رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. فاطمة سعد النعيمي

* أستاذ التفسير وعلوم القرآن- كلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة قطر

مساحة إعلانية

مقالات

195

د. فاطمة سعد النعيمي

العيد وتعظيم شعائر الله

20 مارس 2026 , 04:41ص

يأتي العيد في الإسلام مناسبةً جامعةً للفرح المشروع، لكنه في جوهره أعمق من مجرد مظهر احتفالي؛ إنه محطة إيمانية تتجلّى فيها معاني تعظيم شعائر الله، كما أرشد القرآن الكريم. يقول تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]، فجعل التعظيم مرتبطًا بتقوى القلب، لا بمجرد أداءٍ شكليٍّ أو عادةٍ اجتماعية.

وشعائر الله في المفهوم القرآني تشمل كل ما جعله الله علامةً على طاعته وسبيلًا إلى مرضاته؛ من الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، إلى الأوقات الفاضلة كرمضان وأيام العيد. وقد بيّن المفسرون – ومنهم ابن كثير في تفسيره – أن تعظيم الشعائر يكون بإجلالها في النفوس، وأدائها بإخلاص، والقيام بحقوقها ظاهرًا وباطنًا. فليس المقصود مجرد الامتثال الظاهري، بل استحضار معاني العبودية والخضوع.

ويؤكد القرآن أن تعظيم الشعائر يثمر تعظيمًا لأمر الله كله، قال تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [الحج: 30]. والفرق بين "الشعائر" و"الحرمات" أن الأولى علامات ظاهرة على الدين، والثانية ما يجب احترامه واجتنابه من المحرمات. وكلاهما يلتقيان في بناء شخصية مؤمنة تعيش مراقبة الله في السر والعلن.

وفي سياق العيد، يظهر تعظيم الشعائر في المحافظة على صلاة العيد، وإظهار التكبير الذي شرعه الله في ختام الصيام، كما قال تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 185]. فالتكبير إعلانٌ لعظمة الله فوق كل مظاهر الدنيا، وتذكيرٌ بأن الفرح الحقيقي هو بتمام الطاعة وبلوغ الهداية.

كما يتجلّى التعظيم في صلة الأرحام، وإدخال السرور على الفقراء والمحتاجين، امتثالًا لمقاصد الشريعة في تحقيق التكافل والرحمة. فالعبادة في الإسلام لا تنفصل عن أثرها الاجتماعي؛ إذ يربط القرآن بين التقوى والإصلاح، وبين الإيمان والعمل الصالح.

إن تعظيم شعائر الله في العيد يعني أن يكون الفرح منضبطًا بالقيم، وأن تتحول المظاهر إلى معانٍ، والعادات إلى عبادات. فالعيد ليس نهاية موسم الطاعة، بل بداية عهدٍ جديدٍ مع الله، تُجدَّد فيه النية، ويُستأنف فيه السير إلى رضوانه.

وحين يدرك المسلم أن تعظيم الشعائر مظهرٌ من مظاهر حياة القلب، يتحول العيد من يومٍ عابر إلى محطة تزكيةٍ وتجديد، فيبقى أثره ممتدًا في السلوك والخلق، وتبقى التقوى هي الزينة الحقيقية لكل احتفال.

مساحة إعلانية