رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. فاطمة سعد النعيمي

* أستاذ التفسير وعلوم القرآن- كلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة قطر

مساحة إعلانية

مقالات

147

د. فاطمة سعد النعيمي

اللسان أمانة: كلمة واحدة أثمن من كل المال

27 مارس 2026 , 01:18ص

يُعَدُّ حفظُ اللسان من أعظم القيم الأخلاقية التي أكَّد عليها القرآن الكريم، حتى أنَّ تأديب الكلمة وضبطها قد يكون أشدَّ على النفس من حفظ المال وصيانته. فالإنسان بطبيعته يحرص على ديناره ودرهمه، ويخشى ضياعهما، لكنه قد يُفرِّط في كلماته دون أن يُدرك ما قد تخلِّفه من آثارٍ عميقة لا تُمحى.

من المنظور القرآني، الكلمة ليست مجرد صوتٍ عابر، بل هي مسؤولية عظيمة تُحاسَب عليها النفس، قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، وهي آية تُرسِّخ في وجدان المؤمن أن كل لفظٍ محسوب، وأن اللسان مرآة القلب وترجمان ما فيه. لذلك، كان ضبطه دليلاً على صفاء الداخل وقوة الإيمان.

وقد قدَّم القرآن نماذج واضحة لأثر الكلمة، فالكلمة الطيبة شُبِّهت بالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أُكلها كل حين، بينما الكلمة الخبيثة كشجرةٍ خبيثة اجتُثَّت من فوق الأرض ما لها من قرار. هذا التصوير القرآني البليغ يُبرز كيف يمكن لكلمةٍ واحدة أن تُحيي أو تُميت، أن تبني أو تهدم.

إنَّ صعوبة حفظ اللسان تكمن في سهولة إطلاقه، فالنفس قد تجد مشقةً في كظم الغيظ، أو في الامتناع عن الغيبة، أو في تجنُّب السخرية، لكنها لا تجد صعوبةً في العدِّ والحساب حين يتعلق الأمر بالمال. ولذلك كان الابتلاء في اللسان أعظم، لأنه اختبارٌ مستمرٌّ في كل لحظة، لا يحتاج إلى مناسبةٍ خاصة.

ومن تأمَّل توجيهات القرآن، وجدها تدعو إلى تهذيب الخطاب، لا مجرد كفِّ الأذى، فقال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، فالأمر هنا يتجاوز الامتناع عن الشر إلى المبادرة بالخير. كما نهى عن الظن السيئ والغيبة والتنابز بالألقاب، وكلها آفات لسانية تُفسد العلاقات وتُضعف المجتمع.

إنَّ من يحفظ لسانه، إنما يحفظ نفسه ودينه وكرامته، ويصون مجتمعه من التفكك. فالكلمة قد تُشعل فتنة، أو تُطفئ نزاعًا، وقد ترفع إنسانًا أو تضعه. ومن هنا، كان اللسان أمانةً تحتاج إلى وعيٍ دائم، ومراقبةٍ مستمرة.

وفي زمنٍ تتسارع فيه الكلمات عبر وسائل التواصل، تزداد الحاجة إلى استحضار هذا المنهج القرآني، فليس كل ما يُقال يُكتب، وليس كل ما يُكتب يُنشر. فحفظ اللسان اليوم لم يعد خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة إنسانية تحفظ السلم الاجتماعي وتُعزِّز القيم.

ختامًا، إذا كان الإنسان يحسب خسارته في المال بدقة، لأجدر به أن يحسب كلماته قبل أن ينطق بها، لأن خسارة الكلمة قد تكون أفدح وأبقى أثرًا من خسارة الدينار والدرهم.

مساحة إعلانية