رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
انطلق مسلسل تقليدي معروف من المغالطات المقصود بها تضليل العرب والمسلمين عموما (من الضلال لا من الظلال) وحبك المؤامرة الكبرى لمزيد تثبيت حبل الباطل حول أعناقنا في استمرار طويل وعجيب من الأراجيف التي تدلس تاريخنا وتسهل على القوى الصليبية والصهيونية المتحدة تنفيذ عملية قتل الفهد أو ترويضه إذا تعذر قتله حتى يتحول ذلك المفترس المغوار إلى حيوان بائس يهرج ويضحك الجمهور في قفص السيرك العالمي (أي النظام العالمي) وهذه الصورة المرعبة والتشبيه المخيف بين الأمة الإسلامية والفهد القوي الحر لم أبتكرهما بل قرأت هذه الفكرة في أحد مقالات منظر التطرف الغربي (برنار لويس) وهو بريطاني من الديانة اليهودية كما سمعته من فمه حين حضرت محاضرته في باريس منذ ربع قرن وهو الذي اعترف الرئيس جورج بوش الابن قائد الحملة الصليبية العاشرة بأن كتبه هي التي يقرأها ويستلهم منها حربه على أفغانستان ثم على العراق ولا تفارق طاولة فراشه الوثير في البيت الأبيض! وأنا حين أنعت بوش بقائد الحملة الصليبية العاشرة إنما أعيد ما قاله هو عن نفسه حين وصف حربه على العراق بكونها (حملة صليبية CRUSADES) ثم حين قال على شاشة سي إن إن إنه يأتمر بأوامر "الرب يسوع" الذي يزوره في المنام ويملي عليه سلوكه وجاءت مذكرات الجنرال (كولن باول) لتؤكد هذه الحقائق وهو الذي حلل كيفية اتخاذ رئيسه لقرارات الحرب في حالة ذهول أمام تخيلات روحية وهمية! وأرجو أن تلاحظوا أيها القراء العرب المسلمون هذه المفارقات العجيبة التي تجعلنا نصدق هؤلاء حين ينصحوننا بمباركة ذيولهم العلمانيين العرب بعدم الخلط بين الدين والدولة وعدم إقحام الدين في تنظيم شؤون السياسة! لا حول ولا قوة إلا بالله. وهم الذين يخضعون كل دساتيرهم ومؤسسات دولهم ومواثيق أحزابهم للوصايا العشر بحق أو بباطل وهم الذين أنشأوا الاتحاد الأوروبي على أسس إنجيلية واستلهموا كل مؤسساته الدستورية والسياسية والبرلمانية والمالية من كتاب الخلافة الإسلامية الذي نشره عبدالرزاق السنهوري في باريس سنة 1928 وإلا كيف نفسر رفض الاتحاد الأوروبي لانضمام تركيا لهذا النادي المسيحي كما وصفه الزعيم التركي نجم الدين أربكان أستاذ أردوغان وغول بينما تطالب تركيا وهي أوروبية منذ نصف قرن بعضوية الاتحاد؟ وصدق أربكان حين قال: إن تركيا تفضل أن تكون الأولى إسلاميا على أن تكون ذيلا أوروبيا! والجواب هو أن الاتحاد مؤسسة قائمة على الدين المسيحي بأقنعة "علمانية" مزيفة لتمرير مشروع الهيمنة الصليبية الجديدة لا غير ولأن تركيا بلد مسلم، ثم كيف نفسر عضوية النصف اليوناني المسيحي لجزيرة قبرص في الاتحاد وحرمان النصف التركي المسلم من هذه العضوية؟ كما أن قبول جزيرة مالطا عضوا في الاتحاد أمر لا يفسر بغير الاشتراك في الدين لأن مالطا بعيدة جدا عن أوروبا تاريخيا وجغرافيا في حين أن أجدادنا نحن أبناء المغرب الإسلامي هم الذين أنقذوا فرنسا بالذات من الاحتلال النازي حين جمع الجنرال (لوكليرك) جيشا من الجزائريين والتوانسة والمغاربة والسنغال في مارس 1944 وأبحر بهم إلى جنوب فرنسا في يونيه 44 ليحرر باريس بهؤلاء الذين يقف اليوم أبناؤهم وأحفادهم طوابير مخزية أمام قنصليات فرنسا لمجرد الحصول على التأشيرة لزيارة قريب أو للدراسة أو للسياحة! بينما يدخل المواطن الفرنسي إلى بلداننا ببطاقة هوية! إن الغرب أنشأ خلافاته المسيحية ويتهم كل مسلم ينحاز إلى الوحدة الإسلامية بالتطرف والإرهاب!
نشأ العنف في جمهوريات العالم العربي متزامنا مع تغول الدولة الوطنية وعنفها الخارج عن كل القوانين والأخلاق واستبداد قادتها بأجهزتها وإقصاء الفئات المستضعفة من التمتع بثمار التنمية ومن هذه الفئات فئة الشباب الذي تعلم في مدارسها وتخرج في جامعاتها لكنه ظل بلا اندماج فعلي في آليات النمو والترقي الاجتماعي لأنه بلا شغل وبلا هوية بسبب أخطاء التقدير في مناهج التعليم التي همشت قطاعات الزراعة والعمل اليدوي والخبرة الفنية والتعريف بأمجاد الإسلام مضافا إلى هجرة داخلية "طبيعية " للبحث عن دور وعن موقع وهي ظاهرة شكلت حول المدن العربية الكبرى والمتوسطة أحزمة من القرى العشوائية يملأها شباب متعلم وعاطل ويبحث عن معنى لحياته وهوية لذاته فماذا وجد هذا الشباب من أجوبة لأسئلته المشروعة من هياكل الدولة البوليسية؟ لا شيء بل تلقته أجهزة الدول بالتعاطي الأمني والقمع والمزيد من التهميش فكان الحل الجاهز على شاشات الكمبيوتر والهاتف الذكي هو سهولة الانتماء إلى تشكيلات جاهزة لاستقباله عجينة عذراء يقتنع بما يقال له من أن الإسلام في خطر وأن الأمة مهددة (وفي هذا ماهو حق) ولكن الخطأ ليس في تشخيص حال الأمة بل في العلاج الناجع للتخلف والتبعية والتذيل.
من هنا جاءت قوافل الشباب التونسي على سبيل المثال للالتحاق بسوريا والعراق وهم يستحضرون جهاد الجيل الذي سبقهم إلى أفغانستان في السبعينات لقتال الجيش السوفييتي المحتل وانتصارات القاعدة (مؤقتا) على المحتلين ودخول طالبان إلى كابل معززة بمجاهدين من كل أصقاع الأمة الإسلامية! وإذا ضربت مثال بعض الشباب التوانسة فلمعرفتي بمجتمعي أكثر من سواه إنما تتشابه أوضاع كل شباب الشمال الإفريقي والمصريين والشوام والفلسطينيين والسودانيين واليمنيين وبعض الفئات الخليجية في جذع مشترك واحد وهو إفلاس المنظومة التربوية التي حشرت برامج التعليم بقشور القيم الزائفة من تمجيد الزعيم الأوحد والخلط بين النظام وهو متحول وبين الوطن وهو ثابت. ثم إن تفسير الظاهرة الداعشية لا يستقيم إلا بالوضع الهش للدولة العراقية لا منذ سقوط صدام حسين بل منذ سقوط الملكية عام 1958 وأيضا بالحالة المستعصية التي بلغتها سوريا ففي العراق يبدو أن الانتماء الطائفي تغلب على الانحياز للوطن وظهر ذلك من قيادات شيعية وقيادات سنية مضادة ومن أكراد استقلوا بسلطتهم وتركمان ضاعوا في زحمة الأحداث المأساوية وصادف أن تحادثت في هذه المعضلات مع المناضل طارق الهاشمي الذي قبل بمنصب نائب رئيس الجمهورية العراقية قبل أن تستهدفه المكائد ويحكم عليه بالإعدام فوجدت تحليل الرجل صائبا ومتوقعا لما حدث بعد ذلك.
حين دخلت داعش واستولت على الموصل وتكريت وهي اليوم على بعد 60 كلم عن بغداد وجدت نفسها مثل السمكة في الماء لأن العشائر السنية غاضبة من الانحراف الطائفي لحكومة المالكي ولم تنل حظها الموعود من الحكم أو التنمية كما وجدت داعش ضباط وجنود الجيش النظامي العراقي القديم قابعين صابرين على محنة التقاعد المزري المفروض منذ 2003 بل ومن البؤس بعد مؤامرة (بريمر) والمعارضة القادمة معه على مؤسسة الجيش العراقي فحلوه وسرحوا أبطاله فكانت داعش في الحقيقة مجرد عود ثقاب أشعل فتيل وضع قابل للانفجار تلقائيا. هذه بعض الحقائق الموضوعية ليستنير بها أولئك الذين ينساقون وراء دجل المتطرفين الصليبيين والصهاينة فيصبحون لهم أبواقا تردد ما يدعون. إننا نرفض كل إرهاب ونندد بكل عنف لكن بالبصيرة وهي أهم من البصر.
الوكالات التجارية والالتزامات الوطنية
جاء التطور الاقتصادي للدولة على شكل تشريعات مرحلية تهدف إلى تعزيز كفاءة السوق وفتح أبواب جديدة للنمو، ومن... اقرأ المزيد
156
| 27 فبراير 2026
القيادة الرشيدة.. اهتمام وأولوية لحماية البيئة
يمثل يوم البيئة القطري، الذي يوافق 26 فبراير من كل عام، مناسبة وطنية مهمة، وهو يعكس ادراك الدولة... اقرأ المزيد
84
| 27 فبراير 2026
السياسة بالمدفع.. هل يُقتل الفكر بالرصاص؟
السودان اليوم ليس مجرد ساحة حرب مفتوحة، بل مرآة موجعة لأسئلة قديمة تتكرر كلما عجزت السياسة عن إدارة... اقرأ المزيد
87
| 27 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما زالت تتساقط في فضاء واقع ما زالت فيه ترسبات أحداث الإبادة في غزة حاضرة في الذهنية الإنسانية وجاءت إفصاحات ابستين لتتعالق معها وتخلق علاقات كانت خافية على المراقبين ومغلفة في عالم المصالح والمنافع، هذا التهاوي وترسباته يعطي دلالات على عالم يباد وعالم ينشأ من خلال الأحداث وتداعياتها ليتكوّن على ارض واقع جديد، فما حدث لأطفال أمريكا لا يختلف عما حدث لأطفال غزة تشويها وقتلا من قبل عقلية ترى انهم غير بشر وسترى البشرية أن عقلية وذهنية ما قام به ابستين وشركاؤه مماثل لما يحدث في فلسطين وأطفال ونساء غزة من إجرام وقتل وإبادة وفي الكثير من الأحيان في احتفالات تبرز نفسيات عدمت الإنسانية. تساقط فتات الإفصاحات والفيديوهات كما يتساقط فتات الأحياء المائية في وسط المياه ليتراكم ويخلق شعابا في الطبيعة هي مأوى للكائنات الحية المائية ولكن فتات إفصاحات ابستين والكيان يكوّنان حطاما لشعاب سامة شيطانية مظلمة لا يعيش فيها إلا الشياطين. أين سيتموضع العالم وإلى أي مدى سيعاد تشكيل الضمير العالمي وكيف ستتشكل المفاهيم وتتحول العداءات من الإسلاموفوبيا إلى محبة، كيف ستتمحور مفاهيم الإسلاموفوبيا والهولوكوست ومعاداة السامية وغيرها وفلسطين والفلسطينيين وكيف سيرى الناس معاناة فلسطين وغزة والضفة، من سيسقط ومن سيحاكم، وكيف سيتعامل الناس مع الدين والمبادئ، ولتقع ترسبات فظائع ابستين والنخبة أينما تقع فبعد أن تبددت هالة الظلام والهيمنة ستكون تداعياتها هي المحرك للتغيير في ذهنية العالم لتنشئ وعيا أمميا جديدا ينهي زمن الظلام. تزامن هذا التكاثف مع حشد عظيم في منطقة الخليج وجهود إبراز عظيم القوة حتى تتمكن الإدارة الأمريكية من الحصول على أفضل صفقة مع إيران. جمعت الإدارة الأمريكية كل ما لدى أمريكا من قدرات وإمكانات وبعثتها للخليج في موجات الموجة الأولى مع التهديد والوعيد إلى الغزو والنفير، وبعد ذلك التهديد والوعيد اصبح طريق التفاوض ممهدا بعد ان كان بعيد المنال، فكانت المرحلة الأولى في تحديد الموقع والمكان ووضع إطار للمفاوضات يبدو أن الإيرانيين قادرون على تحديد المكان مثل عمان، ففي الإطار التفاوضي ما زالت إيران تقول إن التفاوض والحديث عن النووي فقط كإطار عام وما زالت الخارجية الأمريكية تتحدث عن أربعة مطالب النووي وبرنامج الصواريخ البالستية واحترام سيادة الدول وعدم دعم الميليشيات. وان كانت الإدارة الأمريكية قد استفادت من رفع الضغوط على الإيرانيين وعلى نتنياهو وعلى كل من في المنطقة وصرفت الأنظار عن ملفات ابستين ففي ذهن الإدارة الأمريكية تكون قد حققت ما تصبو اليه من العودة للتفاوض وتجاوز ابستين ومن ثم أيضا سحب القوات الأمريكية إلى الولايات المتحدة فتكون مناطق النفوذ والجغرافيا قد حددت ما بين الولايات المتحدة وجغرافيا أمريكا الشمالية والجنوبية والصين وتايوان وروسيا والدونباس فإعادة رسم الخرائط قد يكون أساس التفاهمات والمواجهة الأمريكية الإيرانية لتحديد الخط الأهم خط الردع في منطقة الشرق الأوسط منطقة النفوذ ونكون على أبواب إعادة تشكيل النظام العالمي ليكون متعدد الأقطاب وقد نرى ضغطا من قبل الصين وروسيا على الولايات المتحدة للعودة للالتزام بالقانون الدولي ومنظمات الأمم المتحدة وتطبيق القانون الدولي مع تحملهم التداعيات المالية وهذا يعني الضربة النهائية في كفن الكيان.
9840
| 23 فبراير 2026
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2043
| 27 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
1848
| 25 فبراير 2026