رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تغول السلطة المصرية ونزوعها إلى إضعاف المجتمع يحقق نبوءة «شبه الدولة» ويكاد يدخلها في طور آخر.
(١)
في شهر يوليو من العام الماضي (٢٠١٦) أصدر الرئيس عبدالفتاح السيسي قرارا بقانون خوله حق عزل رؤساء الهيئات الرقابية والأجهزة التي نص الدستور على استقلالها. وحين عرض القانون على قسم التشريع بمجلس الدولة، فإن خبراءه غضوا الطرف عن المخالفة الدستورية، ومن ثم أجازوه، الأمر الذى مهد الطريق أمام تمريره وتأييده لاحقا من مجلس النواب. ورغم أن منطوق القانون كان يطلق يد الرئيس في تقرير مصير رؤساء تلك الهيئات (البنك المركزي والهيئة العامة للرقابة المالية والجهاز المركزي للمحاسبات وهيئة الرقابة الإدارية) إلا أن الجميع كانوا يعرفون أن المستهدف به في تلك اللحظة هو المستشار هشام جنينة رئيس جهاز المحاسبات الذي كان قد رفع عنه الرضا، وتمت استباحته إعلاميا لأن أداءه أزعج أطرافا في السلطة فوق الحساب والمساءلة، ولم يخب ذلك الظن لأن النية المبيتة سرعان ما أسفرت عن وجهها. إذ لم تتم الإطاحة بالمستشار جنينة فحسب، وإنما فصلت ابنته أيضا من وظيفتها في النيابة الإدارية.
كان قرار العزل هو الأول من نوعه في تاريخ جهاز المحاسبات، وقد أحدث صدى محدودا في أوساط النخبة المصرية، إلا أن الموضوع نسي بمضي الوقت، ولم يتوقف أحد عند ملاحظة مخالفة الدستور، وتوظيف القانون للاعتداء عليه واختراق الحصانات التي وفرها لتمكين مؤسسات الدولة من القيام بمهامها في حماية المجتمع. أخيرا، في ٢٨/٤ المنتهي، حين صدر القانون الذي خوَّل الرئيس حق تعيين رؤساء الهيئات القضائية من بين ثلاثة ترشحهم الجمعيات العمومية، كتب أحد المدونين تغريدة قال فيها: أكلت يوم أكل هشام جنينة (في محاكاة للتعبير الشهير «أكلت يوم أكل الثور الأبيض»).
(٢)
حين أنشأ الخديو إسماعيل أول مجلس للوزراء في البلد (في أغسطس عام ١٨٧٨) فإنه سمي «مجلس النظار»، لأن مصر آنذاك كانت ولاية عثمانية، وكانت الوزارات ضمن تشكيلات الدولة الرسمية في إستانبول. أما القائمون على الولايات فقد كانوا مجرد «نظار» يتولون الإشراف على مجريات الأمور المحلية في ضوء السياسات العليا التي تقررها عاصمة السلطنة. ولم يعرف مصطلح الوزراء في مصر إلا حين انفصلت عن دولة الخلافة من الناحية الرسمية بإعلان بريطانيا حمايتها عليها في عام ١٩١٤.
منذ ذلك الحين نما جهاز الإدارة في مصر، وتجاوز كثيرا حدود «السياستنامة» التي وضعها محمد على باشا في النصف الأول من القرن التاسع عشر ووزع بمقتضاها أنشطة الإدارة العامة للدولة على سبعة دواوين. واقترن نمو جهاز الدولة بعاملين برزا بمضي الوقت. الأول أن نمو أجهزة السلطة توازى مع تراجع وإضعاف مؤسسات المجتمع الأهلي (المدني بلغة هذا الزمان)، وعلى رأسها نقابات الطوائف التي كانت تضم أصحاب المهن والطرق الصوفية التي أدت دور الجمعيات والأحزاب، والوقف الذي كان يمول النشاط المجتمعي. العامل الثاني تمثل في غياب السلطة التشريعية التي تنهض بمهمة مراقبة أداء أجهزة الدولة وتكبح جماحها. وهو ما أدى إلى انفلاتها وتغولها، بحيث صار الحاكم له شرعية الحكم وشرعية التدخل في شئون الجماعات والأفراد. ومن ثم أصبح هو ذاته من يحدد الإطار المرجعي لشرعية تصرفات نفسه وقراراته وتشريعاته (طارق البشري ــ جهاز الدولة وإدارة الحكم في مصر).
الدكتور جمال حمدان في مؤلفه «شخصية مصر» ذهب إلى أبعد في تحليله لتاريخ تحكم السلطة في مصر. وهو ما أشرت إليه في وقت سابق. إذ بحكم اختصاصه كأستاذ في الجغرافيا السياسية فإنه أرجع الأمر إلى دور نظام الري النهري في إنتاج ما أسماه «الطغيان الفرعوني» ــ ذلك أن قيام الفرعون على توزيع المياه للري جعله لا يتحكم فقط في ضبط النهر وإنما في ضبط الناس أيضا. وهو ما حول مصر إلى «ضيعة كبرى للحاكم». وصارت الدولة الفرعونية نظاما ديكتاتوريا مطلقا أبعد ما تكون عن الديمقراطية. لذلك ليس صدفة أن مصر الفرعونية لم تشتهر بقانون كبير ولم يعرف فيها إنجاز قانوني له شأن، من مثل حمورابي أو الرومان.
أضاف الدكتور حمدان أن الحكم الأوتوقراطي المطلق أدى وظيفته في البداية، حيث وضع أسس الحضارة المصرية وأرسى دعائمها، غير أنه لم يلبث أن تعدى نفسه إلى القهر السياسي والاجتماعي. «لقد انبثقت الدولة عن المجتمع لكنها وضعت نفسها فوقه»، ومن ثم فإنها تحولت من قوة قهر إلى قوة بطش. ولخص فكرته في قوله إن الطغيان الفرعوني جاء نتيجة حتمية للدولة المركزية. وكانت الدولة المركزية ضرورة حتمية للبيئة الفيضية (التى تعتمد في الزراعة على فيضان النيل). وفي النتيجة أصبحت العلاقة عكسية بين المواطن والدولة. فتضاءل حجم الشعب بقدر ما تضخم وزن الحكم، وكلما كبرت الحكومة صغر الشعب.
(٣)
كأن الدكتور جمال حمدان كان يحلل أوضاع مصر المعاصرة. وهو ما لم يختلف معه المستشار البشري الذي أفرد فصلا تحت عنوان «علم الاستبداد والطغيان» في مؤلفه «مصر بين العصيان والتفكك» الذي طبع عام ٢٠١٦، كما أفرد فصلا آخر تولى فيه تشريح ما أسماه «شخصنة الدولة»، بمعنى ربط مصيرها بإرادة شخص أو فئة ضيقة منغلقة على ذاتها. وتلك مفاتيح مهمة لقراءة الكثير من صفحات الماضي والحاضر في مصر.
في الوقت الراهن، فإننا نلحظ ظواهر ثلاثا موصولة بتلك الخلفية هي:
< اختفاء دور المؤسسات المستقلة الذي يتجلى في صور عدة. بينها الإبقاء على وجودها مع التحكم في إدارتها بما يحقق إلحاقها عمليا بالسلطة التنفيذية. منها أيضا استمرار الإبقاء عليها مع نزع اختصاصاتها بما يؤدي إلى تفريغ وظيفتها من مضمونها. منها كذلك الحفاظ على وجودها القانوني للحفاظ على الشكل الديمقراطي، ثم إنشاء مؤسسات موازية تابعة مباشرة للسلطة تقوم بمهامها.
< استخدام سلطة التشريع لتقنين الإلحاق وتشديد قبضة السلطة، من خلال النص على انفراد رئيس الدولة باختيار ليس فقط أركان وقيادات السلطة التنفيذية التي يرأسها، وإنما أيضا تعيين رؤساء المؤسسات «المستقلة». بما يلغي دور قواعد المجتمع في اختيار القيادات التي تمثلها في مختلف مكونات الدولة. وبطبيعة الحال فإن الدور الحقيقي في الترشيح والاختيار لتلك الشريحة الواسعة من القيادات تقوم به الأجهزة الرقابية والأمنية، ويظل دور رئاسة الدولة مقصورا على الترجيح بين من ترشحهم تلك الأجهزة. وهو ما يعني أن تلك الأجهزة الرقابية والأمنية تصبح بمضي الوقت هي الجهة المهيمنة على المجال العام.
< الظاهرة الثالثة في السياق الذي نحن بصدده تتمثل في أن النزوع إلى التحكم في مصائر المجتمع يؤدي إلى الانتقال التدريجي من فكرة الدولة إلى صيغة السلطنة. والدولة تقوم على المؤسسات ويحكمها القانون، والسلطنة محورها شخص السلطان وتديرها أذرعه المختلفة التي تأتمر بأمره وترهب المجتمع بصولجانه. وهو مآل يقربنا من حالة «شبه الدولة» التي جرى الحديث عنها أخيرا في مصر إلا أنها حالة لا تنصرف إلى الماضي، لأنها تصنع على أيدي القائمين على الأمر في الحاضر وتلوح ضمن خيارات المستقبل.
(٤)
ما نشهده في مصر هذه الأيام يقدم ما لا حصر له من النماذج التي تدلل على صحة ما أقول. خصوصا ما شهد به الدكتور جمال حمدان عن العلاقة العكسية التي بين السلطة والمجتمع بحيث يتضاءل حجم الشعب ويصغر حجمه، كلما تضخم وزن الحكومة. ويكاد مجلس النواب يكون التجسيد الأوضح لتلك الحالة. إذ في حين يفترض أنه من الناحيتين القانونية والسياسية بمثابة مجلس الشعب المنتخب، إلا أن التجربة العملية أثبتت أنه مجلس الحكومة بامتياز. ومن ثم صار وجوده تعبيرا عن تضخم حجم الحكومة وتضاؤل حجم الشعب.
الحاصل مع القضاة نموذج آخر، ففي حين كان التقليد المتبع أن الجمعيات العمومية هي التي تنتخب رؤساءها وفقا لأعراف مستقرة منذ عقود، فإن القانون الجديد ألغى دور الجمعيات العمومية وجعل رئيس الجمهورية هو من يختار أولئك الرؤساء من بين ثلاثة ترشحهم الهيئة المعنية. وبدلا من أن تنتخب الجماعة الصحفية رؤساء المجالس التي تدير المهنة، فإن الرئيس صار من يقرر تشكيل تلك المجالس ويختار رؤساءها، وقرأنا أخيرا مشروعا مريبا لتعديل قانون الأزهر يوسع من اختصاص الرئيس فى إدارته، فهو يعين شيخ الأزهر، كما يعين إمام وخطيب الجامع الأزهر، ويعين خمسة من أعضاء المجلس الأعلى للأزهر ويعين الأمين العام لهيئة كبار العلماء. وما اقترح للأزهر سبق تطبيقه في الجامعات، ذلك أن تعيين عمداء الكليات الذي كان يتم بالانتخابات تم العدول عنه، وأصبح التعيين يتم بقرار من رئيس الجمهورية.....إلخ.
ذلك كله يحدث في مؤسسات وهيئات يفترض أنها «مستقلة»، مجلس النواب والقضاء والأزهر والإعلام والجامعات وصولا إلى الجهات الرقابية. وكل ذلك التغول يتم بالقانون الذي أصبح إصداره خاضعا في كل مراحله لنفوذ السلطة ووصايتها المباشرة. النتيجة أن «هذا البلد بملايينه من البشر، بزراعته وصناعاته واقتصاده وبخبراته العلمية والفنية والثقافية، ونظم إدارته الحديثة وأجهزته الإدارية والأمنية والسياسية، وبمؤسساته وجامعاته ومدارسه، هذا البلد بكل سعته وتعدده وتنوعه وشموله وتراكم خبراته أصبح ينحصر ويلملم لتمسك به قبضة رجل واحد. لكن قبضة الرجل الواحد على رقبة ذلك الجسم الكبير لا تمسكه وإنما هى تخنقه وتميته» (طارق البشري في كتابه «مصر بين العصيان والتفكك»).
إن التحدي الكبير الذي بات يواجه مصر الآن يختصره السؤال التالي: كيف ننقذ مصر من مصير شبه الدولة الذي تنزلق نحوه حينا بعد حين؟
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2633
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1024
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4599
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3198
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1245
| 28 سبتمبر 2026