رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. جاسم الجزاع

* باحث وأكاديمي كويتي
[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

459

د. جاسم الجزاع

دول الخليج من التأثر إلى التأثير بالصراع

04 مارس 2026 , 02:16ص

حين ننظر إلى الخريطة السياسية عند قراءتنا للتاريخ وتنوع أحداثه، نجد أن بعض المناطق لم تكن أكثر من مسارح مفتوحة تتصارع فوقها القوى الكبرى، فتُدار فيها المعارك، وتُحسم فيها التوازنات الإقليمية والدولية، بينما لم يكن لأهلها إلا التكيف مع نتائجها بلا حول منهم ولا قوة، ونجد في المقابل، أن بعض المناطق الأخرى استطاعت أن تنتقل من موقع التلقي والتأثر من القوى العظمى إلى صناعة الفعل والتأثير، ومن كونها ساحة للصراع بالأمس إلى صيرورتها صانعة للتوازن ذاته، لذلك نجد أن منطقتنا الخليجية تمثل أنموذجاً قابلاً لهذا التحول التاريخي العميق، إن وجدت الإرادة والإدراك السياسي والإداري لطبيعة الصراع الدولي وقواعده.

فمنطقتنا الخليجية، بحكم موقعها الجغرافي وثرواتها، كانت عبر مراحل طويلة تُقرأ في الأدبيات السياسية باعتبارها منطقة نفوذ أمريكي بعد البريطاني، وتتنافس عليها الإمبراطوريات السابقة واللاحقة والقوى الكبرى، من الفرس إلى البرتغاليين وصولاً للبريطانيين والأمريكان القوى الدولية الحديثة، ولم يكن التنافس عليها نابعاً من فراغ، بل من إدراك تلك القوى العظمى أن من "يملك موقع الخليج العربي"، يملك مفاتيح التأثير في جزء كبير من حركة الاقتصاد العالمي، ولكن هذا التحول الحقيقي إلا إذا تغيرت طريقة إدارة هذا الملف، وعندما تبدأ الدولة الخليجية الحديثة بإعادة تعريف نفسها، بوصفها عنصراً فاعلاً داخل معادلات الصراع الحالية.

وكلي ظن بأن الدولة الخليجية الحديثة أدركت مؤخراً حقيقة جوهرية في علم السياسة والإدارة، وهي أن القوة الحقيقية لا تُبنى عبر أدوات الردع العسكري فحسب، بل تُبنى أيضاً عبر صناعة الاستقرار الداخلي، وعن طريق بناء اقتصاد متماسك، وبناء مؤسسات قادرة على الاستمرار والاستدامة، وإيجاد مجتمع يثق بمسار دولته، فالدولة الخليجية الآن إن فشلت في بناء الداخل، فسوف تخسر احترام سيادتها في الخارج، والدولة الخليجية التي تمتلك وضوحاً في رؤيتها، تصبح أقل عرضة لأن تتحول إلى "أداة" في صراعات الآخرين.

فيا أحبابي القراء يجب أن تدركوا أن الدول التي تنشغل بردود الأفعال تبقى أسيرة لتلك اللحظة، وأما الدول التي تنشغل بالبناء والسعي إلى وضع نفسها كرقم صعب في معادلة القوى العالمية والإقليمية، فإنها بلا شك تعيد تشكيل موقعها في التاريخ ككل بهدوء وثبات وقوة، وهذا ما يفسر كيف استطاعت بعض دول الخليج أن تنتقل من كونها منطقة غير جاذبة، إلى منطقة يجد فيها الآخرون معنى الاستقرار، ومن كونها أداة تتأثر بالتوازنات وصراعات الآخرين، إلى طرف فعال يساهم في صناعة الحدث العالمي.  وبعد ما ذكرناه، وما نشاهده الآن من صراع محتدم بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وما رافق تلك الضربات بينهم من سقوط شظايا الحرب والقصف في محيطنا الخليجي، تتأكد لنا حقيقة موقعنا داخل هذه المعادلة بأننا جزء من مجال التأثر والتأثير معاً، فإن المرحلة الراهنة الآن لا تحتمل التفرق في الرؤية بل يضرها التردد في الموقف الموحد، فالمرحلة الآن تتطلب وعياً خليجياً مشتركاً يدرك طبيعة ما يجري ويدرك تبعاته، فالتاريخ بكل مساراته لا يحمي المناطق المتفرقة، بل ينحاز بقوته إلى الكيانات التي تدرك أن وحدتها ومصالحها في اتفاقها، ومن هنا، فإن مسؤوليتنا اليوم كخليجيين لا تقتصر على حماية استقرارنا فقط، بل على أن يكون لنا صوت حاضر، ورؤية واضحة، وكلمة مؤثرة فيما يُراد رسمه لمستقبل منطقتنا وعلى خريطتنا.

مساحة إعلانية