رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنت ولا أزال مقتنعا بأن الصديق المثقف الوطني البشير بن سلامة هو أقدر وأفضل من خدم الثقافة التونسية والعربية وعوض أن يناله التكريم (على الأقل في عهد ما بعد الاستبداد حين كرم المرزوقي عباد الله أجمعين في قصر قرطاج!) فقد ناله النسيان، وهو أمر يسير، لأن الأشق على نفس بن سلامة ونفسي أيضا أن يرى إنجازاته كلها تلغى على أيدي النظامين السابق والراهن وبفارق النية، إذ كان بن علي محاطا في الحقل الثقافي في الغالب ببعض الجهلة والأدعياء والوصوليين والحاقدين على كل مثقف وأصبح نظام ما بعد 14 يناير 2011 بحكوماته العديدة المؤقتة لا يعبأ بالثقافة ولا بأهلها، بل الأدهى والأمرّ أن كتابا أسود صدر عن رئاسة الجمهورية حشر أغلب مثقفي تونس وأعلامها ومناراتها في كيس واحد، متهما إياهم بالتزلف للدكتاتور والتكسب والنفاق! بالإضافة إلى نغمة جديدة صرنا نسمعها من ألسنة السياسيين الجدد والمحسوبين على التكنوقراط وهي نغمة (أن لبلادنا أولويات اقتصادية وأمنية فلا مجال إذن للثقافة حتى نواجه التحديات الاستعجالية!) والغريب أن من هذه التحديات الاستعجالية المزعومة ما رأيناه الأسبوع الماضي من استقبال وزيرة السياحة وهي عضو في الحكومة لأعضاء جمعية الدفاع عن الشواذ الجنسيين التونسيين.. مطمئنة لهم ومهدئة من روعهم، مؤكدة بلا شك بأن الحكومة في خدمتهم لصون "كرامتهم" وتأمين سلوكياتهم من تعدي "المتطرفين" الرافضين للشذوذ والمثلية، أي في نظر الوزيرة "أولئك المتخلفين الذين يناهضون ما يسمى اليوم بحرية الضمير وبالنمط التونسي للتقدم الذي سنه المجاهد الأكبر!".
نعود إلى موضوعنا بعد هذه التطويحة التي فرضتها الأحداث لأقول إن البشير بن سلامة وزير الثقافة في عهد محمد مزالي أواخر عهد بورقيبة واستفحال خرفه وأمراضه النفسية حينما كان الوزير مؤسس بيت الحكمة (المجمع العربي للعلم والحضارة العربية الإسلامية) والمؤسس لمشروع صندوق التنمية الثقافية والمؤسس للميثاق الثقافي والمؤسس لأكبر برنامج حكومي ومدني للنهوض بالكِتَاب (بكسر الكاف) والكُتَّاب (برفعها) هو الوزير الوحيد الذي قنن الحياة الثقافية بالقوانين لحماية أهلها ومبدعيها من الفقر والتهميش وهو أيضا الذي دشن أبواب التعاون الثقافي المغاربي والعربي والعالمي من سنة 1981 إلى 1986. هذا الرجل الوفي الذي يسكن بيتا متواضعا سدد ثمنه على أقساط في حي (اليوفي 4) المتكون من شقق بسيطة ذات ثلاث غرف ومجلس وهو وزير لم تخدعه المناصب، هذا الرجل الذي اشتهر بنوع من الاستحياء يخاله الجاهل تكبرا وهو تعفف المثقف الخالص الذي يزدري النفاق والتفسخ ويعمل في صمت المرابطين وثقة المجاهدين وهو الذي حين قام بن علي بالتغيير على رأس السلطة بدأ مسلسل الانتقام الرخيص يطاله هو وأهله كما طالنا قبله، فضربنا في أرض الله وظل هو في أرض وطنه فعلقوا به قضايا كيدية نالتنا نحن جميعا ونجا منها بعد سنوات من العذاب والإقامة الجبرية والملاحقات بمعجزة إلهية غلبت كيد البشر. وكم أنا سعيد برؤية الحق يدمغ الباطل والخير يبز الشر والعلم ينتصر على الجهل، فها هو سي البشير ينعم برضا الله وبراحة الضمير وبتقدير المثقفين الحقيقيين، بينما يرزح كل من ظلموه وظلموا بلادهم تحت عذاب المنافي المشروعة، لأنهم نفونا، والسجون المستحقة لأنهم سجنونا والهوان المخزي لأنهم أهانونا، بل ها هو البشير بن سلامة يتكلم بعد صمت مفروض ليرسم للأجيال الجديدة مسيرة حياة نذرها للثقافة الأصيلة ولإثراء عبقرية تونس.
عنوان كتاب المذكرات الصادر حديثا للبشير هو (عابرة هي الأيام) بدأ فيه سرد سيرته الذاتية منذ صباه ولو كنت شخصيا ميالا إلى التغاضي عن التفاصيل في رواية الماضي ومفضلا استجلاء الحكمة والاعتبار بالعبرة من الأحداث، إلا أنني أجد المعاذير لصديقي، لأنه هو الذي عاشها في حرارتها، فجاء الكتاب ضخما تصعب عمليا مطالعته لثقل وزنه رغم خفة روح صاحبه. فالتفاصيل في متابعة أخبار المؤامرات التي أدت إلى سقوط محمد مزالي هي من الصنف المفيد تاريخيا، حيث شرح الكاتب كيف كانت أيادي الهادي البكوش ذات بصمات لا تمحى في توجيه أحداث سنة 1986 إلى الكارثة حينما تلاعب بالجنرال بن علي، لا خدمة لبن علي ولا لتونس، بل خدمة لذات نفسه، كما أكد لي الرجل الذي خبره أحمد بن صالح. فالبكوش ظاهرة غريبة في الفضاء السياسي التونسي، لكنه حين أراد الانقضاض على بن علي بدهاء بادره الجنرال الأدهى منه بالعزل ووضعه تحت المجهر من تاريخ طرده من الوزارة الأولى إلى يوم 14 يناير 2011 وقال لي شخصيا بن علي نفسه يوم 9 فبراير 2000 حين استقبلني في قصر قرطاج بحضور عبدالعزيز بن ضياء، إن الهادي البكوش كان يخطط وحده لإقصاء كل الناس من حولي (فهو الذي حكم علينا نحن المنفيين في أوروبا بالتأبيد في ندوته الصحفية بالدار المغربية يوم 13 نوفمبر 1987 بعد أسبوع من الانقلاب على بورقيبة) وللعلم فإن بن علي نطق من منفاه منذ شهر، مكذبا وزيره الأول الأسبق الذي انبرى يصرح من جديد ببطولات لم يعترف له بها رئيسه. وجاء حديث البشير عن البكوش حديثا متعمقا بمعرفة هذه الشخصية الاستثنائية ذات الطموح اللامحدود منذ أن انقلب على محمد الصياح ثم على أحمد بن صالح، ثم على الهادي نويرة ثم على محمد مزالي وأعد العدة للانقلاب على زين العابدين (من خلال تصريحات لمجلة جون أفريك تقدم فيها البكوش للرأي العام العالمي في لباس مهندس 7 نوفمبر ومن خلال مناورات سرية أخرى لا يجيدها سواه) فكان أن تغدى به زين العابدين قبل أن يتعشى به البكوش! كل هذه المغامرات قصها علينا البشير بن سلامة في لغة راقية تجمع بين الجد والهزل والشعر والنثر، أي لغة الأدب الخالص، مشحونة بمرارة المثقف الذي اصطدم بالشر والرداءة كأغلب من عملوا حول مشروع مزالي الحضاري وهو المشروع الذي كان سيدشن عهد التعددية والتأصيل في زمن انهيار الدولة، مع شيخوخة الزعيم بورقيبة وأمراضه المستعصية.
ولم يكن مزالي حسب شهادة البشير مهيأ لقيادة تلك المرحلة، نظرا لشخصية الرجل وأخطائه التقديرية رغم صفاء نواياه ونظافة يديه وصدق وطنيته وقد رافقته أنا نفسي ثلث قرن مثل النخبة المخضرمة وفي مقدمتها البشير بن سلامة، حيث كنا أصحاب رسالة لا أصحاب سفالة ومن أهل الأدب لا أهل قلة الأدب، كما كان يقول لنا أحمد بن صالح زمن منفانا المشترك بحضور الشيخين الغنوشي وصالح كركر.
إن الكتاب الذي أدى به البشير بن سلامة شهادته يلقي الأضواء على مرحلة مفصلية من تاريخ تونس الحديث وينير دروب الحاضر والمستقبل بتسليط الأضواء على معابر وكهوف السياسة في بلادنا.
قطر.. قيادة حكيمة ووحدة وطنية تصنع قوة الصمود
في لحظات الأزمات الكبرى تُختبر قدرة الدول على إدارة التحديات، ويُقاس تماسك المجتمعات بمدى قدرتها على تحويل الخطر... اقرأ المزيد
75
| 11 مارس 2026
في أوقات التوتر والأحداث الإقليمية، قد تتسلل مشاعر الخوف والقلق إلى نفوس الأطفال، خصوصًا عند سماع أصوات اعتراض... اقرأ المزيد
111
| 11 مارس 2026
ما الذي يحدث في الخليج؟ منذ متى أصبحت صافرات الإنذار تدوي في بعض مدنه أكثر مما يُسمع صوت... اقرأ المزيد
135
| 11 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما أضيف إلى "مان" من أفلام الخيال العلمي التي أنتجتها هوليود، كلها من مخرجات الحداثة، التي تغالي في قيمة الفرد، وتسرّب إلى الجماهير مفهوم الفرد المخلّص الذي ينقذ المجموع بعيدا عن الحل الجماعي. الركون إلى فكرة انتظار الفرد المخلص وأن شخصًا ما أو عدة أشخاص بيدهم الحل لكل أزماتهم ومشكلاتهم، هي آفة يكاد لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، وكلما تفاقمت أزمات مجتمع منها كلما ازداد تعلقا بفكرة الفرد المخلص، سواء كان هذا الانتظار والترقب ناتجا عن انتظار تقلبات المناخ السياسي التي يمكن أن تسفر عن ظهور شخصية تقود المجتمع إلى بر الأمان، أو كان هذا الانتظار والترقب متعلقًا بالنبوءات الدينية. لكن أين عمل المجموع؟ أين الحلول الجماعية؟ هنا يكون الخرق والتصدع الفكري. نعم لا نستطيع أن ننكر المسؤولية الفردية، ولا قيمة الجهد الفردي، فرب فكرة فردية عاشت الأمم والبشرية في ظل ثمارها، والمخترعات والاكتشافات تمت معظمها عن طريق أفراد، لكن هذه الجهود الفردية لم تكن لتؤتي ثمارها لو لم تجد حاضنة اجتماعية أو علميةوجهودا جماعية تقوم بها وتعمل عليها. حتى أنبياء الله ورسله، لم يأت أحدهم ليمسح على رؤوس الناس فيتغير وجه الحياة، بل بذلوا جهودهم من أجل إيجاد الثلة المؤمنة التي تقوم بأعباء تبليغ الرسالة بعمل جماعي يرتكز على منهج رصين. وفي سورة الكهف، نقرأ في خواتيمها قصة ذي القرنين، ذلك الملك الصالح الذي جاب مشارق الأرض ومغاربها، هذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تحمل توجيهات إدارية قوية في معالجة الأزمات، أبرزها التوازن بين الحل الفردي والحل الجماعي، وعدم الركون إلى فكرة الشخص المخلص. يأتي ذو القرنين قومًا تمثلت أزمتهم في الهجمات والغارات الهمجية لقوم يأجوج ومأجوج، الذين يتدفقون من بين الجبلين فيعيثون في الأرض فسادًا. عندما عاينوا قوة وبأس ذلك الملك رأوا فيه الشخص المخلّص الذي يمكن أن يرفع عنهم ما هم فيه من معاناة، ومن أجل ذلك طلبوا منه حمايتهم على أن يجعلوا له جُعلًا من المال. الشاهد من القصة، أن ذا القرنين ترفّع عن أخذ المقابل، لكنه أشركهم معه في العمل، وجعلهم جزءًا من الحل لا الاكتفاء بوضعية المتفرج، فحدّد لهم خطة عملية يعملون عليها بأيديهم تحت مراقبته وإدارته ورعايته. أمرهم بجمع قطع الحديد ووضعها بعضها فوق بعض بين السدين، إلى أن يحاذي الحديد رؤوس الجبلين طولا وعرضا، ثم أمرهم بأن يضرموا فيه النار، حتى إذا اشتعل كله أمرهم بصب النحاس المذاب عليه حتى يزداد صلابة، فلا يستطيع المعتدون المرور من بين السدين أو تسلق هذا المرتفع الشاهق. كانت الفكرة فردية من قِبل ذي القرنين، لكن التنفيذ كان بأيديهم، ليخرج العمل في النهاية جماعيًا بامتياز، لا يقوم به فرد وحده مهما بلغت قوته، وتلك هي كلمة السر في عمليات النهوض أو مواجهة الأزمات. لقد استوقفنتني حكاية جاءت بها كتب الطبقات والتراجم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال لأصحابه يومًا: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- فقال: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- وأتصدق به، ثم قال: تمنوا، قالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: لكني أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح. لقد أدرك عمر قيمة الرجال والعمل الجماعي، فلم يتمن شخصًا مثل أبي عبيدة، ولكنه تمنى أشخاصًا وجمعًا مثل أبي عبيدة، فهكذا الأوطان تنبى بجهود جماعية، حتى وإن قادها الفرد وأرشدها وأنار لها الطريق. ومع كل حدث ساخن في المنطقة يعمد فئام من أمتنا إلى إسقاط نبوءات الساعة الواردة في النصوص النبوية وتنزيلها على الواقع بلا روية، وخاصة المتعلقة بظهور المهدي المنتظر، يستبشرون وهم قعود لا يبذلون ولا يعملون، كل بضاعتهم انتظار المخلص، لكنهم لا يعلمون أن المهدي لن يقود أمة من الكسالى الضائعين، بل يأتي ليحكم أمة عرفت الطريق، تحتاج فقط إلى من يكون رأسًا فيها.
5313
| 08 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. [email protected]
3756
| 09 مارس 2026
في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار خط الدفاع الأول للاستقرار، فجوهر هذا المبدأ واضح ومباشر، الخلاف السياسي لا يبرر تهديد أمن الدولة المجاورة، ولا تحويل التوترات إلى مواجهات عسكرية، وعندما تُستبدل لغة الحوار بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فإن المشهد يتغير من خلاف دبلوماسي إلى خطر إقليمي مفتوح. حسن الجوار ليس بالضرورة التطابق في المواقف، بل يعني احترام الحدود والسيادة والامتناع عن أي تصرف يعرّض المدن أو المنشآت الحيوية للخطر. فلكل دولة الحق في أن تشعر بالأمان داخل أراضيها، وأن تحمي بنيتها التحتية وسكانها من أي استهداف مباشر أو غير مباشر. هذه قاعدة بديهية في العلاقات الدولية، لأنها تمس حياة المدنيين قبل أن تمس الحسابات السياسية. ما فعلته إيران من قصف منشآت داخل قطر، واستخدام صواريخ وطائرات، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد رسالة سياسية. استهداف البنية التحتية أو المرافق الحيوية يمثل تصعيدًا عسكريًا يضع المنطقة أمام احتمالات حرب خطيرة، فحين تُطلق الصواريخ وتنطلق الطائرات، لا تُصيب هدفًا ماديًا فحسب، بل تُصيب معها الثقة والاستقرار والأمن الإقليمي. الأخطر من ذلك أن مثل هذه الانتهاكات تجر دول الجوار إلى دائرة حرب المواجهة المباشرة وقد تتوسع سريعًا لنطاقات لا حد لها. فالهجمات بالصواريخ أو الطائرات لا تبقى ضمن إطار ثنائي، بل تفرض على الدول المجاورة اتخاذ إجراءات مقابلة، وهكذا تتحول حادثة واحدة إلى سلسلة ردود أفعال متلاحقة، قد تدفع المنطقة بأسرها إلى حافة مواجهة دامية. المنطقة الخليجية شديدة الترابط سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، أي تصعيد عسكري فيها يكون شرارة تحرق الأخضر واليابس. المنشآت المستهدفة ليست مجرد مبانٍ، بل مراكز طاقة واتصالات ومطارات وخدمات تمس حياة الملايين. وعندما تُستهدف، تتأثر سلاسل الإمداد، وتضطرب الأسواق، وتتراجع الثقة في استقرار الإقليم. وهذا ما يجعل أي عمل عسكري يتجاوز الخلاف السياسي ليصبح تهديدًا عالمياً مباشراً. من حق أي دولة أن تختلف مع جارتها في الرؤية أو التحالفات أو المواقف الإقليمية، لكن ليس من حقها البتة أن تنقل هذا الخلاف إلى مستوى استخدام القوة وحرب مفتوحة. فالصواريخ لا تحل النزاعات، والطائرات لا تبني جسور تفاهم. بل على العكس، هي أدوات ترفع منسوب القلق، وتزيد احتمالات سوء التقدير، وتفتح الباب أمام سيناريوهات يصعب احتواؤها. إن استمرار مثل هذه التصرفات يضع قطر ودول الجوار أمام معادلة صعبة إما القبول بواقع أمني مضطرب، أو الدخول في سباق تصعيد لا يخدم استقرار المنطقة. وفي الحالتين يكون الثمن باهظًا على الجميع. لذلك فإن التمسك بمبدأ حسن الجوار لم يعد خيارًا أخلاقيًا، بل ضرورة إستراتيجية لتجنب الانزلاق إلى حرب لا يريدها أحد. وختامًا استهداف المدن والمنشآت بالصواريخ والطائرات لا يمكن تبريره تحت أي خلاف سياسي وتحت أي ذريعة مهما كانت. بل إنه يمثل خطوة تدفع المنطقة نحو حافة مواجهة أوسع. الحفاظ على الأمن الإقليمي يبدأ باحترام سيادة الدول وحدودها، وبتغليب لغة التهدئة على منطق القوة. دون ذلك، يصبح الجوار ساحة صراع بدل أن يكون إطارًا للتعايش والاستقرار.
2511
| 04 مارس 2026