رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
دفع الشعب التونسي ثمن الحرية واستقلال بلاده غاليا وقدم للوطن شهداء لم يعد الناس يذكرونهم لأن التاريخ حكم ألا يسجل في الذاكرة الجمعية سوى أسماء مشاهير الشهداء أي أولئك الذين كانوا زعماء في حياتهم واختارهم الله سبحانه للشهادة وهم أحياء عند ربهم يرزقون أمثال فرحات حشاد والهادي شاكر وصالح بن يوسف رحمة الله عليهم أما بسطاء المواطنين الذين جندلهم رصاص الاستعمار الصليبي التخريبي في لحظات الثورات المتعاقبة أو توفاهم الله على أيدي زبانية الأنظمة الفاسدة فإنهم مع مرور الزمن تمحى أسماؤهم من ذاكرة الأجيال ولا يبقى لبعضهم سوى نهج صغير أو زقاق ضيق في الحي الذي ولدوا فيه في مدينتهم أو قريتهم تحمل أسماؤهم بلا إشارة للسبب الذي من أجله أعطيت تلك الأسماء. وأذكر اليوم أحداث ثورة (يناير) 1952 في مدينتي القيروان وكنت طفلا صغيرا في الخامسة من عمري في أول سنة دراسية لي في مدرسة الفتح القرآنية التي يدرسنا فيها مناضلون وطنيون تعرفهم السجون كما تعرفهم فصول المدرسة أمثال محمد بودخان والطاهر عطاء الله وفي يوم 20 يناير انطلقت أول مظاهرة شعبية ضد الاستعمار وخرج الجيش الفرنسي من ثكنة القيروان للتصدي لها وإخماد جذوة التمرد العارم وأخرجنا مدرسونا من المدرسة صفوفا نلوذ بأسوار المدينة لنعود إلى ديارنا خوفا علينا وسقط أول شهداء القيروان وهو طالب من طلاب الزيتونة اسمه عمار القحطار كان يقود الشباب ويتقدم الصفوف ويعطي المثل حين جندله رشاش غادر فسقط الطالب الشاب على أرض عقبة بن نافع وطارق بن زياد والإمام سحنون والإمام السيوري وعبدالله بن أبي زيد وحين استقلت تونس وضعت البلدية اسمه على نهج صغير فيه دار الشهيد في حينا المتواضع (نهج عمار القحطار) رحمك الله يا عمار ولن ننساك أبدا في زحمة سوق التهريج السياسي الذي انتصب قبل وبعد 14 (يناير) في بلادنا. أما الشهيد الآخر الذي لا يعرفه أحد فهو الرجل الذي قاوم الاستعمار بالسلاح وعرفته الجبال أثناء معركة التحرير وهو المناضل أبوبكر العمامي الذي اشتغل منذ الخمسينيات في جريدة (العمل) التونسية لسان الحزب الدستوري والتي أسسها الزعيم بورقيبة سنة 1934 وكان عم بوبكر العمامي موظفا قائما على جمع ديون الجريدة من المؤسسات والشركات ويتقاضى عن عمله وجهده نسبة مئوية يخولها القانون لأنه يجري وراء مستحقات الجريدة بسيارته الشخصية ووقوده الخاص. وحين عينت في الجريدة من قبل بورقيبة رئيس تحريرها ومدير إدارتها سنة 1981 وجدت عم بوبكر على رأس عمله ولكن الذي وقع هو انقلاب 7 نوفمبر 1987 وبداية مسلسل الانتقام الرخيص من رئيس الحكومة الأستاذ محمد مزالي ورفاقه المقربين بعد أن خرجت أنا مع محمد مزالي إلى منفانا الفرنسي وشرعنا نقاوم الطاغوت منذ انتصابه ولم يكن معنا سوى دستوريين أمثال أحمد بنور وزير الدفاع ثم الأمن والطاهر بلخوجة وزير الداخلية وأحمد بن صالح وزير الاقتصاد وجميعنا طالتنا آلة القمع إلى جانب مجموعة من الإسلاميين أولهم الشيخ صالح كركر ورفاقه من شباب الصحوة وحين استولى على السلطة الجنرال ابن علي سلط علينا وزيره الأول الهادي البكوش فدشن عهدا غريبا من التهم الكيدية الملفقة ووظف حسن بن فلاح (عميد قضاة التحقيق) فكانت الملفات جاهزة والأحكام مملاة والضحايا يدخلون السجون لمجرد كونهم حطبا لإرضاء شهوات وأمراض سعيدة ساسي وخالها بورقيبة لأن زين العابدين حين تمكن من رئاسة الحكومة انساق وراء "رهاب" الزعيم الخرف الذي كان يرفع شعارا أجوف هو مقاومة الفساد. فانتقمت سعيدة من عدوتها اللدودة وسيلة بن عمار زوجة بورقيبة بتلفيق تهم ضد زوج ابنتها توفيق الترجمان وأحد المحسوبين عليها رئيس شركة تونس الجوية محمد بلحاج وعينت صديقها حمادي السخيري محافظا للبنك المركزي. لكن الهادي البكوش ألصق بي وبغيري تهما تتعلق بسرقة المال العام وكان أول من ألبس القضايا السياسية لباس الحق العام ولتمرير الكذبة حشر معي في نفس القضية أبوبكر العمامي ومن حسن حظي فررت بجلدي إلى باريس حيث منحتني الحكومة الفرنسية اللجوء السياسي بسرعة لكن المناضل بوبكر بقي في تونس وتحمل مأساة الوقوف عدة مرات أمام عميد قضاة التحقيق وهو مهدد بالسجن وكانت الصدمة قاصمة لظهره وهو المقاوم بالسلاح للمستعمر من أجل استقلال تونس.. هذه تونس التي عاش حتى شاهدها تتحول إلى سجن كبير ثم أوقفوه أمام رئيس المحكمة (الطيب بن عبيد) ولم يقدر على الوقوف فأمر له بن عبيد بكرسي ورفض بوبكر أن يجلس فهو ابن الجبال والسباسب التي عاش فيها سنوات الكفاح بطلا من أبطال الوطن. وبحكم معرفتي بالرجل أدركت أنه من شدة الصدمة بما آلت إليه أمور الوطن من الدرك الأسفل عاد إلى بيته المتواضع وقلبه الكبير لم يعد يتحمل تلك المظالم فانهار بجلطة في القلب رحمك الله يا صديقي ويا من ظلموك فقتلوك والأغرب في قصة الملفات الكيدية أن البكوش مدير الحزب آنذاك هو الذي بدأ يشن على كل رفاق مزالي حربا جائرة تمهيدا لتتويج ابن علي فأذن لمدير جريدة العمل الذي هو أنا بأن يدفع من ميزانية الجريدة عشرين ألف دينار للمحاسب منجي العتيري وهو من مقربيه ومن مواليد حمام سوسة أجرة مكتب محاسبته على ما سماه البكوش (سوء التصرف والاختلاس..!) فالجريدة تدفع للمحاسب المحسوب عليهم مبلغا هاما جدا في ذلك التاريخ (1986) ليعد ملفا ضدي وضد بوبكر العمامي! كل هذا كان يهون وتطوى صفحاته السوداء لولا أن رجلا مناضلا شهما اسمه أبوبكر العمامي توفي متأثرا بالإهانات والمرمطة والمظالم. وحين كنت في منفاي وسمعت خبر استشهاده أقسمت أن يأتي يوم أنعيه وأرثيه وأحيي أسرته التي تحملت الأذى بعد وفاته وأكشف للرأي العام جزءا بسيطا من عار الصراع على السلطة وضحاياها في الهزيع الأخير من خرف بورقيبة.
الشهيد الثالث هو المرحوم علي السعيدي الذي استقال من منصبه كموظف بوزارة الخارجية وانشق مثلنا عن مهازل أواخر عمر الزعيم وأصبح معنا في المنفى الفرنسي يدير شبكة من العلاقات المفيدة بشخصيات بارزة من أوروبا واستقر في مدينة (إيفرو) وكان يلازمنا ويسهل لقاءاتنا إلى أن أغراه نظام ابن علي بالعودة واعدا إياه بإصلاحات سياسية وسن العفو التشريعي فعاد إلى أرض الوطن وباشر وظيفته بوزارة الخارجية ثم اكتشف الخدعة سريعا وعاد للاتصال بنا في المعارضة المنفية حين التحق بنا محمد المنصف المرزوقي هو الآخر يائسا من وعود ابن علي وفي الأثناء رجعت أنا إلى أرض الوطن سنة 2000 واستقبلني ابن علي في قصر قرطاج وبدأ نوع من الانفراج لكن علي السعيدي تم اغتياله في ظروف غامضة وتواصل النفاق واستمر القمع وعاد النظام لاضطهادي سنة 2006 حين أصدرت كتابي (ذكريات من السلطة إلى المنفى) وشاركت في برنامج للجزيرة حول الفساد والقمع في تونس. رحم الله الشهيد علي السعيدي وأبقى ذكره حيا في وجدان الأجيال.
أوسمة تيك أوي
من الظواهر اللافتة للنظر التي نراها وهي ليست مخصوصة بأحد بعينه وإنما نتكلم في العموم في دول العالم... اقرأ المزيد
156
| 04 مايو 2026
منصة التخرج.. بوابة قطر إلى الاقتصاد المعرفي
في كل عام، ومع تزامن حفلات التخرّج من جامعة قطر إلى فروع الجامعات العالمية في مؤسسة قطر يتكرّر... اقرأ المزيد
183
| 04 مايو 2026
التماس إعادة النظر في الأحكام الجنائية والمدنية
من المعلوم أنه يحق لكل طرف صدر ضده حكم لم يلق قبولاً لديه أن يطعن فيه وفقاً للطرق... اقرأ المزيد
129
| 04 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3828
| 29 أبريل 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1368
| 30 أبريل 2026
في بيئات العمل، لا تبدأ الإشكالات الكبيرة بقرارات معلنة، بل بتفاصيل صغيرة تتكرر حتى تتحول إلى واقع، مواقف تمر في ظاهرها عادية، لكنها تترك أثرًا غير عادي: انسحاب مفاجئ، قرار بلا توضيح، أو تصرف يُدار بصمت وكأنه لا يستحق التفسير، وهنا نقف في تلك المساحة الدقيقة: هل نبتسم ونتجاوز؟ أم نتوقف ونقرأ ما يحدث كما هو؟ أولًا: حين تختصر الإدارة في (ردة فعل) الإدارة ليست قرارًا سريعًا، ولا موقفًا لحظيًا يُتخذ تحت تأثير الانفعال، حين تتحول أدوات التواصل المهنية إلى حظر أو انسحاب مفاجئ من مساحات العمل، فإننا لا نتحدث عن إدارة موقف، بل عن ردة فعل شخصية تم تغليفها بشكل مهني، وهنا تبدأ المشكلة، عندما تُدار المؤسسات بذهنية الأفراد لا بأنظمة العمل. ثانيًا: السلطة بين التنظيم والاستحواذ السلطة في جوهرها أداة تنظيم، لكنها قد تنزلق بهدوء إلى مساحة أخرى: الاستحواذ، إزالة لوحة، تغيير محتوى، طلب تغييب اسم أو هوية، أو إعادة تقديم عمل بوجه مختلف، كلها ممارسات لا تكشف فقط عن قرار، بل عن تصور داخلي بأن الصلاحية تعني القدرة على إعادة تشكيل كل شيء، وهنا لا تكون المشكلة في الفعل، بل في توسع مفهوم السلطة خارج حدوده. ثالثًا: نقل الأفكار حين يصبح (الإلهام) انتقائيًا في بيئات العمل الناضجة، تُبنى الأفكار وتُوثق، ويُشار إلى مصادرها بوضوح، لكن في بيئات أخرى، تتحول الأفكار إلى مواد قابلة لإعادة التقديم: برنامج يُتابع، مشروع يُلاحظ، ثم يظهر لاحقًا بصيغة مختلفة وفي سياق آخر دون تاريخ أو مرجعية، هذه ليست عملية تطوير، بل إعادة إنتاج بلا اعتراف. رابعًا: التفاصيل التي تكشف مستوى الوعي لا تحتاج بيئة العمل إلى اختبارات معقدة لتُقاس، يكفي أن ننظر إلى التفاصيل: إعلان يفتقر للدقة، صياغة ضعيفة، أخطاء لغوية واضحة، وهوية غير متماسكة، هذه ليست هفوات، بل مؤشرات على مستوى التعامل مع العمل نفسه، فمن لا يُحسن التفاصيل لن يُحسن الصورة الكبرى. خامسًا: فوضى الاستعراض حين يطغى الشكل على الجوهر في بعض البيئات، يتحول العمل من بناء حقيقي إلى فوضى استعراض: كثرة إعلان، قلة إتقان، حضور شكلي، وغياب للعمق، وهنا لا يُقاس النجاح بما يُنجز، بل بما يُعرض. وهذا أخطر التحولات حين يصبح الظهور أهم من القيمة. سادسًا: التجاهل بين الذكاء والخسارة ليس كل موقف يستحق الوقوف عنده، لكن ليس كل موقف يُسمح بتجاوزه، التجاهل يكون ذكاءً حين لا يترك أثرًا، لكنه يصبح خسارة حين يُفسر على أنه قبول أو يُستخدم كمساحة لتكرار نفس السلوك، وهنا يتحول السكوت من قرار إلى سماح غير معلن. سابعًا: التقييم.. حين يفقد حياده! ومن أكثر الممارسات إرباكًا، حين يُستخدم (التقييم الدوري) كمدخل مفتوح لكل تفاصيل العمل، يُطلب الاطلاع الكامل، وتُفحص المستندات، وتُراجع الآليات بدقة، تحت عنوان مهني منضبط، لكن الإشكال لا يبدأ هنا، بل فيما بعده، حين يظهر ما كُشف عنه بحسن نية، في سياقات أخرى، ولدى جهات كنت تعمل معها أصلًا، بصياغة مختلفة، وغياب واضح للمصدر، هنا، يفقد التقييم حياده، ويتحول من أداة ضبط إلى أداة عبور، تتجاوز حدودها المهنية، وتطرح سؤالًا مشروعًا: هل نحن أمام تقييم فعلي أم إعادة تموضع على حساب الآخرين؟ ثامنًا: إدارة الموقف لا التفاعل معه القوة المهنية لا تُقاس بحدة الرد، بل بقدرة الشخص على إدارة المشهد كاملًا، أن تعرف متى توثق، متى تتحدث، متى تتجاوز، ومتى تضع حدًا، هذا هو الفرق بين حضور عابر وحضور يُفرض احترامه. في العمل، ليست كل ضحكة تعني الرضا، ولا كل سكوت يعني الحكمة، بعض المواقف إن تجاوزتها تتكرر وكأنها حق مكتسب، وبعض التصرفات إن لم تُقرأ كما هي تُعاد بصيغة أقوى، لذلك، السؤال لم يعد هل أضحك أم أسكت، بل: هل أُدير الموقف أم أتركه يُدار ضدي؟
1008
| 29 أبريل 2026