رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
استفدت الأسبوع الماضي من مشاركتي في منتدى أمريكا و العالم الإسلامي بفندق ريتز بالدوحة و الذي نظمته مراكز إستراتيجية أمريكية تهتم أساسا بالعلاقات الأمريكية مع البلدان المسلمة و ترصد المتغيرات الطارئة على ما تسميه هذه المراكز (العالم الإسلامي) رسميا حتى لا تقر بوجود (أمة إسلامية) ومن هنا ظهر الاختلاف بيننا و بين هذه المراكز في تقييم حقائق التاريخ و تأثيرها على أحداث اليوم. و كنا ثلاثة مسلمين مشاركين في المنتدى أشرنا لزملائنا الأمريكان بأن عبارة (العالم) فيها هروب من استعمال المصطلح الأسلم وهو (الأمة) و أضفنا بأن (أمة الإسلام) هي الوحيدة اليوم في العالم التي ليس لها شخصية اعتبارية تربط بين أبنائها برابط العقيدة مثلما للأمة المسيحية التي يظللها البابا بظله و الأمة اليهودية حيث تعتبر دولة إسرائيل بتوراتها أن كل يهودي في العالم هو من رعاياها. و من هنا جاء التصدي الصليبي اليهودي لكل مبادرة توحد المسلمين و التي عمل الاستخراب الغربي على تدمير أخر حصونها المتمثل في الخلافة الإسلامية سنة 1924 حين تقاسمت فرنسا مع بريطانيا تركة الرجل المحتضر و ما نزال إلى اليوم نعاني التشرذم و التشتت والعجز و التخلف و التبعية.
شارك في منتدى الدوحة رئيسان لدولتين نموذجيتين هما السيدان (بوجار نيشاني) رئيس جمهورية ألبانيا و (إبراهيم بوبكر كيتا) رئيس جمهورية مالي و هاتان الشخصيتان لم تستدعيا بمحض اختيار عشوائي لأن ألبانيا كانت تمثل في الستينات و السبعينات ظاهرة فريدة حين كان يحكمها الشيوعي المتعصب أنور خوجة وكانت ألبانيا محتشدا كبيرا موصدا لا ولاء لها إلا لماو تسي تونغ ثم عند إنهيار الماركسية و جدار برلين تحولت هذه البلاد إلى الاقتصاد الحر و تداول عليها حكام معتدلون يعتقدون أن الليبرالية هي الحل و يؤمنون بما تنبأ به فرنسيس فوكوياما من نهاية التاريخ! أما جمهورية مالي فهي الدولة الإفريقية الأكثر تعرضا لتهديد تسونامي (القاعدة) في طبعتها المغاربية الإسلامية و منها انطلقت أحداث 2012 في صحراء مالي ثم الهجوم على عين أميناس الجزائرية تلك الأحداث التي تشهد بأن الخطر القادم من جنوب صحراء القارة السمراء يهدد الغرب و فرنسا بالذات لا في عقر دارها بل في مستعمراتها القديمة التي استمر فيها الحضور الفرنسي بطابعه الاقتصادي و الثقافي و اللغوي و أحيانا العسكري بشكل يؤكد أن باريس ما تزال تحافظ على الرافد الإفريقي معتقدة أنه ضمان لأمنها و لتزويدها بالمعادن و الطاقة و لحمايتها من الهجرات السرية. كما شاركت في المنتدى بالطبع شخصيات مرموقة أمريكية مثل (أن باترسن) مساعدة الأمين العام لشؤون الشرق الأوسط في وزارة الخارجية الأمريكية و (فيل غوردون) مستشار الرئيس باراك أوباما ومنسق الشؤون العربية و الإسلامية في البيت الأبيض كما شاركت شخصيات نافذة من بلدان عربية و مسلمة من بينها نخبة من الدولة المضيفة للمنتدى و أبرزهما رئيس حكومة قطر الشيخ عبد الله بن ناصر أل ثاني و د. خالد بن محمد العطية وزير الخارجية القطري وأثرت النقاشات في المنتدى أيضا شخصيات عربية و دولية منهم صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين ومعاذ الخطيب الرئيس السابق للتحالف السوري المعارض و د. مصطفى البرغوثي الأكاديمي الفلسطيني المناضل و غيرهم ولكل منهم رؤية و موقف ومصلحة في تبيان الدور الأمريكي الراهن أو المنتظر في مجال العلاقات الدولية وكيف تستثمر واشنطن أحداث المشرق الإسلامي وهزاته العنيفة لتخدم مصالحها الإستراتيجية الحيوية. ولعله من نافلة القول بأن نسجل التأثير الفوري و البالغ لأحداث العراق و لانتشار (داعش) في محافظة نينوى و السيطرة الكاملة و السريعة على ثاني مدن العراق الموصل ثم تكريت و التقدم المأمون لقوافل (داعش) نحو بغداد باحتلال قرى و بلدات لم يصادف فيها مقاتلوها أية مقاومة أو عراقيل. كل هذه المعطيات لا أعتقد أنها غابت خلال جلسات المنتدى عن عقول هذه النخب المشاركة و بخاصة المسؤولين الأمريكان العارفين بخفايا الملفات السرية للدبلوماسية الأمريكية و كلنا ندرك بأن العراق ما يزال تحت (الرقابة) الأمريكية اللصيقة إذا لم نقل (الاحتلال) الأمريكي الناعم. فهل إن ما نراه مذهلا في سرعة الانتشار الداعشي في العراق يراه الأمريكان عاديا أو حلقة إضافية من مسلسل لعبة الأمم القوية في المشرق الإسلامي؟ و من هنا يأتي رد الفعل الأمريكي السريع هو أيضا و الصادر يوم الجمعة 13 جوان (يونيه) بالتلويح بالتدخل العسكري الأمريكي.. وهذه المرة التدخل المرحب به من قبل إيران (سبحان مغير الأحوال!) و من نوري المالكي والمرغوب فيه من قبل هوشيار زيباري وزير الخارجية الذي سبق أن زار طهران و يقال أنه وقع معها اتفاقا غير معلن لم يعجب واشنطن و لا يخدم مصالحها على المدى البعيد! فهل تكون واشنطن أغمضت عيونها حين سجلت تحركات جيوش (داعش) من الرقة السورية أرض سد الفرات و أبار النفط إلى الموصل العراقية قلب الاقتصاد العراقي و حين قرر 32000 عسكري و أمني عراقي المتواجدين في الموصل و حولها الانسحاب بهدوء منذ وصول (داعش) دون إطلاق رصاصة واحدة؟ كانت هذه الأسرار تحوم حول المنتدى و لا تجد أجوبة شافية لكن المحاور الرسمية التي تناقش فيها الحاضرون تؤكد أن الهاجس الأكبر للولايات المتحدة في منطقتنا هو ما تسميه واشنطن بالإرهاب فالمحاور المعلنة هي : (الجلسة الأولى) مستقبل أمريكا في الشرق الأوسط و جنوب أسيا (الجلسة الثانية) هل يفوز الجهاديون بالربيع العربي؟ (الجلسة الثالثة) الأزمة في سوريا (الجلسة الرابعة) تحديد مستقبل فلسطين (الجلسة الخامسة) حوار حول استيعاب التنوع الديني (الجلسة السادسة) دور الدولة والمجتمع المدني في باكستان في التصدي للتطرف وهنا تقر واشنطن بفشل برنامجها الباكستاني منذ 11 سبتمبر 2001 و ضياع 30 مليار دولار من الإعانات لباكستان حيث عجزت الدولة المركزية عن إنهاء تواجد الحركات الإسلامية على أرضها (الجلسة السابعة) الأقليات المسلمة في أمريكا وأوروبا والبحث عن تناغم ديني بينها (الجلسة الثامنة) الانتقال الناجح في المجتمعات الإسلامية بين الشريعة و الاجتهاد (الجلسة التاسعة) إنقاذ تمبكتو وهو محور يتطرق إلى الضرر الحاصل للثقافة و المخطوطات الإسلامية جراء العنف. هذه تقريبا أهم مشاغل و هموم المنتدى وهي تعزز اعتقادنا بأن النخب الأكاديمية والاستخبارية الأمريكية التي نظمت هذا المنتدى غير راضية عن أداء الرئيس باراك أوباما في سياساته نحو الأمة الإسلامية كما صرح بذلك أستاذ العلوم السياسية الشهيرفي جامعة جورج تاون (روس هاريسن) وهي تستعد بالتالي للتمهيد لأسترتيجية جديدة تشترك فيها واشنطن مع الإتحاد الأوروبي نحو مواقف مختلفة إزاء تطور الأحداث فيما سموه العالم الإسلامي حين تزف ساعة رحيل أوباما عن البيت الأبيض و قدوم رجل أخر من حكومة الظل بمانهاتن ليعلن النفير الغربي العام لا ضد الإرهاب هذه المرة بل ربما لا قدر الله ضد الإسلام و حضارته! ألم يقل منظر العنصرية الغربية برنار لويس منذ ثلث قرن : إن الأمة المتمردة تصبح مثل الفهد المفترس فإما أن تقتله و إما أن تروضه ليتحول إلى مهرج في سرك الأمم!!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما زالت تتساقط في فضاء واقع ما زالت فيه ترسبات أحداث الإبادة في غزة حاضرة في الذهنية الإنسانية وجاءت إفصاحات ابستين لتتعالق معها وتخلق علاقات كانت خافية على المراقبين ومغلفة في عالم المصالح والمنافع، هذا التهاوي وترسباته يعطي دلالات على عالم يباد وعالم ينشأ من خلال الأحداث وتداعياتها ليتكوّن على ارض واقع جديد، فما حدث لأطفال أمريكا لا يختلف عما حدث لأطفال غزة تشويها وقتلا من قبل عقلية ترى انهم غير بشر وسترى البشرية أن عقلية وذهنية ما قام به ابستين وشركاؤه مماثل لما يحدث في فلسطين وأطفال ونساء غزة من إجرام وقتل وإبادة وفي الكثير من الأحيان في احتفالات تبرز نفسيات عدمت الإنسانية. تساقط فتات الإفصاحات والفيديوهات كما يتساقط فتات الأحياء المائية في وسط المياه ليتراكم ويخلق شعابا في الطبيعة هي مأوى للكائنات الحية المائية ولكن فتات إفصاحات ابستين والكيان يكوّنان حطاما لشعاب سامة شيطانية مظلمة لا يعيش فيها إلا الشياطين. أين سيتموضع العالم وإلى أي مدى سيعاد تشكيل الضمير العالمي وكيف ستتشكل المفاهيم وتتحول العداءات من الإسلاموفوبيا إلى محبة، كيف ستتمحور مفاهيم الإسلاموفوبيا والهولوكوست ومعاداة السامية وغيرها وفلسطين والفلسطينيين وكيف سيرى الناس معاناة فلسطين وغزة والضفة، من سيسقط ومن سيحاكم، وكيف سيتعامل الناس مع الدين والمبادئ، ولتقع ترسبات فظائع ابستين والنخبة أينما تقع فبعد أن تبددت هالة الظلام والهيمنة ستكون تداعياتها هي المحرك للتغيير في ذهنية العالم لتنشئ وعيا أمميا جديدا ينهي زمن الظلام. تزامن هذا التكاثف مع حشد عظيم في منطقة الخليج وجهود إبراز عظيم القوة حتى تتمكن الإدارة الأمريكية من الحصول على أفضل صفقة مع إيران. جمعت الإدارة الأمريكية كل ما لدى أمريكا من قدرات وإمكانات وبعثتها للخليج في موجات الموجة الأولى مع التهديد والوعيد إلى الغزو والنفير، وبعد ذلك التهديد والوعيد اصبح طريق التفاوض ممهدا بعد ان كان بعيد المنال، فكانت المرحلة الأولى في تحديد الموقع والمكان ووضع إطار للمفاوضات يبدو أن الإيرانيين قادرون على تحديد المكان مثل عمان، ففي الإطار التفاوضي ما زالت إيران تقول إن التفاوض والحديث عن النووي فقط كإطار عام وما زالت الخارجية الأمريكية تتحدث عن أربعة مطالب النووي وبرنامج الصواريخ البالستية واحترام سيادة الدول وعدم دعم الميليشيات. وان كانت الإدارة الأمريكية قد استفادت من رفع الضغوط على الإيرانيين وعلى نتنياهو وعلى كل من في المنطقة وصرفت الأنظار عن ملفات ابستين ففي ذهن الإدارة الأمريكية تكون قد حققت ما تصبو اليه من العودة للتفاوض وتجاوز ابستين ومن ثم أيضا سحب القوات الأمريكية إلى الولايات المتحدة فتكون مناطق النفوذ والجغرافيا قد حددت ما بين الولايات المتحدة وجغرافيا أمريكا الشمالية والجنوبية والصين وتايوان وروسيا والدونباس فإعادة رسم الخرائط قد يكون أساس التفاهمات والمواجهة الأمريكية الإيرانية لتحديد الخط الأهم خط الردع في منطقة الشرق الأوسط منطقة النفوذ ونكون على أبواب إعادة تشكيل النظام العالمي ليكون متعدد الأقطاب وقد نرى ضغطا من قبل الصين وروسيا على الولايات المتحدة للعودة للالتزام بالقانون الدولي ومنظمات الأمم المتحدة وتطبيق القانون الدولي مع تحملهم التداعيات المالية وهذا يعني الضربة النهائية في كفن الكيان.
11712
| 23 فبراير 2026
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2340
| 27 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
2040
| 25 فبراير 2026