رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قال الله تعالى في كتابه المجيد وفي سورة العنكبوت الأية 41:
مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. صدق الله العظيم
يتذكر قرائي الكرام الجزء الأول من مقالي هذا وعنوانه الذي يعبر عن أمنيتي وأمانيكم ألا تتحول الأسرة التونسية إلى ما يشبه بيت العنكبوت وأنا مدين لأحد خطباء مساجدنا التونسية في يوم جمعة من الأسابيع الماضية حين اجتهد وفسر للمصلين معاني سورة العنكبوت وشرح للناس لماذا قال الله جل وعلا بأن أوهن البيوت لبيت العنكبوت ولماذا شبه الكتاب المجيد بيوت الذين اتخذوا من دون الله أولياء ببيت العنكبوت. قال الخطيب بأن القرآن فيه سور سماها الله باسم بعض الحشرات مثل سورة النحل وسورة النمل وسورة العنكبوت فاستعمل كتاب الله صيغة الجمع في سورتي النحل والنمل (ومفردها نحلة ونملة) لكنه استعمل صيغة المفرد في سورة العنكبوت (لأن جمعها عناكب) فقال الخطيب حفظه الله بأن في الأمر حكمة لأن النحل والنمل مخلوقات تعيش في مجتمعات مدنية متحضرة منظمة تنظيما أفضل بكثير من مدن الإنسان بل هي أرقى من مدن الإنسان وأكثر منها حماية للبيئة وليس فيها جريمة وأوفر منها عدالة اجتماعية وأمنا بلا عنف أو إرهاب أو ظلم بل وأحسن تخطيطا واحتياطا للمستقبل وتقاسما للعمل وتقديرا للجهد من مدن الناس (و ذلك حلله علميا أحد علماء البيولوجيا الحيوانية الأستاذ فيبير WEBER في كتاب عجيب عنوانه (مدينة النمل) وكذلك النحل فهو يتعايش في سلام وينتج العسل ويتناسل في نظام تلقائي عجيب يفوق كل عبقرية البشر ولديه ملكة تسهر على التسيير المحكم لمملكة النحل وهي منتخبة يمكن عزلها لو اتفق النحل على عزلها وهنا قمة الديمقراطية والفصل بين السلطات! أما في سورة العنكبوت فاستعمل القرآن صيغة المفرد لأن هذه الحشرة لا تعيش إلا وحدها منعزلة لا علاقة لها مع العناكب وهي تبني بيتا لوحدها والبيت لديها عبارة عن نسيج من خيوط العنكبوت يقوم مقام الفخ لتقع فيه الحشرات فريسة للعنكبوت وأغلب الناس يعرفون أو هم درسوا في المدارس الابتدائية طريقة حياة العنكبوت منذ أن تنصب فخها بخيوط تصنعها من لعابها هو بيتها وكيف تلتهم الحشرات المغرورة الواقعة في شباك الفخ حيث تتخبط الضحايا طالبة الخلاص ولا خلاص ثم لا تقوى على الحركة فتستسلم لموت بطيء وتظل عالقة في الفخ جثة هامدة لتكون طعاما للعنكبوت على مدى أشهر. أما سلوك العنكبوت مع بيضها وعيالها (إذا صح هذا التعبير البشري!) فهو سلوك مناقض للفطرة التي فطر الله عليها المخلوقات من إنسان وحيوان وحتى النبات أي أن كل مخلوقات الله ترعى أولادها وتدافع عنهم وتحتضنهم حتى يشبوا على الطوق بل تفدي الأمهات صغارهن بحياتهن إلى أن يحين الموعد الذي يستقلون فيه ويغادرون إلى حياتهم الخاصة بهم. أما العنكبوت فهو الحشرة الوحيدة التي لا علاقة غريزية أو عاطفية لها بعيالها فتسرح بيضها وما فقص منه ليموت من يموت ويعيش من يعيش بمعجزة من رب العالمين من يكتب له البقاء..أما درة الدرر في سلوك العنكبوت والسر الذي كان وراء نعت الله لبيتها بأنه أوهن البيوت فهو أن العنكبوت الأنثى هي التي تغرر بالعنكبوت الذكر وتستدرجه لشبكتها ليعاشرها ويخصبها حتى تقضي منه وترا فتكون المفاجأة الرهيبة للذكر المسكين بعد الجماع مباشرة وهي أن تلتف الأنثى حوله وتورطه في خيوطها ثم تفترسه من دون رحمة وهو يستغيث ولا مغيث إلى أن تلتهمه التهاما كاملا وهكذا دواليك لتجري حياة العنكبوت على هذا الشكل الغريب الذي أعتقد بأن الله سبحانه خلقه ليضرب لنا نحن البشر مثلا ساطعا على تخريب الناس لبيوتهم بأيديهم!
حين قال الله تعالى " مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. صدق الله العظيم" فالقرآن يدلنا على حقيقة ربانية خالدة وهي أن الذين اتخذوا من دون الله أولياء أي الذين يتخذون البشر والطواغيت والأنماط الدخيلة من القوانين ونماذج الحضارات الغريبة عن الإسلام أولياء من دون الله مثلهم كمثل العنكبوت اتخذت بيتا أي أسست أسرة ولكنها أسرة هشة منهارة لأنها بنيت على غش وخديعة أساسها ليس المودة والرحمة اللتين أوصى بهما الله تعالى ولكن أساسها الفخ المنصوب للخديعة والغدر وتستنجد المرأة بالمحامي والمحكمة وفصول القوانين لتحل محل المودة والرحمة وهذه البدائل هي التي تغرر بالمرأة عادة وتفتح في وجهها باب البغي وباب الظلم لبعلها فتطالبه بما لا يقدر عليه وتريد تجريده من فلذات أكباده ومن رزقه الحلال وتبعده عن أمه وأبيه ويا ويله لو كان متزوجا قبلها ولديه أولاد من زوجته الأولى فعيشته تصبح ضنكا حين تقطعه عن أهله وتنفرد به كما تنفرد العنكبوت بالذكر بعد حياة مشتركة لأن بعض النساء وهن قلة اتخذن من دون الله أولياء.
أنا لا أريد أن تتحول بعض العائلات التونسية إلى شبكات عنكبوت لا قدر الله لأني على ثقة من أن الأغلبية من نسائنا التونسيات الحرائر تربين على الفضيلة وتعلمن احترام الزوج وعشن في كنف القيم الإسلامية السمحاء ولكن تلك القلة من النساء اللواتي نجدهن اليوم متأبطات ملفات سميكة ويسرن وراء محام أو موظف محكمة أو نجدهن في أروقة بعض البرامج التلفزيونية يتخذنها أخر ملجأ لهن لإشهار معضلة عائلية أو التشهير بزوج أو لتبرير انحراف وقد رأينا في هذه البرامج (التولك شو) ما يندى له جبين كل تونسي مسلم. ولا تحسبن يا قارئي الكريم أن لي عداء مع المرأة أو مع قوانين الأحوال الشخصية فأنا بالعكس أعتبر حماية المرأة مكسبا وأكبر منه حماية الأسرة لأنها الخلية الأساسية للمجتمع ولكن لكل قانون (كما لكل دواء) أعراض جانبية سلبية وجبت معالجتها بالحكمة وبعيدا عن الأيديولوجيات التغريبية من أي تيار سياسي أو حضاري كان. فالمرأة هي نصف المجتمع ولا أحد يرضى أن يصبح مجتمعنا أنثويا صرفا بإرادة القانون بعد أن كان متوازنا على مدى قرون كما لا نرضى أن يتحول مجتمعنا ذكوريا محضا يزهو فيه سي السيد بعصاه ويستبد بزوجته وابنته وأخته. معاذ الله إنما الطريق المستقيم في إدارة مجتمعنا وهندسة مستقبلنا هو أن نعيد العلاقة بين الرجل والمرأة إلى خالص صفائها وذلك بإعادة الاعتبار لرب الأسرة وحاميها وبإعادة الروح للقيم والفضائل والمودة والرحمة والتكافل والسكينة فالسكينة هي التي قصدها الله سبحانه حين قال جل من قائل:
وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الروم: 21].
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما زالت تتساقط في فضاء واقع ما زالت فيه ترسبات أحداث الإبادة في غزة حاضرة في الذهنية الإنسانية وجاءت إفصاحات ابستين لتتعالق معها وتخلق علاقات كانت خافية على المراقبين ومغلفة في عالم المصالح والمنافع، هذا التهاوي وترسباته يعطي دلالات على عالم يباد وعالم ينشأ من خلال الأحداث وتداعياتها ليتكوّن على ارض واقع جديد، فما حدث لأطفال أمريكا لا يختلف عما حدث لأطفال غزة تشويها وقتلا من قبل عقلية ترى انهم غير بشر وسترى البشرية أن عقلية وذهنية ما قام به ابستين وشركاؤه مماثل لما يحدث في فلسطين وأطفال ونساء غزة من إجرام وقتل وإبادة وفي الكثير من الأحيان في احتفالات تبرز نفسيات عدمت الإنسانية. تساقط فتات الإفصاحات والفيديوهات كما يتساقط فتات الأحياء المائية في وسط المياه ليتراكم ويخلق شعابا في الطبيعة هي مأوى للكائنات الحية المائية ولكن فتات إفصاحات ابستين والكيان يكوّنان حطاما لشعاب سامة شيطانية مظلمة لا يعيش فيها إلا الشياطين. أين سيتموضع العالم وإلى أي مدى سيعاد تشكيل الضمير العالمي وكيف ستتشكل المفاهيم وتتحول العداءات من الإسلاموفوبيا إلى محبة، كيف ستتمحور مفاهيم الإسلاموفوبيا والهولوكوست ومعاداة السامية وغيرها وفلسطين والفلسطينيين وكيف سيرى الناس معاناة فلسطين وغزة والضفة، من سيسقط ومن سيحاكم، وكيف سيتعامل الناس مع الدين والمبادئ، ولتقع ترسبات فظائع ابستين والنخبة أينما تقع فبعد أن تبددت هالة الظلام والهيمنة ستكون تداعياتها هي المحرك للتغيير في ذهنية العالم لتنشئ وعيا أمميا جديدا ينهي زمن الظلام. تزامن هذا التكاثف مع حشد عظيم في منطقة الخليج وجهود إبراز عظيم القوة حتى تتمكن الإدارة الأمريكية من الحصول على أفضل صفقة مع إيران. جمعت الإدارة الأمريكية كل ما لدى أمريكا من قدرات وإمكانات وبعثتها للخليج في موجات الموجة الأولى مع التهديد والوعيد إلى الغزو والنفير، وبعد ذلك التهديد والوعيد اصبح طريق التفاوض ممهدا بعد ان كان بعيد المنال، فكانت المرحلة الأولى في تحديد الموقع والمكان ووضع إطار للمفاوضات يبدو أن الإيرانيين قادرون على تحديد المكان مثل عمان، ففي الإطار التفاوضي ما زالت إيران تقول إن التفاوض والحديث عن النووي فقط كإطار عام وما زالت الخارجية الأمريكية تتحدث عن أربعة مطالب النووي وبرنامج الصواريخ البالستية واحترام سيادة الدول وعدم دعم الميليشيات. وان كانت الإدارة الأمريكية قد استفادت من رفع الضغوط على الإيرانيين وعلى نتنياهو وعلى كل من في المنطقة وصرفت الأنظار عن ملفات ابستين ففي ذهن الإدارة الأمريكية تكون قد حققت ما تصبو اليه من العودة للتفاوض وتجاوز ابستين ومن ثم أيضا سحب القوات الأمريكية إلى الولايات المتحدة فتكون مناطق النفوذ والجغرافيا قد حددت ما بين الولايات المتحدة وجغرافيا أمريكا الشمالية والجنوبية والصين وتايوان وروسيا والدونباس فإعادة رسم الخرائط قد يكون أساس التفاهمات والمواجهة الأمريكية الإيرانية لتحديد الخط الأهم خط الردع في منطقة الشرق الأوسط منطقة النفوذ ونكون على أبواب إعادة تشكيل النظام العالمي ليكون متعدد الأقطاب وقد نرى ضغطا من قبل الصين وروسيا على الولايات المتحدة للعودة للالتزام بالقانون الدولي ومنظمات الأمم المتحدة وتطبيق القانون الدولي مع تحملهم التداعيات المالية وهذا يعني الضربة النهائية في كفن الكيان.
14241
| 23 فبراير 2026
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2532
| 27 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
2082
| 25 فبراير 2026