رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

لو نغير مشروع الوفاق التونسي للخروج من الأزمة !

تعاني بلدان الربيع العربي خريفا شديد الأعاصير منذرا بالهزات والمخاطر وبمستويات وأشكال مختلفة الأهوال فمن أعلى درجات العنف في سوريا إلى انسداد أفق الحل في مصر إلى غياب مؤسسات الدولة في ليبيا إلى الصراع القبلي والطائفي المسلح في اليمن وصولا إلى فقدان الوفاق والأمان في تونس. وقد تساءلت بيني وبين ضميري لماذا ضيعت هذه الشعوب بوصلتها الهادية وتاه ربان سفنها والمسافرون معهم في لجج بحر الظلمات السياسية والحضارية. بعد أن حاولت المساهمة بقسط متواضع في حوارات ونقاشات تونسية وقابلت أصدقاء تقاسمت معهم غربة المنافي وحماس النضال ضد الاستبداد وأغلبهم اليوم إما في سلطة مهزوزة أو في معارضات عقيمة وخرجت بنتيجة أن الوفاق مستحيل بالنظر إلى تراكمات أدت إلى فقدان الثقة كل في الآخر والكل في الكل وحتى الكل في أنفسهم خوفا من مستقبل مجهول يمكن أن يغري البعض بالانقلاب على ما تبقى من شرعية على منوال النموذج المصري بتعديلات محلية وحسب ميزان القوى الوطنية ويمكن أن يتلاعب فلان أو علان بصناديق الانتخاب غدا وتزييف إرادة شعب لم ينتخب في حياته بحرية مسؤولا واحدا حتى لو كان رئيس بلدية ولا عرف طعم الديمقراطية منذ أكثر من نصف قرن. وعندما أدركت بأنني لم ولن أهتدي إلى إقناع الأصدقاء برأي سديد حول رجل رشيد يمكن أن يختاروه لرئاسة حكومة للمرحلة التمهيدية فكرت وأنا بعيد جغرافيا عن الحدث التونسي في أن نغير تماما مشروع التغيير ونعرض على الفرقاء خارطة طريق واضحة ومختلفة تماما عن مجرد تشكيل حكومة جديدة ومطالبة الجميع باختيار رئيس لها بعد أن تيقن الجميع باستحالة التوافق على رجل وهاهو صديقنا الكبير والحكيم مصطفى الفيلالي يعتذر بأدب وتواضع عن تحمل هذه الأمانة التي عرضوها عليه. تحاورت بالإيميل مع صديق شاب تونسي كادر عالي المستوى في هندسة مؤسسات عربية ودولية يعمل خارج أرض الوطن كمؤسس مشاريع اتصالية متطورة مما أعطاه نفس المسافة من الابتعاد عن الحدث والتفكير في برنامج مغاير كليا للبرامج الإنقاذية المطروحة في الساحة والتي لم تثمر رغم أهميتها. هذا الصديق هو محمد بوعنان الذي بلورت معه مشروعا واضحا ومختلفا عن المشاريع المجهضة وإننا نطمح لعرض هذه الأفكار الجلية التي تغير من طبيعة خارطة الطريق بالشكل الذي نعتقد أنه يبلغ بنا مرحلة الوفاق لأنه يوفر الإطار الدستوري والتشريعي والسياسي العام للوفاق ويمهد طريق الخروج العاجل من الأزمة لا بحلول ترقيعية منقوصة لم تحظ بالإجماع بل بحلول راسخة قوية تسد منافذ الشقاق والعنف ونرجو أن يقرأها كل الفرقاء وربما حصلنا على توقيع بعضهم عليها بتبنيها وإثرائها بالتعديل أو النقد والله ولي التوفيق. لم تعد حالتنا السياسية والأمنية والاقتصادية في تونس خافية على أي مواطن وأي خبير أجنبي وأي مؤسسة سياسية أو مالية دولية وآخر المصائب تخفيض ترقيم التقييم لأهم المصارف التونسية من قبل هيئة موديز الدولية هذا الأسبوع وهو ما يستدعي مواقف الحكمة والتعقل والاحترام المتبادل لإضاءة المدلهم من منعرجات المستقبل ونقترح الخطوات العملية التالية: 1) التخلي عن عملية حل الحكومة وتعويضها بحكومة جديدة والشروع في إعداد انتخابات رئاسية بالاقتراع العام على دورتين يفصل بينهما أسبوع واحد في أجل لا يتجاوز الأربعة أسابيع من تاريخ الاتفاق على هذا المقترح وقبول الترشحات للرئاسة وتنظيم حملات انتخابية شفافة ثم انتخابات تراقبها هيئة المحكمة الإدارية التي نوكل إليها وقتيا مهام المجلس الدستوري وتدعى لضمان نزاهتها منظمات دولية مختصة. 2) يعين رئيس الجمهورية المنتخب رئيس حكومة لتشكيل حكومة كفاءات إما غير مسيسة وغير حزبية وإما وفاقية سياسية بين الأحزاب. 3) الاتفاق بين الجميع على جدول الأولويات الوطنية وهي ليست محل اختلاف وعلى رأسها إعادة بسط الأمن والأمان بقوة القانون وتفعيل العدالة الانتقالية ومقاومة الجريمة والإرهاب وضمان استقلال القضاء ثم التصدي للأزمة الاقتصادية والمالية بإعادة ترتيب أبواب الميزانية وإعادة الثقة للمستثمرين ومعالجة ملفات الخلل الجبائي وانخرام التوازن الجهوي بالبحث عن تقسيم أعدل وأكثر ملاءمة للجهات والإدارة الجهوية وتفويض الصلاحيات للجهات بعد تقسيمها الجديد على أساس اللا مركزية الذكية الناجعة اقتصاديا وجغرافيا. 4) تعود الهيئة الوطنية المستقلة السابقة للانتخابات لسالف عملها بعد تحويرات وفاقية وهي التي تنظم الانتخابات الرئاسية وتعهد للمحكمة الإدارية كما أسلفنا مهام المجلس الدستوري وتكلف بإعداد قانون انتخابي عصري وخال من المحاذير وتستعين المحكمة بمن تراه كفئا لتقديم العون والاستشارة. إننا نؤمن بثلاث حقائق: الأولى أن المسار الوفاقي المطروح منذ أربعة أشهر لم ينجح ولم يتوصل التونسيون إلى اتفاق حول هذا المسار لأسباب يطول شرحها والثاني بأن عبقرية الشعب التونسي المشهود له بها منذ قرون ستهتدي إلى أقوم المسالك كما كان يسميها المصلح الوزير خير الدين باشا فبلادنا لم تسقط في مستنقعات العنف ولم تصب بما أصيبت به بلدان أخرى من انهيار وفوضى والثالثة هي أن شعبنا لم يعد قادرا على تحمل التأجيلات وتعداد الأخطاء والصبر على انعدام الأمن وغلاء المعيشة وانسداد أبواب الرزق وتواصل البطالة لدى الشباب وهم الذين صنعوا الثورة ودفعوا ثمنها غاليا. هل من نقد أو تعديل أو رأي في هذا المسار؟

412

| 18 ديسمبر 2013

دروس مانديلا للعرب والتي لم يعملوا بها

الثلاثاء 09 أغسطس 2011 أخذ الزعيم العملاق نيلسن مانديلا قلمه و كتب للعرب وبخاصة لتونس ومصر باقة من الحكم والنصائح رغم سنه المتقدمة ومشاغله العديدة فقد كان يستجيب لنداء وجداني هتف به ضميره عندما وردت عليه أنباء الربيع العربي وتيقن بحدسه القوي أن هذه الانتفاضات العربية مهددة بالإجهاض لأنه أدرك مدى انحراف قادتها الذين عوضوا الأنظمة المخلوعة ومستوى الأخطاء التي وقعوا فيها حين فتحوا أبواب الانتقام واعتقدوا أن التاريخ يبدأ من يوم تنصيبهم وأن ما كان قبلهم لم يكن سوى خراب ويباب. تكلم الزعيم مانديلا بلسان التجربة والحنكة والنجاح في منهجه حيث اختار طريق الوفاق والمصالحة حين عين رجل الكنيسة الأب ديسموند توتو على رأس لجنة غايتها طي الصفحة وتدشين عهد جديد لا يلغي البيض ولا يعلي عليهم السود إنما أقر أن لكل مواطن كرامة و حقوقا وصوتا في الانتخابات. ونعلم بعد ذلك أن جنوب إفريقيا استعادت منزلتها المتقدمة في المحافل الدولية وسادتها فترات طويلة من الأمن الأهلي والسلام المدني. وأراد مانديلا ألا يقع الحكام العرب الذين أتت بهم هذه الثورات في مطبات الإقصاء والتفكير في بناء دولة على لا شيء ولكن لا حياة لمن تنادي حتى بلغنا مرحلة الترحم على الطغاة والكفر بالتغيير وربما الاستعداد لهزات أخرى تقوض الباقي من المكاسب مثلما يقع اليوم في مصر ومثلما رأينا انحلال مؤسسات الدولة في ليبيا وكما نشاهد في تونس من تعطل حوار وطني لم يتوافق حتى إلى اختيار رئيس حكومة مؤقتة أما الحالة السورية فيكاد يقنط من حلها أكثرنا تفاؤلا. للتذكير نعيد للأذهان بعض فقرات من نصائح الرجل الحكيم الذي فقدناه هذه الأيام. كتب مانديلا للعرب فقال: "أعتذر أولاً عن الخوض في شؤونكم الخاصة، وسامحوني إن كنت دسست أنفي فيما لا ينبغي أن تقحم فيه. لكني أحسست أن واجب النصح أولاً، والوفاء ثانيًا لما أوليتمونا إياه من مساندة أيام قراع الفصل العنصري يحتمان علي رد الجميل وإن بإبداء رأي محّصته التجارب وعجنتْه الأيامُ وأنضجته السجون". ثم يعيد الزعيم الكبير التذكير بالمنعرج الحاسم و المفصلي الذي دفعه في طريق الوفاق الوطني فيكتب: "أحبتي ثوار العرب؛ ما زلت أذكر ذلك اليوم بوضوح. كان يومًا مشمسًا من أيام كيب تاون. خرجت من السجن بعد أن سلخت بين جدرانه 27 سنة من العمر، خرجت إلى الدنيا بعدما وُورِيتُ عنها سبعًا وعشرين عامًا لأني حلمت أن أرى بلادي خالية من الظلم والقهر والاستبداد ورغم أن اللحظة أمام سجن فكتور فستر كانت كثيفة على المستوى الشخصي إذ سأرى وجوه أطفالي وأمهم بعد كل هذا الزمن، إلا أن السؤال الذي ملأ جوانحي حينها هو: كيف سنتعامل مع إرث الظلم لنقيم مكانه عدلاً؟ هكذا تساءل مانديلا في أواخر الثمانينيات وهنا لا بد أن نسجل أن هذا السؤال الجوهري هو الذي طرحته الأحداث الجسام التي عاشتها بلدان الربيع العربي سنة 2011 ويواصل مانديلا نصيحته بوعي شديد باللحظة التاريخية العربية قيقول: "أكاد أحس أن هذا السؤال هو ما يقلقكم اليوم. لقد خرجتم لتوكم من سجنكم الكبير وهو سؤال قد تحدّد الإجابة عليه طبيعة الاتجاه الذي ستنتهي إليه ثوراتكم. إن إقامة العدل أصعب بكثير من هدم الظلم فالهدم فعل سلبي والبناء فعل إيجابي أو على لغة أحد مفكريكم – حسن الترابي- فإن إحقاق الحق أصعب بكثير من إبطال الباطل. أنا لا أتحدث العربية للأسف، لكن ما أفهمه من الترجمات التي تصلني عن تفاصيل الجدل السياسي اليومي في مصر وتونس تشي بأن معظم الوقت هناك مهدر في سب وشتم كل من كانت له صلة تعاون مع النظامين البائدين وكأن الثورة لا يمكن أن تكتمل إلا بالتشفي والإقصاء، كما يبدو لي أن الاتجاه العام عندكم يميل إلى استثناء وتبكيت كل من كانت له صلة قريبة أو بعيدة بالأنظمة السابقة. ذاك أمر خاطئ في نظري. أنا أتفهم الأسى الذي يعتصر قلوبكم وأعرف أن مرارات الظلم ماثلة، إلا أنني أرى أن استهداف هذا القطاع الواسع من مجتمعكم قد يسبب للثورة متاعب خطيرة، فمؤيدو النظام السابق كانوا يسيطرون على المال العام وعلى مفاصل الأمن والدولة وعلاقات البلد مع الخارج. فاستهدافهم قد يدفعهم إلى أن يكون إجهاض الثورة أهم هدف لهم في هذه المرحلة التي تتميز عادة بالهشاشة الأمنية وغياب التوازن. أنتم في غنى عن ذلك، أحبتي. إن أنصار النظام السابق ممسكون بمعظم المؤسسات الاقتصادية التي قد يشكل استهدافها أو غيابها أو تحييدها كارثة اقتصادية أو عدم توازن أنتم في غنى عنه الآن. عليكم أن تتذكروا أن أتباع النظام السابق في النهاية مواطنون ينتمون لهذا البلد، فاحتواؤهم ومسامحتهم هي أكبر هدية للبلاد في هذه المرحلة، ثم إنه لا يمكن جمعهم ورميهم في البحر أو تحييدهم نهائياً، ثم إن لهم الحق في التعبير عن أنفسهم وهو حق ينبغي أن يكون احترامه من أبجديات ما بعد الثورة. أعلم أن مما يزعجكم أن تروا ذات الوجوه التي كانت تنافق للنظام السابق تتحدث اليوم ممجدة الثورة، لكن الأسلم أن لا تواجهوهم بالتبكيت إذا مجدوا الثورة، بل شجعوهم على ذلك حتى تحيدوهم وثقوا أن المجتمع في النهاية لن ينتخب إلا من أسهم في ميلاد حريته. إن النظر إلى المستقبل والتعامل معه بواقعية أهم بكثير من الوقوف عند تفاصيل الماضي المرير. أذكر جيدا أني عندما خرجت من السجن كان أكبر تحد واجهني هو أن قطاعا واسعا من السود كانوا يريدون أن يحاكموا كل من كانت له صلة بالنظام السابق، لكنني وقفت دون ذلك وبرهنت الأيام أن هذا كان الخيار الأمثل ولولاه لانجرفت جنوب إفريقيا إما إلى الحرب الأهلية أو إلى الديكتاتورية من جديد. لذلك شكلت "لجنة الحقيقة والمصالحة" التي جلس فيها المعتدي والمعتدى عليه وتصارحا وسامح كل منهما الآخر. إنها سياسة مرة لكنها ناجحة. هكذا أنهى الزعيم الراحل نصائحه الحكيمة للعرب ولكن العرب يبدو أنهم لم يعملوا بها بل أدهى وأمر لم يقرأوها في دوامة فتنة السلطة فهل بينهم رجل رشيد يتدارك المراكب العربية قبل الغرق؟

436

| 11 ديسمبر 2013

نحن ولعبة الأمم في الملف الإيراني

عاصفة صاخبة بدأت تهب على العلاقات الأمريكية الخليجية والعربية عموما والتركية أيضا والإسرائيلية.. كذلك ولأسباب مختلفة بسبب التغيير المفاجئ لموقف واشنطن من الملف النووي الإيراني. وقد لخص مؤتمر مفكرين عرب اجتمعوا في الدوحة الأسبوع الماضي هذا التغيير بالقول إن 100 مليار دولار أنفقتها دول الخليج في السباق على التسلح ذهبت هباء لأن الغاية من العقيدة العسكرية الخليجية المشروعة كانت متجهة لاحتمال عدوان إيراني على دول مجلس التعاون مع استثناء الموقف القطري والموقف العماني المتسمين بكثير من الحكمة وبعد النظر إزاء بلاد جارة مسلمة هي التي اعتنقت الإسلام منذ فجره المبين وقدر الخليج أن يتعايش ويتفاعل مع متغيرات سياساتها. ثم جاء الوزير جون كيري ليلتف على عزم الرئيس أوباما بضرب المفاعلات النووية الإيرانية ويحول وجهة الدبلوماسية الأمريكية نحو الحل السلمي واستقطب كيري أغلب الدول الأوروبية لعقد مؤتمر جنيف 2 بين إيران والخمسة زايد واحد واستطاع أن يروض الحية الإسرائيلية المتحفزة لاستعداء أمريكا والغرب عموما ضد طهران بل وأقنع (سرغي لافروف) بضرورة التركيز على مصالح العملاقين الأمريكي والروسي في هذا الملف لا التفكير في مصالح شعوب الشرق الأوسط. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن واشنطن هي التي تشكل القاطرة في التعاطي مع الملف الإيراني وهو قضيتها هي دون منازع وتعتبر الإدارة الأمريكية أن دول أوروبا وتركيا ودول الخليج العربي والعراق حلفاء لها لا يشكون في نواياها وليس لديهم حلولا بديلة عن الحلول الأمريكية حتى لو غبروا عن بعض احترازاتهم ومحاذيرهم. وجاء نشر الأمريكان من جانب واحد جزئيات الاتفاق الحاصل بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والدول المحاورة لها وهو في حد ذاته عملية دبلوماسية تسويقية القصد منها وضع الجميع أما الأمر المقضي حين كشف الأمريكيون تفاصيل الاتفاق الذي جرى التوصل إليه بين (5+1) في جنيف يوم الأحد الماضي إيران والقوى الكبرى وحين نقرأ ديباجة هذا الاتفاق بالعيون الأمريكية نكتشف أنه يهدف إلى وضع حد لطموحات إيران النووية مقابل وقف جزئي للعقوبات الدولية والغربية المفروضة على طهران، مع تفاصيل كثيرة للبنود التالية، تلتزم إيران بالتالي: وقف تخصيب اليورانيوم لنسبة أعلى من 5 بالمائة والتخلص من كمية اليورانيوم المخصبة إلى نسبة 20 بالمائة ثم وقف أي تطوير لقدرات تخصيب اليورانيوم وعدم زيادة مخزون اليورانيوم المخصب إلى نسبة % 3.5 إلى جانب وقف أي نشاط في مفاعل آراك ووقف أي تقدم في مجال تخصيب البلوتونيوم والالتزام بالشفافية التامة في السماح للوكالةالدولية للطاقة الذرية بالتفتيش المفاجئ واليومي لمنشآت إيران النووية، بما في ذلك مصانع أجهزة الطرد. هذه حسب الجانب الإيراني كما وقع عليها وزير الخارجية الإيراني في جنيف 2 أما الجانب الغربي المتمثل في القوى الأمريكية والروسية والأوروبية والذي تكفلت الوزيرة الأوروبية للشؤون الخارجية السيدة كاترين أشتون التوقيع باسمه فيلتزم بتخفيف "محدود ومؤقت وقابل للتغيير" لنظام العقوبات على إيران، مع الإبقاء على الهيكل الأساس للعقوبات كما هو خلال فترة الستة أشهر، ويتضمن ذلك: عدم فرض أي عقوبات جديدة إذا التزمت إيران بما تم الاتفاق عليه خلال فترة 6 أشهر وتعليق العمل بعقوبات محددة مثل العقوبات على التعامل في الذهب والمعادن وقطاع السيارات الإيراني وصادرات إيران البتروكيماوية بما يوفر لها 1.5 مليار دولار من العائدات والسماح بإصلاحات وإعادة تأهيل بعض خطوط الطيران الإيرانية مع الإبقاء على مبيعات النفط الإيرانية عند مستواها المنخفض الحالي (الذي يقل بنسبة 60 بالمائة عن مستويات 2011 ) والسماح بتحويل 4.2 مليار دولار من عائدات تلك المبيعات إلى إيران على أقساط بالتزامن مع التزام طهران بتعهداتها في الاتفاق كما ينص التزام الدول المفاوضة لطهران على السماح بتحويل 400 مليون دولار من أصول إيران المجمدة لتغطية نفقات دراسة الطلاب الإيرانيين في الخارج وإجمالا، ستستفيد إيران بنحو 7 مليارات دولار لكن القدر الأكبر من احتياطاتها الأجنبية (نحو 100 مليار دولار) ستظل مقيدة بالعقوبات، وستبقى العقوبات مفروضة على مبيعات الطاقة الإيرانية (ولن يسمح بزيادة الصادرات) وكذلك على البنك المركزي الإيراني وعدد من البنوك والمؤسسات المالية الأخرى. أما الجزء المسكوت عنه إيرانيا وكشفت عنه المصادر الغربية فهو المتعلق باستمرار العقوبات على أكثر من 600 من الشخصيات والمنشآت الإيرانية التي لها علاقة بالبرنامج النووي وبرنامج الصواريخ. وللحقيقة يجب مواجهة أنفسنا كعرب وننظر إلى وجوهنا في مرأة التاريخ الحديث لنكتشف أن سوريا تغرق أكثر فأكثر في صراع عنيد بين فرقاء انقسموا إلى جزئيات انفلقت هي الأخرى إلى جزيئات ولم تعد تدرك من المنتصر ومن المهزوم ومن الشرعي ومن الخارج عن القانون وأن مصر انشطرت نصفين يستحيل أن يصطف عاقل حكيم بينهما إلى صف وأن ليبيا تفقد الأمن والأمان ويتسع العنف الأعمى فيها يوميا وأن تونس لم تهتد إلى رجل رشيد يضمد جراحها ويعيد الثقة المفقودة بين المتنافسين وأن العراق فقد في أربعة شهور 9 آلاف ضحية وأن فلسطين تنقسم إلى أحزاب كل بما لديهم فرحون! ثم نريد أن يقرأ لنا العالم حسابا ويفكرفي مصيرنا! اللهم عفوك ورضاك وصالح هداك.

395

| 04 ديسمبر 2013

أسرار اغتيال ياسر عرفات بالبولونيوم بدأت تنكشف

غريب أن يأتي هذه الأيام تأكيد مخبري علمي عن وفاة ياسر عرفات لما كنت كتبته على الصحف والمواقع العربية بعد أيام قليلة من وفاة أبوعمار. فقد أعلن هذا الأسبوع بأن معهد لوزان السويسري برئاسة الدكتور (فرنسوا بوشيد) أكد وجود كمية من مادة البولونيوم الإشعاعية في جسم ياسر عرفات من خلال الملابس وبقايا الإفرازات التي تسلمها المعهد وأكد أن هذه المادة المشعة لا توجد عادة سوى لدى المتعاطين معها في المفاعلات النووية. على إثر وفاة الشهيد أبو عمار في المستشفى العسكري (بيرسي) بباريس منذ تسع سنوات نشرت لي بعض الصحف العربية مقالا مفاده بأن ياسر عرفات توفي مسموما بفعل فاعل والإشعاع القاتل هو أقرب الاحتمالات ونشر الصحفي الإسرائيلي صديق الشعب الفلسطيني وصديق أبو عمار (أمنون كابليوك) في نفس الأسبوع مقالا يؤكد الأمر نفسه. ومنذ شهور قليلة التقيت في الدوحة المناضل الوزير كبير المفاوضين الفلسطينيين د. صائب عريقات في مجلس الصديق المشترك سعد الرميحي وقلت له بحضور جمع من المثقفين والإعلاميين القطريين منهم د. محمد صالح المسفر وبحضور الصديق سفير فلسطين بالدوحة منير غنام قلت لصائب عريقات: "لماذا لم تواصل منظمة التحرير وحكومة السلطة مهمة وواجب البحث عن حقيقة اغتيال أبوعمار؟ وما هي المعلومات التي لديكم وهل هي مقنعة؟ وسألني عما يمكن أن أضيفه في هذا الأمر؟ فقلت له: لقد نصحت الزميل منير غنام منذ مدة أن يبلغ الرئيس محمود عباس أن يحتاط في نشاطاته ومؤتمراته الصحفية من (فلاش) المصورين لأن إحدى وسائل القتل المستحدثة لدى بعض مختبرات المخابرات هي ضخ كمية قاتلة من الإشعاع النووي بدقة مهنية مجربة عبر (فلاش) ضوئي معد للغرض ومحمل بمادة البولونيوم في شكل عملية تصوير تبدو عادية جدا. وقلت له بأن فرق الأمن الخاصة بحماية الشخصيات في بلدان أوروبية عديدة أصبحت تمتحن وتجرب كل أجهزة التصوير والإضاءة والتقاط الصوت في مناسبات اللقاءات بين الشخصيات ووسائل الإعلام. وهو عمل احتياطي أصبح روتينيا. وأضفت قائلا لصائب عريقات: لقد اكتشف أطباء (مستشفى برسي) نصف الحقيقة في التقرير الصادر على إثر الوفاة يومي 9 و11 نوفمبر 2004 بتوقيع كبير الأطباء (د. كريستيان إستريبو) حين أكد التقرير عدم التوصل إلى سبب بيولوجي للوفاة مع الإقرار بأن صفائح الدم تغيرت توازناتها العادية بصفة فجائية وهي ظاهرة نادرة وغير معروفة وليست لها أعراض محددة لكنها تؤدي إلى الوفاة المبرمجة. وسبق لي في نوفمبر 1999 أن تحادثت مع المناضل خالد مشعل حين أبعد من الأردن واستقر بالدوحة (وخالد تكوينه الجامعي علمي وكيميائي) وحدثني عن محنته الشخصية وعن بعض المعلومات عن ابتكار الموساد لوسائل اغتيال جديدة وغامضة وغير مسبوقة (تذكروا قضية المبحوح في دبي) ثم كان لي لقاء مع أحد خبراء الطاقة النووية فأكد لي أنه يمكن إرسال الإشعاع بمادة البولونيوم عن بعد وبدون الحاجة إلى حقنها أو إطعامها للهدف البشري المقصود. ولا بد أن أذكر حدثا أخر له علاقة بإغتيال أبو عمار وهو أن أحد كبار المسؤولين في وزارة خارجية دولة أوروبية كبرى تربطني به علاقة قديمة أسر لي بما قاله وزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق في عهد بوش الإبن الجنرال كولن باول لوزير خارجية تلك الدولة حين زارها في خريف 2003. سأله الوزير الأوروبي عن موقف واشنطن من ياسر عرفات وأريال شارون فقال باول: إنهما معا يشكلان عقبة أمام الحل الأمريكي ويجب أن يغادرا السلطة. ونعرف بعد ذلك كيف غادر الاثنان السلطة وحين سمعت بالجلطة الشارونية لم أفاجأ. ثم إن أحد الصحفيين المقربين من شارون أصدر كتاب مذكرات عن شارون وقال فيه إنه خلال لقاء بين بوش الابن وشارون قال الرئيس الأمريكي لرئيس حكومة إسرائيل: إن عرفات هرم وسيتكفل الرب بنهايته فرد عليه شارون حسب الصحفي: علينا مساعدة الرب قليلا. حين أذكر اغتيال أبو عمار رحمة الله عليه أتذكر أن أعراض الأمراض المفاجئة التي أزهقت أرواح ثلاثة زعماء عرب لا تختلف كثيرا عن أعراض البولونيوم الذي قتل ياسر عرفات (والله أعلم) وهؤلاء الزعماء هم جمال عبدالناصر الذي توفي يوم 28 سبتمبر 1970 وطالب نجله عبدالحكيم بفتح تحقيق في أسباب وفاته! ثم هواري بومدين الذي توفي في 27 سبتمبر 1978 ثم الملك حسين الذي وافاه الأجل يوم 7 فبراير 1999 مباشرة بعد تعديل مسألة ولاية العهد! وهؤلاء ستبقى أسباب وفاتهم رحمهم الله غير واضحة بل مسجلة ضد مجهول. واليوم حين يعاد فتح هذا الملف الذي أرادت عديد الأطراف غلقه فلابد من تنسيق الجهود الفلسطينية والعربية والدولية من أجل إحقاق الحق وبيان أسرار وخلفيات جريمة الدولة على الأقل للتاريخ.

2353

| 11 نوفمبر 2013

انهيار الدولة وراء انتشار الإرهاب

الإرهاب ليس ظاهرة تونسية ولا مصرية ولا ليبية ولا إسلامية وفي الواقع ليست له جنسية ولا دين بل ليس له تاريخ محدد منذ أقدم العصور فكيف نصف حركات الحشاشين التي ازدهرت بين القرنين 11 و13 م واغتالت ملوكا وأمراء وتمكنت من البقاء على مدى أجيال وهي فرع متمرد وعدمي من الإسماعيلية النزارية ولم تنته أعمالها الإرهابية إلا مع تأسيس دولة قوية للظاهر بيبرس عام 1273م أي في نفس السنة التي انتهت فيها الحروب الصليبية (عام 1270 مات ملك الصليبيين القديس لويس ملك فرنسا والذي دفن في مكان موته في تونس) ولدى المسيحية حركات عنيفة ممتدة على كل القرون آخرها إرهاب الجيش الأيرلندي السري وحركات (الكو كلوكس كلان) في الولايات المتحدة وكذلك اليهودية التي أنشأت الصهيونية وعصابات شترن والإرغون وقام الإرهابيون الصهاينة في العصر الحديث بتفجير فندق ديفيد بالقدس على من فيه واغتيال ممثل الأمم المتحدة الكونت برنادوت وأقرب إلينا المجازر في غزة واغتيال القادة الفلسطينيين. ومثلها نجد لدى الهندوس والسيخ والبراهمان بل ولدى اللا دينيين والشيوعيين فلدى كل الأمم حركات اختارت أو اضطرت لممارسة القتل وما نسميه الإرهاب. مع العلم أن مصطلح الإرهاب وقع تحريفه عن مدلولاته كلما تدخلت مصالح الدول الكبرى وأجهزتها المخابراتية والإعلامية ففي مرحلة مقاومة الاستعمار البريطاني والفرنسي في العالم العربي تم تصنيف المسلمين المطالبين بحريتهم وبرحيل المحتلين كإرهابيين وسنت القوانين لقمعهم باسم مقاومة الإرهاب! وفي أوروبا لم يتم القضاء على الإرهاب إلا بواسطة دول قوية ديمقراطية متحدة فيما بينها ضمن الإتحاد الأوروبي ومؤسساته الاتحادية في مجالات الأمن والحدود وتبادل المعلومات فتخلصت بريطانيا من الجيش الأيرلندي السري وتخلصت إسبانيا من منظمة (الإيتا) المسلحة وتخلصت فرنسا من عصابات الباسك وعصابات الكورسيك الانفصالية بفضل مناعة مؤسساتها الدستورية وقوة الحراك الديمقراطي فيها أما الولايات المتحدة فلم تعرف السلام المدني وإلغاء الميز العنصري إلا بآليات الحكومة الفيدرالية التي فرضت على جميع الولايات نواميس الحكم المركزي الجامع منذ الرئيس دوايت إيزنهاور في أواخر الخمسينات. وأمامنا أيضا الأنموذج الهندي عندما أصبحت الهند بفضل مؤسساتها الديمقراطية من أكبر الدول الناهضة والسباقة إلى التفوق التكنولوجي بعد أن كانت الهند مرتعا للإرهاب السيخي والبوذي والهندوسي... و حتى المسيحي ولكن هذه القارة (لأنها بالفعل قارة) تمكنت من القضاء على الحركات العنيفة المسلحة ولم يبق أمامها اليوم إلا أن تحل معضلة كشمير بينها وبين باكستان. وفي نيجيريا ظلت عصابات التطرف المسيحي تواجه عصابات (بوكو حرام) بسبب هشاشة الدولة النيجيرية وعجزها وتعاقب الانقلابات العسكرية فيها. لقد سقنا هذه النماذج من مختلف أرجاء العالم لنؤكد أن الإرهاب لا ينشأ ولا يترعرع إلا في مناخ تهرئة الدولة وضعفها وانقسام الطبقة السياسية إلى أحزاب كل حزب بما لديهم فرحون وهذا ما يقع اليوم في ليبيا وفي تونس حينما استقالت الدولة هنا وهناك وعاش الناس بلا مؤسسات تحميهم فانتشر السلاح لتمسك به أيد مختلفة المشارب والانتماءات فيأخذ كل طرف سياسي أو قبلي أو حزبي حقه بيديه متجاوزا القوانين والأعراف ويستشري الرعب في المجتمع ليتحول المواطنون إلى رهائن ويصبح الشارع هو الذي يتحكم في رقاب الناس من خلال الجرائم الإرهابية وقطع الطرقات وانتشار الجريمة وتكوين العصابات في غفلة من عين الدولة الساهرة. والسبب الأساس في كل من تونس وليبيا هو غياب الدولة رغم تباين النموذجين فليبيا لم تعرف دولة قانون ومؤسسات منذ 43 سنة من حكم العقيد ولم تتفق الأطراف التي أسهمت في القضاء على استبداد القذافي على طريق وفاق وحوار فتمترس كل فريق وراء السلاح والمال وهدد الوطن بالانقسام إلى كنتونات أو قبائل لكل منها دويلة ومحاكم وسجون وقوانين وزعماء حرب. وما اختطاف رئيس الحكومة علي زيدان منذ أيام سوى مؤشر ساطع على انهيار الدولة. أما في تونس فالدولة موجودة منذ الاستقلال رغم ما دب فيها في العهدين البورقيبي والنوفمبري من دود الفساد والارتجال والظلم لكن الثورة حينما هبت رياحها المباركة دون قيادات جاءت بنخب كانت في السجون والمنافي لكنها اختارت عن خطأ أن تنفرد بالحكم وتمارسه دون خبرة ودون وفاق ووجد الشعب بعد ثورته على الظلم أن مشاكله اليومية من أمن وغلاء معيشة تفاقمت وبالطبع شعر المواطن أنه استرد حرياته المسلوبة واسترجع حقوقه وكرامته المنهوبة إلا أن هشاشة الدولة وزعزعة أركانها طغت في النهاية على المكاسب الشعبية ولعبت القوى المضادة للثورة دورها الطبيعي في زرع الشك ثم اليأس وأخيرا العنف محل الأمن والطمأنينة والسلام المدني. وجاء الزلزال المصري ليعطي الطبقة الحاكمة شعورا بالخوف من نفس المصير رغم التناقض الكبير بين المجتمعين المصري والتونسي ثم جاءت الفوضى الليبية لتهدد وضعا تونسيا غير مستقر فدخلت آلاف قطع السلاح عبر حدود يمتد نصفها (175 كلم) من راس جدير إلى ذهبية امتدادا طبيعيا بلا أية عراقيل جغرافية في مناطق صحراوية مكشوفة يصعب بل يستحيل تأمينها بالمراقبة من الجانب التونسي بلا تعاون مع السلطات الليبية المفقودة حاليا. أضف إلى هذه الحالة العسيرة توقف مسار الإتحاد المغاربي الذي ولد ميتا عام 1989 ولم يحقق أيا من غاياته أو أهدافه فلا الجزائر تثق في المملكة المغربية ولا ليبيا توصلت اليوم إلى بناء دبلوماسية إقليمية فاعلة ولا تونس تأمن أخطارا محتملة تأتيها من الأجوار أو تصدرها هي إلى الأجوار. فغياب التنسيق المغاربي في مجال الأمن جعل الحركات العنيفة تجمع شتاتها منذ عمليات مالي وعين أميناس ويبدو أن بعض خلاياها استقرت في الجبال والقرى والمدن في كل من ليبيا والجزائر وتونس. الحلول المستعجلة هي سياسية بالدرجة الأولى حتى تكون الشعوب في المغرب الإسلامي على الأقل متفقة على تشخيص العلل قبل اقتراح العلاج.

726

| 30 أكتوبر 2013

النجدة يا أبا القاسم الشابي بلادك في خطر

شاهدت الأسبوع الماضي على شاشة الفضائية التونسية برنامجا متميزا لإحياء ذكرى الشاعر التونسي العبقري أبي القاسم الشابي الذي ولد سنة 1909 وتوفي سنة 1934 في شهر أكتوبر فنحن إذن نحيي ذكرى وفاته التاسعة والسبعين وحين تابعت مراحل حياة الشاعر أدركت ما لعصره من تشابه وتطابق مع عصر الربيع العربي المهدد بعواصف الخريف وتيقنت أن أبا القاسم الثائر على الجهل والاستكانة والمذلة والاستعمار في العشرينات لو أسعفه الله تعالى بالحياة لكان حاملا لنفس الفأس يهوي بها على الرموس رمسا برمس وينادي بيقظة العقل وتحرير إرادة الحياة في شعوب انحرفت نخبها إلى مزالق التحزب والشقاق وأضاعت قيم الوطن الواحد والأهم والأعلى. وخامرتني فكرة طلب النجدة من روح شاعرنا الفذ الذي هتف شباب الربيع العربي في كل بلدانه برائعته: إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر هذا الشاعر العبقري الذي توفاه الله يوم العاشر من أكتوبر 1934 وهو في ريعان شبابه عن سن الأربعة والعشرين بعد أن قدم للعالم العربي قصيدته الأشهر (إرادة الحياة) والتي ضمنها ذلك البيت الذي واكب معارك التحرير العربية من الاستعمار وأنشده المناضلون العرب من المحيط إلى الخليج وهو يرصع اليوم النشيد الوطني لتونس: إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر ولا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر أكبر برهان على عبقرية الشاعر هو خلود أدبه وأبو القاسم هو من هؤلاء العباقرة النادرين الذين لم ينس الناس إبداعهم بعد وفاتهم بل ظل شعرهم يعبر عن ضمائر الأجيال مهما اختلفت الأزمان وتبدلت الأحداث. فأنت تقرأ قصائده اليوم بعد مرور قرن على ميلاده فكأنك بالشاعر يعايش أحداث مصر الفاجعة وإنهيار دولة ليبيا في ظل الميليشيات ودخول سوريا نفق الحرب الأهلية وتخبط تونس في حوار مستحيل رغم استعجالية الأزمة وعلى الصعيد العربي كأن الشابي يدرك العدوان على غزة الشهيدة المنتصرة وهو يخاطب العرب المضطهدين اليوم تحت نير الاحتلال ورصاص النازية الجديدة في فلسطين. حين فتح أبو القاسم عينيه على الحياة اكتشف ما يعانيه شعبه العربي من ويلات الاحتلال والقهر في تونس والجزائر والمغرب وفي الشرق من خلال مجلة أبولو الأدبية المصرية وقارن بثقافته الواسعة بين واقع العرب الأليم ومجدهم العظيم القديم واهتدى إلى أن الذي ينقص الأمة هي الإرادة. فكانت هذه العبارة هي التي تتردد في أبياته الثائرة. ولم يكن أبو القاسم رجل أحزاب حتى لو كانت أحزاب تحرير، فهو لسان الأمة والمعبر عن خلجات ضميرها وهو العاصف والغاضب والداعي إلى الثورة على الأصنام الجديدة. ما أشبه ليلة العرب اليوم ببارحة أبي القاسم: حالة سياسية مشتركة من العجز إزاء العالم وشتات حضاري لم تبلغه الأمة في تاريخها إلا لماما وانقسام الدول إلى طوائف واستقالة النخب حتى من مجرد التفكير. أي نفس الأسباب التي أدت إلى نفس النتائج حين احتل هولاكو بغداد عام 1258 واغتال أخر خليفة عباسي هو المستعصم بالله وولديه وخرب المشرق العربي وحين ضيعنا الأندلس عام 1492 وحين فقدنا نصف فلسطين عام 1948 ثم فقدناها كلها عام 1967، وبعد ذلك استضعفنا الغرب المسيحي وبدأ يطبق مشروع الاستخراب (الذي سميناه باسمه المزيف أي الاستعمار) منذ حملة نابليون على مصر والشام عام 1798 إلى توسع الاستخراب الصليبي ليغطي كامل أصقاع الأمة. وهنا نشأ الشابي متمردا على هزال الأمة ورضاها بالدون وكتب عما نسميه اليوم صراع الحضارات برؤية شاعر استشرف المصير وشخص الداء بل ووصف الدواء. ففي عام 1931 نشر قصيدته الرائعة (الثعبان المقدس) في مجلة (أبولو) وقدم لها نثرا كما يلي: فلسفة الثعبان المقدس هي فلسفة القوة المثقفة في كل مكان فالثعبان في قصيدتي تحدث إلى الشحرور بلغة الفلسفة حين حاول أن يزين له الهلاك، كذلك تتحدث سياسة الغرب إلى الشعوب المستضعفة بلغة الشعر والأحلام حينما تصوغ ابتلاعها والعمل على قتل مميزاتها القومية فتسميها سياسة الإدماج". هكذا قدم أبو القاسم قصيدته للقراء فهو كأنما يصف حالنا اليوم عام 2013 إزاء الغزو العسكري والفكري الذي يسلبنا هوياتنا ويدمجنا في دورة الهلاك المبرمج. ثم تأتي القصيدة لتنقل لنا حيرة الشحرور المسكين وهو يسأل الثعبان الذي يبتلعه قائلا: أين خطيئتي حتى أستحق الموت بين أنيابك؟ فيجيبه الثعبان: لا أين فالشرع المقدس هاهنا *** رأي القوي وفكرة الغلاب وسعادة الضعفاء جرم ماله *** عند القوي سوى أشد عقاب إن السلام حقيقة مكذوبة *** والعدل فلسفة اللهيب الخابي لا عدل إلا إن تعادلت القوى *** وتصادم الإرهاب بالإرهاب وهذه القصيدة قمة الوعي بصراع الحضارات من منظور غلبة الأقوى دون حق، وهي كأنما تكمل رائعة الشاعر (إرادة الحياة) التي لا يعرف الناس منها سوى بيتين: إذا الشعب يوما أراد الحياة *** فلا بد أن يستجيب القدر ولا بد لليل أن ينجلي *** ولا بد للقيد أن ينكسر ولكن القصيدة تنقل لك جواب الحياة عندما سألها الشاعر عن المفضل لديها فتقول الأرض: أبارك في الناس أهل الطموح *** ومن يستلذ ركوب الخطر وألعن من لا يماشي الزمان *** ويقنع بالعيش بين الحفر هو الكون حي يحب الحياة *** ويحتقر الميت مهما كبر فلا الأفق يحضن ميت الطيور *** ولا النحل يلثم ميت الزهر

9076

| 23 أكتوبر 2013

الإسلاميون والعلمانيون وثقافة الدولة

إن ما يهز أركان المجتمع المصري اليوم وما يزعزع استقرار ليبيا وما يؤجل وفاق تونس بل وما يدمر سوريا العزيزة هو من وجهة نظري المتواضعة افتقاد النخب السياسية من إسلامية وعلمانية إلى ثقافة الدولة أو كما يسميها شيوخنا الأفاضل (فقه الدولة) وتلاحظون معي كيف تتخبط هذه النخب في الصراعات الأيديولوجية والتناقضات الحزبية وتؤثث بلاتوهات الفضائيات بالتجاذبات العقيمة حول جنس المجتمع (مثل جنس الملائكة) وحول هوية الشعب وحول دسترة القيم التي يؤمنون بها مع إلغاء كل رأي لا يعجبهم وإقصاء كل وجه لا يرتاحون إليه. فظللنا بعد ثورات الشباب العربي التلقائية والتي لم تكن لها قيادات نراوح مكاننا في نقطة الصفر بل نزلنا دونها في عديد المجالات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية وتقهقرت درجات تصنيفنا في المحافل المالية الدولية وفقدنا ثقة الجار والصديق بما ارتكبناه من أخطاء وبلغ الأمر في مصر إلى تبرير الانقلاب بل وتقديمه كوصفة جاهزة لإنهاء عرس إرادة الشعوب بالدبابة والمدفع كما بلغ الأمر في ليبيا باختطاف رئيس حكومة (بحاله) يوم الخميس الماضي ثم إعادته سالما لأهله وقصر حكومته من ألطاف الله بعبده وبلغ الأمر في تونس بانفضاض مؤتمر للحوار منذ افتتاحه فالجميع "يصرح" و "يزيد ويقص" و "يطلع ويهبط" و "يبيع ويشري" في حلقة مفرغة وفي فضاء افتراضي كأنما دخل كل فريق فقاعة كالشرنقة لا يبرحها فهو لا يسمع ما يقال خارجها ولا يسمعه الناس خارجها فالحوار انتهى إلى مهرجان بهلواني فيه الشماريخ المدوية والموسيقى الصاخبة لا غير. واليوم حين نتأمل في نتائج حكم من جاءت بهم الثورات لابد أن نقر بالفشل مهما بررناه وبالتلعثم مهما فسرناه وبالفوضى مهما زيناها ولا نجد سببا جوهريا لخيبة مسعانا سوى ماسماه الدكتور سالم بوخداجة استهانة النخبة بالدولة (جريدة الشروق التونسية 3 أكتوبر 2013) فالاستهانة بالدولة هي الظاهرة التي نسجلها في تونس ومصر وليبيا واليمن ولعل النخبة التي أفرزتها تلك الثورات تشبعت بثقافة المعارضة والسجون والمنافي وهي ثقافة صنعت من نلسن مانديلا رجل دولة ومن كثير من معارضينا رجال جدل عقيم وعجز مقيم. وأنا لا أفهم كيف يتكلم مثقف ديمقراطي قضى جزءا من حياته مدافعا عن حقوق الإنسان عن دولة بلاده واصفا إياها بالخراب وهو اليوم في أعلى سلطة في نفس هذه الدولة. واكتشفت أن هذا المناضل لا يفرق بين الدولة والنظام (بين دولة قائمة ومستمرة يسيرها رجال أكفاء ومحترمون وبين منظومة فساد منحصرة في مافيات الأصهار والمال الحرام) فالدولة التونسية مثلا أو المصرية هما مؤسستان ظلتا رغم منظومة الفساد والاستبداد قلعتين صامدتين لم تهزهما عواصف الفاسدين والمفسدين واستمرت في خدمتهما أجيال من التوانسة والمصريين فتوفر عبر الزمن المتقلب نصيب من الأمن وقبض الناس رواتبهم الشهرية ودافعت عنهم منظمات نقابية فازداد دخلهم وفتحت الدولة هنا وهناك روضاتها ومدارسها ومعاهدها وجامعاتها في وجوه الأجيال المتعاقبة كما أن الدولة الوطنية في تونس وفي مصر وفرت المستشفى ولو كان ناقص التجهيزات ومهدت الطريق ولو كان ذا حفر وأسست السدود والطرقات وعوضت المواد الأساسية الغذائية على مدى عقود. هذه هي الدولة التي راكمت قرونا من تجارب إدارة حياة الناس وسلمت من الدمار ولكن نخبنا العلمانية والإسلامية اعتبرتها خرابا يبابا وقررت تعويضها في لحظة فتنة الحكم ودوخة السلطة بارتجال الهواة وتعيين الموالين العاجزين مكان الأكفاء المحايدين ظنا منها أن الحياة تبدأ من وصول هؤلاء الثوار إلى السلطة وأن لديهم وصفات سحرية لتسيير المجتمع بالوعود والشعارات. وكم مرة نصحت شخصيا بعض الحكام الجدد أن يخفضوا منسوب الحقد على من تولى المسؤوليات قبلهم في الإدارة ولم يخالفوا قانونا ولم يعتدوا على الناس ولم ينهبوا مالا ولم يهتكوا عرضا وقلت لهم لا تهينوا من تحمل الأمانة قبلكم بالهمز واللمز فتنعتوهم بوصمة الفلول والأزلام فتفقدوا بفقدانهم كنزا من الخبرة وتسيير الإدارة والتعاطي مع الملفات. وسمع النصيحة بعضهم بينما نعتني البعض الأخر بأني من الفلول وألحقني بالأزلام! إن ما تحتاجه هذه المرحلة من حياة التوانسة والمصريين والليبيين هو التحلي بثقافة الدولة أي الحوار حول أقوم المسالك لتأسيس الدولة الجديدة العادلة القوية المنيعة لا على أنقاض الدولة البورقيبية أو الناصرية الساداتية المباركية بل على أسسها لأن هاتين الدولتين كانتا الحاميتين للمجتمع حتى من الاستبداد والظلم لأن فيهما رجالا لديهم أخلاق وفيهم رحمة للمواطن بقطع النظر عن سلوك من هم في قمة السلطة فعبثوا بها واستغلوا الوطن وسلبوا خيراته. لو نقرأ نتائج فشل المسار الديمقراطي في مصر وتعثره في تونس وانهياره في ليبيا بعيون الموضوعية والمعرفة لاستنتجنا بأن مسؤولية هذا الإحباط تقع على جميع النخب لأن الرأي العام في هذه المجتمعات مجمع على أن النخب أخطأت التشخيص لمعضلات الناس فأخطأت العلاج وعوض تركيز الاهتمام على استعادة هيبة الدولة العادلة القوية وحصانة القانون ومناعة الحقوق ضمن تلك الدولة الجديدة الخارجة من رحم ثورات الحرية والكرامة والشغل انطلقت النخب من منطلقاتها الحزبية الشوفينية الضيقة وأيديولوجياتها المحنطة وانصرفت إلى الجدل العقيم ناسية أن ثقافة الدولة تقتضي الحفاظ على مكاسب دولة الاستقلال وقراءة التاريخ بعيون اللحظة الماضية التي اتخذت فيها قرارات والتحلي بفضيلة الاعتبار بتاريخ تلك الدولة المؤسسة للأوطان بعد نيل استقلالها السياسي والإداري من أجل استكمال ذلك الاستقلال بفرض سيادتنا على مصيرنا سياسيا وثقافيا واقتصاديا ومن بعد برمجة الوحدة الإقليمية ثم القومية والوصول إلى وحدة إسلامية ممكنة لا من باب العقيدة بل من باب الضرورة كما فعلت القارة الأوروبية منذ خمسين عاما حتى بلغت مرحلة القطب الموحد وهو أكبر من الدولة القومية. آخر دعوانا اللهم ارزق نخبنا صفاء السريرة وحسن البصيرة.

446

| 16 أكتوبر 2013

لولا أمثالك ما ظلم الطغاة

هذه كلمة مأثورة ولو لم تخني ذاكرتي فقائلها هو الإمام الشافعي عندما عاش محنة اتهامه من طرف هارون الرشيد بأنه يتآمر عليه مع تسعة من العلويين فأتى به أمير المؤمنين ووقع بين الرجلين جدال فقهي وفكري ونجا الإمام من القتل بعد أن قطع الرشيد رؤوس العلويين التسعة ولكن الشافعي قال تلك القولة كما يبدو لبعض سجانيه حين كانوا يقودونه مغلولا فاعتذر لديه أحدهم قائلا أنه عبد مأمور فكان جواب الإمام: "نعم عبد مأمور ولكن لولا أمثالك ما ظلم الطغاة". وقياس هذه الحكمة في زمننا الراهن هو الاعتبار بها لأننا نحن العرب نعيش عهدا لا عهد لنا به بعد التغييرات العميقة التي دخلت على أنظمة الحكم فانهارت دول وقامت دول على أنقاضها ولكننا لم نهتد إلى سبل الرشاد وحين دقت ساعة محاسبة الظالمين برر بعض الموظفين الذين كانوا ينفذون أوامر الطغاة وتعليماتهم بنفس عبارات سجان الإمام الشافعي أي أنهم عباد مأمورون ونحن الذين كنا مظلومين ومشردين في أرض الله الواسعة أو الذين كانوا أسوأ منا حظا يقبعون في السجون عشرات السنين أو أولئك الذين اختارهم الله سبحانه للشهادة فماتوا تحت التعذيب فنقول لهؤلاء الموظفين المأمورين نفس ما قاله الإمام الشافعي: "لولا أمثالكم لما ظلموا". صحيح أن الطغاة لا يخشون الله وينتهكون حرمات الإنسان ويقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولكن الأعوان الذين ينفذون أوامرهم يصنفون من جنود فرعون كما جاء في كتاب الله العزيز فهم لا يقلون عنهم مسؤولية ولا حجة لهم حين تنزل أيديهم بالسياط على جلود ضحاياهم أو حين تمتد أيديهم إلى بيوت الضحايا يصادرونها ويبيعونها وهم يعرفون بأنهم يأتون ظلما وجورا فالله سبحانه لا يعفيهم من جريرة الظلم وتطبيقه وتنفيذه على مظلوم بل كان من بين رجال العهد السابق وزراء وموظفون سامون لم يشاركوا في المظالم مباشرة ولكنهم سكتوا عنها ولم يستقيلوا ولم ينبسوا ببنت شفة في حضره السلطان الجائر فساعدوا الظالمين على المزيد من الظلم بصمتهم وامتناعهم عن قول الحق وازداد الطغاة طغيانا وتحق فيهم عبارة الإمام الشافعي بأن لولا أمثالهم لما ظلموا. هذه المعاني خطرت بوجداني حين حضرت الأسبوع الماضي موكب قبول التعازي في قرية سيدي بوسعيد بتونس بعد وفاة صديقي الوزير السابق المازري شقير رحمة الله عليه فقابلت هناك جمعا من الوزراء السابقين ومن رؤساء الحكومات السابقين أيضا ومن كبار الموظفين وظللت أطوف بالتحية والسلام على جميعهم وبادلوني نفس التحية والسلام ولكني لم أقدر على إخفاء ذكريات مريرة مرت على خاطري وطافت بخيالي وهي تعود وتهجم علي في تلك اللحظات فتذكرت أن نفس هذا الرجل الذي يصافحني بل ويعانقني بشوق أخوي اليوم في مطلع أكتوبر 2013 هو ذاته الذي كان سنة 1988 رئيسا للحكومة في نظام السابع من نوفمبر وكنت أنا وصديقي محمد مزالي والرجل الذي توفي أخير المازري شقيرمشردين أو ملاحقين من إنتربول ومطلوبين لعدالة غير مستقلة وقضاة مأجورين (وهم قلة بين رجال القضاء الشرفاء) وحين كان هذا الرجل رئيسا لحكومة بن علي لم يحتج ولم ينصح الرئيس بأننا كنا مضطهدين من دون وجه حق وكنا مشردين في المنافي من دون سبب وجيه أو ذنب ارتكبناه. وها نحن اليوم نلتقي وجها لوجه ونحن نقدم العزاء ونترحم على أحد الضحايا السابقين في لحظة يتيحها الله لنا لكي نعتبر ونقف صفا واحدا في وطن قام بثورة ضد الظلم وضد الظالمين لكن الشعب التونسي المتسامح والوديع لم يفكر في إنتقام ولم ينجذب إلى تشفي ولم يحاسب إلا من توغل في الظلم وأساء للوطن ونهب أموال الناس أما الآخرون الذين اعتبروا أنهم مأمورون وأن لا حول ولا قوة لهم أمام طغيان طاغ فيعيشون برواتب تقاعد (بينما نحن الضحايا فلا منحة تقاعد لنا إلى اليوم ورفضنا الانخراط في ماسمي عفوا تشريعيا يتيح لنا الإنصاف والتعويض) ويشارك هؤلاء الموظفون السامون السابقون في مواكب عزاء ضحاياهم السابقين ويمشون في جنائزهم وينسون أنهم حين كانوا على رأس السلطة أصيبوا بفتنة الحكم ودوار الكرسي فشاركوا في ظلمنا ولو بالسكوت عن الحق كالشياطين الخرس. أما العبرة التي على الأجيال القادمة أن تعتبر بها فهي ضرورة القطع تماما مع الظلم وانتهاج سبل الخير واحترام الذات البشرية وحقوق الإنسان مهما كان لأنه إما أخ لك في الدين أو شقيق لك في الوطن أو توأم لك في البشرية فلا تمد عليه يدك ظالما أبدا لأن الله سبحانه يمهل ولا يهمل وأنه حتى لو سامحك المظلوم لن يغفر لك رب العزة ولو بعد حين فيمد لك في طغيانك حتى تسقط من علو شاهق فلا يرحمك من لم ترحمه ويزين لك الشيطان أعمالك فتطغى وتنسى الله فينسيك نفسك ويأتي يوم تلاقي فيه ضحاياك إما في الدنيا فتخجل وترتد إلى ضعفك وتطلب الصفح ممن اعتديت عليه ذات يوم وإما في الآخرة بين يدي الله حين لا ينفع مال ولا بنون وليس للإنسان إلا ما سعى. هذه هي العبرة مما يسمى الربيع العربي وهو ربيع بدأ ينذر بالخريف لأننا لم نتبين طريق النجاة ولأن النخبة السياسية فضلت أحزابها وأنسابها وأحسابها على مصالح الوطن رغم المتربصين بنا من كل جانب ورغم العواصف التي تهدد كياننا والمخاطر المحدقة بنا. ففي مصر لم تستقر الحال بعد وسقطت يوم الأحد الماضي خمسون ضحية في مواجهات بين العسكر والإخوان في حين أن الأمر العاجل يستدعي الحوار دون أحقاد لكي تستعيد مصر العريقة المجيدة عافيتها وتعود لسالف منزلتها وسابق إشعاعها وفي تونس لم نهتد بعد إلى فضيلة الحوار الوطني حتى زلت لسان أحد الخطباء في حفل بداية الحوار فعوض كلمة الحوار بكلمة الحمار (لعله الذي يحمل أسفارا!) وفي ليبيا تم قتل جنود وضباط في معارك قبلية أما عن سوريا فلا تسأل لأن الأمر خرج عن قدرة العرب ليكون محور صفقات بين العملاقين الأمريكي والروسي. اللهم رحمتك على العرب وعفوك وهداك وحسن رضاك.

9617

| 09 أكتوبر 2013

بورقيبة الابن يفتح الصندوق الأسود

اقتنيت هذا الأسبوع كتابا جديدا صدر عن دار سيراس للنشر التونسية باللغة الفرنسية بعنوان (تاريخنا) وهو يضم على مدى 382 صفحة مذكرات الحبيب بورقيبة الابن (الملقب هنا بكنية لطيفة هي بيبي) وقد توفاه الأجل في ديسمبر 2009 بعد وفاة والده الزعيم بتسع سنوات. والكتاب قرأته في يومين لأنني كتب لي الله تعالى أن أعايش مثل جيلي جزءا من الأحداث الموثقة على لسان أقرب الناس للزعيم بورقيبة وهو ابنه الوحيد وألصق التونسيين بصناعة التاريخ الوطني الحديث وأنا أشد على يدي الأستاذ الزميل محمد كرو الذي ساعد بورقيبة الابن على استعادة ذكرياته والمواقف المرتبطة بها لأنه كان يطرح الأسئلة الذكية والمثيرة على الرجل حتى يحصل على شهادة أساسية حول تاريخ البلاد وخفايا محطات كثيرة من ماضينا.. وللتذكير فإن الحبيب بورقيبة الابن ورث اسم الزعيم ولقبه مع إضافة الابن (مثل بوش الابن والأب) وعاصر مرحلة الكفاح الوطني منذ سنة 1934 تاريخ أول إيقاف لوالده (والحبيب الابن مولود سنة 1927) وهو الابن الوحيد من السيدة ماتيلد (الفرنسية التي كانت أول زوجة للزعيم واعتنقت الإسلام وشاركت في الكفاح التحريري باسم مفيدة بورقيبة) لكن أهم الأسرار التي يخرج بها القارئ بعد أن فتح ابن الزعيم قلبه وصندوق عصره الأسود هي التي تتعلق بالمرض العقلي والنفسي الذي أصيب به الرئيس بورقيبة على مدى ربع قرن لأنه كان عرضة لانهيار عصبي منذ أواخر الستينيات ولم يعد قادرا على النوم ولا بالطبع على التركيز ومن المؤكد أن هذه المصيبة تجاوزت بورقيبة لتنعكس بتأثيرها الطويل والعميق على الوطن. فالرجل تنقل كما يفيدنا ابنه من مصحة بسويسرا إلى مصحة بباريس ثم إلى واشنطن على طائرة عسكرية أمريكية مجهزة بالإسعاف ثم يعود من تلك الرحلات العلاجية إلى تونس لفترات قصيرة لتناول أدوية وعقاقير تتغير بتغيير الطاقم الطبي المشرف ويغرق الزعيم في لجة الهرم والخرف ثم لم يتنازل عن أي سلطة وانتهى به الأمر حسب شهادة ابنه إلى أن تحول قصر قرطاج إلى حضانة تشرف عليه الحاضنة سعيدة ساسي ابنة أخت الزعيم التي كانت تفتخر بكونها ترعى خالها وتحضنه كما لو كان رضيعا (صدر لها حديث في مجلة جون أفريك بهذه المعاني المخزية في سنة 1986)، وهذه السنة 1986 هي السنة الفاصلة حسب صاحب الكتاب لأنها شكلت ذروة انهيار الزعيم حين تحول إلى دمية طيعة في أيدي سعيدة ساسي التي كان يحركها وزير الداخلية القوي آنذاك زين العابدين بن علي ليتمكن من تنفيذ مخططه شديد الدهاء للوصول إلى سدة الرئاسة يوم كانت الرئاسة ملقاة على قارعة الطريق. خلا القصر من كل المخلصين لبورقيبة ورفاقه التاريخيين أمثال زوجته وسيلة بن عمار التي طلقها الزعيم بطريقة مناقضة تماما لمبادئ كرامة الزوجة وحقوقها وطردها من قصره ومن حياته شر طردة وجاء دور ابنه الحبيب فعزله من منصب المستشار وطرده أيضا بلا سبب ثم جاء دور أوفى الأوفياء وأعرقهم سكرتيره الخاص منذ سنة 1931 علالة العويتي وانتهى المسلسل الرهيب بعزل وزيره الأول محمد مزالي الذي دبرت له البطانة الفاسدة مكيدة لقتله إعداما بتهمة الإعداد لعزل بورقيبة بواسطة شهادات طبية وهو نفس البرنامج الذي سطره زين العابدين ونفذه في 7 نوفمبر 1987. الخلاصة التي ترعبنا كتوانسة ولو بعد ربع قرن من عزل بورقيبة وبعد 13 سنة من وفاته رحمة الله عليه هي أننا كنا محكومين على مر العقود الأخيرة من رجل منهار عصبيا لم يعد يدرك في الهزيع الأخير من سنوات حكمه من هو هذا الوزير أو ذاك فيعين وزيرا في الصباح ثم يخلعه بعد الظهر كما جرى مع عبدالملك العريف. أما الأخطر من ذلك فهو عجز الطبقة السياسية عن الإصداع بالحقيقة وهي ساطعة كالشمس أو عن القيام بحراك دستوري يريح هذا الزعيم الكبير من هموم السلطة بعد أن أدى واجباته الجسيمة في تحرير البلاد من الاستعمار وفي بناء دولة حديثة أمنة. فلا ننكر أن بورقيبة هو الذي عاش فقيرا ومات فقيرا وهو الذي أعطى الأولوية لإنشاء الإنسان فكان ثلث الميزانية يخصص سنويا للتربية ثم هو الذي عمم المدارس وراهن على العقل ونشر المصحات والمستشفيات. وأصيب الرجل منذ زمن بعيد بلوثة عبادة الشخصية وهو ما يتحدث عنه بإطناب ابنه لأنه يدين البطانة التي أحاطت بوالده ونفخت في انحرافاته العقلية لتعلن فصلا في الدستور يؤبده في رئاسة الجمهورية ثم تستغل فيه ما سماه ابنه عقدة (أوديب) لتجعل من السيدة وسيلة أما له لا زوجة ويتحول الزعيم إلى طفل مدلل حسب تعبير ابنه لا حسب رأيي أنا وتغرق تونس في أواسط الثمانينيات في بحر المناورات والمؤامرات والدسائس ويستعمل بعض القضاء في تصفية الخصوم والمنافسين بيد عميد قضاة التحقيق في ذلك العهد الذي أصبحت إحالاته اليوم تدرس في كليات الحقوق ومعهد القضاء كنماذج غريبة وعجيبة لإيداع الأبرياء السجون بتهم كيدية تعتبر وصمة على جبين هذه القلة من القضاة لأن أغلبهم شرفاء ولله الحمد. أما الشأن الآخر الذي تحدث عنه المرحوم الحبيب الابن فهو ملف التعريب الذي تحمس له المرحوم محمد مزالي وطبقه دون التنكر للغات الأجنبية فقد أدان كاتب الشهادة كل فلسفة التعريب مؤكداً أن هذا الخيار قهقر التعليم وأنشأ جيلا من المتطرفين الذين حسب رأيه لم يتعمقوا في فكر الغرب العقلاني الحداثي وأنا استغربت هذا الهجوم على التعريب والموالاة للتغريب لأنه موقف لم نسمعه أبداً من الحبيب بورقيبة الابن ولا مرة حينما كنا حول محمد مزالي نشحن برامج التربية والتعليم بفلاسفة الإسلام إلى جانب ديكارت ومنتسكيو لأننا كنا ومازلنا نعتقد أن الجيل العربي المسلم لابد أن يعرف أمجاد حضارته حتى يعتز بها ولا بد أن تكون له مناعة حضارية وروحية حين يدرك ويفتخر بالإضافات العظيمة التي أتى بها أجداده للعلوم والآداب وإبداعات الفكر الحر لا أن يقتصر التعليم في بلاد الزيتونة على تلقينه عظماء فرنسا. أنا لم أستغرب هذا الموقف من بورقيبة الابن لأنه لم يكن من مناصري الهوية رغم كفاحه في سبيل بناء الدولة التونسية وإعلاء شأن دبلوماسيتها.. الكتاب وثيقة مهمة وضرورية لإنارة حقبة من تاريخنا وكشف خفاياها ورحم الله الرجل وأحسن إليه.

8839

| 02 أكتوبر 2013

العرب بين الشريعة والشرعية والشارع

في تونس ومصر واليمن وليبيا وربما في سوريا اليوم ومنذ التغييرات العميقة التي دخلت على تركيبة أنظمة الحكم في هذه البلدان كانت وما تزال هذه المصطلحات هي الأكثر تداولا في أدبيات ما يعرف بالربيع العربي والأكثر إثارة للجدل بين النخب الجديدة وهي تشكل قضايا مطروحة بقوة على السلطات والمعارضات في لحظات مفصلية حاسمة من تاريخ العرب في مطلع القرن الحادي والعشرين. ويلاحظ قرائي الأكارم أن أصل هذه العبارات واحد وهو شرع (ش ر ع) وفي لسان العرب فإن معنى شرع هو: والشريعة: موضع على شاطئ البحر تشرع فيه الدواب. والشريعة والشرعة: ما سن الله من الدين وأمر به كالصوم والصلاة والحج والزكاة وسائر أعمال البر مشتق من شاطئ البحر ;ومنه قوله تعالى: ثم جعلناك على شريعة من الأمر، وقوله تعالى: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا قيل في تفسيره: الشرعة الدين، والمنهاج الطريق، وقيل: الشرعة والمنهاج جميعا الطريق، والطريق ههنا الدين، ولكن اللفظ إذا اختلف أتى به بألفاظ يؤكد بها القصة. هذه بعض معاني (شرع) والتي تفرعت عن أصلها عبارات شريعة (وهي في القرآن) وشرعة (كذلك في القرآن) وشرعية وهي مبتكرة منذ القرن التاسع عشر حيث تطور معناها مما هو متعارف في الثقافة الإسلامية من الأمر الملتزم بالشرع فهو شرعي بمفهوم الفقه إلى المعنى المترجم من الفكر السياسي الفرنسي والبريطاني من مصطلح قانوني هو legitime أي ما يستمد سر وجوده من تلاؤمه مع القانون وعدم تعارضه مع الأعراف والتقاليد فيصبح شرعيا كل أمر يتفق الناس على كونه غير مفروض بقوة غاشمة أو مستبد ظالم. ومن هذا المعنى جاءت الديمقراطيات الحديثة بمثل أعلى وقيمة عليا هي الشرعية legitimite فأصبحت الشرعية بمفهوم قبول الدستور(و المواطنين) بها هي المعيار الأول والضروري لأية سلطة تريد فرض أحكامها على الناس. واليوم نرى أن العرب وقعوا في حيص بيص بفقدان بوصلة الحكم الفردي والاستبداد وببطء تعويض ذلك الحكم بنظام ديمقراطي جديد يخرج من بين صلب الشعب وترائبه ليعيد تركيب الحراك السياسي على العدل واحترام حقوق الإنسان وفرض سيادة القانون على الجميع وإعادة الاعتبار للمواطنة كقيمة حقيقية من قيم العصر المعرفي الذي نحياه. نحن العرب إذن في مرحلة خطيرة وهشة مهما حملت من وعود المستقبل لأننا قضينا على ماض معلوم ونريد أن نؤسس لمصير مجهول. ومن هنا جاءت عناصر الجدل في مصر وتونس وليبيا حول معاني الشريعة ومستحقات الشرعية وأدى الاختلاف العميق حولها إلى الاحتكام للشارع أي لما يسميه السياسيون نبض الجماهير وضرورة حسم النزاع عن طريق الضغط على الخصوم بقوة التهديد بالفوضى لأن الشارع مهما كانت نوايا المنادين بسلطة الجماهير طيبة وساذجة فهو في علم الاجتماع تنين رهيب يسهل إطلاقه من قمقمه ولكن يصعب بل يستحيل إعادته للقمقم بالهدوء الذي نتصوره. فكل حراك جماهيري في مصر مثلا (بين رابعة والتحرير...) انتهى بنتائج لا أعتقد أن بديع زعيم الإخوان ولا السيسي قائد الجيش خططا لها كما وقعت بالضبط بل إن منطق الشارع وقع استعماله وتوجيهه نحو إقرار شرعية مبتدعة لم تستقر إلى اليوم ما دام هناك ضحايا يسقطون وما دام هناك رصاص يلعلع. فأين الشرعية التي جاء بها الشارع وأين الشريعة التي يراد تطبيقها ما عدا شريعة الغاب إلى حين؟. إن أمننا في تونس ومصر هو بالضرورة أمن إقليمي مترابط الحلقات لأن لدينا حدودا طويلة مع الشقيقة ليبيا وهي في الواقع ليست حدودا بل هي حلقات تواصل وتعاون وجوار منذ قرون. اللهم سترك ورضاك على أوطاننا يا رب العالمين.

1579

| 02 أكتوبر 2013

توجد حياة بعد مغادرة الحكم

منذ خمسين عاماً أتابع الحياة السياسية في وطني تونس وفي العالم العربي وفي أوروبا ربما بالوراثة لأن والدي كان وطنيا دستوريا على قد حاله وكان يقرأ الصحف ويسمع الراديو ويساهم في الحركة التحريرية بما يقدر عليه من أضعف الإيمان أي أننا في عائلتنا كنا نخفي أحد المقاومين المسلحين عثمان سعيد وكان من أصهارنا وهو يلجأ لنا لأن دارنا قليلا ما يتطرق إليها الشك هربا من عصابة اليد الحمراء عميلة الاستعمار ومصفية المقاومين. كان ذلك سنة 1952 مع انطلاق الثورة المسلحة وعثمان سعيد كان لديه رشاش طالما تلمسته بزهو وخوف وكان يشارك في العمل المسلح ثم عند استقلال البلاد سنة 1956 عينه بورقيبة ضابطا في الحرس الوطني. كانت تلك صلتي بالسياسة ثم إن والدي سجلنا في مدرسة الفتح القرآنية التي كان المدرسون فيها كلهم من الوطنيين الدستوريين ومؤسسي الحزب الدستوري أمثال محمد بودخان والطاهر عطاء الله وكانوا يقضون أيامهم إما يعلموننا في الفصول أو يعانون في السجون فتعلمنا منهم محبة الوطن الحر رحمهم الله وطيب ثراهم. ثم جاء عهد الاستقلال وقامت مدينة القيروان بأول حركة تمرد على بورقيبة في يناير جانفي 1961 وشارك فيها طلاب المعهد الثانوي وكنت من بينهم احتجاجا عنيفا على نفي إمام جامعنا الأعظم ومدير معهدنا الشيخ الفاضل عبدالرحمن خليف واستشهد في ذلك اليوم خمسة متظاهرين وتم قمع القيروان وضرب الحصار عليها. وبعد سنوات من حكم الزعيم بورقيبة استقرت له السلطة المطلقة وأحاطت به بطانة لم تصدقه النصيحة ما عدا قلة نادرة من الوطنيين آثر بعضهم النأي بنفسه من الإذلال وقبل أغلبهم الإذعان لشخصية الزعيم النرجسية ولم ينبسوا ببنت شفة نصرة لحق أو دفاعا عن مظلوم. ومن السبعينيات بدأ غرق الزعيم في لجة الأمراض والهلوسات وبلغ الأمر أن حكمت تونس في أواسط الثمانينيات امرأة جاهلة محدودة المدارك هي ابنة أخته، فطرد الزعيم الخرف زوجته وسيلة من القصر وابنه الوحيد من حياته ووزيره الأول محمد مزالي من قصر الحكومة ونفاه إلى الخارج هاربا بجلده، ثم طرد من قصر قرطاج رفيق دربه سكرتيره لمدة ستين عاما علالة العويتي وبدأ التوانسة يفكرون في خلافة بورقيبة إلى أن دبر رئيس حكومته زين العابدين بن علي حيلة الفصل 57 من الدستور وغادر الزعيم قصره وعصره ثم لم تتأخر رئاسة ابن علي عن اللحاق المبكر بملحمة سقوط بورقيبة وتصورت بعض النخب أن عهد 7 نوفمبر مستمر إلى عقود إلى أن جاء التغيير الكبير على أيدي شباب يائس معطل عن العمل وناس عاديين يتوقون للكرامة ونخبة تطمح للحرية وكنت أنا أتساءل مع غيري في قناة الجزيرة أو في مؤتمرات دولية أو في مقالاتي وكتبي المتواضعة منذ منفاي الطويل عن سر خروج العرب من التاريخ بسبب ما سماه المفكر الأمريكي من أصل هندي فريد زكريا "الاستثناء العربي" حين يتشبث الزعماء العرب بالسلطة إلى درجة الهوس والجنون والإبادة؟ وباركت مع من بارك المشير عبدالرحمن سوار الذهب عندما تولى الحكم في السودان بعد الطاغية جعفر النميري ثم أوفى بوعده وغادر الرئاسة بعد سنة بالضبط وطالما تحادثت مع هذا الرجل المثقف في ندوات جمعتنا ثم باركت مع من بارك تخلي صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني عن إمارة قطر متنازلا لابنه الشيخ تميم وهو موفور الصحة وفي تمام العافية معتقدا أن بعد الحكم توجد حياة وتوجد سعادة غفل عنهما أغلب حكامنا العرب. ثم إني عشت سنوات المنفى في فرنسا وتعرفت في مقر تلفزيون فرنسا 24 على الرئيس الأسبق للاتحاد الأوروبي السيد جاك ديلور الذي كان مؤهلا للرئاسة في انتخابات 2002 وحاصلا على أكبر نسبة نوايا الاقتراع وإذا بالرجل الشهم يقول: "لن أترشح لأن لدي حديقة صغيرة فيها أزهار جميلة سوف أخصص زمن تقاعدي لتشذيبها وريها وترتيبها ولكل جيل رجال" ثم طالما التقيت بمحض الصدفة بالرئيس الأسبق فاليري جسكار دستان في محطة القطار مون بارناس بباريس وهو يجر حقيبته كأي مسافر مجهول ويحظى بتحيات المواطنين العاديين الذين يعرفونه من خلال التلفزيون فيسلمون عليه بأدب واحترام. وفي ساحة البنتيون قرب حديقة اللكسمبور حيث كنت أسكن لفترة قصيرة، كم مرة أقف في الطابور عند الخباز لأقتني الكرواسون (أكلة الصباح لدى الفرنسيين) فأجد أمامي السيد لوران فابيوس رئيس الحكومة الأسبق في عهد الرئيس ميتران ورئيس البرلمان بعد ذلك ووزير الخارجية الحالي منتظرا في الطابور دوره ليشتري الكرواسون الطازج مثلي ومثل أغلب الناس وهو آمن متمتع بتقدير الجيران. وتعود لذاكرتي مآسي القادة العرب حين تنغرس كراسيهم في الأرض بعروق وجذور أشبه بالأشجار القوية الراسخة فلا يتصورون حياتهم إلا فوق هذه الكراسي ومحاطين بالبطانة التي تقول لهم ما يعجبهم وتزين لهم أعمالهم وتخدعهم حتى تعصف بهم عواصف الدهر وهم غافلون فتصبح البطانة أول المنقلبين عليهم وهكذا تشابهت سيناريوهات الثورات فيتم إخراج صدام حسين من حفرة في عزبة بالعراق ويشنقه خصومه في صباح عيد الأضحى كما يتم قتل العقيد القذافي بطريقة وحشية لا تشرف من ارتكبها مهما بلغت جرائم هذا الرجل المهووس بالحكم وكذلك يؤخذ محمد حسني مبارك من غرفة نومه إلى نقالة في قفص أشبه بأقفاص حيوانات السيرك وينجو علي عبدالله صالح من عدة محاولات اغتيال لكنه يعيش اليوم بوجه مشوه بالحرق في اليمن مضمونا بالتزام خليجي ولا يزال مصير بشار الأسد مجهولا إلى اليوم لكنه ربما لن يختلف عن السيناريو العربي الذي تعودناه. يقول الله تعالى في تنزيله الحكيم:" وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون" - النحل: 112- هذه آية من آيات الرحمن تعبر أصدق تعبير عن وضع بعض الزعماء العرب الذين نددنا منذ عقود بكفرهم بأنعم الله بعد أن كانوا وكانت بلدانهم آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فغفلوا عن مغادرة الحكم بعد زمن معقول ولم يعدوا للسلطة جيلا جديدا ولم يعودوا الناس على التداول السلمي والديمقراطي على الحكم وهنا جاء عقاب الله (مع عقاب الأمة) فأذاقهم سبحانه لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون.

408

| 25 سبتمبر 2013

الكيمياوي السوري والضربة الغربية ونحن العرب

تنحبس أنفاسنا هذه الأيام نحن العرب في انتظار مصيبة إضافية تزيد طينتنا بلة ونحن في حالة لا تحسدنا عليها الأمم الأخرى بعد سلسلة من المصائب لعلها بدأت في تاريخنا الحديث مع نكبة فلسطين عام 1948 واستمرت بانقلاب العسكر العربي لأول مرة في سوريا بالذات على أيدي الجنرال حسني الزعيم الذي استولى على الحكم في 30 مارس 1949 واعدا العرب بتحرير "كل شبر من أرض فلسطين!" وأودع القوتلي والعظم السجون وبعده أصابت العدوى مصر فانقلب الجنرال محمد نجيب والبكباشي جمال عبدالناصر على الملك فاروق يوم 23 يوليو 1952 وتم إلغاء الأحزاب والمنظمات المدنية وتم تعليق الديمقراطية وأبعد الملك إلى إيطاليا و أعلن الضباط الأحرار عن قرب تحرير فلسطين من النهر إلى البحر وتحرير العرب بل وتوحيدهم من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر لبيك عبد الناصر كما كان ينشد الشاعر السوري العروبي سليمان العيسى رحمة الله عليه وانتهت الناصرية بشنق المفكر المسلم سيد قطب طيب الله ثراه ثم بكارثة الهزيمة النكراء على وقع الانتصار الوهمي للعرب في صوت العرب على لسان أحمد سعيد. وبعد هاتين الثورتين اللتين جمع بينهما أنهما قام بهما عسكر شاركوا في حرب فلسطين عام 48 و لعلهم كانوا عن حسن نية وسلامة طوية حين تخيلوا أن باستطاعتهم حين يحكمون أن يصنعوا المعجزات و أدرك الناس الطيبون في دمشق والقاهرة بعد حين بأن إنجازات الثورات لم تتجاوز تحويل ألقاب الباشا من البرجوازي إلى الضابط فأصبح الضابط وحتى الجندي البسيط يلقب بالباشا عوضا عن فؤاد سراج الدين باشا أو طلعت حرب باشا أو طه حسين باشا عميد الأدب العربي ووزير المعارف في عهد فاروق ذلك الرجل القمة الذي عوضه في وزارة المعارف ضابط اسمه حسين كمال على ما أذكر. هكذا بدأ العد التنازلي في حضارة العرب وأسس الغرب دولة إسرائيل تكفيرا عن ذنوب النازية وتوج انحدار العرب بهزيمة الخامس من يونيو (جوان) عام 1967حين أصم القادة العرب أذانهم عن نصائح حكيمهم و أكبرهم سنا الزعيم بورقيبة فجاءت الحرب الخاطفة وخسر العرب لا فقط طائراتهم بل أغلب أراضي فلسطين وأراضيهم التي ما يزال أغلبها محتلا إلى يوم الناس هذا! ولنستمر في تعداد المصائب العربية نذكر بانقلاب عبدالكريم قاسم في العراق عام 1958 حيث قتل الملك فيصل ورئيس حكومته نوري السعيد وآل بيته وسحلوا في شوارع بغداد ثم جاء بعد ذلك من انقلب على الانقلابيين وقتل عبد الكريم قاسم وسحله إلى أن تواصلت سلسلة الانقلابات في سوريا والعراق واليمن وليبيا ونال لبنان نصيبه من مصائب العرب (بعد أن كان لبنان سويسرا الشرق!) بحرب أهلية انتهت بجلاء الفلسطينيين عن لبنان واستقرارهم في تونس في ضيافة الرجل الوحيد الذي صدقهم و نصحهم في خطاب أريحا في 11 مارس 1965 وجاءت حرب رمضان فنال المصريون نصف انتصار لأن إسرائيل كانت ستحتل مصر من الكيلومتر 101 على مشارف القاهرة. وهكذا دواليك وعلى نخبك يا وطن كما كان يقول غوار الطوشي الذي عذبته المخابرات العربية بالكهرباء فقال: عجبا يا عرب وصل التيار الكهربائي إلى رجلي ولم يصل إلى قريتي بالشام! على مدى ستين عاما أصبح التعذيب ظاهرة عربية والقتل والاغتيال والنفي والتشريد كذلك ظاهرة عربية. ستون عاما ونحن نرى صورة بورقيبة على أوراق الدينار التونسي ونرى صور القذافي بلباس غريب مضحك في المحافل الدولية محاطا بحارساته الفاتنات ونرى حسني مبارك يضحك ملء شدقيه مع شارون وأولمرت وناتنياهو في شرم الشيخ ونرى علي عبدالله صالح يصرخ: فاتكم القطار فاتكم القطار! وفي الحقيقة أن القطار فات العرب أجمعين و جاءت حرب العراق بعد أن احتل صدام حسين الكويت و جاء تدخل حلف الناتو في ليبيا ثم اعتقدنا أن مصر بلغت شاطئ النجاة في انتخابات أوصلت مرسي إلى سدة الرياسة و يا خيبة المسعى ثم ها نحن ننتظر ضربة أمريكا وفرنسا لسوريا بعد أن استعمل الكيمياوي ضد الأبرياء في انتظار أن يقوم الجمهوريون بعد أوباما حين يصلون البيت الأبيض بضرب المفاعلات النووية الإيرانية. إننا بصدد مشاهدة إعادة تقسيم المنطقة بمعاهدة سايكس بيكو الجديدة الأمريكية هذه المرة على قياس المصالح الأمريكية والأوروبية والإسرائيلية في لحظات غفلة العرب ونحن لم نتساءل بعد كيف سنتقبل ضرب سوريا؟ وهل سيستقر حكم سوريا بعد الضربة؟ ومن الذي سيتولى أمر سوريا وبحماية من؟ وما مصير الجماعات المسلحة المقاومة التي صنفها الغرب في خانة الإرهاب؟ كيف سيكون حال العرب بعد أسابيع بنفطهم وغازهم وثرواتهم المودعة في بنوك الغرب ونخبهم المثقفة والمعارضة الموزعة في عواصم الغرب؟ وقد نسينا على ما يبدو أن جامعة دولنا العربية أنشأها ملوك العرب في 19 مارس 1945 ووضعوا في ميثاقها بندا سموه الدفاع العربي المشترك يلزم الدول العربية بدخول الحرب إذا ما اعتدي على إحداها نصرة للشقيق وذلك قبل ميثاق الأمم المتحدة و قبل حلف الناتو وأين عرب اليوم 2013 من عرب الأمس بل ماذا سيبقى من العرب بعد أن أوصلنا أنفسنا إلى هذا الحضيض فانظروا حالة شعب مصر التي ستطول كما يبدو بين عسكر يقول إنه يحمي الشعب وشعب يقول إنه يحمي الشرعية! وفي تونس كيف سنخرج من حالة إغماء سياسي بين نخب نصف حاكمة ونخب نصف معارضة لا يرى واحد منها إلا انتصاره في الانتخابات القادمة ولم يعد واحد منهم يسأل نفسه إذا ما ضربت سوريا بذنب أو بدون ذنب من يمنع عنا غدا في تونس ضربة ناتو إذا ما هددت سفارة أو تواصل إرهاب. رب عفوك وسترك وعزيز رحمتك بعبادك الغافلين.

570

| 11 سبتمبر 2013

alsharq
شعاب بعل السامة

تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما...

6048

| 23 فبراير 2026

alsharq
مرحباً بالركن الثمين

مرحبًا رمضان، رابع الأركان وطريق باب الريان. فالحمد...

900

| 18 فبراير 2026

alsharq
تحديات الحضانة

تُعد قضايا الأسرة من القضايا المهمة التي تحتل...

699

| 20 فبراير 2026

alsharq
زاد القلوب

كلنا يعلم الرابط القوي والعلاقة المميزة بين القرآن...

681

| 20 فبراير 2026

alsharq
قفزة تاريخية في السياحة

كشف التقرير السنوي لقطر للسياحة أن عدد الزوار...

588

| 22 فبراير 2026

alsharq
سلام عليك في الغياب والحضور

لم أفهم معنى أن يكون للطفولة ظلٌّ يحرسها...

540

| 23 فبراير 2026

alsharq
الجسد تحت منطق «التكميم الرقمي»

انبلاجُ الوعي اليومي لا يقدّم الجسد بوصفه حضورًا...

504

| 19 فبراير 2026

alsharq
هكذا يصنع الصيام مجتمعاً مترابطاً

لئن كان صيام رمضان فريضة دينية، إلا أن...

483

| 22 فبراير 2026

alsharq
تفاصيل رمضانية

جوهر رمضان هو العبادة، وتخليص النفس للطاعة، والتقرب...

483

| 25 فبراير 2026

alsharq
الكلمة الطيبة عبادة

الكلمة في ميزان الإسلام ليست صوتًا يذوب في...

477

| 24 فبراير 2026

alsharq
قطر ومجلس السلام

تُعد دولة قطر شريكاً محورياً في الجهود الدولية...

468

| 20 فبراير 2026

alsharq
المعسكر الداخلي

رمضان ليس مجرد شهرٍ في التقويم، بل هو...

453

| 18 فبراير 2026

أخبار محلية