالى بأنها ليلة مباركة تتنزّل فيها الرحمة والسكينة على العباد.

فالقرآن الكريم يلفت الأنظار إلى شرف هذه الليلة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (القدر: 1–3). وهذا النص القرآني يكشف عن عظمة هذه الليلة؛ فعملٌ صالح فيها يعدل عبادة أكثر من ثلاثٍ وثمانين سنة، وهي مدة تفوق عمر الإنسان في الغالب، مما يدل على عظيم فضل الله ورحمته بعباده.

وقد وصفها القرآن أيضاً بأنها ليلة مباركة، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ (الدخان: 3). وبركة هذه الليلة تتجلى في نزول القرآن الكريم فيها، وهو أعظم كتاب هدايةٍ للبشرية، كما تتجلى في نزول الملائكة والرحمات، قال تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِن كُلِّ أَمْرٍ﴾ (القدر: 4).

ومن مظاهر فضل هذه الليلة أن الله جعلها ليلة سلامٍ وأمان، فقال: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (القدر: 5)، أي يعمّ فيها السلام والطمأنينة، وتفيض على القلوب سكينةً وإقبالاً على الطاعة.

ولأجل هذا الفضل العظيم كان النبي ﷺ يجتهد في هذه الليالي اجتهاداً لا يجتهده في غيرها؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل وأيقظ أهله وشدّ مئزره» (رواه البخاري ومسلم). كما أرشد إلى تحرّي ليلة القدر في العشر الأواخر، وبخاصة في الليالي الوتر منها.

إن التأمل في دلالات هذه الليلة من منظور قرآني يبين أن الله سبحانه أراد للمؤمن أن يجعل من هذه الأيام محطةً روحيةً كبرى، يراجع فيها نفسه، ويكثر من تلاوة القرآن، والذكر، والدعاء، والصدقة، والقيام. فهي فرصة سنوية تتجدد فيها معاني الإيمان، وتُفتح فيها أبواب المغفرة والرحمة.

إن ليلة القدر ليست مجرد ليلة في التقويم، بل هي رسالة إيمانية متجددة، تذكّر الإنسان بقيمة الزمن حين يُعمَر بالطاعة، وبأن لحظاتٍ قليلة قد تغيّر مصير الإنسان إذا أقبل فيها على الله بقلبٍ صادق.

وفي هذا تتجلى رحمة الله بعباده؛ إذ جعل في أيامٍ معدودة من العمر أبواباً واسعةً للأجر العظيم، ليبقى الأمل مفتوحاً لكل من أراد أن يقترب من ربه ويغتنم نفحات هذه الليالي المباركة.

مساحة إعلانية