رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعيش نحن العرب هذا الأسبوع حربا عدوانية على شعب غزة ونشهد ظاهرة انتشار جيوش (داعش) في العراق كما عشنا منذ أربعة أعوام منعرجا تاريخيا من أخطر وأدق ما تمر به الأمم بسبب التغييرات العميقة التي طرأت على مجتمعاتنا بفعل انتفاضة جماهير الناس العاديين والشباب منهم خاصة لأسباب أهمها اجتماعي يتعلق بإفلاس أنظمة التعليم التي خرجت عاطلين واتساع دائرة الظلم الاجتماعي وسبب سياسي أيضا يتعلق بعجز الدولة الحديثة عن توفير المؤسسات الدستورية الضامنة للحريات وجاءت هذه الانتفاضات في نظر المراقبين وتحت مجهر المحللين ذات قوة وبأس حتى لو اعترى تلك الهزات الانحراف الطبيعي أسبابه فقدان البوصلة وعدم تأهيل النخب الجديدة لممارسة الحكم وتهافت القوى الكبرى الإقليمية والعالمية على جلب مياه الجداول الثورية إلى مجاري أنهارها. وليس من المبالغة أن نصنف تلك التحولات العربية الجذرية في خانة عودة الوعي الجماهيري العربي بأولوية الكرامة ومستحقات المواطنة والطموح المشروع للمشاركة في اختيار المجتمعات المدنية لحكامها وسن قوانينها وبناء مؤسسات الدولة العادلة ولا نغفل عن ذكر الدور الحاسم الذي لعبته الثورات الرقمية وانتشار وسائل الاتصال الجماهيري وسرعة انتقال المعلومة وسريان عدوى الأفكار والرؤى إلى جانب سقوط أصنام الطغاة بالمعنيين المجازي والحجري بعد أن تحولت بعض الجمهوريات إلى مسوخ أنظمة توريثية بالية.وجاءت موجات التغيير الأولى مبشرة بصحوة حضارية أي بالعودة للكرع من ينابيع أمجادنا الأصيلة من تربية وثقافة وفكر سياسي ومناهج حكم وقوانين شرعية تنظم العلاقات بين الناس وبين الحاكم والمحكوم وبين الزوج والزوجة بعد أن ضاعت المنظومات السياسية القديمة لعهد ما بعد الاستعمار في متاهات الضلال الحضاري لأن دول ما بعد نيل الاستقلال اكتفت بإجلاء المستعمر الصليبي الهمجي لكنها أبقت على كامل آلياته القمعية في أجهزة الحكم وأدواته التخريبية في مجال التعليم ووسائله التغريبية في الثقافة الرسمية السائدة فأصيبت شخصيتنا بمسخ مقيت حين احتفظ حكام ما بعد الاستقلال عموما وفي الأغلب بكل دواليب إدارة المستعمر ولغته وتقاليده وملبسه ومأكله وسائر شؤون حياته وأغلب سلوكياته (كما قال العلامة عبدالرحمن بن خلدون) ولتصديق تحليلي افتح أي قناة أفلام عربية كلاسيكية أبيض وأسود لتكتشف أن النخبة البورجوازية في المجتمع المصري مثلا بعد جلاء الأنجليز وحتى في عهد عبدالناصر المتسم بالثورية والاشتراكية واصلت لبس الرودنغوت والبدلة الإفرنجي وشرب النبيذ الفرنسي والرقص نساء ورجالا على طريقة الأوروبيين واللثغ بعبارات (مرسي يا فندم) و(بونسواريا هانم) بل وحتى احترام ساعة الشاي الانجليزي (تي تايم) ولم تنفرد مصر بهذه العادات الدخيلة المتمكنة منا بل كان المجتمع الشامي والمغاربي يسلك نفس الانحرافات بكل حسن نية اعتقادا من النخب الحاكمة والمتعلمة (وإلى اليوم) بأن التقدم والحداثة ومواكبة العصر لا يمثلها سوى المستعمر القديم الذي أخرجناه من أرضنا بقوة السلاح وبالملايين من الشهداء ولكنه استوطن عقولنا واستعمر وجداننا وعشش في قلوبنا! وهو ما سماه أستاذي المفكر الجزائري العبقري رحمه الله مالك بن نبي (قابلية شعوبنا للاستعمار) حتى بعد جلائه عن أوطاننا وما سميته أنا (قابلية شعوبنا للاستبداد) وكنت في الستينيات أتابع بشغف ما يرويه لنا أستاذنا في الثانوية بالقيروان الشاعر الطيب الشريف الذي جاءنا من الجزائر بعد دراسته في جامعتها وفيها تعرف على مالك بن نبي وكان أول من ترجم بعض مؤلفاته من الفرنسية إلى العربية ثم هجرنا الطيب الشريف وعاد للجزائر حيث توفاه الله في أواخر الستينيات في ظروف غامضة ومجهولة إلى اليوم وبعض قصائده منشورة في مجلة الآداب البيروتية التي أسسها وأدارها الكاتب اللبناني (سهيل إدريس) صاحب رواية (الحي اللاتيني). والطيب الشريف من مدينة القيروان مثلي رحمة الله عليه وعلى مالك بن نبي. فقد كان مالك بن نبي مسكونا بما سماه (مشكلات الحضارة) وبهذا العنوان نشر سلسلة مؤلفاته جميعا والرجل لم ينل حظه إلى اليوم رغم أن رؤيته الخلدونية الثاقبة لا تقل أهمية وعمقا عن نظريات (أرنولد طوينبي) أو (صمويل هنتنجتون) لأن هذا الرجل وهو طبيب مهنة وتكوينا شخص علل الأمة الإسلامية واقترح لها أقوم المسالك لتحقق نهضتها مؤكداً أن الحداثة الأصيلة هي الطريق وليست الحداثة الدخيلة وأن الأمم إنما تنهض بلغتها وتراثها وأمجادها واستقلال قرارها وتفعيل سيادتها دون انغلاق ولا تطرف ولا غلو لا بالتقاط فتات الحضارات الأخرى والاندماج فيما نظنه مثلا أعلى من الأنماط. علما وأن شعوبنا أضاعت مخزونها الحضاري جريا وراء سراب الثقافات الطاغية ظنا من نخبها العلمانية أننا نلتحق بالغرب بينما نحن نتشبه بشكلياته ومظاهره التي تخلى عنها هو نفسه ونحن لا نمتلك أدوات نهضته السريعة بل نكتفي باستهلاك إنتاجه واحتقار ذواتنا وإلحاق علمائنا بجامعاته مثل أحمد زويل. إن الصحوة الحضارية التي جاء بها لقاح انتفاضة الشعوب تكاد تضيع من أيدينا حين نرى طلائع الردة السياسية تتشكل في يأسنا من الديمقراطية الناشئة وميلنا لعودة الطغيان اعتقادا من بعض الغافلين أن بطش الدولة هو هيبتها بينما هيبة الدولة تكمن في قوة مؤسساتها وشدة احترامها للقانون واعتمادها على العدل بين الناس حين تكون هي الحامية لأمننا والراعية لأعراضنا والضامنة لأرزاقنا والجامعة لشملنا. لم يدرك العرب بعد أن الزمن لا يرجع إلى الوراء وأن التاريخ كما قال (هيرودوت) مثله كمثل النهر يتبع مجراه المرسوم له منذ الأزل والويل للمغفل الذي يقف ضد مجراه فهو لا محالة مجروف بقوة التيار سائر إلى حتفه. أهم ما حل بالعالم العربي رغم الأخطاء ونزعات العنف هو اكتشاف المواطن للمواطنة أي الاشتراك في وطن واحد مع بقية خلق الله له ما لهم من حقوق وعليه ما عليهم من واجبات. أما صفحة القمع الأعمى التي لم ترحم الناس فقد طويت إلى الأبد وبلا رجعة وغير مأسوف عليها ورحمك الله وطيب ثراك أيها الرائد محمد المنصوري وليعلم الأجيال من أبناء تونس أن هذا الشهيد البطل قتله الزبانية في كهوف أمن الدولة وهو معلق في وضعية الدجاجة المشوية بين طاولتين في قضية ما سماه الطاغية (المجموعة الأمنية) أواخر أكتوبر 1987 قبل أسبوع من إعلان الانقلاب على بورقيبة. وشهد على استشهاده صديقنا الدكتور الصحبي العمري الذي نجا من القتل ليروي نقطة من بحر المظالم هذه المظالم التي يريد مرضى النفوس وفاقدو الضمائر والذين فقدوا سطوتهم على الناس بضياع مناصبهم أن يعودوا بها إلى بلادي بحجة قالتها شاعرة الطغاة (بنت النظام البائد) وهي أن (علبة معجون الطماطم أغلى من ذي قبل!) ونقول لها ولهم بأن دم الرائد المنصوري أغلى من علبة الطماطم وأن الشعب بالمرصاد وإرادته من إرادة الله سبحانه ولله الأمر من قبل ومن بعد.
889
| 16 يوليو 2014
أصاب علماء المسلمين هذه الأيام حين نددوا بممارسات مجموعات مسلحة لبست لبوس الطائفية في حين تدعي مقاومة الطائفية، لأن المسلمين اليوم في أشد الحاجة إلى وفاق يتجاوز المذاهب ويتعدى الحدود ليوحد كلمتهم ويجمع شملهم ويقويهم على أعدائهم ويبلغ بهم ذات يوم موعود درجة تحقيق الخلافة في عالم صليبي صهيوني علماني (كلمة مكونة من عناصر البهتان وعداء الإسلام الثلاث من صليبية جائرة وصهيونية ظالمة وعلمانية عربية متطرفة)، هذا العالم المنافق الذي نشأ من رحم معاهدة سايكس - بيكو يوم 16 مارس 1916 ويسوده منطق العنصرية وتفوق السلاح واستغفال الشعوب العربية بالأراجيف من أجل تفريق صفوفها وتشتيت جهودها وتيسير تمزيقها إربا إربا حتى تنتهك أعراضها وتنهب خيراتها وتساق شعوبها إلى أسواق النخاسة العصرية وقبل أن تضع الحرب العالمية الأولى أوزارها بعامين سنة 1916 شرع الأوربيون الاستعماريون بأيدي الإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية في تدمير آخر حصن موحد للمسلمين المتمثل في خلافة الباب العالي بإسطنبول، فانهار ذلك الصرح أيضا بسبب سوء التقدير وتهافت الاستخراب التنصيري، فانفلق حب الأمة ونواها إلى دويلات (قومية) حرص المستعمرون القدامى على بقائها مجزأة عاجزة تابعة مغلوبة قابلة للفتنة الطائفية مؤهلة للتدمير إذا حاولت الخروج من بيت الطاعة. وفي نفس تلك العشرية بدأت الدول الأوروبية تجتمع وتتوحد وتحطم الحدود فيما بينها وتتحصن ضد المارد الإسلامي بالأسلاك الشائكة وبزرع الكيان الإسرائيلي في قلب المشرق بإحلال شعب دخيل مكان شعب أصيل ومع مرور الزمن وتخبط المسلمين شرقا وغربا توحدت أمة المسيح وشكلت ثلاث خلافات طاغية قوية هي الخلافة الأوروبية الكاثوليكية ذات السبعة والعشرين دولة اليوم والتي توصد حدودها على ما تسميه هي الهجرة السرية لأبناء الجنوب والمقصود هم المسلمون الذين شارك آباؤهم وأجدادهم في تحرير فرنسا وأوروبا من النازية كما شاركوا في بناء سدودها وطرقاتها السريعة وعماراتها السكنية وحفر أنفاقها والخلافة الأمريكية المسيحية الأنجليكانية ذات الخمسين ولاية والتي تولت قمع المسلمين وتعويض أوروبا في شن ما يسمى بالحروب الاستباقية وتعزيز قمع إسرائيل وضمان تفوقها العسكري وتأبيد الاحتلال الصهيوني لأراضي العرب ضد كل قرارات منظمة الأمم المتحدة منذ سبعين عاما والخلافة الروسية الأرثوذكسية ذات الثلاثين شعبا (لاحظوا يا قرائي الأفاضل أن شعب الشيشان المسلم منذ سنة 18 هجري على أيدي الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه تم قمعه منذ القرن التاسع عشر على أيدي القياصرة ومقاومة بطله أسد داغستان القائد شاميل زعيم الثورة القوقازية الإسلامية (ولد سنة 1797 وتوفي سنة 1871 في مكة المكرمة، حيث أدى مناسك الحج وهو مدفون في مقبرة جنة البقيع، كما تمنى بجوار الصحابة الأبرار رحمه الله) ثم استكمل اضطهاد المسلمين زعماء الشيوعية البلشفية على مدى سبعين سنة، رافعين شعار (الدين أفيون الشعب) واستمر فيه قادة الكرملين ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي للقضاء على آخر نفس إسلامي بقيادة يلتسين وبوتين وخاصة محنة (غروزني ومقتل الآلاف من المسلمين الشيشان) منذ سنة 1990 إلى اليوم مرورا باغتيال جارٍ في قطر الشهيد سليم خان ياندربياف رئيس الجمهورية الشيشانية الأسبق في مدينة الدوحة يوم 13 فبراير 2003 بعد مغادرته الجامع، حيث كنا نؤدي صلاة الجمعة، من قبل عنصرين من البوليس السري للكرملين وضعا في سيارته قنبلة موقوتة آنذاك، رحمه الله رحمة الشهداء الأبرار. حين أستعرض الحقائق التاريخية ليقرأها الشباب المسلم ويعتبر بها، إنما لأذكر المتألمين اليوم على إزهاق أرواح ضحايا (داعش) ونحن منهم، بأن العنف الذي نراه وندينه بلا شك من فصائل مقاتلة تقتل بلا وازع، إنما هو عنف مندرج في دوامة دولية متكاملة لا يجب أن نفصل بعض حلقاته عن بعضها الآخر ومن هذه الحلقات ما لا نسمع به تنديدا أبدا، كالذي يجري في جمهورية إفريقيا الوسطى، حيث أكدت منظمات أممية بأن مائة ألف مسلم قتلوا وحرقوا أحياء على أيدي عصابات مسيحية إرهابية متعصبة خلال ثلاثة أعوام وكالذي يجري من سفك دماء السنة العراقيين والسوريين واللبنانيين بأعداد لا تحصى على أيدي حكومات غير منتخبة وطائفية أو على أيدي جماعات تشكلت للضرورة وبدون سابق موعد ولا تنسوا قمع المسلمين بأيدي الهندوس في ميانمار وحرقهم أحياء أمام عدسات الهواتف الجوالة (30 ألف ضحية خلال 3 سنوات حسب منظمة العفو الدولية) والوحشية التي يرتكبها المحتلون المستوطنون اليهود في أرض فلسطين، آخر حلقاتها إحراق الشاب بوخضير حيا ورمي جثته للكلاب، كما قتل الصهاينة الطفل محمد الدرة أمام عيوننا بالمباشر وهو في أحضان والده وقبله اغتيال الشيخ أحمد ياسين وهو يصلي الفجر وبعده الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، بلا أي تنديد من الخلافات المسيحية التي تطلق على نفسها اسم المجتمع الدولي !!!! إن العنف الذي ندينه اليوم من قبل (داعش) أو المنسوب إليها هو عنف عالمي اتسعت رقعته واستشرى شره في كل أصقاع الدنيا وتأكدوا بأن ضحاياه هم دائما من المسلمين لا غير وحسب منظمة الأمم المتحدة للاجئين فإن الأغلبية الغالبة من اللاجئين الضاربين في أرض الله هم مسلمون ومنهم منسيون تماما لا يعرفهم العالم، أمثال مليون لاجئ مسلم صيني من قبائل الأيغور (إقليم تشنجيانغ) وهات وهات من محنة الإسلام والمسلمين التي ينهض فيها البعض من شباب المسلمين بردة فعل غير رشيدة تحكمها العاطفة وحب الانتقام، مما دعا المجلس الإسلامي العالمي الأعلى والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وحزب التحرير، أن تعبر عن رفضها لإعلان (خلافة) ارتجالية وغير قابلة للبقاء وقائمة على طائفة مع إقصاء بقية الطوائف وهي مسلمة موحدة. الغريب أن محاولات كثيرة جربت لتوحيد الأمة لم توفق لأسباب عديدة، منها الأغرب التي لا يعرفها الشباب وهي النداء الذي توجه به الزعيمان الملك الشهيد فيصل بن عبد العزيز والرئيس التونسي الحبيب بورقيبة سنة 1966 وكنت حاضرا فيه بمدينة القيروان وأنا صحفي مبتدئ مراسل جهوي كنت أغطي زيارة الملك فيصل إلى تونس وإلى القيروان بالذات حين كان الزعيمان يؤسسان منظمة المؤتمر الإسلامي كرد فعل ضد انحياز جامعة الدول العربية للتدخلات الناصرية في شؤون العرب وعملها على زرع الفتنة في دول عربية صنفها القوميون الناصريون اعتباطا في خانة الأنظمة الرجعية!!! فكانت منظمة المؤتمر الإسلامي محاولة لتحقيق وحدة الأمة وأهدافها لا تختلف عن أهداف الخلافة على المنهاج النبوي والفشل كان ذريعا لأسباب لا يمكن اليوم استعراضها، لكن الوحدة الإسلامية ستظل وتبقى أمل كل المسلمين أيا سيكون شكلها وأيا سيكون باعثها، فنحن نعيش في عالم لا يضم سوى الخلافات الدينية الكبرى وأهلها يموهون علينا ويكذبون حتى أصبح بعض المسلمين يتهكمون على وحدة المسلمين ويعتبرونها كما يشاء لهم أسيادهم الذين غسلوا أمخاخهم، وهما من الأوهام وتطرفا إرهابيا!
819
| 09 يوليو 2014
انطلق مسلسل تقليدي معروف من المغالطات المقصود بها تضليل العرب والمسلمين عموما (من الضلال لا من الظلال) وحبك المؤامرة الكبرى لمزيد تثبيت حبل الباطل حول أعناقنا في استمرار طويل وعجيب من الأراجيف التي تدلس تاريخنا وتسهل على القوى الصليبية والصهيونية المتحدة تنفيذ عملية قتل الفهد أو ترويضه إذا تعذر قتله حتى يتحول ذلك المفترس المغوار إلى حيوان بائس يهرج ويضحك الجمهور في قفص السيرك العالمي (أي النظام العالمي) وهذه الصورة المرعبة والتشبيه المخيف بين الأمة الإسلامية والفهد القوي الحر لم أبتكرهما بل قرأت هذه الفكرة في أحد مقالات منظر التطرف الغربي (برنار لويس) وهو بريطاني من الديانة اليهودية كما سمعته من فمه حين حضرت محاضرته في باريس منذ ربع قرن وهو الذي اعترف الرئيس جورج بوش الابن قائد الحملة الصليبية العاشرة بأن كتبه هي التي يقرأها ويستلهم منها حربه على أفغانستان ثم على العراق ولا تفارق طاولة فراشه الوثير في البيت الأبيض! وأنا حين أنعت بوش بقائد الحملة الصليبية العاشرة إنما أعيد ما قاله هو عن نفسه حين وصف حربه على العراق بكونها (حملة صليبية CRUSADES) ثم حين قال على شاشة سي إن إن إنه يأتمر بأوامر "الرب يسوع" الذي يزوره في المنام ويملي عليه سلوكه وجاءت مذكرات الجنرال (كولن باول) لتؤكد هذه الحقائق وهو الذي حلل كيفية اتخاذ رئيسه لقرارات الحرب في حالة ذهول أمام تخيلات روحية وهمية! وأرجو أن تلاحظوا أيها القراء العرب المسلمون هذه المفارقات العجيبة التي تجعلنا نصدق هؤلاء حين ينصحوننا بمباركة ذيولهم العلمانيين العرب بعدم الخلط بين الدين والدولة وعدم إقحام الدين في تنظيم شؤون السياسة! لا حول ولا قوة إلا بالله. وهم الذين يخضعون كل دساتيرهم ومؤسسات دولهم ومواثيق أحزابهم للوصايا العشر بحق أو بباطل وهم الذين أنشأوا الاتحاد الأوروبي على أسس إنجيلية واستلهموا كل مؤسساته الدستورية والسياسية والبرلمانية والمالية من كتاب الخلافة الإسلامية الذي نشره عبدالرزاق السنهوري في باريس سنة 1928 وإلا كيف نفسر رفض الاتحاد الأوروبي لانضمام تركيا لهذا النادي المسيحي كما وصفه الزعيم التركي نجم الدين أربكان أستاذ أردوغان وغول بينما تطالب تركيا وهي أوروبية منذ نصف قرن بعضوية الاتحاد؟ وصدق أربكان حين قال: إن تركيا تفضل أن تكون الأولى إسلاميا على أن تكون ذيلا أوروبيا! والجواب هو أن الاتحاد مؤسسة قائمة على الدين المسيحي بأقنعة "علمانية" مزيفة لتمرير مشروع الهيمنة الصليبية الجديدة لا غير ولأن تركيا بلد مسلم، ثم كيف نفسر عضوية النصف اليوناني المسيحي لجزيرة قبرص في الاتحاد وحرمان النصف التركي المسلم من هذه العضوية؟ كما أن قبول جزيرة مالطا عضوا في الاتحاد أمر لا يفسر بغير الاشتراك في الدين لأن مالطا بعيدة جدا عن أوروبا تاريخيا وجغرافيا في حين أن أجدادنا نحن أبناء المغرب الإسلامي هم الذين أنقذوا فرنسا بالذات من الاحتلال النازي حين جمع الجنرال (لوكليرك) جيشا من الجزائريين والتوانسة والمغاربة والسنغال في مارس 1944 وأبحر بهم إلى جنوب فرنسا في يونيه 44 ليحرر باريس بهؤلاء الذين يقف اليوم أبناؤهم وأحفادهم طوابير مخزية أمام قنصليات فرنسا لمجرد الحصول على التأشيرة لزيارة قريب أو للدراسة أو للسياحة! بينما يدخل المواطن الفرنسي إلى بلداننا ببطاقة هوية! إن الغرب أنشأ خلافاته المسيحية ويتهم كل مسلم ينحاز إلى الوحدة الإسلامية بالتطرف والإرهاب!نشأ العنف في جمهوريات العالم العربي متزامنا مع تغول الدولة الوطنية وعنفها الخارج عن كل القوانين والأخلاق واستبداد قادتها بأجهزتها وإقصاء الفئات المستضعفة من التمتع بثمار التنمية ومن هذه الفئات فئة الشباب الذي تعلم في مدارسها وتخرج في جامعاتها لكنه ظل بلا اندماج فعلي في آليات النمو والترقي الاجتماعي لأنه بلا شغل وبلا هوية بسبب أخطاء التقدير في مناهج التعليم التي همشت قطاعات الزراعة والعمل اليدوي والخبرة الفنية والتعريف بأمجاد الإسلام مضافا إلى هجرة داخلية "طبيعية " للبحث عن دور وعن موقع وهي ظاهرة شكلت حول المدن العربية الكبرى والمتوسطة أحزمة من القرى العشوائية يملأها شباب متعلم وعاطل ويبحث عن معنى لحياته وهوية لذاته فماذا وجد هذا الشباب من أجوبة لأسئلته المشروعة من هياكل الدولة البوليسية؟ لا شيء بل تلقته أجهزة الدول بالتعاطي الأمني والقمع والمزيد من التهميش فكان الحل الجاهز على شاشات الكمبيوتر والهاتف الذكي هو سهولة الانتماء إلى تشكيلات جاهزة لاستقباله عجينة عذراء يقتنع بما يقال له من أن الإسلام في خطر وأن الأمة مهددة (وفي هذا ماهو حق) ولكن الخطأ ليس في تشخيص حال الأمة بل في العلاج الناجع للتخلف والتبعية والتذيل. من هنا جاءت قوافل الشباب التونسي على سبيل المثال للالتحاق بسوريا والعراق وهم يستحضرون جهاد الجيل الذي سبقهم إلى أفغانستان في السبعينات لقتال الجيش السوفييتي المحتل وانتصارات القاعدة (مؤقتا) على المحتلين ودخول طالبان إلى كابل معززة بمجاهدين من كل أصقاع الأمة الإسلامية! وإذا ضربت مثال بعض الشباب التوانسة فلمعرفتي بمجتمعي أكثر من سواه إنما تتشابه أوضاع كل شباب الشمال الإفريقي والمصريين والشوام والفلسطينيين والسودانيين واليمنيين وبعض الفئات الخليجية في جذع مشترك واحد وهو إفلاس المنظومة التربوية التي حشرت برامج التعليم بقشور القيم الزائفة من تمجيد الزعيم الأوحد والخلط بين النظام وهو متحول وبين الوطن وهو ثابت. ثم إن تفسير الظاهرة الداعشية لا يستقيم إلا بالوضع الهش للدولة العراقية لا منذ سقوط صدام حسين بل منذ سقوط الملكية عام 1958 وأيضا بالحالة المستعصية التي بلغتها سوريا ففي العراق يبدو أن الانتماء الطائفي تغلب على الانحياز للوطن وظهر ذلك من قيادات شيعية وقيادات سنية مضادة ومن أكراد استقلوا بسلطتهم وتركمان ضاعوا في زحمة الأحداث المأساوية وصادف أن تحادثت في هذه المعضلات مع المناضل طارق الهاشمي الذي قبل بمنصب نائب رئيس الجمهورية العراقية قبل أن تستهدفه المكائد ويحكم عليه بالإعدام فوجدت تحليل الرجل صائبا ومتوقعا لما حدث بعد ذلك. حين دخلت داعش واستولت على الموصل وتكريت وهي اليوم على بعد 60 كلم عن بغداد وجدت نفسها مثل السمكة في الماء لأن العشائر السنية غاضبة من الانحراف الطائفي لحكومة المالكي ولم تنل حظها الموعود من الحكم أو التنمية كما وجدت داعش ضباط وجنود الجيش النظامي العراقي القديم قابعين صابرين على محنة التقاعد المزري المفروض منذ 2003 بل ومن البؤس بعد مؤامرة (بريمر) والمعارضة القادمة معه على مؤسسة الجيش العراقي فحلوه وسرحوا أبطاله فكانت داعش في الحقيقة مجرد عود ثقاب أشعل فتيل وضع قابل للانفجار تلقائيا. هذه بعض الحقائق الموضوعية ليستنير بها أولئك الذين ينساقون وراء دجل المتطرفين الصليبيين والصهاينة فيصبحون لهم أبواقا تردد ما يدعون. إننا نرفض كل إرهاب ونندد بكل عنف لكن بالبصيرة وهي أهم من البصر.
994
| 02 يوليو 2014
دفع الشعب التونسي ثمن الحرية واستقلال بلاده غاليا وقدم للوطن شهداء لم يعد الناس يذكرونهم لأن التاريخ حكم ألا يسجل في الذاكرة الجمعية سوى أسماء مشاهير الشهداء أي أولئك الذين كانوا زعماء في حياتهم واختارهم الله سبحانه للشهادة وهم أحياء عند ربهم يرزقون أمثال فرحات حشاد والهادي شاكر وصالح بن يوسف رحمة الله عليهم أما بسطاء المواطنين الذين جندلهم رصاص الاستعمار الصليبي التخريبي في لحظات الثورات المتعاقبة أو توفاهم الله على أيدي زبانية الأنظمة الفاسدة فإنهم مع مرور الزمن تمحى أسماؤهم من ذاكرة الأجيال ولا يبقى لبعضهم سوى نهج صغير أو زقاق ضيق في الحي الذي ولدوا فيه في مدينتهم أو قريتهم تحمل أسماؤهم بلا إشارة للسبب الذي من أجله أعطيت تلك الأسماء. وأذكر اليوم أحداث ثورة (يناير) 1952 في مدينتي القيروان وكنت طفلا صغيرا في الخامسة من عمري في أول سنة دراسية لي في مدرسة الفتح القرآنية التي يدرسنا فيها مناضلون وطنيون تعرفهم السجون كما تعرفهم فصول المدرسة أمثال محمد بودخان والطاهر عطاء الله وفي يوم 20 يناير انطلقت أول مظاهرة شعبية ضد الاستعمار وخرج الجيش الفرنسي من ثكنة القيروان للتصدي لها وإخماد جذوة التمرد العارم وأخرجنا مدرسونا من المدرسة صفوفا نلوذ بأسوار المدينة لنعود إلى ديارنا خوفا علينا وسقط أول شهداء القيروان وهو طالب من طلاب الزيتونة اسمه عمار القحطار كان يقود الشباب ويتقدم الصفوف ويعطي المثل حين جندله رشاش غادر فسقط الطالب الشاب على أرض عقبة بن نافع وطارق بن زياد والإمام سحنون والإمام السيوري وعبدالله بن أبي زيد وحين استقلت تونس وضعت البلدية اسمه على نهج صغير فيه دار الشهيد في حينا المتواضع (نهج عمار القحطار) رحمك الله يا عمار ولن ننساك أبدا في زحمة سوق التهريج السياسي الذي انتصب قبل وبعد 14 (يناير) في بلادنا. أما الشهيد الآخر الذي لا يعرفه أحد فهو الرجل الذي قاوم الاستعمار بالسلاح وعرفته الجبال أثناء معركة التحرير وهو المناضل أبوبكر العمامي الذي اشتغل منذ الخمسينيات في جريدة (العمل) التونسية لسان الحزب الدستوري والتي أسسها الزعيم بورقيبة سنة 1934 وكان عم بوبكر العمامي موظفا قائما على جمع ديون الجريدة من المؤسسات والشركات ويتقاضى عن عمله وجهده نسبة مئوية يخولها القانون لأنه يجري وراء مستحقات الجريدة بسيارته الشخصية ووقوده الخاص. وحين عينت في الجريدة من قبل بورقيبة رئيس تحريرها ومدير إدارتها سنة 1981 وجدت عم بوبكر على رأس عمله ولكن الذي وقع هو انقلاب 7 نوفمبر 1987 وبداية مسلسل الانتقام الرخيص من رئيس الحكومة الأستاذ محمد مزالي ورفاقه المقربين بعد أن خرجت أنا مع محمد مزالي إلى منفانا الفرنسي وشرعنا نقاوم الطاغوت منذ انتصابه ولم يكن معنا سوى دستوريين أمثال أحمد بنور وزير الدفاع ثم الأمن والطاهر بلخوجة وزير الداخلية وأحمد بن صالح وزير الاقتصاد وجميعنا طالتنا آلة القمع إلى جانب مجموعة من الإسلاميين أولهم الشيخ صالح كركر ورفاقه من شباب الصحوة وحين استولى على السلطة الجنرال ابن علي سلط علينا وزيره الأول الهادي البكوش فدشن عهدا غريبا من التهم الكيدية الملفقة ووظف حسن بن فلاح (عميد قضاة التحقيق) فكانت الملفات جاهزة والأحكام مملاة والضحايا يدخلون السجون لمجرد كونهم حطبا لإرضاء شهوات وأمراض سعيدة ساسي وخالها بورقيبة لأن زين العابدين حين تمكن من رئاسة الحكومة انساق وراء "رهاب" الزعيم الخرف الذي كان يرفع شعارا أجوف هو مقاومة الفساد. فانتقمت سعيدة من عدوتها اللدودة وسيلة بن عمار زوجة بورقيبة بتلفيق تهم ضد زوج ابنتها توفيق الترجمان وأحد المحسوبين عليها رئيس شركة تونس الجوية محمد بلحاج وعينت صديقها حمادي السخيري محافظا للبنك المركزي. لكن الهادي البكوش ألصق بي وبغيري تهما تتعلق بسرقة المال العام وكان أول من ألبس القضايا السياسية لباس الحق العام ولتمرير الكذبة حشر معي في نفس القضية أبوبكر العمامي ومن حسن حظي فررت بجلدي إلى باريس حيث منحتني الحكومة الفرنسية اللجوء السياسي بسرعة لكن المناضل بوبكر بقي في تونس وتحمل مأساة الوقوف عدة مرات أمام عميد قضاة التحقيق وهو مهدد بالسجن وكانت الصدمة قاصمة لظهره وهو المقاوم بالسلاح للمستعمر من أجل استقلال تونس.. هذه تونس التي عاش حتى شاهدها تتحول إلى سجن كبير ثم أوقفوه أمام رئيس المحكمة (الطيب بن عبيد) ولم يقدر على الوقوف فأمر له بن عبيد بكرسي ورفض بوبكر أن يجلس فهو ابن الجبال والسباسب التي عاش فيها سنوات الكفاح بطلا من أبطال الوطن. وبحكم معرفتي بالرجل أدركت أنه من شدة الصدمة بما آلت إليه أمور الوطن من الدرك الأسفل عاد إلى بيته المتواضع وقلبه الكبير لم يعد يتحمل تلك المظالم فانهار بجلطة في القلب رحمك الله يا صديقي ويا من ظلموك فقتلوك والأغرب في قصة الملفات الكيدية أن البكوش مدير الحزب آنذاك هو الذي بدأ يشن على كل رفاق مزالي حربا جائرة تمهيدا لتتويج ابن علي فأذن لمدير جريدة العمل الذي هو أنا بأن يدفع من ميزانية الجريدة عشرين ألف دينار للمحاسب منجي العتيري وهو من مقربيه ومن مواليد حمام سوسة أجرة مكتب محاسبته على ما سماه البكوش (سوء التصرف والاختلاس..!) فالجريدة تدفع للمحاسب المحسوب عليهم مبلغا هاما جدا في ذلك التاريخ (1986) ليعد ملفا ضدي وضد بوبكر العمامي! كل هذا كان يهون وتطوى صفحاته السوداء لولا أن رجلا مناضلا شهما اسمه أبوبكر العمامي توفي متأثرا بالإهانات والمرمطة والمظالم. وحين كنت في منفاي وسمعت خبر استشهاده أقسمت أن يأتي يوم أنعيه وأرثيه وأحيي أسرته التي تحملت الأذى بعد وفاته وأكشف للرأي العام جزءا بسيطا من عار الصراع على السلطة وضحاياها في الهزيع الأخير من خرف بورقيبة. الشهيد الثالث هو المرحوم علي السعيدي الذي استقال من منصبه كموظف بوزارة الخارجية وانشق مثلنا عن مهازل أواخر عمر الزعيم وأصبح معنا في المنفى الفرنسي يدير شبكة من العلاقات المفيدة بشخصيات بارزة من أوروبا واستقر في مدينة (إيفرو) وكان يلازمنا ويسهل لقاءاتنا إلى أن أغراه نظام ابن علي بالعودة واعدا إياه بإصلاحات سياسية وسن العفو التشريعي فعاد إلى أرض الوطن وباشر وظيفته بوزارة الخارجية ثم اكتشف الخدعة سريعا وعاد للاتصال بنا في المعارضة المنفية حين التحق بنا محمد المنصف المرزوقي هو الآخر يائسا من وعود ابن علي وفي الأثناء رجعت أنا إلى أرض الوطن سنة 2000 واستقبلني ابن علي في قصر قرطاج وبدأ نوع من الانفراج لكن علي السعيدي تم اغتياله في ظروف غامضة وتواصل النفاق واستمر القمع وعاد النظام لاضطهادي سنة 2006 حين أصدرت كتابي (ذكريات من السلطة إلى المنفى) وشاركت في برنامج للجزيرة حول الفساد والقمع في تونس. رحم الله الشهيد علي السعيدي وأبقى ذكره حيا في وجدان الأجيال.
1123
| 25 يونيو 2014
استفدت الأسبوع الماضي من مشاركتي في منتدى أمريكا و العالم الإسلامي بفندق ريتز بالدوحة و الذي نظمته مراكز إستراتيجية أمريكية تهتم أساسا بالعلاقات الأمريكية مع البلدان المسلمة و ترصد المتغيرات الطارئة على ما تسميه هذه المراكز (العالم الإسلامي) رسميا حتى لا تقر بوجود (أمة إسلامية) ومن هنا ظهر الاختلاف بيننا و بين هذه المراكز في تقييم حقائق التاريخ و تأثيرها على أحداث اليوم. و كنا ثلاثة مسلمين مشاركين في المنتدى أشرنا لزملائنا الأمريكان بأن عبارة (العالم) فيها هروب من استعمال المصطلح الأسلم وهو (الأمة) و أضفنا بأن (أمة الإسلام) هي الوحيدة اليوم في العالم التي ليس لها شخصية اعتبارية تربط بين أبنائها برابط العقيدة مثلما للأمة المسيحية التي يظللها البابا بظله و الأمة اليهودية حيث تعتبر دولة إسرائيل بتوراتها أن كل يهودي في العالم هو من رعاياها. و من هنا جاء التصدي الصليبي اليهودي لكل مبادرة توحد المسلمين و التي عمل الاستخراب الغربي على تدمير أخر حصونها المتمثل في الخلافة الإسلامية سنة 1924 حين تقاسمت فرنسا مع بريطانيا تركة الرجل المحتضر و ما نزال إلى اليوم نعاني التشرذم و التشتت والعجز و التخلف و التبعية.شارك في منتدى الدوحة رئيسان لدولتين نموذجيتين هما السيدان (بوجار نيشاني) رئيس جمهورية ألبانيا و (إبراهيم بوبكر كيتا) رئيس جمهورية مالي و هاتان الشخصيتان لم تستدعيا بمحض اختيار عشوائي لأن ألبانيا كانت تمثل في الستينات و السبعينات ظاهرة فريدة حين كان يحكمها الشيوعي المتعصب أنور خوجة وكانت ألبانيا محتشدا كبيرا موصدا لا ولاء لها إلا لماو تسي تونغ ثم عند إنهيار الماركسية و جدار برلين تحولت هذه البلاد إلى الاقتصاد الحر و تداول عليها حكام معتدلون يعتقدون أن الليبرالية هي الحل و يؤمنون بما تنبأ به فرنسيس فوكوياما من نهاية التاريخ! أما جمهورية مالي فهي الدولة الإفريقية الأكثر تعرضا لتهديد تسونامي (القاعدة) في طبعتها المغاربية الإسلامية و منها انطلقت أحداث 2012 في صحراء مالي ثم الهجوم على عين أميناس الجزائرية تلك الأحداث التي تشهد بأن الخطر القادم من جنوب صحراء القارة السمراء يهدد الغرب و فرنسا بالذات لا في عقر دارها بل في مستعمراتها القديمة التي استمر فيها الحضور الفرنسي بطابعه الاقتصادي و الثقافي و اللغوي و أحيانا العسكري بشكل يؤكد أن باريس ما تزال تحافظ على الرافد الإفريقي معتقدة أنه ضمان لأمنها و لتزويدها بالمعادن و الطاقة و لحمايتها من الهجرات السرية. كما شاركت في المنتدى بالطبع شخصيات مرموقة أمريكية مثل (أن باترسن) مساعدة الأمين العام لشؤون الشرق الأوسط في وزارة الخارجية الأمريكية و (فيل غوردون) مستشار الرئيس باراك أوباما ومنسق الشؤون العربية و الإسلامية في البيت الأبيض كما شاركت شخصيات نافذة من بلدان عربية و مسلمة من بينها نخبة من الدولة المضيفة للمنتدى و أبرزهما رئيس حكومة قطر الشيخ عبد الله بن ناصر أل ثاني و د. خالد بن محمد العطية وزير الخارجية القطري وأثرت النقاشات في المنتدى أيضا شخصيات عربية و دولية منهم صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين ومعاذ الخطيب الرئيس السابق للتحالف السوري المعارض و د. مصطفى البرغوثي الأكاديمي الفلسطيني المناضل و غيرهم ولكل منهم رؤية و موقف ومصلحة في تبيان الدور الأمريكي الراهن أو المنتظر في مجال العلاقات الدولية وكيف تستثمر واشنطن أحداث المشرق الإسلامي وهزاته العنيفة لتخدم مصالحها الإستراتيجية الحيوية. ولعله من نافلة القول بأن نسجل التأثير الفوري و البالغ لأحداث العراق و لانتشار (داعش) في محافظة نينوى و السيطرة الكاملة و السريعة على ثاني مدن العراق الموصل ثم تكريت و التقدم المأمون لقوافل (داعش) نحو بغداد باحتلال قرى و بلدات لم يصادف فيها مقاتلوها أية مقاومة أو عراقيل. كل هذه المعطيات لا أعتقد أنها غابت خلال جلسات المنتدى عن عقول هذه النخب المشاركة و بخاصة المسؤولين الأمريكان العارفين بخفايا الملفات السرية للدبلوماسية الأمريكية و كلنا ندرك بأن العراق ما يزال تحت (الرقابة) الأمريكية اللصيقة إذا لم نقل (الاحتلال) الأمريكي الناعم. فهل إن ما نراه مذهلا في سرعة الانتشار الداعشي في العراق يراه الأمريكان عاديا أو حلقة إضافية من مسلسل لعبة الأمم القوية في المشرق الإسلامي؟ و من هنا يأتي رد الفعل الأمريكي السريع هو أيضا و الصادر يوم الجمعة 13 جوان (يونيه) بالتلويح بالتدخل العسكري الأمريكي.. وهذه المرة التدخل المرحب به من قبل إيران (سبحان مغير الأحوال!) و من نوري المالكي والمرغوب فيه من قبل هوشيار زيباري وزير الخارجية الذي سبق أن زار طهران و يقال أنه وقع معها اتفاقا غير معلن لم يعجب واشنطن و لا يخدم مصالحها على المدى البعيد! فهل تكون واشنطن أغمضت عيونها حين سجلت تحركات جيوش (داعش) من الرقة السورية أرض سد الفرات و أبار النفط إلى الموصل العراقية قلب الاقتصاد العراقي و حين قرر 32000 عسكري و أمني عراقي المتواجدين في الموصل و حولها الانسحاب بهدوء منذ وصول (داعش) دون إطلاق رصاصة واحدة؟ كانت هذه الأسرار تحوم حول المنتدى و لا تجد أجوبة شافية لكن المحاور الرسمية التي تناقش فيها الحاضرون تؤكد أن الهاجس الأكبر للولايات المتحدة في منطقتنا هو ما تسميه واشنطن بالإرهاب فالمحاور المعلنة هي : (الجلسة الأولى) مستقبل أمريكا في الشرق الأوسط و جنوب أسيا (الجلسة الثانية) هل يفوز الجهاديون بالربيع العربي؟ (الجلسة الثالثة) الأزمة في سوريا (الجلسة الرابعة) تحديد مستقبل فلسطين (الجلسة الخامسة) حوار حول استيعاب التنوع الديني (الجلسة السادسة) دور الدولة والمجتمع المدني في باكستان في التصدي للتطرف وهنا تقر واشنطن بفشل برنامجها الباكستاني منذ 11 سبتمبر 2001 و ضياع 30 مليار دولار من الإعانات لباكستان حيث عجزت الدولة المركزية عن إنهاء تواجد الحركات الإسلامية على أرضها (الجلسة السابعة) الأقليات المسلمة في أمريكا وأوروبا والبحث عن تناغم ديني بينها (الجلسة الثامنة) الانتقال الناجح في المجتمعات الإسلامية بين الشريعة و الاجتهاد (الجلسة التاسعة) إنقاذ تمبكتو وهو محور يتطرق إلى الضرر الحاصل للثقافة و المخطوطات الإسلامية جراء العنف. هذه تقريبا أهم مشاغل و هموم المنتدى وهي تعزز اعتقادنا بأن النخب الأكاديمية والاستخبارية الأمريكية التي نظمت هذا المنتدى غير راضية عن أداء الرئيس باراك أوباما في سياساته نحو الأمة الإسلامية كما صرح بذلك أستاذ العلوم السياسية الشهيرفي جامعة جورج تاون (روس هاريسن) وهي تستعد بالتالي للتمهيد لأسترتيجية جديدة تشترك فيها واشنطن مع الإتحاد الأوروبي نحو مواقف مختلفة إزاء تطور الأحداث فيما سموه العالم الإسلامي حين تزف ساعة رحيل أوباما عن البيت الأبيض و قدوم رجل أخر من حكومة الظل بمانهاتن ليعلن النفير الغربي العام لا ضد الإرهاب هذه المرة بل ربما لا قدر الله ضد الإسلام و حضارته! ألم يقل منظر العنصرية الغربية برنار لويس منذ ثلث قرن : إن الأمة المتمردة تصبح مثل الفهد المفترس فإما أن تقتله و إما أن تروضه ليتحول إلى مهرج في سرك الأمم!!
931
| 18 يونيو 2014
كنت ولا أزال مقتنعا بأن الصديق المثقف الوطني البشير بن سلامة هو أقدر وأفضل من خدم الثقافة التونسية والعربية وعوض أن يناله التكريم (على الأقل في عهد ما بعد الاستبداد حين كرم المرزوقي عباد الله أجمعين في قصر قرطاج!) فقد ناله النسيان، وهو أمر يسير، لأن الأشق على نفس بن سلامة ونفسي أيضا أن يرى إنجازاته كلها تلغى على أيدي النظامين السابق والراهن وبفارق النية، إذ كان بن علي محاطا في الحقل الثقافي في الغالب ببعض الجهلة والأدعياء والوصوليين والحاقدين على كل مثقف وأصبح نظام ما بعد 14 يناير 2011 بحكوماته العديدة المؤقتة لا يعبأ بالثقافة ولا بأهلها، بل الأدهى والأمرّ أن كتابا أسود صدر عن رئاسة الجمهورية حشر أغلب مثقفي تونس وأعلامها ومناراتها في كيس واحد، متهما إياهم بالتزلف للدكتاتور والتكسب والنفاق! بالإضافة إلى نغمة جديدة صرنا نسمعها من ألسنة السياسيين الجدد والمحسوبين على التكنوقراط وهي نغمة (أن لبلادنا أولويات اقتصادية وأمنية فلا مجال إذن للثقافة حتى نواجه التحديات الاستعجالية!) والغريب أن من هذه التحديات الاستعجالية المزعومة ما رأيناه الأسبوع الماضي من استقبال وزيرة السياحة وهي عضو في الحكومة لأعضاء جمعية الدفاع عن الشواذ الجنسيين التونسيين.. مطمئنة لهم ومهدئة من روعهم، مؤكدة بلا شك بأن الحكومة في خدمتهم لصون "كرامتهم" وتأمين سلوكياتهم من تعدي "المتطرفين" الرافضين للشذوذ والمثلية، أي في نظر الوزيرة "أولئك المتخلفين الذين يناهضون ما يسمى اليوم بحرية الضمير وبالنمط التونسي للتقدم الذي سنه المجاهد الأكبر!". نعود إلى موضوعنا بعد هذه التطويحة التي فرضتها الأحداث لأقول إن البشير بن سلامة وزير الثقافة في عهد محمد مزالي أواخر عهد بورقيبة واستفحال خرفه وأمراضه النفسية حينما كان الوزير مؤسس بيت الحكمة (المجمع العربي للعلم والحضارة العربية الإسلامية) والمؤسس لمشروع صندوق التنمية الثقافية والمؤسس للميثاق الثقافي والمؤسس لأكبر برنامج حكومي ومدني للنهوض بالكِتَاب (بكسر الكاف) والكُتَّاب (برفعها) هو الوزير الوحيد الذي قنن الحياة الثقافية بالقوانين لحماية أهلها ومبدعيها من الفقر والتهميش وهو أيضا الذي دشن أبواب التعاون الثقافي المغاربي والعربي والعالمي من سنة 1981 إلى 1986. هذا الرجل الوفي الذي يسكن بيتا متواضعا سدد ثمنه على أقساط في حي (اليوفي 4) المتكون من شقق بسيطة ذات ثلاث غرف ومجلس وهو وزير لم تخدعه المناصب، هذا الرجل الذي اشتهر بنوع من الاستحياء يخاله الجاهل تكبرا وهو تعفف المثقف الخالص الذي يزدري النفاق والتفسخ ويعمل في صمت المرابطين وثقة المجاهدين وهو الذي حين قام بن علي بالتغيير على رأس السلطة بدأ مسلسل الانتقام الرخيص يطاله هو وأهله كما طالنا قبله، فضربنا في أرض الله وظل هو في أرض وطنه فعلقوا به قضايا كيدية نالتنا نحن جميعا ونجا منها بعد سنوات من العذاب والإقامة الجبرية والملاحقات بمعجزة إلهية غلبت كيد البشر. وكم أنا سعيد برؤية الحق يدمغ الباطل والخير يبز الشر والعلم ينتصر على الجهل، فها هو سي البشير ينعم برضا الله وبراحة الضمير وبتقدير المثقفين الحقيقيين، بينما يرزح كل من ظلموه وظلموا بلادهم تحت عذاب المنافي المشروعة، لأنهم نفونا، والسجون المستحقة لأنهم سجنونا والهوان المخزي لأنهم أهانونا، بل ها هو البشير بن سلامة يتكلم بعد صمت مفروض ليرسم للأجيال الجديدة مسيرة حياة نذرها للثقافة الأصيلة ولإثراء عبقرية تونس. عنوان كتاب المذكرات الصادر حديثا للبشير هو (عابرة هي الأيام) بدأ فيه سرد سيرته الذاتية منذ صباه ولو كنت شخصيا ميالا إلى التغاضي عن التفاصيل في رواية الماضي ومفضلا استجلاء الحكمة والاعتبار بالعبرة من الأحداث، إلا أنني أجد المعاذير لصديقي، لأنه هو الذي عاشها في حرارتها، فجاء الكتاب ضخما تصعب عمليا مطالعته لثقل وزنه رغم خفة روح صاحبه. فالتفاصيل في متابعة أخبار المؤامرات التي أدت إلى سقوط محمد مزالي هي من الصنف المفيد تاريخيا، حيث شرح الكاتب كيف كانت أيادي الهادي البكوش ذات بصمات لا تمحى في توجيه أحداث سنة 1986 إلى الكارثة حينما تلاعب بالجنرال بن علي، لا خدمة لبن علي ولا لتونس، بل خدمة لذات نفسه، كما أكد لي الرجل الذي خبره أحمد بن صالح. فالبكوش ظاهرة غريبة في الفضاء السياسي التونسي، لكنه حين أراد الانقضاض على بن علي بدهاء بادره الجنرال الأدهى منه بالعزل ووضعه تحت المجهر من تاريخ طرده من الوزارة الأولى إلى يوم 14 يناير 2011 وقال لي شخصيا بن علي نفسه يوم 9 فبراير 2000 حين استقبلني في قصر قرطاج بحضور عبدالعزيز بن ضياء، إن الهادي البكوش كان يخطط وحده لإقصاء كل الناس من حولي (فهو الذي حكم علينا نحن المنفيين في أوروبا بالتأبيد في ندوته الصحفية بالدار المغربية يوم 13 نوفمبر 1987 بعد أسبوع من الانقلاب على بورقيبة) وللعلم فإن بن علي نطق من منفاه منذ شهر، مكذبا وزيره الأول الأسبق الذي انبرى يصرح من جديد ببطولات لم يعترف له بها رئيسه. وجاء حديث البشير عن البكوش حديثا متعمقا بمعرفة هذه الشخصية الاستثنائية ذات الطموح اللامحدود منذ أن انقلب على محمد الصياح ثم على أحمد بن صالح، ثم على الهادي نويرة ثم على محمد مزالي وأعد العدة للانقلاب على زين العابدين (من خلال تصريحات لمجلة جون أفريك تقدم فيها البكوش للرأي العام العالمي في لباس مهندس 7 نوفمبر ومن خلال مناورات سرية أخرى لا يجيدها سواه) فكان أن تغدى به زين العابدين قبل أن يتعشى به البكوش! كل هذه المغامرات قصها علينا البشير بن سلامة في لغة راقية تجمع بين الجد والهزل والشعر والنثر، أي لغة الأدب الخالص، مشحونة بمرارة المثقف الذي اصطدم بالشر والرداءة كأغلب من عملوا حول مشروع مزالي الحضاري وهو المشروع الذي كان سيدشن عهد التعددية والتأصيل في زمن انهيار الدولة، مع شيخوخة الزعيم بورقيبة وأمراضه المستعصية. ولم يكن مزالي حسب شهادة البشير مهيأ لقيادة تلك المرحلة، نظرا لشخصية الرجل وأخطائه التقديرية رغم صفاء نواياه ونظافة يديه وصدق وطنيته وقد رافقته أنا نفسي ثلث قرن مثل النخبة المخضرمة وفي مقدمتها البشير بن سلامة، حيث كنا أصحاب رسالة لا أصحاب سفالة ومن أهل الأدب لا أهل قلة الأدب، كما كان يقول لنا أحمد بن صالح زمن منفانا المشترك بحضور الشيخين الغنوشي وصالح كركر. إن الكتاب الذي أدى به البشير بن سلامة شهادته يلقي الأضواء على مرحلة مفصلية من تاريخ تونس الحديث وينير دروب الحاضر والمستقبل بتسليط الأضواء على معابر وكهوف السياسة في بلادنا.
681
| 11 يونيو 2014
مرة أخرى من مئات المرات ينتصب مسرح الدمى الكاذبة لكن هذه المرة من مسرح صحيفة بريطانية (صنداي تايمز) معروفة بتمعشها القديم من نشر ما تسميه هي فضائح و ما سماه القضاء البريطاني النزيه مئات المرات بالسلب و الابتزاز فالصحيفة الأحدية الأسبوعية حوكمت منذ نشأتها سنة 1822 آلاف المرات إلى أن اشتراها رجل المال و الأعمال المعروف بميوله الصهيونية المتطرفة (ريبرت مردوخ) سنة 1981 و ذلك رغم اعتراضات المؤسسة المالكة للصحيفة (تومسون كوربوريشن) و قيامها برفع قضايا عدلية عديدة ضد توجهات (مردوخ) السياسية في محاكمات معروفة. و سوق الصنداي تايمز ترتكز باعتراف رئيس تحريرها على الناس العاديين غير المسيسين و الذين يلاحقون أخبار و أسرار الملفات الكبرى و تستهويهم الإثارة لا الإنارة. مرة أخرى يقرأ القطريون أشياء غريبة لم يألفوها من نوع إعانة فريق رياضي إفريقي أو قرصنة مراسلات بين مسؤولين في شأن ملف إسناد تنظيم كأس العالم لكرة القدم أو هلاميات و استنتاجات سبق أن فندها السيد جوزيف بلاتر رئيس الفيدرالية الدولية لكرة القدم و حققت فيها لجنة داخلية وبيضت الملف من كل تلاعب أو رشاوي أو شبهات!! و سبق للقطريين منذ سنوات أن ضحكوا و أشفقوا على مروجي الشائعات عندما كانوا يقرأون في بعض المواقع المشبوهة أنباء عن قصف طائرات و دك مدافع و اكتشاف مؤامرات.....كلها من نسج خيالات مريضة أو مهووسة و حاقدة على نجاحات هذه الدولة الصغيرة في حجمها و الكبيرة بأهدافها و رجالها! نعم كنا نتابع هذه الخرافات و لا نعيرها بالا ما دمنا نعيش على هذه الأرض و نتجول بأمان في طرقاتها و شوارعها و لا نرى فيها و منها إلا الخير و الأمن. ثم تذكروا يا قرائي الأفاضل ما قيل عما سماه بعض المهووسين (سياسة قطر الملحقة بالإملاءات الصهيونية و الامبريالية!!) بينما نرى جهود قطر لإعادة بناء جنوب لبنان بالمبالغ الضرورية و وساطتها لانتخاب رئيس شرعي وهو ما رافقه دعم غير مسبوق من أية جهة عربية أو عالمية لنجدة قطاع غزة و أخرها الملايين الخمسة من الدولارات لإعادة الطاقة الكهربائية لمواطني غزة الشهيدة و يوازي هذا العمل الصالح سعي موفق لجمع أهل الضفة و القطاع على كلمة سواء في الدوحة و تذكروا ما حققته الدبلوماسية القطرية في ملف دارفور و ما جمعت حوله من مؤتمرات الحوار و الوفاق بين أهل الشمال و أهل الجنوب في السودان و ما رافق كل هذه الإنجازات من أعمال الجمعيات الخيرية القطرية في مجاهل إفريقيا و أسيا بدءا من بناء المستشفيات و المدارس و مرورا بحفر الآبار وتوفير المياه إلى تحقيق نجاحات باهرة في المساعي الدبلوماسية لإنقاذ حياة الممرضات البلغاريات في ليبيا زمن القذافي وصولا إلى التوفيق الدبلوماسي الجديد في تبادل أسير أمريكي بخمسة وزراء من حكومات طالبان فك الله أسرهم من محتشد غوانتانامو الرهيب الذي قبعوا فيه و تعذبوا على مدى 13 سنة بدون محاكمة و بلا تهم و بلا أمل و بتكذيب صارخ لإعلان الرئيس أوباما و وعده بإغلاق هذا المحتشد المنافي لكل القوانين و المواثيق الدولية و الأخلاق الإنسانية!اليوم نقول لقطر واصلي السير في نفس الطريق...طريق الخير و الحق و السلام فأنت حمالة رسالة أبعد من ضيق السياسة و من فقاعة الإعلام لأنها رسالة دولة يحكمها رجال أوفياء لقيمهم الأخلاقية و الإنسانية و ندعو لهم من كل قلوبنا بالتوفيق فيما تقدم عليه دولة قطر من صالح الأعمال و جليل الإنجازات و بأن تتقدم قافلتها دائما إلى الأمام معززة بنصر من الله تعالى و تأييد من شعبها و احترام من الرأي العام الدولي الذي ينصف بأمانة كل من أوفى بالعهد.
896
| 04 يونيو 2014
في أعقاب عودة الحرارة لمبدأ المصالحة الفلسطينية باجتماع المناضلين من فتح وحماس وبداية تشكل وحدة حقيقية حول الأهداف المشتركة نشأت في العالم العربي ولدى الرأي العام العربي حقيقة جديدة مخيفة وهي أنه بتراكم المصائب في الربيع العربي وتأزم الوضع السوري وخلاف الفصائل في ليبيا وغموض المستقبل في مصر فإن منزلة القضية الجوهرية للعرب، أي فلسطين، بدأت تتراجع، بل ولا تحتل الصدارة أو ما يقارب الصدارة لدى الدول العربية نفسها، فما بالك بالدول الأخرى وأعداء العرب، فالجامعة العربية مغيبة وشرعت الدولة العبرية الظالمة بقيادة نتنياهو والمتطرفين الصهاينة تراجع مواقفها على ضوء هذا التشرذم العربي، وقد كتب عدد من المراقبين مقالات وأبدوا آراء وأعلنوا مواقف كان أغلبها يدور حول هذه المحاور الثلاثة المتداولة في القضية الفلسطينية وهي الحق والحلم والممكن، مهما اختلفت الرؤى والتحليلات، ومن هؤلاء إسرائيليون مثل كاتب سيرة الرئيس الراحل ياسر عرفات\ أمنون كابليوك والشريك في مؤتمر جنيف/ يوسي بيلين، وهما من بين المثقفين اليهود الأكثر تفهما للقضية الفلسطينية والأشد دفاعا عن الحق الفلسطيني إزاء الغطرسة اليمينية النتنياهوية وقبلها الأولمرتية ثم الشارونية. وأعتقد صادقا مع نفسي بأن الرموز الثلاثة المذكورة، أي الحق والحلم والممكن، هي التي علينا جميعا نحن العرب تحليلها والنقاش حولها ومن ثَمَّ تحديد أولويات الخروج من عنق الزجاجة الذي حوصرنا فيه منذ عهد النكبة 1947 تاريخ إنشاء دولة إسرائيل وما أعقبها من كوارث. فالحق الفلسطيني هو اليوم في منظور للمنظومة الدولية الحق المعترف به في نطاق القانون الدولي المنبثق عن قرارات منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن والذي بالطبع يهضم حقوقا للشعب الفلسطيني، طال الزمن على حرارة التحامها بالواقع، وجاء جيلان جديدان ما بعد النكبة، ليكتشفا على الميدان في الشرق الأوسط، واقعا جديدا مختلفا فرض فيه العالم كله على فلسطين دولة طارئة، هي إسرائيل، أقول: العالم كله، لا الولايات المتحدة فقط، لأن الاعتراف الدولي بالدولة العبرية منذ 1947 جاء من موسكو ومن أنقرة ومن باريس ومن نيودلهي قبل أن يأتي من واشنطن، ولأن أغلب الدول الكبرى الفاعلة في الشرق الأوسط كانت تضمر عكس ما تعلن وبعض الحكومات العربية كانت لها علاقات خفية مع اليهود وقادة إسرائيل منذ نصف قرن. فالواقع الصعب والمتشعب اليوم ليس هو المتطابق مع الحق، ولكنه يوفر مجالا واسعا من الكفاح السياسي والدبلوماسي والثقافي ضد القوى المتحالفة في العدوان والشر والتي تجد في الانقسامات العربية الداخلية أكبر معين وأفضل سند لإعادة رسم خريطة منطقة الشرق الأوسط على أساس خدمة إسرائيل لا كحليف تقليدي لها فحسب، بل كرائدة منتخبة للشرق الأوسط الكبير في الديمقراطية والإصلاحات والتجارة الحرة في كنف العولمة المطلوبة والمفروضة على الناس جميعا.وقد أردت في الحقيقة التطرق بهذا المدخل لمحور الفرق البين ما بين الحق والواقع في المأساة الفلسطينية، فالكفاح المشروع من أجل الحق يجب أن يقرأ حسابا للواقع والتحولات الإقليمية والدولية الطارئة والتي تساهم في صناعة واقع مختلف لا يستجيب بالضرورة إلى مصالح الطرف صاحب الحق مهما كان متمسكا بحقه ومناضلا من أجل استعادته وفرضه. فاليوم سنة 2014 أصبحت أولويات العرب ومشاركيهم في المصير هي إيجاد حلول مقبولة للأزمات العربية المتفاقمة من ليبيا إلى سوريا إلى مصر واليمن فالمغرب العربي، وللتاريخ فإن الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة كان أول من فهم وفكك اللعبة السياسية والإستراتيجية العالمية قبل غيره فيما يتعلق بالملف الفلسطيني حين ألقى خطابه الشهير بمخيم أريحا في 11 مارس من عام 1965 وعرض خلاله الحل الذي يوازن بين الحق والواقع، أي بين الحفاظ على الوطن بالكفاح المسلح والدبلوماسية بالتمسك بالشرعية الدولية المتمثلة في قرار التقسيم 29 نوفمبر 1947 وبذلك مثلما قال بورقيبة نضع إسرائيل خارج الشرعية. والذي حدث مع الأسف بعد ذلك هو شتم بورقيبة واتهامه بالتهم العربية الجاهزة والتي كان المذيع أحمد سعيد يرددها صباح مساء على أمواج إذاعة صوت العرب المسموعة من المحيط إلى الخليج. واليوم بعد خمسين عاما من خطاب أريحا نجد بعض العرب في غفلة من الحقائق الجديدة والتحولات الراهنة في العالم، لا يزالون لا يفرقون بين الحق والواقع، ويطالبون بالمستحيل عوض المطالبة بالممكن الآن وتأجيل ما هو غير ممكن للغد أو لما بعد الغد دون التفريط في الحق، لأن السياسة هي في النهاية فن الممكن والتفاوض مع العقبات والمناورة المشروعة من أجل إحباط مخططات الخصم والعدو. ولعل الاحتقان المؤقت الذي يعرقل الشعب الفلسطيني بعد تباطؤ المصالحة بين الإخوة في الضفة والقطاع هو احتقان سببه الأول هو هذا، أي الخلط بين الحق والواقع وعدم التفريق بين الغاية الأساسية الإستراتيجية والوسيلة الملائمة لبلوغها وهي المسماة بالتكتيك، أي التخطيط السياسي الذكي، مرحلة مرحلة، وخطوة خطوة. فالإخوة المجاهدون في الجهاد وحماس لهم نفس الغاية التي يسعى إليها محمود عباس بالضبط إستراتيجيا، لكن الاختلاف وحتى الخلاف هو في التكتيك، أي المرحلية والعقلانية واستعمال العقل والبصيرة.
1048
| 28 مايو 2014
أصوات كريمة صادقة نزلت عباراتها على قلوبنا بردا وسلاما هذا الأسبوع ونحن نتابع أصداء التقارب المنتظر بين أعضاء مجلس التعاون لدول الخليج العربي والجمهورية الإسلامية الإيرانية وتتحدث الأصداء عن دعوة وجهتها الحكومة السعودية إلى وزير الخارجية الإيراني لزيارة عمل وتعاون للعاصمة الرياض والتجاوب الإيجابي الذي صدر عن الحكومة الإيرانية مع هذه الدعوة خاصة وأن تفاؤلنا يأتي بعد تأكيد عودة حرارة الأخوة الخليجية بين عيال العم إلى سالف صفائها الأصيل بعد سحابة الصيف العابرة والتي انقشعت عن حالة انسجام ووئام بين الدول الستة بفضل حكمة قياداتها وترابط مصالح أعضائها وقوة الوشائج العاطفية والعائلية والسياسية والأخلاقية التي توثقت بين الأخ وأخيه والشقيق وشقيقه على مدى القرون. ونحن الذين عشنا في مجتمعات الخليج وكان من نعمة الله علينا أن واكبنا نهضتها وخدمناها بأمانة وعرفنا أهلها وشاركنا في تنميتها وتعليمها وجمعياتها ندرك أكثر من سوانا منزلة الخليج العربي في قلوب العرب والمسلمين ونعرف مدى وزنه الحقيقي في المعادلات الدولية كما نتابع أيام الأزمات التي عاشها الشرق الأوسط وانعكاساتها على رسالته وإسهاماته وأدواره. لقد كان الخليج منطلق النبوة الخاتمة ونقطة البداية في انتشار الدين الحنيف وتوزيع خيرات حضارته على جميع أرجاء المعمورة ثم أضاف الخليج لهذا القدر الرباني جهدا إنسانيا مباركا حين وهبه الله ثروات طبيعية يحتاجها العالم ويتوقف عليها نمو الدول وهي ضمانة لمسيرة الاقتصاد العالمي كما أنها ضمانة للسلام والأمن الدوليين فلم يفتن أهل الخليج بما وهبهم الله من ثروات طبيعية بل سخروها لبناء تقدم عمراني وبشري وراهنوا على الإنسان كخليفة لله في الأرض ولكن أيضا كمواطن عربي مسلم واتجهت جهود الإخوة الخليجيين لإشاعة الخير والتعاون والتشغيل والتنمية في كل بلدان العالم العربي والإسلامي مما خفف علينا جميعا وطأة الارتهان للغرب وجنب كثيرا من مجتمعاتنا سوء الاندماج في منظومات الغرب المسيحي بفضل صلات الرحم وتواجد ملايين العرب المسلمين للعمل في دول الخليج وبالتالي عدم حصرية التعامل مع الاتحاد الأوروبي وأمريكا وكندا حصريا في مجال توظيف كوادرنا الكفؤة. يوم الأربعاء الماضي كنت في زيارتي للعاصمة الفرنسية ضيفا على برنامج (مباشرة من باريس) الذي تقدمه قناة فرانس 24 ويدير الحوار فيه الصحفي المتميز توفيق مجيد وحضر معي للنقاش من لندن بواسطة الأقمار الصناعية صديقي وزميلي عبد الباري عطوان والزميل نبيل عبد الفتاح من مركز الأهرام وكان الموضوع يتعلق بالتغيرات الإيجابية المباركة التي طرأت على العلاقات الخليجية الإيرانية واتفقنا جميعا على أن مناخا جديدا من الثقة بدأ يسود هذه العلاقات بين الأجوار على ضفتي الخليج لأن القوى العظمى ذاتها شرعت في سن سياسات أكثر هدوءا وحكمة من ذي قبل لحلحلة ملف النووي الإيراني بإعانة الجيران الخليجيين وهم أقرب لبلاد فارس التاريخية من غيرهم بالنظر إلى عوامل التاريخ والجغرافيا والروابط الحميمة الوثيقة التي نشأت وتعززت بفعل المصير الإقليمي المشترك فالفضاء الخليجي له ضفتاه وعلى الضفتين معا تجلت روعة الحضارة الإسلامية بثرائها الثقافي ومخزونها الاقتصادي عندما اعتنق الفرس دين محمد صلى الله عليه وسلم وكانت نخبة من أبناء فارس تتصدر مع العرب فضاءات الإبداع العسكري والفكري والأدبي والعلمي والفقهي.نعتقد أن هذا المنعرج الطيب والعقلاني الذي نسجله في المنطقة لا سبيل إلى تعزيز الأمن وبسط السلام من دونه لأن هذه هي الروح الإسلامية التي تسكننا جميعا ونعتز بها ونرفع من خلالها هاماتنا وفي البرنامج التلفزيوني أكدت على بقاء قضايا الخليج في حدود الخليج بضفتيه دون أن نفتح أبواب التدخلات الأجنبية ودون أن نعول على مساهمة العرب الآخرين لأن العالم العربي اليوم ومنذ ثلاثة أعوام يمر بمنطقة مطبات هوائية جيوستراتيجية خطيرة وعواصف رعدية حضارية تتمثل في تعطل البوصلة العربية وعدم إدراك العرب لمعالم طريقهم فلا هدى لهم في هذا النفق الطويل ولا سراج منير ومن مصلحة الخليج أن يكون عنصر توضيح السبيل وإضاءة المسالك وأداء أمانة المنارة الهادية بقصد مساعدة العالم العربي على الخروج من عنق الزجاجة واحتضان طموحات الشعوب العربية ومساعدتها على تحقيق أمانيها المشروعة في حياة أفضل ومنزلة أرقى ومصير أسلم. ثم إنه مهما تعقدت أحوال العرب بعد الهزات العنيفة التي أصابتنا فستبقى مصائرنا نحن جميعا ودول الخليج العربي مرتبطة أشد الارتباط في مجالات العلاقات الإستراتيجية والأمن القومي المشترك وعروة الاقتصاد والسياسة والثقافة التي نتمسك بها ولا نتفرق وهي حصننا المنيع حين تدلهم السبل ويسومنا الأعداء الخسف ويعملون على تشتيت ما تبقى من وحدتنا وتقسيم دولنا التاريخية إلى دويلات وملل ونحل حتى نتحول إلى بيادق تؤدي أدوارا جديدة لخدمة الهيمنة الواحدة والقطب الأوحد وننخرط بلا إرادة في مشروع تقسيم العالم (و نحن العرب منه وفيه) وتوظيف قواه وثرواته وعقوله لتنفيذ أجندة سايكس بيكو الجديدة والمزيد من فرض التفوق الإسرائيلي الظالم على حساب شعب فلسطيني مسالم ومظلوم منذ سبعين عاما عوض حل المعضلات القديمة الكبرى بالعدل القسطاس.
779
| 21 مايو 2014
أثار أحد نواب المجلس التأسيسي التونسي الأسبوع الماضي قضية رسالة المرأة في المجتمع واستعمل بعض العبارات غير المهذبة بعد أن شتمه خصومه أيضا بعبارات من نفس الصنف لكنه في الحقيقة ورغم سوء الدفاع عن قضيته أثار معضلة الهوية في بلادنا وضياع النخبة التونسية بين تطرفين: تطرف رافض للعصر بدعوى جاهلية العصر وتطرف أخطر منه رافض للفضيلة بدعوى أن الدين ظلامية وتخلف. وبين هؤلاء وأولئك تكمن حقائق التاريخ المتمثلة في هندسة تونس الوراثية ومحاولة فك ألغازها وخفاياها. وهنا من المفيد أن أشير إلى كتاب المفكر الفرنسي (ألان مينك) الذي صدر في باريس عن دار (غراسيه للنشر) في أغسطس 2012 بعنوان (روح الأمم)L'AME DES NATIONS) ALAIN MINC)وهو كتاب قيم لأنه يطرح نظرية أحسبها جديدة ومفصلية حيث يؤكد بالتحليل التاريخي والجغرافي والسوسيولوجي والأنتروبولوجي أن لكل أمة جينات وهندسة وراثية تميزها وتحدد سلوكياتها وتشرح ردود أفعالها تماما كالبشر. وبالطبع فالمفكر يحلل الأمم الأوروبية والأمريكية والروسية لكنه لا يهتم بالعرب وجيناتهم. فتونس لو حاولت هنا تطبيق نظرية (ألان مينك) على هندستها الوراثية في تاريخها الحديث نجد أن الجيوش الفرنسية احتلتها سنة 1881 بينما كانت مملكة تنعم بالاستقرار والأمن على مدى قرون رغم المحن التي لم تنج منها أية أمة حتى أن الفرنسيين لما غزوها واحتلوها اكتشفوا أن مدننا كانت تنعم بالإضاءة البلدية لشوارعها وأن الشوارع مرصوفة وأسواقنا خاضعة لرقابة أمناء السوق من حيث الجودة والأسعار وملاحقة الغش وتقنين التجارة وأن مستشفياتنا مفتوحة تستقبل بطواقمها الطبية مرضانا وتعالجهم بل اكتشفوا بأن لدينا مارستان منذ العهد الأغلبي لمعالجة المصابين بالأمراض العقلية والنفسية في حين كان أغلب الأوروبيين يحرقون هؤلاء المرضى بدعوى تمكن الجن والشياطين من أرواحهم أو في أحسن الحالات ينبذونهم ويقيدونهم بالسلاسل واكتشف المحتلون أن لدينا مدرسة عليا للهندسة المدنية والصناعات الحربية بضاحية باردو ويديرها المصلح محمود قابادو ولدينا المدرسة الصادقية للتعليم العصري أنشأها ملك تونس الصادق باي بل حتى جمعيات أهلية لتعليم الموسيقى وصيانة تراث الفنون مثل الجمعية الرشيدية نسبة للأمير رشيد باي والحياة الفكرية تعج بالفقهاء والمصلحين مثل الوزير خير الدين باشا صاحب كتاب (أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك) وقد تولى بعد خروجه من تونس منصب الصدر الأعظم لدى السلطان العثماني في اسطمبول وكذلك العالم المؤرخ ابن أبي الضياف صاحب كتاب (إتحاف أهل الزمان في أخبار ملوك تونس وعهد الأمان) ولدى تونس أعرق الجامعات العربية وهي جامعة الزيتونة. أما المستعمر الذي يتفوق عسكريا فحسب فأعلن أننا أمة بائسة متخلفة ونعتنا بأننا برابرة "بمعنى المتوحش لا بمعنى العرق البربري الأمازيغي الأصيل" وبأن الاستعمار جاء ليلحقنا بالمدنية ويعلمنا دينه ولغته ويكسونا لباسه ويفرض علينا قوانينه إلى أن بدأت تتشكل طلائع المقاومة التحريرية منذ 1911 على أيدي الزيتونيين "أي خريجي جامعة الزيتونة " ثم في العشرينات التحق بهم شباب تخرج من جامعات فرنسا وأولهم الحبيب بو رقيبة فأثار في النفوس رغبة التمسك بالهوية ورفض الانصهار في الذات الفرنسية ومقاومة الذوبان في الجسم الاستعماري ونشأ الكفاح التحريري مراوحا بين المقاومة المسلحة والمقاومة الفكرية إلى أن استقلت تونس سنة 1956 وأصبحت دولة ذات مقومات ومؤسسات.وهنا وفي هذه المحطة التاريخية الأساسية طرحت النخبة التونسية مشكلة الهوية والدين واللغة أي في الحقيقة مشكلة استعادة المخزون الحضاري لتونس العربية المسلمة بعد تحريرها من الاستعمار التنصيري ومحاولات مسخ ذاتها القومية والوطنية. فإذا بالزعيم الحبيب بورقيبة الذي كان أثناء مرحلة الكفاح يستعمل براهين الهوية لحشد الجماهير يلتف على أقدس تلك المقومات الحضارية بدعوى الانتصار في معركة الخروج من التخلف ووهم اللحاق بركب الحضارة كما كان يسميه هو نفسه، فالحضارة في نظره هي حكر على الحداثة الغربية وبالطبع حين تبناها بورقيبة وحاول تقليدها فاعتمدها لكن بتصرف أي دون الأخذ بالديمقراطية ودون إحترام حقوق الإنسان ودون تطبيق أبسط شروط تلك الحداثة الغربية التي هي الفصل بين السلطات الثلاثة " التنفيذية والتشريعية والقضائية ". وهي المكاسب الحقيقية للثورة الفرنسية أم النهضة الأوروبية الحديثة. فولد لدينا مسخ اجتماعي وثقافي مشوه لأنه قلد فرنسا والغرب في المظهر ولم يقلدها في القيم العميقة التي أنتجت تفوقها.فكان الزعيم بورقيبة ربما عن حسن نية يؤمن بأن التقدم له وصفة جاهزة تصلح لكل زمان ومكان وكان هذا خطؤه الأكبر في التقييم والتقدير. فحدثت مصادمات بينه وبين شيوخ الزيتونة حين هاجم بورقيبة ركنا من أركان الإسلام وهو صوم رمضان كما قاوم الحجاب بشراسة بعد أن كان كتب افتتاحية جريدة العمل لسان حزبه سنة 1932 بعنوان "الحجاب" يدعو فيه نساء تونس للتمسك بحجابهن للحفاظ على الروح القومية وعدم الاندماج في منظومة الاستعمار (كان هذا منطقه وكانت تلك براهينه أثناء معركة التحرير) ثم توج كل هذا بالدفع إلى سن قوانين الأحوال الشخصية التي انفردت بها تونس وحدها في العالم العربي والإسلامي (مع الاستثناء التركي الأتاتركي) فتولت هذه القوانين هندسة المجتمع التونسي والعلاقات بين أفراد الأسرة وتقليص منزلة رب البيت على أسس وقواعد ونظريات دخيلة علينا ولا تعترف لا بالقوامة ولا حتى بالفطرة التي أودعها الله سبحانه في كل من الرجل والمرأة من أجل بناء الخلية الأساسية للمجتمع وهي الأسرة. ومنذ سنة 1992 تاريخ زواج الرئيس السابق زين العابدين بن علي بزوجته الثانية ليلى الطرابلسي تمت إضافات ديماغوجية لهذا القانون من أجل استرضاء اليسار العلماني المحلي وضمان مساندة الدول الغربية ومجتمعاتها المدنية للنظام القائم بالظهور أمام الغرب في مظهر المدافع عن المرأة والمعتنق للعلمانية والحداثة. ورغم أن القانون الأصلي "قانون 13 أغسطس 1956" كان يهدف إلى صيانة الأسرة بواسطة ضمان حقوق المرأة فإن القانون في بعض فصوله الراهنة رجح الكفة للمرأة ضد الرجل الذي لم تعد له لا قوامة ولا هو قادر حتى على طلب الطلاق بسبب تعقيد الإجراءات ونصرة القانون للمرأة ظالمة أو مظلومة. إن هذه الزوابع والتوابع التي سببها الاغتراب القانوني تستدعي مراجعة جريئة وموضوعية للقوانين جميعا على ضوء انعكاساتها السلبية فالقوانين ليست أصناما نتعبدها بل هي كائنات حية تتطور وتراجع مع مرور الزمن وتتلاءم مع النسق الحي المتبدل للحياة.
922
| 14 مايو 2014
نطق المجلس التأسيسي التونسي يوم الخميس الماضي بفرض قانون سموه بقانون التناصف والمقصود هو إجبار الأحزاب السياسية التونسية بقوة القانون لا بفضيلة العدل على تقديم قائمات انتخابية للبرلمان القادم مشكلة من 50% رجالا و50% نساء وهي بدعة تونسية لا يمكن شرحها سوى بالمزايدة الديماغوجية بين الأحزاب من أجل الفوز بشهائد استحسان الدول الغربية وإعلامها والحصول على زغاريد جمعية النساء المزغردات منذ عهد "سيدات" القصر لبورقيبة وبن علي أولئك النسوة اللواتي خرجن عن كل التقاليد والأعراف وينادين بما يسمينه (النمط التونسي للمجتمع) كأنما لبلادنا إسلام غير إسلام الناس وشريعة لا تعترف بشرائع السماء وهن يتجاهلن نمط 14 قرنا من تاريخنا ويقصدن النمط المستحدث سنة 1956 على أيدي الزعيم الذي انفرد بالحكم وفرض النمط الأتاتركي بلا معارضة ولا صوت مختلف ما عدا المظاهرة التي خرجت في القيروان يوم 17 يناير (جانفي) سنة 1961 للمناداة بعدم نفي شيخنا الجليل وإمامنا ومعلمنا عبد الرحمن خليف رحمة الله عليه واستشهد في ذلك اليوم المهول والرائد خمسة من رجال ونساء القيروان كانوا أول شهداء الهوية في تاريخ الاستقلال وكتب الله لي أن أشارك فيها وأنا تلميذ في المدرسة الثانوية الزيتونية آنذاك. وقرر بورقيبة السجون والمنافي لشيوخنا الأفاضل إخمادا لوهج الهوية إلى حين.وأنا أعتقد أن قانون التناصف تجاوز أخرق وساطع لمبدأ المساواة المنصوص عليه في الدستور الذي كتبه وتوافق عليه هؤلاء النواب أنفسهم وأن المدافعين عن هذا التناصف وقعوا في مقولة الحق الذي يراد به باطل بل هذا القانون هو أسوأ هدية مسمومة تقدمها النخب العلمانية والماركسية والتغريبية لنساء تونس. نساء تونس في التاريخ كن بطلات ومنهن فاطمة الفهرية القيروانية التي أسست جامعة القرويين بمدينة فاس سنة 245 هجريا 859 مسيحيا وهي أقدم جامعة علمية تدرس إلى اليوم ومنهن الأميرة العزيزة عثمانة (1606م-1669م) التي أنشأت أول مستشفى أهلي في مدينة تونس وجسدت العمل الخيري ونشرته في المغرب الإسلامي وبالطبع ليس لمجلة الأحوال الشخصية التي أبتدعها الزعيم بورقيبة أي فضل على هذين السيدتين فلم تعايشا عصرنا الغريب وعاشتا في كنف تعاليم الشريعة السمحاء وكان الإسلام هو الملهم وهو الهادي وهو السراج المنير. ذلك هو النمط التونسي الحقيقي الذي رافق شعبنا ونظم حياته العائلية على مدى أربعة عشر قرنا وفق تعاليم حكيمة من قرأن وسنة رفعت من شأن المرأة واعترفت لها بحقوق لم يبلغها أي دين أخر وأي قانون وضعي ويأتي زمن على بلادنا أصبحنا نسمع عن نمط تونسي مختلف تتشبث به بغض الأحزاب وهو نمط هلامي ضبابي مطاط لكل حزب رؤيته وتفسيره له وهو ليس النمط التونسي الطبيعي بل هو النمط البورقيبي لا غير جلبه الزعيم من فرنسا أم الكنيسة حين تزوج السيدة ماتيلد وتأثر كما قال ابنه الحبيب الابن في مذكراته بعائلة زوجته ومنهم كثير من القساوسة ورجال الكنيسة فأولع بورقيبة بالطهرانية (PURITANISME) كما أفادني المناضل الوطني رفيق كفاحه حسين التريكي رحمة الله عليه وأصبح بورقيبة يعتبر الجنس دنسا مثل رجال الكنيسة التي لا يتزوج فيها البابا ولا البطريق ولا القس البسيط بينما الإسلام يعتبر الجنس في كنف الحلال فطرة فطر الله الناس عليها بل إن ممارستها في ظل الزواج الشرعي هي طهارة للنفس ومناعة ضد الانحراف والحرام وحفظ للنسل والعرض والصحة.واليوم فإن هذه بدعة قانونية تقدم عكاكيز دستورية للمرأة كأنما هي معاقة عن الحركة عاجزة عن إقناع الناس بمواهبها وجدارتها ولا تستطيع فرض كفاءتها على الناخب ولا تقدر على إقناعه بأهليتها لتحمل الأمانة التشريعية فيأتي هذا القانون ليكفيها تعب النضال الحقيقي ووجع رأس الكفاح وليمكنها بالقانون من حق لم تحصل عليه بكفاءتها! وأغرب من كل التبريرات هي البراهين التي لجأ إليها النواب والنائبات المدافعين على القانون حيث أجمعوا وأجمعن على.. أن الشعب التونسي شعب متخلف ورجعي ولهذا السبب يجب على نوابنا ونائباتنا أن يعوضوه و يحلوا محله في اختيار ما يصلح له كأنه شعب جاهل ولا إرادة له! سبحان الله أن ينعت هؤلاء شعبهم الذي انتخبهم بالتخلف والغباء وهي حجة مردودة عليهم لأنهم هم أنفسهم ما كانوا يحتلون مقاعد المجلس يوم 23 أكتوبر 2011 لولا أصوات هذا الشعب! إن هذا القانون يبلغ فيه مستوى الديماغوجيا النساوية (وليس النسائية حاشا نساءنا الحرائر من هذه اللوثة) درجة فرض المرأة بالقانون على الناخب والناخبة والخطر ليس هنا وليس في أفكار هذه القلة من أيتام الحضارة الذين يتاجرون بما يسمونه حرية المرأة وحقوقها منذ 13 (أغسطس) 1956 بل في كون السلطة التشريعية القادمة سوف تكون أنثوية الأهواء والمصالح وستزيد طينة الانحراف بلة إضافة إلى ما في تونس من انخرام التوازن القانوني والقضائي بين الرجل والمرأة مما خرب الأسرة وجعل في أغلب العائلات حربا أهلية صامتة ظهرت بعض مؤشراتها في برامج (التولك شو) و(عندي ما نقلك) التي فضحت سوءاتنا وكشفت عوراتنا وشاهد التوانسة فيها ومنها معضلات تفوق الخيال! أخرها اعترافات فتاة بمعاشرة شقيقها وكذلك جرائم قتل واعتصاب واعتداءات محارم يندى لها الجبين! وما نزال غافلين عن أن إصلاح شؤون الأسرة التونسية هو أولوية مطلقة حتى نشرع في كل الإصلاحات الأخرى فلا تقدم ولا أمن ولا انطلاقة صحيح إلا حين نستعيد المودة والرحمة وقد عوضتهما اليوم المحكمة والمحامي في فوضى اجتماعية غير خلاقة عجزت عن مواجهتها كل مؤسسات الدولة والمجتمع بدءا من محاكمنا المكتظة إلى شوارعنا التي لا ترحم.
771
| 07 مايو 2014
قال الله تعالى في كتابه المجيد وفي سورة العنكبوت الأية 41: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. صدق الله العظيميتذكر قرائي الكرام الجزء الأول من مقالي هذا وعنوانه الذي يعبر عن أمنيتي وأمانيكم ألا تتحول الأسرة التونسية إلى ما يشبه بيت العنكبوت وأنا مدين لأحد خطباء مساجدنا التونسية في يوم جمعة من الأسابيع الماضية حين اجتهد وفسر للمصلين معاني سورة العنكبوت وشرح للناس لماذا قال الله جل وعلا بأن أوهن البيوت لبيت العنكبوت ولماذا شبه الكتاب المجيد بيوت الذين اتخذوا من دون الله أولياء ببيت العنكبوت. قال الخطيب بأن القرآن فيه سور سماها الله باسم بعض الحشرات مثل سورة النحل وسورة النمل وسورة العنكبوت فاستعمل كتاب الله صيغة الجمع في سورتي النحل والنمل (ومفردها نحلة ونملة) لكنه استعمل صيغة المفرد في سورة العنكبوت (لأن جمعها عناكب) فقال الخطيب حفظه الله بأن في الأمر حكمة لأن النحل والنمل مخلوقات تعيش في مجتمعات مدنية متحضرة منظمة تنظيما أفضل بكثير من مدن الإنسان بل هي أرقى من مدن الإنسان وأكثر منها حماية للبيئة وليس فيها جريمة وأوفر منها عدالة اجتماعية وأمنا بلا عنف أو إرهاب أو ظلم بل وأحسن تخطيطا واحتياطا للمستقبل وتقاسما للعمل وتقديرا للجهد من مدن الناس (و ذلك حلله علميا أحد علماء البيولوجيا الحيوانية الأستاذ فيبير WEBER في كتاب عجيب عنوانه (مدينة النمل) وكذلك النحل فهو يتعايش في سلام وينتج العسل ويتناسل في نظام تلقائي عجيب يفوق كل عبقرية البشر ولديه ملكة تسهر على التسيير المحكم لمملكة النحل وهي منتخبة يمكن عزلها لو اتفق النحل على عزلها وهنا قمة الديمقراطية والفصل بين السلطات! أما في سورة العنكبوت فاستعمل القرآن صيغة المفرد لأن هذه الحشرة لا تعيش إلا وحدها منعزلة لا علاقة لها مع العناكب وهي تبني بيتا لوحدها والبيت لديها عبارة عن نسيج من خيوط العنكبوت يقوم مقام الفخ لتقع فيه الحشرات فريسة للعنكبوت وأغلب الناس يعرفون أو هم درسوا في المدارس الابتدائية طريقة حياة العنكبوت منذ أن تنصب فخها بخيوط تصنعها من لعابها هو بيتها وكيف تلتهم الحشرات المغرورة الواقعة في شباك الفخ حيث تتخبط الضحايا طالبة الخلاص ولا خلاص ثم لا تقوى على الحركة فتستسلم لموت بطيء وتظل عالقة في الفخ جثة هامدة لتكون طعاما للعنكبوت على مدى أشهر. أما سلوك العنكبوت مع بيضها وعيالها (إذا صح هذا التعبير البشري!) فهو سلوك مناقض للفطرة التي فطر الله عليها المخلوقات من إنسان وحيوان وحتى النبات أي أن كل مخلوقات الله ترعى أولادها وتدافع عنهم وتحتضنهم حتى يشبوا على الطوق بل تفدي الأمهات صغارهن بحياتهن إلى أن يحين الموعد الذي يستقلون فيه ويغادرون إلى حياتهم الخاصة بهم. أما العنكبوت فهو الحشرة الوحيدة التي لا علاقة غريزية أو عاطفية لها بعيالها فتسرح بيضها وما فقص منه ليموت من يموت ويعيش من يعيش بمعجزة من رب العالمين من يكتب له البقاء..أما درة الدرر في سلوك العنكبوت والسر الذي كان وراء نعت الله لبيتها بأنه أوهن البيوت فهو أن العنكبوت الأنثى هي التي تغرر بالعنكبوت الذكر وتستدرجه لشبكتها ليعاشرها ويخصبها حتى تقضي منه وترا فتكون المفاجأة الرهيبة للذكر المسكين بعد الجماع مباشرة وهي أن تلتف الأنثى حوله وتورطه في خيوطها ثم تفترسه من دون رحمة وهو يستغيث ولا مغيث إلى أن تلتهمه التهاما كاملا وهكذا دواليك لتجري حياة العنكبوت على هذا الشكل الغريب الذي أعتقد بأن الله سبحانه خلقه ليضرب لنا نحن البشر مثلا ساطعا على تخريب الناس لبيوتهم بأيديهم! حين قال الله تعالى " مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. صدق الله العظيم" فالقرآن يدلنا على حقيقة ربانية خالدة وهي أن الذين اتخذوا من دون الله أولياء أي الذين يتخذون البشر والطواغيت والأنماط الدخيلة من القوانين ونماذج الحضارات الغريبة عن الإسلام أولياء من دون الله مثلهم كمثل العنكبوت اتخذت بيتا أي أسست أسرة ولكنها أسرة هشة منهارة لأنها بنيت على غش وخديعة أساسها ليس المودة والرحمة اللتين أوصى بهما الله تعالى ولكن أساسها الفخ المنصوب للخديعة والغدر وتستنجد المرأة بالمحامي والمحكمة وفصول القوانين لتحل محل المودة والرحمة وهذه البدائل هي التي تغرر بالمرأة عادة وتفتح في وجهها باب البغي وباب الظلم لبعلها فتطالبه بما لا يقدر عليه وتريد تجريده من فلذات أكباده ومن رزقه الحلال وتبعده عن أمه وأبيه ويا ويله لو كان متزوجا قبلها ولديه أولاد من زوجته الأولى فعيشته تصبح ضنكا حين تقطعه عن أهله وتنفرد به كما تنفرد العنكبوت بالذكر بعد حياة مشتركة لأن بعض النساء وهن قلة اتخذن من دون الله أولياء. أنا لا أريد أن تتحول بعض العائلات التونسية إلى شبكات عنكبوت لا قدر الله لأني على ثقة من أن الأغلبية من نسائنا التونسيات الحرائر تربين على الفضيلة وتعلمن احترام الزوج وعشن في كنف القيم الإسلامية السمحاء ولكن تلك القلة من النساء اللواتي نجدهن اليوم متأبطات ملفات سميكة ويسرن وراء محام أو موظف محكمة أو نجدهن في أروقة بعض البرامج التلفزيونية يتخذنها أخر ملجأ لهن لإشهار معضلة عائلية أو التشهير بزوج أو لتبرير انحراف وقد رأينا في هذه البرامج (التولك شو) ما يندى له جبين كل تونسي مسلم. ولا تحسبن يا قارئي الكريم أن لي عداء مع المرأة أو مع قوانين الأحوال الشخصية فأنا بالعكس أعتبر حماية المرأة مكسبا وأكبر منه حماية الأسرة لأنها الخلية الأساسية للمجتمع ولكن لكل قانون (كما لكل دواء) أعراض جانبية سلبية وجبت معالجتها بالحكمة وبعيدا عن الأيديولوجيات التغريبية من أي تيار سياسي أو حضاري كان. فالمرأة هي نصف المجتمع ولا أحد يرضى أن يصبح مجتمعنا أنثويا صرفا بإرادة القانون بعد أن كان متوازنا على مدى قرون كما لا نرضى أن يتحول مجتمعنا ذكوريا محضا يزهو فيه سي السيد بعصاه ويستبد بزوجته وابنته وأخته. معاذ الله إنما الطريق المستقيم في إدارة مجتمعنا وهندسة مستقبلنا هو أن نعيد العلاقة بين الرجل والمرأة إلى خالص صفائها وذلك بإعادة الاعتبار لرب الأسرة وحاميها وبإعادة الروح للقيم والفضائل والمودة والرحمة والتكافل والسكينة فالسكينة هي التي قصدها الله سبحانه حين قال جل من قائل: وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الروم: 21].
2992
| 23 أبريل 2014
مساحة إعلانية
تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما...
9330
| 23 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة...
1767
| 25 فبراير 2026
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة...
1470
| 27 فبراير 2026
في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ...
957
| 26 فبراير 2026
تُعد قضايا الأسرة من القضايا المهمة التي تحتل...
735
| 20 فبراير 2026
جوهر رمضان هو العبادة، وتخليص النفس للطاعة، والتقرب...
732
| 25 فبراير 2026
كلنا يعلم الرابط القوي والعلاقة المميزة بين القرآن...
684
| 20 فبراير 2026
يشهد قطاع التعليم تطورًا مستمرًا في أدواته وأنظمته،...
624
| 24 فبراير 2026
استكمالا لما ورد في (مقالنا) الذي نُشر تحت...
606
| 24 فبراير 2026
كشف التقرير السنوي لقطر للسياحة أن عدد الزوار...
594
| 22 فبراير 2026
لم أفهم معنى أن يكون للطفولة ظلٌّ يحرسها...
555
| 23 فبراير 2026
لئن كان صيام رمضان فريضة دينية، إلا أن...
525
| 22 فبراير 2026
مساحة إعلانية