رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

إذ تصبح الأوقاف حلاً

الوقف في تركيا واقع يشارك في صنع الحياة، وليس تاريخا طويت صفحته وطمست معالمه. تلك إحدى الخلاصات التي خرجت بها أثناء مشاركتي في ملتقى القدس الدولي الذي عقد بإسطنبول في الأسبوع الماضي. إذ لفت نظري أثناء الحوارات التي جرت حول الدور الذي تقوم به الأوقاف في تركيا أنها تمول الأغلبية الساحقة من أنشطة المجتمع المدني في جميع المجالات. فثمة مساجد موقوفة في كل حي يتولاها مجلس إدارة يمثل فيه الأهالي. وهذا المجلس يباشر مختلف الأنشطة الخيرية من رعاية الضعفاء والمحتاجين وتشجيع أهل العلم وتحفيظ القرآن وإحياء المناسبات الدينية، إلى غير ذلك من الأنشطة التقليدية.. وإلى جانب ذلك فثمة توسع هائل في مصارف الوقف الذي بات يمول ما لا حصر له من الأنشطة الاقتصادية والثقافية والفنية والعلمية. بل إن هناك وقفا للجمعية الكمالية نسبة إلى مصطفى كمال أتاتورك، الذي أسس الجمهورية وفرض العلمانية على البلاد بعد إلغاء الخلافة العثمانية، وهو ما يسوغ لنا أن نعيد التنويه إلى أن مفهوم الوقف في الخبرة التركية تم توسيعه حتى أصبح يمول كل ما ينفع الناس في دنياهم ويسهم في تنمية المجتمع وإثرائه. (قيل لي إن «وقف الطيران» لا يزال قائما، وعوائده تقدم إلى سلاح الطيران كل عام).. الأوقاف كانت في مقدمة المؤسسات التنموية التي عرفها التاريخ الإسلاميمن الملاحظات المهمة في هذا الصدد أن كمال أتاتورك الذي قاد حملة إسقاط الخلافة الإسلامية ألغى وزارة الأوقاف، لكنه لم يلغِ الأوقاف ذاتها، وإنما أتاح لها أن تستمر وتزدهر حتى صارت إحدى القيم المعتبرة في المجتمع التركي، بحيث أصبح كل قادر حريصا على أن يوقف جزءا من عقاره أو ماله لأعمال البر والنفع العام. الملاحظة الثانية وثيقة الصلة بالأولى، وخلاصتها أن القانون التركي لا يسمح لأي جهة أجنبية بأن تمول نشاطا أهليا في داخل البلاد لأن المجتمع يتكفل بذلك. كما أنه لا يسمح بفتح فروع لأي مؤسسة أجنبية في داخل تركيا إلا إذا سمحت الدولة التي تنتمي إليها المؤسسة للمؤسسات التركية بأن تمارس نشاطها على أراضيها، إعمالا لمبدأ المعاملة بالمثل. هذا الدور الحيوي للوقف ليس جديدا، ولكن الجديد يتمثل فقط في تطوير مجالاته وتوسيع نطاقها. وأي دارس لتاريخ المجتمعات الإسلامية يلاحظ أن الأوقاف كانت في مقدمة المؤسسات التنموية التي عرفها التاريخ الإسلامي. ومؤلف الدكتور إبراهيم بيومي غانم «الأوقاف والمجتمع والسياسة في مصر»، يعد أهم وثيقة معاصرة وفَّت هذا الموضوع حقه في التجربة المصرية. إذ رصد فيه مؤشرات الإقبال على الوقف بين مختلف شرائح المجتمع المصري، أثرياؤه وفقراؤه، كما خصص فصلا للأدوار التي قام بها الوقف في مجالات الصحة والتعليم والأسرة والأشغال العامة إلى جانب دعم الحركة الوطنية في مواجهة الاحتلال البريطاني. والحاصل في مصر له نظائره في مختلف أرجاء العالم العربي والإسلامي. إلا أن أهم ما ميز الوقف التركي أنه كان من القوة والرسوخ بحيث إن حركته الفاعلة في المجتمع لم تتوقف على مر الأزمان، ولا تزال تتمتع بتلك القوة والفاعلية حتى الوقت الراهن. مما ذكره الدكتور إبراهيم غانم في أبحاثه أن الخديو إسماعيل الذي حكم مصر عام ١٨٦٣ كان من أهم الواقفين، وحين عزل وتم نفيه إلى تركيا، فإنه حرر وقفية في محكمة بشكتاش (أحد أحياء إسطنبول) بتاريخ ٩ شعبان ١٣١٢ الموافق ٤ فبراير عام ١٨٩٥، أوقف فيها للخيرات ٩٥٥٧ فدانا من الأراضي التي يملكها، وأثبت في نهاية الحجة أنه «أوقفها وحبَّسها (لوجه الله تعالى)، ولم يعد يملك شيئا يطلق عليه اسم مال خلاف ما على بدنه من الملابس». وبعد نحو ٣٠ يوما (في ٢ مارس من نفس العام)، توفاه الله وانتقل إلى رحاب ربه.

939

| 14 مايو 2017

قبل هدم المسجد الأقصى

بعدما تم تهويد القدس، متى تعصف الموجة بالمسجد الأقصى؟ هذا السؤال ظل يلوح طوال ثلاثة أيام في فضاء ملتقى القدس الدولي، الذي انعقد بإسطنبول في الثامن من شهر مايو الحالي.وحين حل علىَّ الدور في رئاسة إحدى الجلسات قلت إننا الآن مشغولون بترميم الآثار والذاكرة. ذلك أن العالم العربي والإسلامي صار متفرجا على ما يجرى في القدس. ووحدهم المقدسيون العزل صاروا يتصدون للإعصار الوحشي بصدورهم العارية. يحدث ذلك في حين تنهال ملايين الدولارات من أثرياء اليهود طول الوقت لتمكين الإسرائيليين من الإجهاز على المدينة المقدسة. ثم لم يكن مستغربا أن يصبح السؤال المتداول بين المقدسيين هو متى وليس هل يهدم المسجد الأقصى؟ لأنها صارت في رأيهم مسألة وقت فقط.الغيورون على القدس والقضية الذين نظموا مؤتمر إسطنبول بالتعاون مع الحكومة التركية رفضوا الانضمام إلى المتفرجين. ووجدوا أن مقاومة الإعصار تواجه مشكلتين، الأولى تتمثل في الإرادة السياسية والثانية في التمويل. والأولى ليس مقطوعا بها في العالم العربي على الأقل، أما الثانية فهي التي يمكن تحريكها، رغم أنها تتأثر بحسابات الإرادة السياسية بدرجة أو أخرى. صحيح أن ثمة حلا جذريا للإشكال يتمثل في إنهاء الاحتلال، إلا أن الذين اجتمعوا في إسطنبول لم يتطرقوا إليه، أولا لأنهم كانوا مشغولين بشكل آخر من أشكال المقاومة، وثانيا لأن الخطاب الرسمي العربي صار مهيأ للتطبيع بأكثر من انشغاله بالتحرير. خصوصا أن عددا غير قليل من وزراء الأوقاف كانوا ممثلين فيه، في حين أن المشاركين من الباحثين النشطاء جاءوا من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، ومنهم من جاءوا من بلدان للجاليات المسلمة فيها حضور قوي (الهند وجنوب إفريقيا مثلا).الفكرة الأساسية للمؤتمر تناولت الموضوع من باب ذكي وآمن. إذ انطلقت من زاوية استثمار عوائد الأوقاف لتوفير التمويل اللازم لمساعدة المقدسيين على الصمود في وجه الإعصار. ذلك أن كثيرين لا يعرفون أن أوقاف الحرمين الشريفين والمسجد الأقصى منتشرة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي. وقيمتها وعوائدها تقدر بالملايين أو المليارات. وإذا وضعنا في الاعتبار أن السعودية تتكفل برعايا الحرمين الشريفين ولم تعد بحاجة إلى جهد خارجي يسهم في ذلك. فهذا يعنى أن موارد رعاية الأقصى يمكن أن تتضاعف عدة مرات. إذا وجهت إليها عوائد أوقاف الحرمين.لقد كان الوقف ولا يزال من إفرازات عبقرية الحضارة الإسلامية. إذ به أثبت المجتمع حضوره وبه استطاع المواطنون أن يسهموا في عجلة التنمية بحيث يجعلون عمارة الدنيا سبيلا إلى عمارة الآخرة. ومن خلاله تسابق المسلمون إلى وقف الأموال والعقارات لصالح كل ما ينفع الناس، من رعاية الضعفاء إلى إقامة الجسور وبناء المدارس والمشافي وحفر الآبار وشق الطرق، وصولا إلى تجهيز الجيوش. والقائمة طويلة لأنها أصبحت تشمل كل أنشطة المجتمع المدني والأهلي. وحين يصبح الأمر كذلك فلا غرابة أن تحتل المقدسات رأس القائمة، بحيث يصبح نصيبها عوائد الأوقاف أكبر وأوفر.الأوراق التي قدمت حافلة بالبيانات التي صورت ضخامة حجم الأوقاف الإسلامية في مختلف أنحاء العالم الإسلامي فمساحة الأوقاف في فلسطين التاريخية ٢٧ ألف كيلومتر مربع. وفي القدس القديمة تمثل الأوقاف ما بين ٦٠ و٨٠٪ من أراضيها، وفي مدينة عكا القديمة ٩٠٪ من أراضيها أوقاف. والأمانة العامة للأوقاف في الكويت تعد أكبر مالك للعقار. وعوائد الأوقاف السنوية في قطر ٦٩ مليون دولار و٣٤٪ من أراضي قلب إسطنبول «أغلى الأراضي» تتبع الوقف وفي المدينة ٢٥١٧ عقارا موقوفا. كما أن في بلغاريا ٣٣٣٩ وقفا وفي الهند نصف مليون وقف تتوزع على ٦٠٠ ألف فدان.. إلخ.الأوراق أثارت عديدا من الأسئلة بعضها تعلق بإمكانية تحويل أوقاف الحرمين الشريفين لصالح القدس والأقصى، السؤال هنا ليس شرعيا فقط لكنه في شق منه يتعلق بالإرادة السياسية أيضا. البعض الآخر يتعلق بجهود حصر مساحات الأوقاف الهائلة التي تعرضت للنهب وإساءة الاستخدام، في مختلف الدول العربية الإسلامية، كما أن للاحتلال الإسرائيلي باعه الكبير في ذلك. وقد قيل لي إن الأوقاف الإسلامية في الأرض المحتلة تعرضت للنهب من قبل إسرائيل، كما أن الفاتيكان أيضا أصبح يتحكم في أوقاف القدس. إن مشكلة الغيورين على الأوقاف الكبرى أنهم لا يملكون سوى التوصية والدعاء، أما التنفيذ فهو بيد غيرهم الذين أوصلوا الأمر إلى ما وصل إليه.

665

| 13 مايو 2017

سطو علني

تلقيت من الدكتور منير العكش المقيم بالولايات المتحدة الرسالة التالية: أرسل لي صديق محب الكتاب المرفق بعنوان «أمريكا والمذابح الجماعية». ونبهني إلى أن المؤلف سرق فصلا كاملا (أربعين صفحة بالتمام) من كتابي «الإبادات الجماعية»، ودون أن يكلف خاطره حتى بتغيير كلمة واحدة من عنوان الفصل حتى آخر كلمة فيه. ولاحترامه للعلم فإنه تجنب سرقة المراجع. السرقة الموصوفة في كتابه من ص ٦٩ حتى ١٠٢. وهي في كتابي من ص ٥٧ حتى ٩٦. (مع الرسالة أرسل الفصلين الأصلى والمسروق). أضاف في رسالته قائلا: لم أسمع بالكاتب ولا بالناشر من قبل، إلا أنه من الواضح أنهما مصريان. أشعر بالألم فعلا، لا لمجرد السرقة، وإنما لأن الرجل لا يدرك فعلا كم من الوقت والجهد بذلته لجمع وكتابة ذلك الفصل. لذا أتمنى عليك بأن تنصح لي ما يمكن فعله.لم أكن أعرف الدكتور العكش، إلى أن قرأت له كتاب «أمريكا والإبادات الجماعية» الذي أصدرته دار منير الريس في عام ٢٠٠٢، وكان الكتاب والكاتب مفاجأة لي، ذلك أنني وجدته وثق بصورة مدهشة وشديدة الجاذبية تاريخ ووقائع إبادة الهنود الحمر وإقامة الولايات المتحدة فوق جثثهم وأشلائهم. كما اكتشفت كاتبا موهوبا يغوص في أعماق التاريخ ويبذل جهدا هائلا لسبر أغواره، ثم يعرض خلاصة جهده بأسلوب الأديب الشاعر الموهوب، الذي ظل طول الوقت منحازا إلى جانب الضحايا ومستشعرا عذاباتهم. لم أستغرب ذلك حين وجدته يشير في تعريفه لنفسه بأنه سوري بالمولد وفلسطيني بالاختيار. ذلك أن فلسطين ظلت طول الوقت هاجسا يشغله ويؤرق ضميره، وهو ما عبر عنه في مجلة «جسور» التي كان يصدرها وبحضوره الدائم في مجال الدراسات الفلسطينية، وفي علاقته الوثيقة بالشاعرين محمود درويش ونزار قباني.عرضت كتاب منير العكش في حينه، وأظنها كانت المرة الأولى التي يقدم فيها إلى القارئ المصري على الأقل، ثم تابعت أعماله التي وصلت إلى ٢٢ كتابا ما بين تأليف وترجمة وتحرير، إلا أنني أشهد أن الكتب الخمسة التي ألفها حول إبادة الأمريكيين للهنود الحمر من أهم ما كتب في الموضوع بالعربية.الكتاب الذي تضمن الفصل المسروق صدر بعنوان «أمريكا والمذابح الجماعية»، وعلى غلافه اسم «منتدى سور الأزبكية»، أما «مؤلفه» الذي ذكر على الغلاف فهو إيهاب كمال محمد. الذي قام بتجميع كتابات تسعة من المؤلفين الغربيين على رأسهم نعوم تشومسكي الفيلسوف والناقد السياسي الأمريكي وروبرت فيسك الكاتب البريطاني وباولو كويلهو الروائي البرازيلي المعروف. وفي حين أنه نقل بالكامل الفصل الثالث من كتاب العكش أمريكا والإبادات الجماعية (عنوانه من المتوحش)، إلا أنه لم يشر إلى اسم صاحب الكتاب الأصلي. وهو ما أعطى انطباعا بأنه منسوب إلى السيد إيهاب كمال الذي ورد اسمه على الغلاف.سألنى الدكتور العكش عما بوسعه أن يفعله. ولأنني لا خبرة لي بالموضوع فلم يكن بيدي سوى نشر القصة من ناحية، والرجوع إلى ذوي الشأن في الموضوع من ناحية ثانية. والأولى بين يديك، أما الثانية فقد تمثلت في أمرين. أولهما ما ذكره المهندس إبراهيم المعلم رئيس اتحاد الناشرين السابق الذي فرق بين حالة أن يكون اسم المؤلف حقيقيا وهو ما يستلزم تقديم شكوى إلى النيابة يتولاها أحد المحامين، أو أن يكون الاسم وهميا وهو ما يتطلب تقديم بلاغ إلى إدارة المصنفات الفنية لضبط الكتاب، الأمر الثاني أنني أبلغت القصة إلى رئيس لجنة حقوق الملكية الفكرية باتحاد الناشرين المهندس أحمد بدير الذي عرض تبني الموضوع إذا ما وجه إليه الدكتور العكش شكواه مختصرة على عنوانه التالي: [email protected]. لذلك أرجو أن يخاطبه كي يشرع في القيام بما يجب.

1047

| 08 مايو 2017

أنقذوهم من الموت في العزل

أغيثونا قبل أن نموت داخل عنبر العزل بسجن العقرب. بهذه الجملة ختم أحد ضحايا العزل رسالة موجعة تم تسريبها من السجن الرهيب، ونشرت صورتها على مواقع التواصل الاجتماعي. في الاستغاثة ذكر صاحبها ما يلي: < إن الضابط المسرول عن عنبر العزل يصر على وضع كل ثمانية أفراد في زنزانة، رغم أنها مصممة على أن تكون «انفرادية»، بحيث لا تحتمل سوى اثنين فقط وهو ما يعرض النزلاء لحالات الاختناق الشديد. < بين النزلاء مصابون بالربو ومعرضون للموت في أي لحظة، وحين نقلت هذه الملاحظة إلى الضابط المسؤول عن المكان، كان رده بالنص: إن ذلك هو المطلوب، وإذا مات أي شخص فإننا سنأتي بآخر ليحل محله. < محظور إدخال العلاج لأي سجين، وممنوع تحويل أي شخص إلى عيادة السجن. < محظور إدخال الطعام من الخارج. وطعام السجن الذي يصرف للفرد هو رغيف واحد في اليوم مع ٥٠ جراما من الجبنة البيضاء. < المجاري مسدودة في السجن. ومنذ أكثر من سنة امتلأ «البدروم» تحت الزنازين بالمجاري التي ملأت المكان بالروائح الكريهة التي تزكم الأنوف، وهو ما وفر بيئة حاضنة للحشرات والأمراض والميكروبات، وخاصة الناموس حتى أصبح كالطاعون الذي يلوح طول الوقت في العزل. < إدارة السجن رفضت إصلاح المجاري، كما رفضت أن يتم الإصلاح على نفقة المساجين. الرسالة بلا توقيع. وهذا أمر مفهوم، وإن كنت لا أستبعد أن يؤدي نشرها إلى مزيد من التعسف مع الضحايا، وهي تصور الحالة المزرية التي يعيشون في ظلها وتعرضهم إلى الموت البطيء. كما أنني لا أستبعد أن يكون لهذه الحالة نظيرها في سجون أخرى. وأهم ما فيها ليس فقط المدى الذي بلغه الإذلال والتنكيل ولكن أيضا أن الذي كتبها لم يتحدث عن مظلوميته هو وزملائه، بالتالي فإنه لم يطلب الخروج من السجن واستعادة حريته. إذ من الواضح أنه يئس من ذلك. بحيث أصبحت غاية مراده ليس أن يخرج من العزل وينضم إلى زملائه في المقابر العادية. ولكنه بات يتمنى أن يتم تحسين أوضاع المقبرة التي وضع فيها مع زملائه. بحيث يتم إصلاح المجاري ولو على نفقتهم الشخصية، وتوفير الدواء للمرضى والطعام الذي يليق بآدمية المسجونين. في مثل هذه الاستغاثات التي اعتدت أن أتلقاها فإن أول ما أدعو إليه هو التثبت من صحة المعلومات، ثم أسير على درب الفقهاء الذين اعتادوا أن يتلقوا أسئلة الناس فيما يستشكل فيستهلون الرد على السائل بالقول: إذا كان الأمر كما ذكرت فالحكم في هذه الحالة كذا وكذا. لذلك فإنني أقول بأن الأمر لو كان كما ورد في الشكوى. فإنه ينبغي أن يؤرق كل مواطن صاحب ضمير سواء في مصر أو خارجها. إذ إننا لسنا بصدد تعذيب يستهدف استنطاقا واعترافا، رغم أن التعذيب في هذه الحالة مرفوض، ولكننا إزاء حالة من التنكيل غير المبرر الذي لا تعرف دوافعه على وجه الدقة. لكن الثابت أنها ليست مبادرات فردية صادرة عن بعض المسؤولين في السجون، ولا أستطيع أن أقطع بأن ذلك التنكيل يتم بتعليمات من القيادات الأعلى، لكن ذلك لا يعفي القيادات من المسؤولية. لأنها إذا لم تكن راضية عما يجري فبوسعها أن تصدر تعليمات صريحة بوقفه واحترام كرامة المسجونين وآدميتهم. أعرف أن المنظمات الحقوقية المستقلة التي تحارب الآن تسعى جاهدة للدفاع عن ضحايا الانتهاكات، وأعرف أيضا أن المجلس القومي الذي عينته الحكومة يواجه عنتا مشهودا في محاولة إدائه لبعض مهامه، رغم أنه كثيرا ما يجامل الداخلية ويغطي ممارساتها غير القانونية، وللأسف فإن لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب فقدت الثقة والاعتبار منذ عين على رأسها أحد خبراء التعذيب. ثم إن موت السياسة في مصر أفقد كثيرين أملهم في إمكانية قيام الأحزاب بدور في الدفاع عن المجتمع ومساندة المظلومين فيه. وحين يكون الأمر كذلك فإن الأفق يبدو مسدودا، بما لا يدع مجالا للمسجونين في أن يعلقوا أملا أو يجدوا مخرجا. ولا أعرف المدى الذي يمكن أن تفضي إليه حالة اليأس التي يعانون منها، لكني استغرب دهشة البعض من تحول السجون المصرية إلى بؤر للترويج لفكر التكفير وتبنى بعض الشباب آراء «داعش» ومشروعها ــ ليتنا نعطي الرشد السياسى واحترام حقوق الإنسان عشر معشار الضجيج المثار حول تجديد الخطاب الديني.

672

| 07 مايو 2017

فرقعة من عدن

أحدث فرقعات العالم العربي تلقيناها من عدن يوم الخميس الماضي٤/٥. إذ خرج عدة ألوف من أنصار الحراك الجنوبي إلى ميدان «العروض» بالمدينة. محتجين على قرار الرئيس اليمني إقالة محافظها اللواء عيداروس الزبيدي، وداعين إلى انفصال الجنوب عن الشمال. وذكر قيادات المتظاهرين فيما سمي «إعلان عدن التاريخي» أنهم قرروا تفويض اللواء الزبيدي في تشكيل قيادة سياسية جديدة لإدارة وتمثيل الجنوب، مع تخويله جميع الصلاحيات اللازمة لذلك. التظاهرة التي لم تكن مفاجئة تماما انطلقت قبل ١٨ يوما من ذكرى الوحدة بين الشمال والجنوب (في ٢٢ مايو ١٩٩٠) . لكن ما فاجأ الجميع أنها خرجت في اليوم التالي مباشرة لاجتماع عقدته في جدة يوم ٣ مايو اللجنة العليا للتنسيق بين السعودية والإمارات واليمن، التي شكلتها قيادات الدول الثلاث للتعاون فيما بينها في تدبير الشؤون المتعلقة بدور تحالف دعم الشرعية في اليمن. ولم يكن ذلك كل ما في الأمر لأن أصداء تظاهرات عدن كشفت عن دور لدولة الإمارات في التحرك الجنوبي، وهو ما انتقده الرئيس اليمني علنًا، ووصفت أبوظبي الإجراء الذي اتخذه بإقالة اللواء الزبيدي بأنه من قبيل التهور والانفعال. وهو ما أشاع أجواء من التوتر المكتوم في علاقات الطرفين.ما فهمته من خبراء الشأن اليمني أن الأمر بمثابة زوبعة في فنجان. وأن ما تناقلته وسائل الإعلام حول موضوع الانفصال أكبر بكثير من الحاصل على الأرض. ذلك أن الانفصال عن الشمال ليس محل إجماع، بل لا يحظى بالأغلبية، في محافظات الجنوب بل في داخل الحراك الجنوبي ذاته، ذلك أن ثمة تباينا في مواقف المحافظات إزاء الموضوع، فإذا كانت الأغلبية في عدن تؤيده، إلا أن الفكرة مرفوضة في حضرموت مثلا، وهي الأكبر عددا ومساحة. إذ الحضارمة يريدون إقليما مستقلا داخل دولة الوحدة التي يحكمها نظام فيدرالي، ومن القادة التاريخيين من أيد الانفصال ومنهم الرئيس الأسبق علي سالم البيض المقيم بالإمارات حاليا، الذي وقع اتفاق تقاسم السلطة مع الرئيس علي عبد الله صالح عام ١٩٩٠. أما حيدر العطاس أول رئيس وزراء في دولة الوحدة وعبد الرحمن الجفري رئيس رابطة النجوب المقيمان في الرياض، فإنهما يرفضان الانفصال ويؤيدان الموقف السعودي. في حين أن علي ناصر محمد، الذي كان رئيسا لليمن الديمقراطية والمقيم حاليا بالقاهرة، التزم الصمت. سمعت رأيين للخبراء في موضوع انفصال الجنوب. أحدهما يعتبر ما جرى مقدمة لطلاق بائن توافرت أسبابه بين الجنوب والشمال يكرر ما حدث في تشيكوسلوفاكيا عام ١٩٩٢، حين اتفق الحزبان على تقسيم البلد إلى بلدين (تشيكيا وسلوفاكيا) . بما يعني في رأيهم أن الطلاق قادم والسؤال هو: متى وكيف؟ الرأي الثاني يرى أن وحدة الشعبين قائمة والمصالح مستقرة ومتداخلة بين الشمال (٢١ مليون نسمة) والجنوب بملايينه الخمسة. ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن الخلافات مصدرها الطبقة السياسية سواء التي فشلت في إدارة اليمن بشماله فضلا عن جنوبه، أم تلك التي تنازعت عناصرها فيما بينها لأسباب قبلية ومناطقية أو شخصية أدت إلى الصراع والتقاتل بين القادة الجنوبيين أنفسهم في ثمانينيات القرن الماضي.بقيت أسئلة أخرى ستحتاج إلى وقت للإجابة عنها منها مثلا: هل لعلي عبد الله صالح صلة بما جرى في عدن؟ وأين إيران الموجودة في الشمال من هذا التطور، علمًا بأن خليج عدن يهمها كثيرا من الناحية الإستراتيجية، وهل الحوثيون بعيدون عن المشهد؟

665

| 06 مايو 2017

هُزِمنا في معركة الدواء

هل يعقل أن تنجح مصر ذات يوم في توفير ٨٥٪ من احتياجاتها الدوائية محليا، بعد أن كانت النسبة ٥٪ فقط، ثم بعد مضي نصف قرن تنتكس بحيث تعود مرة أخرى إلى حدود الخمسة بالمائة، ويصبح اعتمادها شبه الكلي على الشركات الأجنبية؟ هذا السؤال تثيره الشهادة المثيرة التي سجلتها خبيرة صناعة الأدوية التي عاصرت تلك المرحلة، الأستاذة ناهد يوسف في مقالة نشرتها جريدة «الشروق» يوم ٣٠ أبريل. وما أدهشني ليس فقط كم المعلومات الصادمة التي ذكرتها وإنما أيضا أن ما قالته لم يحرك شيئا في دوائر المسؤولين والغيورين على هذا البلد، عند الحد الأدنى فإن أحدا لم يحاول التحقق من صحة تلك المعلومات، حتى أزعم أن الاهتمام بالموضوع لم يحظ بعشر معشار صدى هزيمة الفريق القومي لكرة القدم في أية مباراة إفريقية أو عربية، رغم أن ما جرى في موضوع الدواء يعد هزيمة منكرة.تحت عنوان «صناعة الدواء ــ مفارقة صادمة ــ كيف كنا وكيف أصبحنا؟»، ذكرت ناهد يوسف ما يلي:< نهضة صناعة الدواء انطلقت على يدي الدكتور النبوي المهندس الذي تولى وزارة الصحة بين عامي ٦١ ــ ١٩٦٨ ــ إذ قادت مؤسسة الأدوية التي أنشئت في عهده عام ١٩٦٢ حملة توفير الدواء لـ٥٠٠ وحدة صحية منتشرة بالقرى، واستعانت في ذلك بالمصانع الصغيرة التي كانت موجودة آنذاك، إلى جانب تأسيس شبكة من ثمانية مصانع جديدة، وكان الهدف الموضوع هو زيادة إنتاج المستحضرات الدوائية من ٥٪ إلى ٨٥٪.< في تلك المرحلة أيضا أنشئت أكبر شركة لصناعة الدواء في الشرق الأوسط «شركة النيل للأدوية»، التي بني مصنعها العملاق خلال عامين، وتولى الخبراء المصريون تصميم وتصنيع كافة المستحضرات الدوائية اللازمة لمختلف التخصصات ووفرت مؤسسة الأدوية الحماية اللازمة لتلك الصناعة في مواجهة شركات الأدوية العملاقة التي عملت جاهدة لإفشالها، لأن مصر كانت تستورد منها معظم احتياجاتها من الأدوية والخامات.< اهتمت مؤسسة الأدوية بصناعة الكيماويات الدوائية، وحين لم تنجح محاولات الحصول على حق المعرفة من المصانع الغربية، فإن مصر اتجهت إلى التعاون مع روسيا واستطاعت إنشاء مصنع لإنتاج المضادات الحيوية والسلفا ومشتقاتها والأسبرين.< خلال أقل من عشر سنوات كانت تلك الجهود قد حققت الهدف المنشود. وأصبحت المصانع المصرية تغطي ٨٥٪ من الأدوية وبعض خاماتها. إذ صارت تنتج نحو خمسة آلاف صنف من الحقن والأقراص والسوائل والمراهم والمحاليل. وكان لكبار أساتذة الطب والصيدلة دورهم في تصميم وتعديل الكثير من تركيبات المستحضرات بما يناسب أمراض المصريين وخصوصياتهم.< بعدما أصبح في مصر ١٢٠ مصنعا للدواء. تعرضت الصناعة لحملة تفكيك ممنهج منذ السبعينيات، إذ في ظل سياسة الانفتاح والخضوع لتعليمات البنك الدولي تحول الاقتصاد المصري بصورة تدريجية من الاستقلال إلى التبعية. وشنت شركات الأدوية العملاقة هجوما ضاريا ضد صناعة الدواء المصرية، حتى صارت نسبة المنتج المحلي من الداوء ٥٪ مرة أخرى، وأصبحت نسبة لا تقل عن ٤٠٪ من الأدوية تصنع في المصانع المصرية لحساب الشركات الأجنبية والباقي يستورد من الخارج، وصارت تلك الشركات تحول أرباحها للخارج بالعملات الصعبة، دون أن تبني مصنعا أو تعين عاملا، ودون أن تضيف مستحضرا محليا لعلاج أمراض كالسرطان بدلا من الاعتماد في ذلك على الاستيراد.إذا صح ما سبق فمعناه أننا منينا بهزيمة ساحقة في معركة تصنيع الدواء. لذلك فإن التدقيق في المعلومات وتقصي حقائق تلك المرحلة يصبح من الأهمية بمكان، إذ الهزيمة هذه المرة لم تكن ثمرة مؤامرة دبرها الخصوم، لأنها كانت صناعة محلية تمت على أيدي «أهل الشر» في الداخل، من المهملين والفاسدين والمستوردين الذين ارتكبوا جريمتهم ثم أفلتوا من الحساب والعقاب.إننا إذا وسعنا الدائرة فسوف نلاحظ أن ما جرى في نكسة الدواء له نظيره في مجالات أخرى تشمل الزراعة والصناعة والتعليم والإعلام، وغير ذلك مما لا أستطيع ذكره.إن مساحة اللامعقول أكبر بكثير مما نتصور «ونكسة» عام ١٩٦٧ لم تكن الوحيدة في مصر المعاصرة لأننا لا نملك شجاعة نقد الذات ونستعذب تضخيمها والدفاع عن الوطن بحناجرنا وليس بسواعدنا.

549

| 04 مايو 2017

بالقانون.. كُلُ تديُّنٍ تطرفٌ

ما كتبته عن محنة مسلمي الصين استدعى أصداء لم أستطع تجاهلها. ولم يكن أمامي سوى أن أتخير منها بعض ما يتسع الحيز المتاح لنشره. فقد تلقيت رسالة ممن طلب مني الاحتفاظ باسمه خلاصتها أن الطلاب المسلمين الصينيين الذين يدرسون في مصر طلب منهم قطع دراستهم والعودة إلى بلادهم مرة أخرى، وإلا تعرضوا هم وأهلوهم للاعتقال. وبسبب ذلك فإن أغلبهم عادوا بالفعل، وقلة منهم قرروا اللجوء إلى دول أخرى في أوروبا. وترتب على ذلك أن عددهم الذي كان نحو أربعة آلاف طالب وطالبة أصبح الآن ألفا فقط، وهو مستمر في التناقص.تلقيت أيضا رسالة من السيد محمد أمين حضرت ترجم فيها مقالة نشرها موقع «ساسة بوست» وتضمنت تفصيلات قانون مكافحة الإرهاب والتطرف الديني، الذي بدأ سريانه في أول شهر أبريل المنقضي بمقاطعة سينكيانج (تركستان الشرقية). وفي حين اهتم به الإعلام في الغرب إلا أن العالم الإسلامي والعربي لم يكترث به. أهم ما في ذلك القانون الذي تضمن ٥٠ مادة أنه اعتبر كل تعبيرات التدين أو مظاهره تطرفا يستحق العقاب والسجن. ذلك أن المادة التاسعة منه مثلا رصدت ١٥ مظهرا للتديُن يشملها الحظر وتعرض صاحبها للسجن. في مقدمة هذه المظاهر ما يلى: الدعوة للأنشطة الدينية أو المداومة عليها أو المساعدة المادية لرجال الدين ــ إدخال الدين في أمور الزواج والطلاق والجنازات والأحوال الشخصية ــ ارتداء الحجاب أو النقاب أو استخدام حلي الزينة ذات الصلة بالمعانى الدينية ــ تنفير الناس من الأنشطة الثقافية أو الترفيهية والامتناع عن مشاهدة البرامج التليفزيونية الترفيهية ــ إطلاق الشارب واللحية للرجال والترويج للتطرف من خلال تسمية المواليد باسماء إسلامية ــ توسيع مفهوم الحلال والحرام في غير مجالات الأطعمة ــ عدم إرسال الأطفال إلى مدارس الدولة بافتعال أسباب كاذبة للاكتفاء بتدريسهم الدين ــ الامتناع عن استخدام البطاقات الشخصية وعدم تداول «اليوان» الصيني (العملة الرسمية) ــ إنشاء أو توسيع أو بيع أو نسخ أو قراءة أو الاستماع أو مشاهدة أقراص كمبيوتر أو فيديوهات تحوى مواد دينية ــ التدخل فى سياسة تحديد النسل... إلخ.في رسالته انتقد محمد حضرت ما ذكره الباحث الصيني شوى تشينغ بقوة في رده على ما كتبت قبلا من أن القانون الجديد هو ضد التطرف وليس ضد الإسلام، وقدم الدليل على أن إجراءاته كلها تحاول محو الإسلام واقتلاعه من «تركستان الشرقية» وليس فيها شىء ضد التطرف الذي يرفضه الجميع ــ وإنما دلت مواده على أن التدين بحد ذاته صار تطرفا يعرض صاحبه للعقاب.من ناحية أخرى، تلقيت بيانا بما بثه راديو «آسيا الحرة» وما نشرته صحيفة «قناة أخبار آسيا» بخصوص حظر استخدام ٢٩ اسما على المسلمين فى مقاطعة سينكيانج، ومن تلك الاسماء: إسلام وقرآن ومكة والمدينة وصدام وحج وصيام. وغير ذلك من الأسماء التي لها صلة بالجهاد الديني. وفي البيان الحكومي أن مخالفة القرار يترتب عليها معاقبة الوالدين بعدم تسجيل أطفالهم في نظام الأسرة الحكومي المعروف باسم «هوكو». وهو الذي يوفر الخدمات الاجتماعية للأطفال، وفي المقدمة منها الرعاية الصحية والتعليم.في الموضوع ذاته تلقيت تعقيبا من السفير سيد المصري مستشار الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي لشئون الأقليات المسلمة، ذكر فيه أنه زار سينكيانج ومناطق أخرى في الصين على رأس بعثة لتقصي الحقائق عام ٢٠٠٩، عقب أجواء العنف التي وقعت آنذاك في أورموشي عاصمة الإقليم. أكثر ما لفت انتباهه أن سينكيانج يسودها التوتر الشديد والقيود المفروضة على المسلمين. حيث لاحظ مثلا أن ثمة لافتة علقت على واجهة المسجد الكبير في أورموشي حظرت دخول من هم أقل من ١٨ عاما، إلا أنه وجد الوضع مختلفا في منطقة منيتشا التي تقع خارج المقاطعة المذكورة، حيث يمارس المسلمون فيها حرية أكبر أتاحت لهم ممارسة عدة أنشطة محظورة في سينكيانج. وخلص السفير المصريمن ذلك، إلى أن معاناة المسلمين هناك وثيقة الصلة بالهوية العرقية بأكثر منها بالهوية الدينية. ذلك أن مسلمي سينكيانج (الويغور) ينتمون إلى العرقية التركمانية، في حين أن مسلمي منيتشا ينتمون إلى عرقية أخرى (المسلمون هناك يتوزعون على عشر قوميات عرقية مختلفة). وذكر أن ذلك التمييز العرقي له نظيره بين مسلمى تايلاند والفلبين. ورغم أن ذلك بُعد في القضية يستحق النظر، فإنه لا ينفي تعرض مسلمي سينكيانج للقمع وإنما يؤكده، وإن أعطى المشكلة حجما آخر.

668

| 03 مايو 2017

شبح شبه الدولة يلوح في الأفق

تغول السلطة المصرية ونزوعها إلى إضعاف المجتمع يحقق نبوءة «شبه الدولة» ويكاد يدخلها في طور آخر.(١)في شهر يوليو من العام الماضي (٢٠١٦) أصدر الرئيس عبدالفتاح السيسي قرارا بقانون خوله حق عزل رؤساء الهيئات الرقابية والأجهزة التي نص الدستور على استقلالها. وحين عرض القانون على قسم التشريع بمجلس الدولة، فإن خبراءه غضوا الطرف عن المخالفة الدستورية، ومن ثم أجازوه، الأمر الذى مهد الطريق أمام تمريره وتأييده لاحقا من مجلس النواب. ورغم أن منطوق القانون كان يطلق يد الرئيس في تقرير مصير رؤساء تلك الهيئات (البنك المركزي والهيئة العامة للرقابة المالية والجهاز المركزي للمحاسبات وهيئة الرقابة الإدارية) إلا أن الجميع كانوا يعرفون أن المستهدف به في تلك اللحظة هو المستشار هشام جنينة رئيس جهاز المحاسبات الذي كان قد رفع عنه الرضا، وتمت استباحته إعلاميا لأن أداءه أزعج أطرافا في السلطة فوق الحساب والمساءلة، ولم يخب ذلك الظن لأن النية المبيتة سرعان ما أسفرت عن وجهها. إذ لم تتم الإطاحة بالمستشار جنينة فحسب، وإنما فصلت ابنته أيضا من وظيفتها في النيابة الإدارية.كان قرار العزل هو الأول من نوعه في تاريخ جهاز المحاسبات، وقد أحدث صدى محدودا في أوساط النخبة المصرية، إلا أن الموضوع نسي بمضي الوقت، ولم يتوقف أحد عند ملاحظة مخالفة الدستور، وتوظيف القانون للاعتداء عليه واختراق الحصانات التي وفرها لتمكين مؤسسات الدولة من القيام بمهامها في حماية المجتمع. أخيرا، في ٢٨/٤ المنتهي، حين صدر القانون الذي خوَّل الرئيس حق تعيين رؤساء الهيئات القضائية من بين ثلاثة ترشحهم الجمعيات العمومية، كتب أحد المدونين تغريدة قال فيها: أكلت يوم أكل هشام جنينة (في محاكاة للتعبير الشهير «أكلت يوم أكل الثور الأبيض»).(٢)حين أنشأ الخديو إسماعيل أول مجلس للوزراء في البلد (في أغسطس عام ١٨٧٨) فإنه سمي «مجلس النظار»، لأن مصر آنذاك كانت ولاية عثمانية، وكانت الوزارات ضمن تشكيلات الدولة الرسمية في إستانبول. أما القائمون على الولايات فقد كانوا مجرد «نظار» يتولون الإشراف على مجريات الأمور المحلية في ضوء السياسات العليا التي تقررها عاصمة السلطنة. ولم يعرف مصطلح الوزراء في مصر إلا حين انفصلت عن دولة الخلافة من الناحية الرسمية بإعلان بريطانيا حمايتها عليها في عام ١٩١٤.منذ ذلك الحين نما جهاز الإدارة في مصر، وتجاوز كثيرا حدود «السياستنامة» التي وضعها محمد على باشا في النصف الأول من القرن التاسع عشر ووزع بمقتضاها أنشطة الإدارة العامة للدولة على سبعة دواوين. واقترن نمو جهاز الدولة بعاملين برزا بمضي الوقت. الأول أن نمو أجهزة السلطة توازى مع تراجع وإضعاف مؤسسات المجتمع الأهلي (المدني بلغة هذا الزمان)، وعلى رأسها نقابات الطوائف التي كانت تضم أصحاب المهن والطرق الصوفية التي أدت دور الجمعيات والأحزاب، والوقف الذي كان يمول النشاط المجتمعي. العامل الثاني تمثل في غياب السلطة التشريعية التي تنهض بمهمة مراقبة أداء أجهزة الدولة وتكبح جماحها. وهو ما أدى إلى انفلاتها وتغولها، بحيث صار الحاكم له شرعية الحكم وشرعية التدخل في شئون الجماعات والأفراد. ومن ثم أصبح هو ذاته من يحدد الإطار المرجعي لشرعية تصرفات نفسه وقراراته وتشريعاته (طارق البشري ــ جهاز الدولة وإدارة الحكم في مصر).الدكتور جمال حمدان في مؤلفه «شخصية مصر» ذهب إلى أبعد في تحليله لتاريخ تحكم السلطة في مصر. وهو ما أشرت إليه في وقت سابق. إذ بحكم اختصاصه كأستاذ في الجغرافيا السياسية فإنه أرجع الأمر إلى دور نظام الري النهري في إنتاج ما أسماه «الطغيان الفرعوني» ــ ذلك أن قيام الفرعون على توزيع المياه للري جعله لا يتحكم فقط في ضبط النهر وإنما في ضبط الناس أيضا. وهو ما حول مصر إلى «ضيعة كبرى للحاكم». وصارت الدولة الفرعونية نظاما ديكتاتوريا مطلقا أبعد ما تكون عن الديمقراطية. لذلك ليس صدفة أن مصر الفرعونية لم تشتهر بقانون كبير ولم يعرف فيها إنجاز قانوني له شأن، من مثل حمورابي أو الرومان.أضاف الدكتور حمدان أن الحكم الأوتوقراطي المطلق أدى وظيفته في البداية، حيث وضع أسس الحضارة المصرية وأرسى دعائمها، غير أنه لم يلبث أن تعدى نفسه إلى القهر السياسي والاجتماعي. «لقد انبثقت الدولة عن المجتمع لكنها وضعت نفسها فوقه»، ومن ثم فإنها تحولت من قوة قهر إلى قوة بطش. ولخص فكرته في قوله إن الطغيان الفرعوني جاء نتيجة حتمية للدولة المركزية. وكانت الدولة المركزية ضرورة حتمية للبيئة الفيضية (التى تعتمد في الزراعة على فيضان النيل). وفي النتيجة أصبحت العلاقة عكسية بين المواطن والدولة. فتضاءل حجم الشعب بقدر ما تضخم وزن الحكم، وكلما كبرت الحكومة صغر الشعب.(٣)كأن الدكتور جمال حمدان كان يحلل أوضاع مصر المعاصرة. وهو ما لم يختلف معه المستشار البشري الذي أفرد فصلا تحت عنوان «علم الاستبداد والطغيان» في مؤلفه «مصر بين العصيان والتفكك» الذي طبع عام ٢٠١٦، كما أفرد فصلا آخر تولى فيه تشريح ما أسماه «شخصنة الدولة»، بمعنى ربط مصيرها بإرادة شخص أو فئة ضيقة منغلقة على ذاتها. وتلك مفاتيح مهمة لقراءة الكثير من صفحات الماضي والحاضر في مصر.في الوقت الراهن، فإننا نلحظ ظواهر ثلاثا موصولة بتلك الخلفية هي:< اختفاء دور المؤسسات المستقلة الذي يتجلى في صور عدة. بينها الإبقاء على وجودها مع التحكم في إدارتها بما يحقق إلحاقها عمليا بالسلطة التنفيذية. منها أيضا استمرار الإبقاء عليها مع نزع اختصاصاتها بما يؤدي إلى تفريغ وظيفتها من مضمونها. منها كذلك الحفاظ على وجودها القانوني للحفاظ على الشكل الديمقراطي، ثم إنشاء مؤسسات موازية تابعة مباشرة للسلطة تقوم بمهامها.< استخدام سلطة التشريع لتقنين الإلحاق وتشديد قبضة السلطة، من خلال النص على انفراد رئيس الدولة باختيار ليس فقط أركان وقيادات السلطة التنفيذية التي يرأسها، وإنما أيضا تعيين رؤساء المؤسسات «المستقلة». بما يلغي دور قواعد المجتمع في اختيار القيادات التي تمثلها في مختلف مكونات الدولة. وبطبيعة الحال فإن الدور الحقيقي في الترشيح والاختيار لتلك الشريحة الواسعة من القيادات تقوم به الأجهزة الرقابية والأمنية، ويظل دور رئاسة الدولة مقصورا على الترجيح بين من ترشحهم تلك الأجهزة. وهو ما يعني أن تلك الأجهزة الرقابية والأمنية تصبح بمضي الوقت هي الجهة المهيمنة على المجال العام.< الظاهرة الثالثة في السياق الذي نحن بصدده تتمثل في أن النزوع إلى التحكم في مصائر المجتمع يؤدي إلى الانتقال التدريجي من فكرة الدولة إلى صيغة السلطنة. والدولة تقوم على المؤسسات ويحكمها القانون، والسلطنة محورها شخص السلطان وتديرها أذرعه المختلفة التي تأتمر بأمره وترهب المجتمع بصولجانه. وهو مآل يقربنا من حالة «شبه الدولة» التي جرى الحديث عنها أخيرا في مصر إلا أنها حالة لا تنصرف إلى الماضي، لأنها تصنع على أيدي القائمين على الأمر في الحاضر وتلوح ضمن خيارات المستقبل.(٤)ما نشهده في مصر هذه الأيام يقدم ما لا حصر له من النماذج التي تدلل على صحة ما أقول. خصوصا ما شهد به الدكتور جمال حمدان عن العلاقة العكسية التي بين السلطة والمجتمع بحيث يتضاءل حجم الشعب ويصغر حجمه، كلما تضخم وزن الحكومة. ويكاد مجلس النواب يكون التجسيد الأوضح لتلك الحالة. إذ في حين يفترض أنه من الناحيتين القانونية والسياسية بمثابة مجلس الشعب المنتخب، إلا أن التجربة العملية أثبتت أنه مجلس الحكومة بامتياز. ومن ثم صار وجوده تعبيرا عن تضخم حجم الحكومة وتضاؤل حجم الشعب.الحاصل مع القضاة نموذج آخر، ففي حين كان التقليد المتبع أن الجمعيات العمومية هي التي تنتخب رؤساءها وفقا لأعراف مستقرة منذ عقود، فإن القانون الجديد ألغى دور الجمعيات العمومية وجعل رئيس الجمهورية هو من يختار أولئك الرؤساء من بين ثلاثة ترشحهم الهيئة المعنية. وبدلا من أن تنتخب الجماعة الصحفية رؤساء المجالس التي تدير المهنة، فإن الرئيس صار من يقرر تشكيل تلك المجالس ويختار رؤساءها، وقرأنا أخيرا مشروعا مريبا لتعديل قانون الأزهر يوسع من اختصاص الرئيس فى إدارته، فهو يعين شيخ الأزهر، كما يعين إمام وخطيب الجامع الأزهر، ويعين خمسة من أعضاء المجلس الأعلى للأزهر ويعين الأمين العام لهيئة كبار العلماء. وما اقترح للأزهر سبق تطبيقه في الجامعات، ذلك أن تعيين عمداء الكليات الذي كان يتم بالانتخابات تم العدول عنه، وأصبح التعيين يتم بقرار من رئيس الجمهورية.....إلخ.ذلك كله يحدث في مؤسسات وهيئات يفترض أنها «مستقلة»، مجلس النواب والقضاء والأزهر والإعلام والجامعات وصولا إلى الجهات الرقابية. وكل ذلك التغول يتم بالقانون الذي أصبح إصداره خاضعا في كل مراحله لنفوذ السلطة ووصايتها المباشرة. النتيجة أن «هذا البلد بملايينه من البشر، بزراعته وصناعاته واقتصاده وبخبراته العلمية والفنية والثقافية، ونظم إدارته الحديثة وأجهزته الإدارية والأمنية والسياسية، وبمؤسساته وجامعاته ومدارسه، هذا البلد بكل سعته وتعدده وتنوعه وشموله وتراكم خبراته أصبح ينحصر ويلملم لتمسك به قبضة رجل واحد. لكن قبضة الرجل الواحد على رقبة ذلك الجسم الكبير لا تمسكه وإنما هى تخنقه وتميته» (طارق البشري في كتابه «مصر بين العصيان والتفكك»).إن التحدي الكبير الذي بات يواجه مصر الآن يختصره السؤال التالي: كيف ننقذ مصر من مصير شبه الدولة الذي تنزلق نحوه حينا بعد حين؟

777

| 02 مايو 2017

من أهان القضاء؟

إهانة القضاء هذه المرة ترقى إلى مستوى الصدمة. ذلك أنه في الوقت الذي تنظر فيه عدة محاكم مصرية بعض القضايا التي اتهم فيها عدد من النشطاء المصريين بإهانة القضاء للتنكيل بهم، فإننا فوجئنا في نهاية الأسبوع الماضي بأن السلطة ذاتها وجهت إهانة تاريخية للقضاء. وإذا كانت محاكمات النشطاء سياسية بالدرجة الأولى ويتعذر أخذها على محمل الجد، فإن الإهانة الأخيرة التي وجهتها السلطة إلى القضاء، وإن كانت سياسية بدورها، إلا أنها من الجسامة بحيث ينبغي أن تستقبل بأعلى درجات الجدية. فالأولى تستهدف أفرادا، أما الثانية فتهدر قيمة استقلال القضاء وتنال من هيبة القضاة واحترام القانون. هي ليست صدمة واحدة فى حقيقة الأمر، وإنما عدة صدمات تتابعت خلال الأشهر الأخيرة. بدأت بمشروع مشكوك في مصدره يخول لرئيس الجمهورية الذي هو رئيس السلطة التنفيذية سلطة تعيين رؤساء الهيئات القضائية، من بين ثلاثة مرشحين تعينهم الجمعيات العمومية، ورغم أن الهيئات القضائية عارضته بالإجماع، إلا أننا فوجئنا بأن مجلس النواب وافق على المشروع. وكان للموافقة دلالتها لأننا نعرف أن للسلطة دورها في تشكيل أغلبية المجلس، وحين وافقت الأغلبية على المشروع فقد كان ذلك دالا على أن السلطة راضية عنه. في الوقت ذاته فإنه سلط الضوء على الجهة التي كانت وراء تقديم التعديل، التي لم تعد مجهولة المصدر. وإذ أحدثت الموافقة صداها الغاضب في أوساط القضاة فقد ظن كثيرون أن المشروع لن يتم التصديق عليه من جانب الرئاسة، وأنه سيرد إلى المجلس لإجراء التعديلات ــ أو بعضها على الأقل ــ التي جاءت في اعتراض الهيئات القضائية عليه، غير أن ذلك لم يحدث، وكانت الصدمة الكبرى أنه تم التصديق على المشروع بعد ٢٤ ساعة من موافقة البرلمان، ونشر نصه في الجريدة الرسمية على الفور (يوم الجمعة ٢٨/٤). العملية بهذه الصورة لم تكن إهانة للقضاء فحسب، وهذا أمر لا يمكن التقليل من حجمه، وإنما شكلت خطواتها اعتداء على الدستور من زاويتين، الأولى في الشكل والثانية في المضمون. وتلك مسألة تحتاج إلى شرح أوجزه فيما يلي: < طبقا لنص المادة ١٨٥ من الدستور التي نصت في فقرتها الثانية على أن يؤخذ رأي كل جهة وهيئة قضائية في مشروعات القوانين المنظمة لشئونها، وفي الحالة التي نحن بصددها رفضت الهيئات القضائية جميعها المشروع، ولكن رأيها جرى العصف به ولم يؤخذ في الاعتبار. < استقلال القضاء مبدأ مستقر في الدستور منذ عام ١٩٢٣، ومنصوص عليه في ثلاث مواد من الدستور الحالي (١٨٤ و١٨٥ و١٨٦). وتعيين رئيس الجمهورية لرؤساء الهيئات القضائية يشكل إخلالا بذلك الاستقلال وتغولا من جانب رئيس السلطة التنفيذية ينتهك ذلك المبدأ الأصيل، وفي انتقاد العملية ذكر أحد الباحثين أنه طبقا للدستور فإنه في حالة محاكمة رئيس الجمهورية مثلا فإنها تتم أمام محكمة خاصة مشكلة من رؤساء الهيئات القضائية، وفي ظل الوضع الحالي يتعذر افتراض الحياد في أن يقوم بمحاكمة الرئيس قضاة هو الذي اختارهم وعينهم في مناصبهم. رجال القانون الذين تحدثت إليهم لم يستغربوا إهدار السلطة التنفيذية لأحكام القضاء، وضربوا مثلا بحكم القضاء الإداري بطلان اتفاقية الجزيرتين تيران وصنافير، ثم تجاهل الحكومة للحكم وإحالة الموضوع إلى البرلمان، فضلا عن إحالة الموضوع إلى قاضي الأمور المستعجلة لوقف أحكام القضاء الإداري، وهو إجراء باطل يمثل عبثا بالقانون وليس احتكاما إليه، ومنهم من قال إن التصريح الأمريكي بأن الإفراج عن المصرية الأمريكية آية حجازى كان ثمرة اتصالات أمريكية مع السلطات المصرية، الأمر الذي اعتبر أن تبرئة السيدة وزملائها تم بفضل التدخل الدبلوماسي وليس بناء على حكم القاضي المصري. القانونيون الذين تواصلت معهم تحدثوا بمرارة عن إهدار أحكام القانون، لم يخطر على بالهم أن تذهب الأمور إلى أسوأ بحيث يطعن استقلال القضاء بالصورة التي جاءت في القانون الأخير، وتساءل أحدهم منفعلا، هل يعقل أن تقوض بعض أهم أعمدة العدل في مصر لمجرد أن السلطة تريد استبعاد أشخاص بذواتهم (قيل إن عددهم أربعة) من حظوظهم في تولي رئاسة بعض الهيئات القضائية، لمجرد أن بعضهم غير مرضي عنه، أو أصدر أحكاما أغضبت الحكومة (حكم إلغاء اتفاقية الجزيرتين مثلا)؟

583

| 30 أبريل 2017

مصر بعيون أمريكية

لأنها كانت جادة وصريحة، فإن المناقشات التي أجرتها لجنة الكونجرس لموضوع المعونة الأمريكية لمصر بدت أمرا مثيرا ومدهشا. أغلب الظن لأن تجاربنا علمتنا ألا نأخذ المناقشات البرلمانية على محمل الجد، وصرنا نعتبرها من قبيل الهرج السياسي، الذي تطلق حلقاته في الفضاء المصري بين الحين والآخر. ومن المفارقات ذات الدلالة أن الهرج الذي نمارسه يتم في جلسات مغلقة نسمع بها ولا نراها. في حين أن مناقشات الكونجرس العميقة تذاع على الهواء، بحيث يتابع الناس كل وقائعها ويصبحون بمضي الوقت جزءا من حواراتها.أتحدث عن جلسة الاستماع التي عقدتها إحدى لجان مجلس الشيوخ وجرى بثها يوم الثلاثاء الماضي (??/?)، وتحدث فيها ثلاثة من خبراء الشأن المصري، وناقشهم في المعلومات والأفكار التي عرضوها بقية الأعضاء. كان موضوع المناقشة الأساسي هو جدوى المعونة وحدودها وإلى أي مدى تخدم المصالح الأمريكية وتسهم في استقرار مصر والمنطقة المحيطة. ولكي يوضع أعضاء اللجنة في الصورة، فإن المتحدثين الثلاثة قدموا عرضا مفصلا للأوضاع في مصر، حيث يفترض أن تشكل المعونة (?.? بليون دولار) إسهاما أمريكيا في استقرارها وتحسينها. وهو ما تحرص عليه الولايات المتحدة وترى فيه مصلحة لها.حين تابعت مناقشات الجلسة على موقع الكونجرس، لفت نظري أمران، أولهما غزارة ووفرة المعلومات لدى المتحدثين الثلاثة عن مختلف الأوضاع الداخلية في مصر. وثانيهما أن تقييم المتحدثين على جملته كان سلبيا ومعبرا عن القلق وعدم الاطمئنان إلى المستقبل في الأجل المنظور. الخبراء الثلاثة الذين تحدثوا هم: توم ميلونيسكي مساعد وزير الخارجية السابق لشؤون الديمقراطية وحقوق الإنسان، وإيليوت إبراهام الخبير في الأمن القومي الذي عمل مع إدارة الرئيس بوش، وميشيل دن الدبلوماسية السابقة وخبيرة الشؤون العربية. في مقدمة الملاحظات التي أبدوها ما يلي:< أن المعونة كانت تقدم لمصر حين كان لها دورها المؤثر في العالم العربي، لذلك كان الحفاظ على استقرارها مهما للحفاظ على المصالح الأمريكية. ولأن ذلك الدور تراجع، فإن إعادة النظر في حجم المعونة يصبح مبررا، كما أنها لم تعد مهمة للحفاظ على العلاقات المصرية الإسرائيلية التي أصبحت الآن قوية بحيث ما عاد واردا أن يؤثر فيها تخفيض المعونة أو حتى قطعها.< أن إسرائيل سعيدة بالدور الذي تقوم به مصر في الضغط على حماس، كما أنها تتعاون مع مصر في موضوع مكافحة الإرهاب بسيناء.< شدد المتحدثون على موضوع القيود على الحريات وانتهاكات حقوق الإنسان في مصر. وقال توم ميلونيسكي إنه طاف العالم بحكم عمله في الموضوع، ووجد أن مصر من أصعب الدول أثناء التفاوض في الموضوع، لأنها تحرص دائما على التغطية على مشاكلها وممارساتها رغم وجود ?? ألف شخص في السجون والمعتقلات المصرية.< تطرقت المناقشات إلى السياسات الداخلية، وقالوا إنها تساعد على الإرهاب ولا تكافحه. وذكروا في هذا الصدد أن فكرة تصنيف الإخوان جماعة إرهابية غير صائبة وتعد انتصارا لداعش، خصوصا أن المعايير الأمريكية للإرهاب لا تنطبق على الإخوان.< تطرقت المناقشات أيضا إلى موضوع المساعدات الخليجية لمصر وأوجه إنفاقها، وتساءل أحد المتحدثين: هل مصر بحاجة إلى دبابات أم إلى مدارس، وكان ذلك في سياق انتقاد أولويات مشروعات السلطة المصرية.< احتل موضوع سيناء حيزا معتبرا في المناقشة. وفي هذا الصدد ذكر أن الولايات المتحدة تراقب ما يجري هناك ضمن تتبعها لتمدد الأنشطة الإرهابية. وقيل إن السلطات الأمريكية عرضت على المصريين اقتراحا بإرسال وفد لتحري الوضع على الطبيعة، لكن القاهرة لم تتحمس للفكرة.< أثيرت أيضا مسألة حروب الجيل الرابع التي تم تداولها في مصر، واعتبر بعض المتحدثين أنها فكرة تحرض ضد الولايات المتحدة والدول الغربية وتتهمها بالتآمر على مصر، في الوقت الذي تقف فيه واشنطن إلى جوار مصر.الشاهد أن أعضاء الكونجرس الذين اشتركوا في المناقشة لم يكونوا معارضين لمصر رغم انتقادهم لنظامها. وإنما أرادوا أن يطمئنوا إلى أن المساعدات التي تقدمها بلادهم لمصر تنفق في الاتجاه الصحيح الذي يخدم الاستقرار، وتوظف في خدمة النهوض بالمجتمع والدفاع عن الديمقراطية وقيمها.ليتنا نعرض شريط الجلسة على شاشة إحدى قنواتنا التلفزيونية، لكي يدرك المصريون كيف يرى واقعهم من الخارج. أما إذا تعذر ذلك للأسباب التي نعرفها، فليتنا نتيح لأعضاء مجلس النواب أن يشاهدوه لكي يتعلموا منه كيف يكون الدعم الحقيقي لمصر.

875

| 29 أبريل 2017

استرونا ولا تفضحونا

أيصح أن يعاقب اثنان من القضاة ــ حتى يتعرضا لاحتمال الفصل ــ لأنهما شاركا في وضع مشروع لمكافحة التعذيب؟ السؤال من أغرب ما يمكن أن يطرح في زماننا. لأننا نفهم أن يعاقب الذين يمارسون التعذيب. ولكننا لا نريد أن نصدق أن العقاب يمكن أن يكون من نصيب الذين يكافحونه. وعلى أسوأ الفروض وأتعسها، فإن التعذيب إذا كان قد أصبح من الخطوط الحمراء و«الثوابت الوطنية»، فلماذا لا ندع الذين يكافحونه وشأنهم، بحيث يعدون المشروعات التي تعِنّ لهم، في حين يستمر الوضع كما هو عليه، كما هو الحاصل مع المنظمات الحقوقية التي ما برحت تندد بالتعذيب ليل نهار، دون أن يؤثر ذلك على «ثوابت» الداخلية وممارساتها. أعني لماذا لا نستجيب للدعوة إلى ستر البلوى، ونصر على فضح أنفسنا على الملأ، بحيث يشمت فينا كل من هب ودب.قبل أن أستطرد، أذكر بأن فريق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتهز فرصة إطلاق سراح المصرية الأمريكية آية حجازي واستقبال الرئيس لها في واشنطن، وحوّل المسألة إلي فيلم دعائي لتحسين صورة الرئيس الأمريكي، وتقديمه بحسبانه الرجل الذي يدافع عن كرامة الأمريكيين في الداخل والخارج. أما نحن فنتطوع بين الحين والآخر بإهداء وسائل الإعلام قصصا وأخبارا تشوه صورة البلد وتفضح نظامه. وفي الوقت ذاته نملأ الدنيا صياحا وغضبا لأن المنابر الإعلامية الأجنبية لا تذكر مصر بخير.لقد أعلن هذا الأسبوع أن مجلس الصلاحية بوزارة العدل انعقد للنظر في أمر القاضيين الجليلين المستشار عاصم عبدالجبار نائب رئيس محكمة النقض والمستشار هشام رؤوف الرئيس بمحكمة الاستئناف، بعد اتهامهما بالاشتراك في وضع مشروع قانون لمكافحة التعذيب، ونسب إليهما أنهما «عملا مع جماعة غير شرعية يرأسها المحامي نجاد البرعي (الحقوقي المعروف)» لهذا الغرض، وكان رئيس مجلس القضاء الأعلى قد طلب من وزير العدل في شهر أبريل من عام ٢٠١٥ ندب قاض للتحقيق في تعاون القاضيين مع الأستاذ البرعي لإنجاز المشروع. وهو من سبق أن وجهت إليه اتهامات بتأسيس جماعة غير مرخصة باسم المجموعة المتحدة بغرض التحريض على مقاومة السلطات العامة وممارسة نشاط حقوق الإنسان دون ترخيص. وتلقي تمويل من المركز الوطني لمحاكم الدولة، وإذاعة أخبار كاذبة وتكدير الأمن العام وإلحاق الضرر بالمصلحة العامة.من يتابع الموضوع، خصوصا بيان المجموعة المتحدة يدرك أنه من شقين، أحدهما يتعلق بنشاط المجموعة ومواقف واتصالات الأستاذ نجاد البرعي، الذي وجهت إليه الاتهامات السابق ذكرها. الشق الثاني ينصب على تعاون القاضيين مع المكتب في إنجاز مشروع مكافحة التعذيب. والاتهامات الأولى تؤسس للشق الثاني، على اعتبار أنه من وجهة نظر الادعاء مكتب «مشبوه» اشترك القاضيان في بعض أنشطته. بما يستوجب المساءلة والعقاب.الأصل أن نأخذ مثل تلك الادعاءات على محمل الجد، إلا أن خبرتنا لا تشجعنا على ذلك. وقائمة الاتهامات الجسيمة التي وجهت إلى آية حجازي وجمعيتها (بلادي) وبرأتها المحكمة منها جميعا، دليل حي بين أيدينا يؤيد تلفيقها ويشككنا في جديتها. وهو ما يدعونا إلى القول بأن ما هو منسوب إلى الأستاذ البرعي والقاضيين من اتهامات له أسباب أخرى غير تلك التي وردت في الادعاءات. ويدعونا بالتالي إلى تصديق ما قيل عن أن الأمر في جوهره لا يخرج عن كونه من قبيل التأديب وتصفية الحسابات، فالحقوقيون من أمثال نجاد البرعي غير مرضيٍّ عنهم وفتحهم ملف التعذيب غير مرحب به. أما القاضيان فهما من دعاة استقلال القضاء الذين يتم التخلص منهم لأنهم بدورهم غير مرضي عنهم، مثل غيرهم من «المشبوهين» الذين اشتركوا في ثورة ٢٥ يناير. وإذا ما صح ذلك فإنه مما يبعث على الأسى، ليس فقط لأنه من قبيل القمع الذي صار يمارس بحق كثيرين في مصر، ولكن أيضا لأنه يفضحنا ويكشف عوراتنا أمام الأجانب.

1008

| 27 أبريل 2017

اعتذار لكريم يونس

أعاني من الخجل وينتابني شعور بالذنب لأن اسم كريم يونس سقط من ذاكرتي. ذلك أن المناضل الفلسطيني حين يقضي في السجون نحو ٣٥ عاما. بحيث يصبح أقدم سجين في العالم وربما في التاريخ، من حقه أن يتحول إلى أيقونة في العالم العربي على الأقل. فلا تختفي صورته ولا ينسى اسمه، وتظل قصته رمزا ملهما للأجيال المتعاقبة. صحيح أنه ليس الوحيد في الأسْر، لأن السجون الإسرائيلية تحتوي على أكثر من ثمانية آلاف أسير فلسطيني (بينهم ٢٤٠ طفلا و٧٣ امرأة وفتاة) وجميعهم مناضلون نحني لهم رؤوسنا إجلالا واحتراما، إلا أن كريم يظل أقدمهم وأطولهم عمرا في أقبية تلك السجون.إذا قال قائل بأن بيننا من نسي القضية برمتها ومن ثم ينبغي ألا نستكثر على أنفسنا أن ننسى بعض رموزها، فردي عليه إن الملاحظة صحيحة وخاطئة في الوقت ذاته. ذلك أنها إذا كانت تعبر عن واقع حاصل في زماننا، إلا أنه واقع بائس من الخطأ أن يعتبر معيارا للحكم. إذ القياس الجاد ينبغي أن يكون مرجعه ما يتعين أن يصير إليه الأمر وتقتضيه الأمانة والمروءة والواجب.الفضل في تذكيرى بكريم يونس يرجع إلى «يوم الأسير» الذي يحتفل به الفلسطينيون في السابع عشر من شهر أبريل كل عام. وهو التاريخ الذي نجحت فيه المقاومة الفلسطينية (عام ١٩٧٤) في إطلاق سراح الأسير محمود بكر حجازي في أول عملية لتبادل الأسرى مع العدو الصهيوني. بعد ذلك التاريخ بتسعة أعوام (في الأول من شهر يونيو عام ١٩٨٣). اقتحم الإسرائيليون بيت أبيه في بلدة «عارة» بالمثلث الشمالي وراء الخط الأخضر، باحثين عن كريم. وحين قيل لهم إنه يدرس بجامعة بن جوريون في بئر سبع، فإنهم اختطفوه من هناك في اليوم التالي، بعد ذلك وجهت إليه تهمة قتل جندي إسرائيلي بالاشتراك مع آخرين. وحكم عليه بالإعدام شنقا. وهي العقوبة غير المنصوص عليها في القانون الإسرائيلي ــ إلا أن القضاء فعلها لأنهم أرادوا ترويع الفلسطينيين في الداخل. وبالفعل ظل كريم مرتديا بدلة الإعدام الحمراء لعدة أشهر، في انتظار أن يساق إلى حبل المشنقة. لكن استئناف الحكم أدى إلى تخفيفه إلى السجن المؤبد، الذي قيل إنه عقوبة تستمر أربعين عاما. بما يعني أنهم أرادوا أن يستبدلوا الموت البطىء بالموت الفعلي.منذ ذلك الحين وكريم قابع في سجون إسرائيل التي تنقل بينها جميعا (٢٢ سجنا) ضمن عمليات التنكيل به وكسر إرادته. إلا أن المناضل العنيد ظل صامدا في زنازينها. بل ظل يقاتل من خلال معركة الأمعاء الخاوية، حيث خاض ٢٥ إضرابا عن الطعام. أحدثها الإضراب الذي أعلنه الأسرى في الأسبوع الماضي، وكان هو مع مروان البرغوثي القيادي في فتح في مقدمة الأسرى القابعين في زنازين سجن «الجلمة»، الذين أصروا على تحدي سياسات التنكيل والتسويف التي تتبعها إسرائيل مع الفلسطينيين.في الأسبوع الماضي قال كريم يونس لأمه التي جاوزت الثمانين عاما وحفيت قدماها وهي تزوره كل أسبوعين في السجون التي ينقل إليها. إنه مستعد لأن يبقى مائة عام أخرى في السجن، ولا يستخدم كورقة لابتزاز الفلسطينيين والتفريط في حقوقهم. وفي كهولتها التي جفت معها دموعها فإنها ما عادت تتمنى شيئا سوى أن تحتضن ابنها الذي لم تعد تراه إلا من خلال اللوح الزجاجى، بعدما فقدت الأمل في أن تزوجه كما زوجت بقية إخوته.أكثر ما حز في نفسي ما قرأته عن غضب الرجل ولومه للقيادات الفلسطينية التي بدت وكأنها نسيته، واستسلمت لمراوغات الإسرائيليين الذين استثنوه من عمليات تبادل الأسرى أكثر من مرة. إذ كان ولايزال حرصهم أكبر على إذلال المقاومين الفلسطينيين الذين ينطلقون من قرى الخط الأخضر ويحملون الجنسية الإسرائيلية رسميا. ذلك أنهم بممارساتهم يعلنون عن فشل سياسة التذويب والترويض ويذكرون إسرائيل بجريمتها التاريخية والكبرى.كريم يونس وزملاؤه محقون في عتابهم على القيادات الفلسطينية، بل وعتاب العرب الذين صاروا «أصدقاء» لإسرائيل، لأنهم بدورهم نسوا الأسرى. ولئن جرى الاحتفاء عالميا بالزعيم الإفريقى الجنوبى نيلسون مانديلا الذي قضى في السجن ٢٧ عاما، فإن سجينا مثل كريم يونس الذي قضى نحو ٣٥ عاما حين شارك في الدفاع عن كرامة شعبه ووطنه يظل أجدر بالتكريم، إن لم يكن بإطلاق سراحه، فعلى الأقل دفاعا عن القيم النبيلة التي تصدى بنفسه للدفاع عنها. وإذا قصر هؤلاء وهؤلاء فلا أقل من أن نعلن نحن تضامننا معه وكل زملائه. واعتذارنا عن العجز والوهن الذي أصاب أمتنا وحولنا جميعا إلى أسرى فى أوطاننا.

510

| 26 أبريل 2017

alsharq
إلى من ينتظرون الفرد المخلص

سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما...

2802

| 08 مارس 2026

alsharq
حين جار الجار

في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار...

2478

| 04 مارس 2026

alsharq
الخليج ليس ساحة حرب

تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث...

2304

| 09 مارس 2026

alsharq
لسان «مكسّر».. هل نربي «أجانب» بملامح خليجية؟

المشهد يتكرر كل يوم جمعة، وهو مؤلم بقدر...

1059

| 04 مارس 2026

alsharq
إيران.. وإستراتيجية العدوان على الجيران

-رغم مبادرات قطر الودية.. تنكرت طهران لمواقف الدوحة...

771

| 07 مارس 2026

alsharq
العقول قبل الألقاب

في كل مجتمع لحظة اختبار خفية هل يُقدَم...

654

| 05 مارس 2026

alsharq
رسالة إلى الوزير الصالح

رسالتي هذا الأسبوع من حوار القلم إلى الرجل...

633

| 05 مارس 2026

alsharq
نفحات ينتظرها الجميع

الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وجعلنا من أمة...

603

| 04 مارس 2026

alsharq
دول الخليج من التأثر إلى التأثير بالصراع

حين ننظر إلى الخريطة السياسية عند قراءتنا للتاريخ...

525

| 04 مارس 2026

alsharq
التجربة القطرية في إدارة الأزمات

عندما تشتد الأزمات، لا يكمن الفارق الحقيقي في...

522

| 09 مارس 2026

alsharq
في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة

في أيامٍ تتسارع فيها الأخبار، وتتزاحم فيها المنصات...

519

| 06 مارس 2026

alsharq
رمضان يبكي غيابنا

إلى من نحب… إلى الذين يسكنون القلب ولو...

516

| 06 مارس 2026

أخبار محلية