رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قرأت فقرة من كتاب المقدمة للعلامة عبد الرحمن بن خلدون هذه الأيام فتذكرت حال العرب بعد مرور عامين و نصف على ما سمي بالربيع التونسي الذي عم بقاعا أخرى من الوطن العربي بالأمل والألم يقول ابن خلدون منذ حوالي سبعة قرون: "إن من عوائد العرب الخروج عن ربقة الحاكم و عدم الانقياد في السياسة فهم يتنافسون في الرئاسة وقل أن يسلم أحدهم الأمر لغيره فيتعدد الحكام منهم والأمراء و تختلف الأيدي على الرعية فيفسد العمران و ينتقص فتبقى الرعايا في مملكتها دون حكم و هكذا بعدت طباع العرب عن سياسة الملك". انتهى قول ابن خلدون و لا حظوا معي أيها القراء الأفاضل انطباق عبارة تبقى الرعايا دون حكم على الوضع العربي الراهن فهو يتميز باللا دولة و انتفاء ناموس القانون الذي هو الحامي لأعراض الناس و أرزاقهم و الضامن لحياة عيالهم و صد المظالم عنهم. فالعلامة ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع و رائد فلسفة التاريخ و أستاذ أرنولد توينبي عالم الحضارة المعروف كان على يقين من أن الجينات العربية لا تقبل النظام حتى و إن كان عادلا و تخرج عن ربقة الحاكم حتى لو كان صاحب شرعية و أهل صلاح و ورع. و قرأت للمفكر اللبناني أستاذي د.غسان سلامة هذا الرأي: "الاختيار الوحيد المتاح في التاريخ السياسي العربي ينحصر في الاختيار بين الاستبداد و الفتنة لا بين الاستبداد و الحرية". كما قرأت للدكتور محمد الأسعد هذا القول المصيب:" إذا بدأت تحاور مثقفا عربيا منتميا لأيديولوجية معينة عليك أولا أن تثبت له أن العالم موجود خارج حدودنا...لأنك تكتشف أنه لم يقم أي وزن لهذا العالم و أن فكره إفراز ذهني لم يأخذ في الحسبان وجود عالم حي متحرك". هذه الآراء العربية تفرق بينها قرون طويلة لكنها تتفق على غفلة العرب في الغالب عن دوران الأرض و حركة العالم الواسع من حولهم و هم في سنة من النوم كأنما الدنيا تبدأ منهم وتنتهي عندهم بينما السياسة في جوهرها تحليل و بعد نظر و نفاذ بصيرة بما هو حولك أيها العربي من تناقض مصالح إقليمية و اختلاف توجهات دولية بل و تدافع حضارات متباينة ليس لها نفس الجذور و لا نفس المنطلقات تلك الحضارات الكبرى الخمسة التي عددها المفكران صمويل هنتنغتن و فرنسيس فوكوياما و صنفا من بينها بل من أخطرها على الغرب الحضارة الإسلامية ( و بشكل أخف الحضارة الكنفوشية أي التي تقودها الصين ) و توعدا بما سمياه صدام الحضارات و الذي يعتقد فوكوياما بأنه محسوم لصالح الغرب و منهجه الليبرالي وقيمه التي تدعي الكونية مبشرا بنهاية التاريخ! و نصل إلى حال العرب الراهن لنتأمل في الشتات السياسي و الضياع الحضاري الذين يعطلان مسيرة العرب نحو المستقبل و لنقرأ بصدق الأسباب الموضوعية التي أدت بنا لهذا النفق المظلم فنجد أن غياب التفكير في مراكز القوى العالمية و انعدام تحليل أوضاعنا في صلب التيارات الكونية المتشكلة في أقطاب كبرى جعلتنا لا ندرك مواقعنا الحقيقية على خارطة العلاقات الدولية المتحولة باستمرار و أبرز مثل حديث هو تخبط العرب في معالجة أزمات سوريا و العراق و فلسطين و الحركات الجهادية العنيفة التي بدأت تنتشر في الشمال الإفريقي. فقد فوجئنا بكل هذه الأزمات الأربعة حزمة واحدة لنفيق فجأة لنجد أنفسنا على فوهة أربعة براكين ذات حمم و لم نكن نتوقعها و لم نحسب لها حسابا و السبب الأصلي هو كما أعتقد إصرارنا الغريب على هندسة المستقبل و إدارة الأزمات بمعزل عن حقائق العالم من حولنا. فالملف السوري اندلع بمساره التقليدي منذ أكثر من عامين حين بدأت مطالب شعبية عادية تطفو على سطح المدن و الأرياف السورية و اعتقدنا مطمئنين أن مسار سوريا هو ذاته الذي عرفناه و عشناه في تونس و مصر و ليبيا و اليمن و لم نقدر أن لعبة الأمم الكبرى في سوريا تتجاوز حدود سوريا و حدود منطقة الشرق الأوسط لأن الحالة السورية تظل وثيقة الصلة و شديدة التفاعل مع مصير القوة النووية الإيرانية و استقرار لبنان و الأردن و تسرب العدوى للعراق مما يهدد بتغيير جذري في التوازن الاستراتيجي القائم باتفاق العمالقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. و نسجل أن اختلاف العرب حول أصول و مصير الملف السوري هو في الحقيقة اختلاف في تقدير مصالح بلدانهم حسب قرب أو بعد هذه البلدان عن مركز الزلازل و مدى ارتباط مستقبل أنظمتهم بالعمالقة الثلاث أمريكا و روسيا والصين. في النهاية نستخلص بأن الأزمة السورية ليست أمرا عربيا داخليا و لن تكون و لا نستبعد أن يتفق العرب على هذه الحقيقة فيتعاملون مع الأزمة تعاملا على الأقل يحقن الدماء البريئة و ينأى بسوريا عن الأيدي الخارجية التي قد تختلف فيما بينها و لكنها لا تقيم وزنا للدم السوري المسفوح. و لعل هذا الإدراك الذكي هو الذي حدا بالدوحة و واشنطن و أنقرة لدعوة مجلس حقوق الإنسان التابع لمنظمة الأمم المتحدة للانعقاد حول الملف السوري الذي أصبح إنسانيا بالدرجة الأولى وكذلك نضع في نفس الخانة موافقة النظام السوري على المشاركة في مؤتمر جينيف 2 وهو ما يشكل مبادرة روسية أي كذلك غير عربية. أما الوضع في العراق فلا نرى له بصيص أمل لإنقاذ هذه البلاد العريقة من التقسيم على أيدي من يخدمون مصالحهم بكردستان مستقل و شيعة منكفئين على إقليم حر و سنة يتوحدون في شبه دويلة هربا من الطائفية المفرطة كما أننا أمام صعوبة عودة الوفاق الفلسطيني لا نلمح بارقة ضوء يبشر بتوحيد جهود المقاومة دبلوماسية كانت أم مسلحة في وجه محتل إسرائيلي لا يقدم أي بديل مقبول و لا يدرك أن حالة اللاحرب و اللاسلم سوف تنهكه هو قبل الفلسطينيين و تبقى دائرة الضوء مسلطة هذه الأيام على استفحال ظاهرة السلفية المسلحة في دول المغرب الإسلامي و تهديد القوى الفرنسية والأمريكية بالتدخل فيما تحسب باريس و واشنطن أنه مجالهما الحيوي. و بعد هذه المصائب هل من الممكن أن نواصل التخبط بدون تخطيط و بلا غايات حتى تخرج قضايانا من أيدينا لنتحول نحن أصحاب الشأن إلى متفرجين على هندسة مصائرنا؟
387
| 29 مايو 2013
لو قمنا بجرد أمين وغير منحاز لما تحقق للشعوب العربية من منجزات وما فقدته من مكاسب خلال السنتين الأخيرتين لقلنا من دون تردد إن بعض هذه الشعوب أصبحت في عداد الجماهير غير المحكومة وغير القابلة للنظام والقانون، أي تحولت من عهد دولة الاستبداد والقهر إلى عهد اللادولة، ومن مرحلة تجاوز القانون إلى مرحلة اللاقانون، ومن حالة التساهل مع الفساد إلى حالة التساهل مع الفوضى. وهنا تتساوى المصائب رغم اختلافها ولا يشعر المواطن بالأمان رغم تمتعه بحق التعبير والتظاهر. ولو أوجزنا الكلام لتوصيف هذه الظاهرة لقلنا إن بعض شعوبنا العربية عوضت محنة بمحنة وبدلت معضلة بمعضلة ولخلصنا إلى استنتاج بديهي لا مناص منه وهو أننا اليوم أمام هدف استعجالي علينا تحقيقه بأقصى السرعة وأقصى الحكمة، هو إعادة بناء الدولة، لا أي صنف من الدولة، حتى نتجنب تكرار الأخطاء التاريخية العربية، بل بناء الدولة القوية العادلة بابتكار أساليب جديدة تؤدي بالعرب إلى تأسيس أداة الحضارة والعيش المشترك والمواطنة الحقيقية وتقاسم الخيرات واجتناب الزلات وتنظيم المجتمع، ألا وهي أداة الدولة القوية العادلة المتفق ضمنيا على وظيفتها ورسالتها في المجتمع للحد من الرغبات الأنانية بواسطة القانون وتحقيق المساواة أمام القضاء. من أي منطلق أيديولوجي ننطلق لتحليل هذه المعادلة المعقدة، فلا بد من الإقرار بأن مصائب العرب الكبرى في تاريخهم الحديث كان مردها الأصلي غياب الدولة القوية العادلة، فأنظر إلى هزيمة العرب الأولى في حرب 1948 بين عصابات صهيونية وجيوش عربية حين أنجبت منظمة الأمم المتحدة كيانا لليهود بقرار نوفمبر 1947 اسمه دولة إسرائيل فرفض العرب قرار التقسيم الجائر بالفعل ولكنهم ارتكبوا ما هو أكثر منه جورا فأتاحوا للصهاينة تهجير الفلسطينيين وساعدوا أعداءهم على إفراغ مدن وقرى فلسطين وتشريد أهاليها (4 ملايين) تحت الخيام إلى يوم الناس هذا فقد كانت الدول العربية آنذاك هزيلة لأسباب عديدة وظالمة أيضا بكبت أي صوت مخالف أو أي رأي ناقد، فوقعت النكبة الأولى، وإلى يوم الناس هذا فإن المؤسسات الرسمية العربية غير قادرة على تنسيق مواقفها إزاء القضية الفلسطينية التي نسميها القضية الأم، بل إن معاملة بعض "الأشقاء" للاجئين (أو المقيمين) الفلسطينيين لديها لا تختلف عن معاملة إسرائيل، إن لم تكن أسوأ. وحل زمن النكبة الثانية عام 1967 حين قرر الزعيم جمال عبد الناصر وحده إغلاق خليج العقبة في 22 مايو وأقحم الأردن وسوريا في مواجهة لم يكن الملك الحسين ولا حافظ الأسد مستعدين لها وهنا فإن غياب الدولة الحديثة في مصر هو السبب الأكبر للكارثة، لأنه لو كان لعبد الناصر مستشارون ورأي عام حي ومجتمع مدني فاعل لما جرى نهر الأحداث بمثل ذلك الارتجال العاطفي المدمر، فقد كانت النخب المصرية (والعربية عموما) مكممة الأفواه إذا لم تكن في السجون والمنافي أو في غيابات الموت إعداما كما وقع للشهيد سيد قطب. وكانت أصوات مزوري التاريخ ومدلسي الحقائق والمنافقين (من صنف أحمد سعيد في إذاعة صوت العرب) أقوى وأعلى من أصوات الناصحين والعارفين بمخاطر الأزمة. ومنذ الخمسينيات، أي مرحلة استقلال الدول العربية الحديثة، ونحن العرب نتخبط في ضلال سياسي مبين بسبب بناء الدولة على الشخصنة (عبادة الشخص) أو على التحزب (عبادة الحزب) أو على الأيديولوجيا (عبادة التعصب العقائدي مهما كان)، فحدث في غياب الوعي العربي الشعبي انحراف الدولة عن خدمة الناس كما هو شأن الدول العريقة المتقدمة إلى خدمة شخص أو حزب أو عصبية، فاستعصى العالم العربي عن النهضة الإنسانية العارمة حتى كتب الزميل المفكر الأمريكي من أصل هندي فريد زكريا صاحب افتتاحيات نيويورك تايمز كتابه حول التحولات الحضارية الكبرى سنة 2001 فأفرد العالم العربي بفصل سماه (الاستثناء العربي) وكنت في لقائي به بعد صدور الكتاب نشارك سويا في أحد المؤتمرات الدولية بالدوحة تحادثت معه طويلا حول رأيه في هذا الاستثناء العربي والبدائل التي يقترحها لكسر الاستثناء، فقال لي فريد إن الثقافة العربية تحمل جينات إرادة وتحد وجينات خنوع واستكانة وأن تفعيل الجينات الأولى الإيجابية ضد الجينات الثانية السلبية رهين النظام السياسي الذي سيختاره العرب في الأعوام القادمة (نحن في سنة 2002) ودرجة مشاركة الجميع في قراراته وتوجيهه، وأضاف فريد: "أنا أتوقع حدوث زلازل عنيفة في المجتمعات العربية ربما بعد عشرة أعوام"، (الغريب أن التحولات وقعت بالفعل بعد سنوات عشر). وواصل فريد كلامه قائلا: "الجينات الخيرة لدى العرب لا تنفجر وتتفاعل إلا متى قرأوا تراثهم بعيون التجديد والتحديث وابتكروا مستقبلهم على أساس أصالتهم الثورية، أي القيم المؤسسة للفكر العربي الإسلامي بعد التوفيق في ملاءمتها مع مستحقات العصر وكونية التحولات وهي ذات القيم الأصيلة التي صنعت نهضة العرب ورفعتهم وكبرياءهم خلال قرون طويلة من الخلافة الإسلامية (فريد يطلق عليها اسم الإمبراطورية الإسلامية) وكل هذه التحولات العميقة لن تتم إلا بتأسيس دولة مدنية حديثة تجمع بين التمكن من القوة واستعمالها في نصرة الحق وفي فرض الأمن وإلزام الناس بالقانون وبين توخي العدالة والقسطاس في سياساتها الاجتماعية وخياراتها الاقتصادية". لو نتأمل في الأولويات التي على العرب (بربيعهم وخريفهم وشتائهم) مواجهتها وإنجازها لوجدنا أن معضلاتهم الأساسية أسبابها الأولى هي فقدان البوصلة الوطنية والقومية، فقد ضاعت جماهير الناس الطيبين بين حركات جهادية ومنظمات حزبية ووعود وهمية، بينما تدرك هذه الجماهير الضائعة أن أمنها مفقود وأسعار الحياة اليومية اشتعلت وبأن مستقبل عيالها على كف عفريت. وهذا يفرض على النخب الحاكمة والمعارضة أن تشرع في إعادة الاعتبار للدولة القوية العادلة التي وحدها ستكون بوصلة المجتمع ومنارته الهادية في لجج هذا اليم العالمي المتلاطم المظلم.
495
| 22 مايو 2013
عندما قامت ثورة تونس كانت تونسية وعندما اندلعت ثورة مصر كانت مصرية ثم جاء دور ليبيا فأصبح وضعها إقليميا بسبب اختلال توازن القوى بين شعب أعزل ونظام قذافي عائلي غريب معقد اختار القمع الأعمى إلى آخر لحظات احتضاره بعد اثنين وأربعين عاما من اللادولة فتحملت القوى العربية والإقليمية مسؤولياتها لإنقاذ المدنيين الأبرياء من السحق والمحق ثم جاء دور اليمن فظل وضعه خليجيا بكل المقاييس منذ توجيه المتظاهرين ومراقبة مجرى نهر الأحداث إلى عقد لقاءات قبلية لأن القبائل هي الأصل في اليمن مهما كانت النخب الحاكمة وصولا إلى ضمان خليجي لمخرج مشرف للرئيس علي عبدالله صالح وتغيير رأس الدولة بسلاسة ولطف دون خسائر جانبية ذات بال. أما الحالة السورية فيبدو أنها لن تبقى لا بين أيد عربية من دول الجوار الأعضاء في جامعة الدول العربية ولا بين أيد إقليمية في حجم إيران وتركيا. فلعبة الأمم هذه المرة هي التي ستفرض معادلاتها القاسية وقد شاءت الصدف منذ أيام قليلة أن التقيت بدبلوماسي روسي أعرفه حين كان يمثل دولته في الاتحاد الأوروبي فما كان منه إلا أن قال لي بلهجة الواثق حين تبادلنا أطراف الحديث عن الأوضاع السائدة: "أستطيع أن أجزم لك بأننا تنازلنا عن ليبيا مخطئين في حساباتنا ولكن لن نكرر ارتكاب خطأ ثان ونفرط في سوريا إنها قضية حيوية بالنسبة لمستقبل اتحاد الجمهوريات الروسية والأمريكان أدركوا هذه الحقيقة منذ حل جون كيري بالخارجية". هنا يجب قراءة كلام زميلي الروسي بعيون العارفين لنفهم أن ما يقصده هو النظام الأسدي الراهن في سوريا وليست سوريا كدولة تحتل ذلك الموقع الأساس في الشرق الأوسط فالتخلي الروسي غير المتوقع هو التخلي عن النظام الحالي وهو كلام يبدو منطقيا حتى من وجهة نظر الخصم الأمريكي الذي بدوره يعلن ويكرر الإعلان بأن واشنطن لن تتخلى عن الحليف الإسرائيلي. ومن هذا المنطلق نفسر اللقاء الذي جمع الأسبوع الماضي وزير خارجية أميركا جون كيري ونظيره الروسي سرغاي لافروف في موسكو (وهو اللقاء الرابع بين الرجلين منذ تولي كيري حفيبة الخارجية) حين ظهر للرأي العام العالمي بأن المؤتمر الصحفي الذي عقده الرجلان يوم الخميس 9 مايو كان بمثابة لعبة شطرنج سياسي فالوزير كيري بدأ كلامه متوجها للوزير لافروف محذرا (ليست في قاموسنا الدبلوماسي كلمة أخرى غير التحذير) محذرا إذن من بيع صواريخ روسية متطورة لسوريا ثم دار الحديث باتفاق الطرفين عن موعد المؤتمر الدولي حول الحالة السورية فحددا معا الموعد (أواخر مايو الجاري) والمكان (جينيف) أما عدم الاتفاق بين واشنطن وموسكو فهو حول من سيشارك وبأية صفة وأي وزن ستشارك أطراف أخرى لأنه من المؤكد أن روسيا تنوي إعطاء طهران دورا مهما وأن واشنطن تفضل أنقرة للعب دور أساسي. أما المحيط العربي لسوريا فهو بصراحة لدى العملاقين عنصر تعقيد المعضلة والزيغ بها (حسب افتتاحية واشنطن بوسط الخميس 9 مايو) عن الحل المنشود لتطرح على الطاولة كل ملابسات القضية الفلسطينية وارتباطها العضوي بالملف اللبناني ودور حزب الله في زعزعة التوازن الإقليمي مع العلم بأن السيد حسن نصر الله ألقى خطابا ناريا في حفل عيد ميلاد فضائية حزب الله (المنار) نفس يوم الخميس 9 مايو ليعلن عن التحالف الفعلي بين النظام السوري القائم وبين المقاومة في لبنان وفلسطين. وأطرف ما جاء على لسان السيد نصر الله هو حشره لمن سماهم بالتكفيريين من بين أعداء النظام السوري إلى جانب أمريكا وإسرائيل. وهذه القطيعة بين حزب الله الشيعي والإسلاميين الجهاديين السنة تبدو اليوم إستراتيجية من قبل المقاومة اللبنانية لأن المد السني الموصوف بالمتطرف أو المقاتل هو الذي يملأ ساحة المعركة في سوريا (على أيدي جبهة النصرة وهي أقوى الحركات الجهادية تنظيما ودربة على السلاح) ولابد أن تتوضح الصورة على الميدان السوري لترضي كلا من واشنطن وموسكو لأن كلا الطرفين يرفع لواء مقاومة ما يسميانه الحركات الإرهابية وهما يعنيان الإسلام السياسي المسلح فللولايات المتحدة نفس الأعداء الإسلاميين في أفغانستان وباكستان والعراق وفي سوريا اليوم وإلى مدى بعيد كما لروسيا نفس الأعداء في الشيشان والجمهوريات المسلمة التابعة قديما للاتحاد السوفييتي وخاصة في مناطق القوقاز المسلمة منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه (سنة 18 هجري قبل القيروان ومصر). إننا نعتقد أن المعضلة السورية لديها فرصة تاريخية في التدويل وهو تدويل ضروري أو هو أصبح ضروريا ولا مندوحة عنه وهنا وجه الاختلاف الكامل والجذري بين دول الربيع العربي الأخرى وسوريا. فسوريا هي باب المقاومة النسبية والباردة للعدو المشترك لكل العرب أي إسرائيل وبعض المواقع العسكرية السورية الحساسة قصفتها الطائرات الحربية الإسرائيلية الأسبوع الماضي لا لكون سوريا دولة عدوة لإسرائيل بل لأن بشار الأسد يستعد لتقديم مجموعة صواريخ بالستية لحزب الله وهو القرار الذي تعتبره الدولة العبرية موجها ضدها ومخلا بالتوازن الذي تفرضه إسرائيل منذ 1948 إلى اليوم في غفلة من العرب. نحن اليوم أمام صفحة جديدة من التعاطي الدولي مع الخطر السوري الداهم لأنه يبدو أن مقايضة إستراتيجية تمت بين كيري ولافروف تلتزم بمقتضاها موسكو بثني طهران عن امتلاك السلاح النووي وتلتزم واشنطن بالمقابل بالحفاظ على شكل من أشكال النظام الأسدي في دمشق. فسوريا هي الحجرة الأولى في لعبة الدومينو الخطيرة لأن الحجرة الثانية هي إيران والحجرة الثالثة العراق ثم الأحجار الأخرى لكل المنطقة فإذا ما سقط حجر من الأحجار انخرم أمن إقليمي وعالمي ليس اليوم من مصلحة الولايات المتحدة ولا روسيا ولا الصين وبالطبع ولا العرب أن ينهار على رؤوسنا جميعا!
367
| 15 مايو 2013
تدور هذه الأيام أحداث غريبة عن أرض وطبيعة تونس في جبل الشعانبي أعلى قمة في البلاد ووجه الغرابة في هذه الأحداث أنها تقدم للرأي العام في بلادنا وخارجها صورا قادمة من جبال أفغانستان وضواحي قندهار لأنه لا عهد للتونسي بألغام متفجرة في وجوه رجال الأمن والجيش ولا عهد له كذلك بعصابات مجهولة مسلحة ومدربة تتخذ من الكهوف مكامن لها وتستعد على ما يبدو لشن عمليات تخريبية أو لارتكاب جرائم ضد من؟ ولمصلحة من؟ وكيف طلعت على هذا المجتمع الآمن الطيب دون سابق إنذار؟ وأنا على يقين مهما كانت التنديدات بأي شكل من أشكال الخروج عن القانون بأن هذه الحركات وليدة أرحام تونسية وخارجة من صلب مجتمع لم يتحصن من العنف ولم يدرك أن سياسات التهميش الاجتماعي والاقتصادي وخيارات الإقصاء وغلق باب الحوار وسن سبيل إرهاب الدولة على مدى ربع قرن في ظل ما كان يسمى بتجفيف المنابع الدينية في برامج التعليم والثقافة السطحية السائدة كان لابد أن يؤدي إلى تصحر أخلاقي وانعدام توازن أسري تساقطت علينا ثماره المرة بعد خلخلة مؤسسات الدولة لتعلن عن تشابه بين جبل الشعانبي وجبال تورا بورا وأن محافظة القصرين توشك أن تتحول إلى ممر خيبر. فالديكور لا يختلف بالمغارات والكهوف والسبل المرتفعة ولباس الشباب المجند وأشكالهم هي ذاتها وأنواع أسلحتهم وعتادهم وعبارات خطابهم هي نفسها لأننا بكل بساطة نعيش منذ ثلث قرن في عالم بلا حدود جعلت شباب تونس وشباب باكستان وشباب ليبيا وسوريا وأبناء الجيل الثالث من المقيمين المسلمين في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يكرعون من منهل واحد عبر تلك الفضائيات الطائفية والحاشدة والمختصرة للتاريخ الإسلامي في الغزوات. ونحن لم نلمس فرقا بين الشابين أصيلي الشيشان اللذين فجرا قنابلهما في ماراثون بوسطن منذ أيام وبين الشباب التونسي الذي فجر ألغاما في وجوه جنودنا البواسل في جبل الشعانبي رغم تباعد المسافة واختلاف اللغة وتباين المجتمعات التي فرخت هؤلاء وأولئك. أما الخلل البنيوي الفوقي الذي قاد المجتمعات العربية والمسلمة إلى هذا النفق المسدود فهو فساد التعليم الذي لم يرتق للتربية وخلو برامجه من الشحنة التاريخية والفكرية والأخلاقية التي تؤسس نفس الإنسان على منظومة قيمة قبل أن تعلمه خبرة أو تلقنه صنعة. وتأتي بعد ذلك قوانين تنظيم المجتمع والأسرة التي سيستها الدول والأحزاب بمخاطبة الغرب بلغة الحداثة المزورة تقربا له وحفاظا على المواقع في السلطة فتحولت بعض المجتمعات بعمليات التغريب والتشويه إلى مسوخ من المجتمعات الغربية المسيحية وبعد أن كانت بعض المجتمعات ذكورية بامتياز أصبحت نسوية بامتياز وأهين الرجل في أسرته بدعوى تحرير المرأة ولم يعد أولاده يقدرونه بدعوى المساواة بينما هذه القوانين جعلت لغاية تحصين الأسرة وتحميل المرأة مسؤوليتها إلى جانب الرجل فحدث خلل عميق وحفر شرخ واسع في صلب الأسرة. وبصراحة فإن خروج كل النساء بلا استثناء وبلا داع حقيقي للعمل خارج البيت أحدث زعزعة في تربية الأطفال وتماسك العائلة بينما العقل يحتم ألا تخرج للعمل سوى المرأة التي تحتاج بالفعل إلى دخل وتعول أسرة أو لديها معرفة وخبرة لا غنى عنهما للمجتمع أما اعتبار عمل المرأة مجرد عنوان "تحرر" وهي خاسرة هي وعائلتها والمجتمع على كل الأصعدة فهو انحراف لا يليق ببلداننا التي تعاني من معضلات اجتماعية لم تعد خافية مثل المخدرات وارتفاع نسبة الطلاق وضياع الأجيال الصاعدة وتفشي البطالة وازدحام الشوارع والنقل والحط من قدر المرأة وكرامتها في دوامة مجتمع سريع التحولات متعدد المخاطر. من مصائب الدهر وتقلب الأيام أن نسجل بعد تحولات ما يسمى الربيع العربي انحرافات خطيرة تهدد لا فقط أمن بلداننا بل هويتها الحقيقية وتبدل وداعة أهلها عنفا ووفاق مواطنيها شراسة وفي هذه الأحداث التي تغير ملامح تونس ومصر وليبيا نقرأ إخلالات عميقة بالتوازن التاريخي الذي ساد قرونا مجتمعاتنا ونحت بصبر وأناة نماذج من التعايش السلمي بين المواطنين حين جمعهم حماس مقاومة المستعمر الدخيل ونخوة بناء الدولة الحديثة المستقلة والميل لحل المشاكل بالحوار. ولعل المعضلة التي تجمع بين مجتمعات البلدان العربية التي مرت بتجارب الانتفاضات والثورات هي تقلص دور الدولة في حماية الأنفس والأرزاق والأعراض بسبب الخلط الإيديولوجي بين الدولة والنظام والذي يجري في كل من ليبيا ومصر وتونس من جدل عقيم حول عزل وتحييد كبار موظفي الدولة في العهود السابقة دون ذنب اقترفوه ودون تحميلهم وزرا شخصيا ودون حكم قضائي يدينهم في فساد أو ظلم وهو عين الظلم يذكرنا بما انحرفت إليه الثورة الفرنسية لسنة 1789 حين شرع "الثوار" يقطعون رؤوس بعضهم البعض بأحكام عدالة انتقامية ليس فيها أي عدل. فالمعتصمون المسلحون الليبيون حول الوزارات ينادون بعزل من سموهم (كل من خدم النظام السابق) والسياسيون التونسيون الذين يريدون سن قانون ما سموه (تحصين الثورة) وجماعة الإخوان المصرية التي تلجأ للانتقام ممن تعتبرهم فلولا هؤلاء جميعا يسيئون لأوطانهم ويفتحون أبوابا مشرعة لردود الفعل وتفشي الحقد وتوسيع دوائر الضغينة عوض تضميد الجراح ولم الشمل وطي صفحات الماضي الأليمة. وأذكر أن من أرادتهم الظروف في مناصب السلطة منذ سنة 2011 لم يستمعوا لنصيحة البطل الحكيم نيلسون مانديلا الذي نبههم إلى أن دولة جنوب إفريقيا لم تحقق معجزات نهضتها إلا بالبناء على دولة قائمة والاعتماد على كوادر خدموها وعلى التسامح والمصالحة ورأب الصدع. فالذي يدور اليوم في جبل الشعانبي هو انحراف خطير لكنه نتيجة انحرافات خطيرة منذ ثلث قرن من تراكم الأخطاء وسوء التقدير. فتونس ومصر وليبيا وغدا سوريا ليست دار جهاد بل دار إصلاح ووفاق. وفقنا الله إلى ما يحبه ويرضاه.
496
| 08 مايو 2013
تتشكل في بلدان الربيع العربي حركات مريبة ومنظمة لشيطنة السياسة القطرية إزاء شقيقاتها العربية وهي حركات ليست عفوية لأنها تعتمد التضليل وإشاعة الأراجيف ضد دولة كانت مهدا لعديد الاتفاقات والمواثيق التي أنهت الصراعات العربية القديمة وأحلت الوفاق محل الأزمات وجنبت العالم العربي مصائب الحروب الأهلية فكانت الدبلوماسية القطرية وراء السلم الأهلية في لبنان والسودان وبين الإخوة الفلسطينيين وكانت دولة قطر وراء إعادة إعمار الكثير من المناطق العربية المتضررة من العدوان وفي تونس كانت هي الدولة الأولى التي اعترفت بالثورة وإرادة الشعب التونسي. ويسعى البلدان اليوم لإعادة مشاريع التعاون الثنائي التي ستشغل العاطل وتيسر الحياة للتونسيين في كنف احترام السيادة التونسية والخيارات الوطنية. قصتي الشخصية مع دولة قطر طويلة وتعود إلى سنة 1977 حين كنت أشتغل مع المرحوم عزوز الرباعي في مؤسسات النشر وقمت بمعية الرباعي بزيارة الدوحة وكانت في مطلع استقلالها للمشاركة في المعرض العربي للكتاب وأعدنا المشاركة سنويا لأن وزارة التعليم القطرية آنذاك وكان وزيرها سعادة الشيخ محمد بن حمد آل ثاني أمد الله في أنفاسه كانت تقتني منا أصنافا عديدة من الكتاب المدرسي وكتب الأطفال والكتاب الأدبي وفي الدوحة تعرفت على كثير من المنفيين العرب الذين آوتهم قطر وأكرمتهم ومنهم الكاتب السوداني الكبير الطيب صالح صاحب (موسم الهجرة إلى الشمال) ونخبة من زعماء الإخوان المسلمين الذين كان يطاردهم النظام الناصري والنظام الأسدي في مصر وسوريا أمثال الشيخ يوسف القرضاوي ود. جمال عطية ود. عبد العظيم الديب الذي كان مسجونا في نفس زنزانة الشهيد سيد قطب والذي تفضل بكتابة مقدمة كتابي (نحو مشروع حضاري للإسلام) وكذلك الإخوان السوريون أمثال أصدقائي الخلص الشيخ مصطفى الصيرفي والأستاذ محمد عبيد حسنة ود. عدنان زرزور ود. حسن هنداوي وسواهم ثم عندما تولى صديقي المرحوم محمد مزالي رئاسة الحكومة وكنت مسؤولا سياسيا أعاضده اتجهنا لدول الخليج العربي سنة 1982 وفتحنا معها جميعا قنوات تشغيل كوادرنا التونسية بعد غلق باب أوروبا نهائيا فيما سماه رئيس فرنسا جيسكار ديستان بالهجرة صفر (بمعنى إيقاف الهجرة إلى أوروبا نهائيا) وذلك بشكل تعسفي فاستقر عشرات الآلاف من التوانسة في دول الخليج وفي قطر بالذات التي كلما قابلت أميرها الحالي وعندما كان وليا للعهد يقول لي: إن التوانسة يتميزون بالأمانة والكفاءة. وعندما بدأ نظام الزعيم بورقيبة يتهاوى بمؤامرات بن علي وغرق بورقيبة في لجة الهرم والمرض أقيل مزالي من رئاسة الحكومة فررنا بجلودنا من تونس إلى باريس وأنا شخصيا حماني سمو الشيخ حمد وآواني وكنت مطلوبا لدى إنتربول (أطول مدة قضاها مضطهد تونسي تحت تهديد إنتربول هي مدتي أنا أي 13 سنة) حين كنت مع زوجتي وأولادي في المطارات خلال الترانزيت أتوقع أن يلقى علي القبض في كل لحظة. وبالفعل وقع إيقافي في باريس في أغسطس 1992 وأدرك القضاء الفرنسي العادل أنني ضحية لكيد النظام وأدركت كذلك دولة قطر أنني من بين آلاف المضطهدين العرب المحرومين من أوطانهم بلا وجه حق (ولا أية دولة عربية على الإطلاق قامت بهذا العمل) ثم في الدوحة أسهمت بقسطي الأكاديمي في تأسيس قسم الإعلام بجامعة قطر وتأسيس قناة الجزيرة الرائدة ويعرف العرب مدى الثغرة الكبيرة التي فتحتها الجزيرة في جدار الدكتاتوريات العربية وتكلم منها وفيها مئات المثقفين العرب الشرفاء والذين لم يكونوا معروفين لدى الرأي العام ونضجت في الجزيرة وبفضلها التغييرات العميقة التي زلزلت الاستبداد العربي منذ 1996 ثم إنني بحكم معرفتي للدبلوماسية القطرية أعتقد أنها دبلوماسية جريئة ومنحازة لإرادة الشعوب وهي ظاهرة تبدو فريدة في عالم عربي تعود على الاستبداد وتأليه الحاكم المنقذ. فالجزيرة ظاهرة حضارية ويعود بعض الفضل لها في تحرير الإعلام العربي والعالم العربي وكان لا بد أن تتشكل ضد القناة وضد دولة قطر مواقف متباينة وأن تسعى القوى الشريرة المنهارة في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا إلى تأليب الرأي العام ضد هذه الدولة التي كرست مواردها لخدمة شعوب العرب وليس لفرض حكامها المستبدين ملبية نداء الواجب في كل البلدان العربية والإفريقية لإعانتها على كسب رهانات الحرية والتنمية ثم إن قطر لو كانت أنانية وهي صاحبة أعلى دخل سنوي خام في العالم ما كان يضرها لو انتهجت نهج سلطنة بروناي وسلك الشيخ حمد مسلك السلطان بلقية فابتعد عن كل هم عربي ونأى بشعب قطر عن كل معضلة عربية فساعتها سوف لن يذكرها الناس لا بخير ولا بشر وستظل قطر تنعم وحدها بما وهبها الله من طاقات لكن القيادة القطرية اختارت سبيلا مختلفة فاعتقدت قطر عن حق أن الله تعالى وضمير أميرها يحملانها رسالة مد يد العون لكل عربي محتاج للنصرة فتمتعت آلاف العقول العربية بمنح بحث لمواصلة الابتكار والاختراع في كنف المؤسسة الرائدة التي أسستها سمو الشيخة موزا وسكنت آلاف العائلات العربية مساكن لائقة وحفرت الجمعيات الخيرية آلاف آبار المياه ومدت آلاف الكيلومترات من الطرقات الريفية وأسست المستشفيات والمدارس. وأنا أعرف سمو الشيخ حمد منذ أن كان وليا للعهد وطالما سمعته يتحدث بمرارة عن مساجين الرأي والملاحقين العرب والمحرومين من حقوقهم وكذلك عن عقم مجتمعات الاستبداد عن العطاء والتقدم جاعلا منها قضيته الشخصية ثم إن كل عربي حر في تقييم سياسات قطر وسياسات كل دولة عربية لكن السقوط السطحي في اتباع لهجة الشتيمة ليس من أخلاق التونسيين ولا يخدم إلا أعداء الحرية وفلول الاستبداد.
564
| 01 مايو 2013
اسمحوا لي أن أصحح معنى من معاني العلوم السياسية وأعراف الدولة وهو خطأ شائع في عهد ما بعد ثورات الربيع العربي في كل الأدبيات المتداولة في المجتمعات العربية ففي تونس ومصر وليبيا واليمن نلاحظ في السلوكيات والمواقف وحتى في سن قوانين جديدة خلطا بين من خدم الدولة في العهد السابق ومن خدم نظام استبداد فنجد حشر الوزراء والسفراء وكبار الموظفين في كيس واحد دون ذنب اقترفوه وهو ما يفرغ الدول بعد انتفاضات الشعوب من كوادر خبيرة ومجربة. بينما الحقيقة الدستورية والدبلوماسية إذا ما اعتمدنا النموذج التونسي هي أن لتونس حوالي 80 سفيرا للجمهورية التونسية لدى الدول الشقيقة والصديقة وذلك منذ العصر القرطاجني إلى العصر الإسلامي وصولا إلى الدولة التونسية في عهد الأسرة الأغلبية ثم الحفصية إلى العائلة الحسينية فدولة الاستقلال مع الزعيم بورقيبة إلى الثلاثة والعشرين عاما من حكم زين العابدين بن علي حتى بلغنا عهد الترويكا وهو يشكل مرحلة مؤقتة سوف تستقر بعدها الدولة التونسية الوطنية على أسس أرسخ وأطول عمرا. في كل هذه العهود المتعاقبة يجب الفصل بين الدولة والنظام. والخلط بينهما يفضح إما جهلا بالسياسة والتاريخ أو تحاملا إيديولوجيا موجها لضرب مؤسسات الدولة. فالسفير عندما يقسم أمام الملك (الباي) سابقا أو الرئيس منذ 1957 إلى اليوم فهو يقسم على الإخلاص للوطن وخدمة مصالحه والتفاني في رفع راية البلاد وهو بذلك لا يخدم "نظاما" وفي عهد بن علي كان هناك نظام أشبه بمنظومة فساد عائلية لكن كانت أيضا لدينا دولة بتراثها العريق ومؤسساتها المحايدة وجهازها الإداري وأنا أعتبر أن هذه الدولة هي البطل الأول للثورة التونسية لأنها أدت دورها الوطني كاملا في ظروف انهارت فيها المنظومة الفاسدة وانفلت الأمن فلم يقطع الماء ولا الكهرباء ولا أوصدت البنوك ولا انقطعت الرواتب ولا معاشات التقاعد ولم يغلق المستشفى ولا المدرسة ولا الجامعة ولا تعطلت مؤسسات الجيش والأمن والجمارك ولا الشركات الوطنية ومنها الطيران والسكك والتأمين. هذه هي الدولة التي مثلتها أنا وغيري من السفراء في دول العالم ما عدا قلة قليلة استثنائية من الدخلاء على الدبلوماسية التونسية ربما كانوا أقرب للمنظومة منهم إلى الدولة. وبما أن للدولة رمزا هو ملك أو رئيس فهو الذي يسلم لنا أوراق اعتمادنا كما أني أضرب مثل بطلنا الأولمبي أسامة الملولي الذي رجع بميدالية ذهبية من بيكين فأهداها رمزيا إلى زين العابدين ورجع بعد أربع سنوات من لندن بنفس الميدالية فأهداها رمزيا إلى منصف المرزوقي وأملي أن يعود بعد أربع سنوات بميداليات أخرى فيهديها إلى رئيس أو رئيسة المستقبل في قصر قرطاج. هذه هي الدولة وهي تختلف جذريا عن المنظومة التي شكلها أفراد من بطانة بن علي وأصهاره لكن المنظومة لم تؤثر على سير الدولة إلى درجة انهيارها أو إضعافها أو تغييبها. فالذي وقع في العراق سنة 2003 مع (بريمر) هو القضاء على الدولة العراقية عوض القضاء على منظومة صدام حسين فدمر الأمريكان وحلفاؤهم العراقيون مؤسسات الجيش والتعليم والصحة والمتاحف والمصارف وموارد الطاقة والنتيجة كما نراها اليوم هي حالة اللادولة أي إن العراق انتقل من حالة دولة الاستبداد إلى حالة اللادولة وهو ما أخشاه على وطني وأذكر بما كان نصح به المناضل العظيم نلسن مانديلا حكام تونس ومصر في شهر فبراير 2011 حين قال لهم: لا تبنوا الدولة الجديدة على الفراغ وعلى الحقد والانتقام. ورجل في مثل قامة مانديلا لا ينطق عن عاطفة بل عن تجربته الناجحة في جنوب إفريقيا حين كلف القس إدموند توتو برئاسة لجنة الحقيقة والمصالحة فضمدت الجراح وحاسبت الظالمين بالقضاء العادل لا بالقوانين الاستثنائية والإقصاء الظالم. وأنا حتى في معارضتي لمنظومة الفساد والاستبداد مع قلة من الأصدقاء منذ 1986 لم أقطع الاتصال بالعاملين في مؤسسات الدولة وتحملت نصيبي من التضحيات فنفيت وتشتت أولادي ولوحقت لمدة 13 عاما من قبل الإنتربول ثم حرمت من رؤية بنتي الاثنتين إيناس وسيرين لمدة تسعة أعوام فقد تركتهما سنة 1990 طفلتين ولم أرهما إلا سنة 1999 وهما شابتان وكذلك والدتي الحاجة السيدة رحمها الله فلم ترني ولم أرها لمدة تسعة أعوام أيضا لدرجة أني عندما رجعت إلى تونس في أغسطس 1999 لم تعرفني أمي بين إخوتي وشاركت المناضلين من كل الاتجاهات شرف مقاومة الاستبداد إلى غاية مارس 2006 حين شاركت في برنامج الجزيرة (ما وراء الخبر) وانتقدت تواصل سجن الإسلاميين فأطلق بن علي يوم الغد سراح 70 سجينا لكن الآلة الدعائية الرهيبة أكلت لحمي حيا وهتكت عرضي بالأراجيف من الغد كما فعلت صحافة المجاري معي ومع غيري لمدة عقدين وصودرت جوازاتي أنا وأولادي عام 2006 وحرموني من حضور زفاف بنتي سيرين حيث أسمعوني الزغاريد بالهاتف وأنا في باريس ثم إني أصدرت كتابي (ذكريات من السلطة إلى المنفى) في مارس 2005 وفيه انتقاد وتنديد بسياسات وتسلط بن علي وهو ما يزال في السلطة أي أني نشرت كتابي في حضرة السلطان الجائر لا بعد سقوطه كما فعل الكثيرون من "أبطال" 14 جانفي الساعة 6 وربع. أما قبولي للسفارة في قطر فأنا لم أتردد لحظة لأني أدرك أهمية علاقاتنا مع قطر ولأني عشت فيها 15 سنة وأسهمت بدوري المتواضع في مجتمعها المدني وسمو الشيخ حمد أكرمني وأواني سنة 1990 عندما كنت مطاردا من الإنتربول وكنت أعرف أن قطع علاقاتنا بقطر يتضرر منه الشعب التونسي فقمت بما أملاه علي ضميري بتسليم جوازات سفر للمحرومين منه (ومنهم أعضاء في قيادات بعض الأحزاب اليوم) وسلمت تأشيرات دخول تونس لقناة الجزيرة فحضرت تلك القناة الشهيرة وغطت أغلب مراحل الثورة وقمت بعقد 16 اتفاقية بين الوزارات التونسية والقطرية وازداد عدد المواطنين التوانسة العاملين في قطر والحمد لله فقد كنت سفير دولة راسخة عريقة وواصلت بطريقتي ومبادئي مناهضة الفساد والاستبداد من ذلك الموقع. ونحن في تونس أرجو ألا ينجرف مضطهدو الأمس إلى اضطهاد مسؤولي الأمس دون حكم قضاء وأنا أعرف العديد ممن كانوا وزراء بن علي أو رؤساء خلايا دستورية في الأرياف خاصة وخدموا مصالح مواطنيهم بما توفر لهم من إمكانات وكانوا يتقون الله في مواطنيهم. إن الدولة تبقى دولة ومنظومة الفساد زائلة بزوال أسباب الفساد.
16379
| 24 أبريل 2013
على ارتفاع آلاف الأميال من سطح الأرض والبحر وعلى متن طائرة تحملني من قارة إلى قارة منذ أيام قليلة شاهدت على جهاز البث الشخصي شريطا جديدا هو آخر ما أنتجته هوليود في سلسلة (جيمس بوند..العميل 007 جاسوس صاحبة الجلالة ملكة بريطانيا) والشريط كما يعلم القراء الأفاضل لاقى رواجا تجاريا كبيرا في بلدان العالم لا فرق بين شرق وغرب ولا بين مسلم ومسيحي ولا بين يهودي وبوذي لأن الدعاية المدوية التي سبقت ورافقت خروجه على الشاشات البيضاء صاحبتها الأغنية الجميلة التي وضعوها لتسويق الشريط وتغنيها المطربة (أديل) وهي بنفس عنوان الشريط (سكاي فول). وبصراحة فهذا العمل السينمائي ليست له إضافات فنية أو تكنولوجية مميزة بل هو استمرار لما شهدته وأبدعته السينما الأمريكية منذ عشرين عاما من تقنيات الإيهام بالحركة (أكشن) أو بالخوارق كما في سينما غزو النجوم وحروب الكواكب وصناعة البشر الكرتوني الذي لا يموت ولا يبلى بل يتجدد وينتصر ويسحق ويبعث من جديد من صنف الإنسان العنكبوت (سبايدر مان) أو الإنسان الوطواط (بات مان) وسواهما من مبتكرات الأدب الخيالي (فيكشن) الذين ألفهم أبناؤنا واليوم أحفادنا كرمز من رموز تواصل الاستعلاء الثقافي الغربي من خلال ترسيخ الخرافة وتجارة الوهم. لكني حين شاهدت (سكاي فول) هذه المرة وجدت نفسي مضطرا لإجراء المقارنة بينه وبين أول شريط من سلسلة (جيمس بوند) التي كان الممثل البريطاني الشهير (شين كونري) يمثل فيها دور البطولة ومنها شريط ظهر على الشاشات منذ نصف قرن هو(قبلات حارة من روسيا) الذي أنتجه تيرنس يونغ سنة 1963عن روايات بوليسية للكاتب إيان فليمنغ. وتساءلت عن التطور العجيب الذي طرأ على طبيعة العلاقات الدولية على مدى خمسين عاما (من 1963 إلى 2013) لأن هذه السلسلة الجيمس بوندية رغم طابع الجاسوسية ونوازع العنف ومظاهر المغامرة تبقى مؤشرا صحيحا لمعرفة تطور العلاقات الدولية وطبيعة الصراعات بين الدول ونوعية الحروب الباردة والساخنة بين الأمم وكذلك تطوير وتحديث أساليب وآليات التخابر والتصادم والتعاون بين أجهزة الاستعلامات المختلفة. عندما كنا في سن المراهقة كنا نرتاد قاعات السينما في العالم العربي في مطلع الستينيات واكتشفنا شريط (قبلات حارة من روسيا) الذي أخذنا مسحورين لعالم ملاحقة الجواسيس الذين يرسلهم المعسكر الشيوعي لخرق مقر وزارة الدفاع البريطانية أو لتصوير وثائق شديدة الحساسية والسرية من مقر (الأم آي 6) مركز المخابرات البريطانية ثم انطلاق العميل رقم 007 والمسمى بجيمس بوند على إثره يقتفي خطواته ويرصد تحركاته لاستعادة الوثائق المسروقة لأن في وقوعها في أيدي (الكي جي بي) نكبة حلف الناتو وهزيمة الحلفاء الغربيين أمام الدب الروسي المتحالف مع الدراغون (التنين) الصيني. إنها الحرب الباردة في أوجها والتي عشنا مخاطرها الساخنة من 14 إلى 24 أكتوبر عام 1962 حين انتصبت الصواريخ النووية السوفييتية ذات قدرة 1300 كلم في جزيرة كوبا وهددت ميامي في الولايات المتحدة الأمريكية وإذن الرئيس الأمريكي جون فيتزجيرالد كيندي بضرب الحصار على كوبا وتطويقها إلى حين نزع الصواريخ السوفييتية وبعد شد أعصابنا على مدى أطول من عشرة أيام في حياتنا تم تغليب العقل لدى قادة المعسكرين وأعلن الرئيس نيكيتا خروتشيف سحب صواريخه وبداية عهد جديد من التعاون بين العملاقين. كل هذه المغامرات نجدها مصوغة في مشاهد خيالية من إبداع الكاتب إيان فليمنغ عبر شريط جيمس بوند البطل الغربي الرأسمالي الليبرالي الذي لا يقهر. وحين وصلنا إلى سنة 1989 وأدركنا أن العملاق الشيوعي ما هو إلا صنم من ورق وانهار جدار برلين في لحظات غضب الشباب الألماني الذي أراد فاستجاب القدر لإرادته. أراد أن يوحد ألمانيا بجزأيها الغربي والشرقي وأراد فرض حرية المبادرة لدى الشعب الألماني وشعوب ما كان يعرف بأوروبا الشرقية أي الخاضعة للنفوذ السوفييتي ثم انهار الاتحاد السوفييتي بأسره تاركا مكانه اتحاد الجمهوريات الروسية بعد أن انفلق عقد الماركسية العنيفة وانتهت الحرب الباردة بما سماه الرئيس نيكسن (الانتصار بلا حرب). هكذا كان مناخ العلاقات بين الدول الكبرى منذ نصف قرن ثم وصلنا إلى (سكاي فول) حيث لم يعد أمام الغرب عدو شيوعي بل إن قصة (جيمس بوند الجديد) تدور حول صراع الغرب ضد ما يسمى الإرهاب فنرى بطل الشريط يلاحق أعوان منظمة هلامية شبحية ( ربما القاعدة.!) تمكنت من اختراق المنظومة الحاسوبية لحلف شمال الأطلسي واستولت على قائمة بأسماء وعناوين عملاء حلف الناتو في الشرق الأوسط وبالفعل بدأت المنظمة "الإرهابية" تغتال هؤلاء العملاء بنسق خمسة قتلى أسبوعيا إلى أن تدخل جيمس بوند وقتل ولاحق وعطل وقامر بحياته من أجل استرداد القائمة وكشف الجاسوس الذي سلم القائمة لأعداء الغرب. هنا تتغير المعادلة فلم يعد الغرب يواجه الاتحاد السوفييتي بل أصبح يواجه التطرف الإسلامي كما يتصوره كاتب السيناريو ويخرجه وينتجه (سام منديس) بعد خمسين عاما من ميلاد أسطورة جيمس بوند. والشريط كما نلاحظ هو تسجيل اللحظة التاريخية التي شهدت تحول لعبة الأمم وتغيير التوازنات القديمة بين غرب ليبرالي وشرق شيوعي إلى صراع طويل ومرير بين الحضارات كأن الشريط يريد أن يؤكد صدق ومنطقية نظرية صدام الحضارات التي طلع بها علينا المفكر الأمريكي اليهودي صامويل هنتنغتون ثم عززها المفكر الأمريكي الياباني الأصل فرنسيس فوكوياما في كتابه (نهاية التاريخ). هكذا اجتهدت أنا لأقرأ أحداث (سكاي فول) بعيون رجل عاش عهودا متلاحقة ومتناقضة من العلاقات الدولية في عصر واحد متقلب المعادلات ومتسارع التحولات.
622
| 17 أبريل 2013
نشر الزميل والصديق توفيق حبيب وثيقة تاريخية ذات أهمية بالغة في مجلته الراقية (زعماء) تتمثل في رسالة شكوى وتظلم كتبها الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة إلى وكيل الجمهورية سنة 1990 وهو في معتقله الأخير بمدينة المنستير حيث فرض عليه الرئيس السابق زين العابدين بن علي بعد أن عزله من السلطة إقامة جبرية قسرية حولت ذلك الأسد المريض إلى سجين وراء قضبان مهينة لا يزوره إلا من يختارهم زبانيته بحذر وخوف والمزيد من الإذلال والتشفي. ولكن الذي لفت نظري بعد نشر الوثيقة ذلك السيل من التعليقات بأقلام رجال من جيلنا الذي عمل مع بورقيبة ومنهم المتحسر المنافق عما كابده الزعيم بينما هو خلال 13 سنة من محنة بورقيبة لم يحرك ساكنا ولم يقل كلمة حق ولم يصدع برأي وهي حال الأغلبية من وزرائه السابقين الذين لم ينبسوا ببنت شفة (ما عدا قلة شجاعة ويتيمة) فبن علي كان لا يرحم من يقول كلمة حق وكان يغري بالمناصب أو بمجرد السلامة كل من عمل مع الزعيم فانتبذ أغلبهم مكانا قصيا (مع الفارق العظيم بين معنى الآية الكريمة وواقع الخذلان) واستمرت مأساة بورقيبة 13 عاما ختمتها مهزلة جنازته التي أخرجها بن علي مثل مسرحية سخيفة خوفا من جثمان الزعيم بعد الخوف من الزعيم حيا. شرع البعض هذه الأيام يمجدون بورقيبة بمناسبة عيد الاستقلال وبمناسبة تكريم بلدية باريس لذكراه وبمناسبة نشر تلك الوثيقة وبمناسبة ذكرى وفاته (6 أبريل) فتباروا في تعداد خصال الزعيم لا من منطلق الحقيقة التاريخية بل من منطلق الانتقام من عهد خلفه زين العابدين ومن عهد خلفاء بن علي من حكومة الترويكا الراهنة. فوظفوا هذه المناسبات بطريقة عقائدية وحزبية لا تليق بتاريخ تونس الذي يجب أن يبقى من مشمولات أنظار المؤرخين لا في أيدي السياسيين. وانقسم المتكلمون إلى مؤله للزعيم بكونه كان ملاكا وإلى شاتم له بكونه كان شيطانا. وقرأت العجب العجاب في قلب الحقائق وتدليس التاريخ وأغرب ما قرأت هو أن الزعيم ليلة 7 نوفمبر 87 ليلة انقلاب وزيره الأول عليه كان في تمام مداركه العقلية وكان متمتعا بكل طاقاته العقلية وهذا مجرد هراء لا يستقيم لأن الخطأ القاتل لبورقيبة هو تشبثه بأوهام السلطة وهو في أرذل العمر ثم المراهنة على أحد الضابط المهووس بالسلطة زين العابدين بن علي الذي كلفه الزعيم بمهمة القضاء على من يعتبرهم بورقيبة أعداء نظامه. وأنا بفضل علاقاتي الوثيقة والطويلة مع رجلين عاشا في قلب تلك المرحلة القاسية والتراجيدية من حياة بورقيبة وهما رئيس حكومته محمد مزالي وسكرتيره الأول محمود بلحسين أعرف أسرار وخفايا تلك المرحلة المبكية المضحكة من "غرق" بورقيبة في لجة العمر و"غرق" تونس في لجة الاستبداد. وهي أسرار أحتفظ بها اليوم لنفسي حتى تهدأ عواصف الأحقاد والمزايدات وأنشرها على جيل المؤرخين النزهاء لكتابة تاريخ أمين لتونس. ويشهد الله أنني شخصيا بحكم منصبي في مطلع الثمانينيات كنت قريبا من الزعيم أجلس كما قال لي هو عديد المرات على نفس كرسيه الذي بدأ منه الكفاح وهو كرسي رئاسة تحرير صحيفة العمل لسان الحزب التي أسسها هو وأدارها منذ سنة 1932 لكن علاقاتي القديمة قبل المسؤوليات مع الزعيم وحزبه لم تكن بلا مغامرات لأني كنت إلى جانب الحق في مناسبات وطنية عديدة منها قضية المظلمة المسلطة على المناضل النقابي والدستوري أحمد بن صالح فزج بنا نظام بورقيبة أنا والصديقين أحمد الهرقام وعامر سحنون في الإيقاف يوم 4 سبتمبر 1969 واستنطقنا محافظ الشرطة حسونة العوادي وحرمنا من السفر لمواصلة الدراسة حين صادرت الشرطة جوازات سفرنا ثم كنت إلى جانب الصديق محمد مزالي حين عزله بورقيبة من وزارة التربية بتهمة تعريب برامج التعليم وأسلمتها وقاومنا عقلية الفرنسة القهرية لتونس على أيدي الفرنكوفونيين ومرة أخرى اضطهدنا البوليس السياسي واستنطقني مفتش أمن الدولة محمد كدوس وحجزوا جواز سفري في بداية السبعينيات ثم شاءت أقدار تاريخية تتجاوزنا أن يعين الزعيم بورقيبة نفس محمد مزالي رئيسا للحكومة سنة 1980 فواصلنا كفاحنا الصامد من أجل التعريب وضخ المزيد و(الممكن المتاح) من الديمقراطية في مؤسسات الدولة وربط بلادنا بمحيطها الحضاري العربي والإسلامي بعد طول جفاء ووشح بورقيبة صدري بوسامي الاستقلال والجمهورية ولكن الدسائس لم تهدأ ضد تيارنا العروبي الإسلامي داخل الحزب الدستوري وبتخطيط قديم من زين العابدين نفسه والذين تجندوا لخدمته وبأيدي خارجية إلى أن تم نفينا ومصادرة بيوتنا وتشتيت أولادنا وحتى اغتيال مناصرينا (تم قتل اثنين من الوطنيين الدستوريين هما الحاج بوبكر العمامي المقاوم للاستعمار الذي زجوا به معي في قضية كيدية عام 1990 وعلي السعيدي رفيق كفاحنا والمعارض لبن علي والمدير بوزارة الخارجية الذي اغتيل في ديسمبر 2001 في ظروف مشبوهة وغريبة وهو دليل على أن ضحايا الاستبداد النوفمبري من كل التيارات ومنها التيار الدستوري الأصيل في أبعاده المتمسكة بالحريات والهوية). واليوم نرى المتاجرين بتاريخ بورقيبة إما بالتمجيد المطلق وإما بالشيطنة المطلقة بينما الحقيقة هي أن بورقيبة إنسان لا هو بالملاك ولا بالشيطان أنجز أعمالا كبيرة ولكنه ارتكب أخطاء كبيرة أيضا ولم تكن حادثة الإطاحة به خارجة عن سياق مسيرته هو ذاته لأنه هو الذي أرسى تقاليد اضطهاد أسلافه والتنكيل بمعارضيه ومنافسيه. أليس هو الذي ظلم الطاهر بن عمار الزعيم الوطني موقع وثيقة استقلال تونس وأليس هو الذي سجن وسلب العائلة المالكة بعد أن ساعده أمراؤها بالمال والسلاح وأليس هو الذي أمر بوضع المتهمين بمحاولة الانقلاب عام 1962 مقيدين بالسلاسل من أرجلهم كالدواب سنوات طويلة في سجن غار الملح وأليس هو الذي اضطهد اليوسفيين ثم الشيوعيين ثم البعثيين ثم الإسلاميين ثم البنصالحيين (نسبة لبن صالح) ثم النقابيين ثم المزاليين (نسبة لمزالي) وطلق رفيقة عمره بصورة تناقض تماما مواقفه من المرأة حتى إنه في آخر مرحلة من عمره انهارت الدولة وقال لي محمد مزالي صباح يوم 7 نوفمبر 1987 "الجنرال بن علي انقلب على سعيدة ساسي وليس على بورقيبة".. وقال لي أحمد بن صالح في نفس اليوم: "إن السلطة كانت ملقاة على قارعة الطريق فجاء بن علي والتقطها دون عناء" النتيجة هي أن تسلط الزعيم هو الذي صنع تلك الآلة الجهنمية وزيتها وأعدها للاستعمال حتى أكلته نفس الآلة من دون رحمة وبلا أي نصير. وللتاريخ فهذا لا يمنع من إعادة الاعتبار لأحد قادة تحرير تونس ومؤسس دولتها الحديثة ومعمم التعليم والصحة والرجل النظيف الذي لم يملك حجرة ولا شجرة. أروع وأبلغ ما نفهم به تناقضات الإنسان نجده في الآية الكريمة: (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها). صدق الله العظيم.
732
| 10 أبريل 2013
كان شعار "الشعب يريد" هو الأكثر تداولا فيما سمي بالربيع العربي تناقلته المظاهرات من تونس صاحبة براءة الاختراع إلى القاهرة فطرابلس فصنعاء فدرعا فبغداد ثم تأكد هذا الشعب العربي الذي كان يريد الحرية والكرامة والتشغيل والعدالة الاجتماعية أنه برغم تحقيق حرية الرأي والتعبير فالمعضلات الجديدة عوضت المعضلات القديمة والرمز الساطع في ذلك هو حادثة انتحار الشاب عادل الخذري منذ أيام قليلة بإحراق نفسه أمام المسرح البلدي بتونس بعد عامين من تاريخ 17 ديسمبر 2010 يوم انتحار سلفه الشاب محمد بوعزيزي في مدينة سيدي بوزيد بإحراق نفسه وبنفس الطريقة ولنفس الأسباب. هذا الحدث يرمز إلى أن الأحلام الوردية العربية عموما بإنهاء عهد الاستبداد الذي أدى إلى انتحار البوعزيزي هي أحلام طوباوية لأن الشاب عادل انتظر سنتين واستمع للوعود المجانية ثم اكتشف أن حالته ازدادت سوءا واستيقظ ذات صباح ليكرر نفس تمرد البوعزيزي بإحراق هذا الجسد الطاهر احتجاجا على القنوط. حتى أن الرأي العام في تونس بدأ يتساءل عما حققته الثورة بعد سنتين! وفي مصر كان الشعب هو الآخر يريد دولة عادلة يعيش فيها المواطن المصري موفور الكرامة وقال قائل من الشارع القاهري للرئيس مبارك: شكر الله سعيك وتوكل على الله! فتوكل الرئيس على الله وانصرف فإذا بمواقع فيسبوك تنقل لنا فيديوهات سحل رهيب وتمثيل بجثث الضحايا بعد القتل لمواطن مصري بأيدي مواطنين مصريين وهو ما لم يقع في أي عهد منذ الملك فؤاد والملك فاروق إلى عبد الناصر إلى السادات إلى مبارك رغم هول الاستبداد واستهانة تلك الأنظمة أحيانا بحياة المصريين. وبهذه الأعمال الشنيعة تدخل الثورة المصرية هناك منطقة المحظور ويراق دم الأبرياء بدون حسيب أو رقيب بينما المصري الطيب يظل غلبانا وهاربا لربنا ومنتظرا للأمن والأمان. بل وشرع النائب العام المصري يأذن بإيقاف بعض السياسيين بنفس حجج الرؤساء السابقين الثلاثة ناصر والسادات ومبارك. وفي العراق ظل الشعب الأبي يعد السنوات العجاف من واحد إلى عشر منذ أن وقفت الدبابة الأمريكية في ساحة الفردوس يوم 9 أبريل 2003 إلى 9 أبريل 2013 لتقوم في ذلك اليوم المشهود بما عجز عنه الجمهور المتجمهر فأحكمت الحبال حول عنق تمثال صدام حسين وسحبته الدبابة فسقط تمهيدا لحبل المشنقة الذي وضعه العراقيون الشيعة ذات صباح عيد الأضحى المبارك حول عنق صدام نفسه هذه المرة ليتدلى الرجل كالأسطورة الإغريقية بعد سنوات الحكم والحرب. وتحول الحلم العراقي بوطن أمن ودولة عادلة إلى كابوس طائفي واستقل إقليم الأكراد عن الدولة المركزية ممهدا الطريق لطموحات كردية مماثلة في تركيا وإيران وسوريا. ولعل أبلغ تلخيص لحالة العراق اليوم هو الذي أوجزه نائب الرئيس السابق طارق الهاشمي حين كتب: "العراق اليوم سيادته ناقصة وأمنه مفقود وشعبه منقسم وثرواته منهوبة وهويته مستهدفة " أما في سوريا فالمأساة انعرجت نحو الفاجعة اليومية الدموية: حرب بالصواريخ والبراميل المتفجرة والأسلحة المحرمة ضد جيش حر وشعب أعزل واستبشرنا بتراجع أحمد معاذ الخطيب عن الاستقالة من رئاسة الائتلاف وهو يحتل مقعد الشعب السوري في قمة الدوحة ويندد بالمقاتلين العرب الذين التحقوا بالجيش الحر قائلا إن هؤلاء الشباب المغرر بهم إنما أرسلتهم سلطات بلدانهم ويسرت لهم الخروج للجهاد بقصد التخلص منهم وهم من جنسيات عربية عديدة ليقتلوا في أرياف إدلب وحلب وحمص وضواحي دمشق. وتكلم الرجل في افتتاح القمة يوم الأربعاء بلسان صدق وجرأة، فأعلن أنه طلب من حلف الناتو تحصين الحدود السورية بصواريخ باتريوت وطلب من أشقائه العرب أن يساعدوا الشعب السوري الشهيد بالأعمال لا بالأقوال حتى ينهي أربعين سنة من إذلال السوريين وقمعهم والحفاظ على وضع إقليمي من اللاحرب واللاسلم مع المغتصب الإسرائيلي. وانظر إلى حال اليمن اليوم وأبصر فكما قال الله في كتابه العزيز (ثُمَّ ارْجِع الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِير) "سورة الملك" لأن شبح تقسيم اليمن إلى شمال وجنوب عاد قويا يراود الناس هناك بعد أن اعتقدنا أن هذا الشبح مات وشبع موت منذ عقدين ويوم 22 مايو 1990 حين أعلن العليان (علي سالم البيض وعلي عبدالله صالح) وحدة الجمهورية اليمنية والتأم شمل العائلة العربية السعيدة في جو من الحماس والعزم على تأبيد وحدة اليمن! فما الذي جرى بعد ذلك الربيع الشتوي حتى يعاد النظر في أغلى ما حققه اليمنيون جميعا وما باركناه نحن العرب معهم مصدقين انبلاج ذلك الفجر المبارك! إنه لمؤشر بليغ الدلالة حين جمع بين قادة دول ما يسمى بالربيع لسان الوعيد بعد أن كانوا وهم في المعارضات ضحايا تلك اللغة الحديد وإنه لمؤشر سوء أن يلقوا بأقلامهم التي كانوا يكتبون بها بيانات التنديد ليكتشفوا عصا التهديد يرفعونها في وجوه جيل جديد من معارضيهم وليقسموا اليوم وهم في السلطة معارضاتهم إلى معارضات يصفونها بالمواطنية حين تماشيهم ومعارضات ينعتونها بالمجرمة وسيئة النية حين تعارضهم بجد. سبحان الله مغير أحوالهم وعسى أن يستوعبوا دروس التاريخ الذي لا يرحم ويتذكروا أن جل القادة الذين أطيح بهم سنة 2011 بدأوا عهود حكمهم رافعين نفس شعارات الربيع العربي وصفقت لهم الشعوب بمن فيها بعض هؤلاء الذين يتصدرون اليوم مشهد الثورات. ثم أصابتهم فتنة الحكم فقلبوا للشعب ظهر المجن وشرعوا يقمعون ويسجنون وينفون خصومهم بنفس الحجج والتبريرات التي نسمعها اليوم من أفواه ضحاياهم السابقين إن الخطر المحدق هو أن بعض بلادنا انتقلت من دولة الاستبداد إلى اللادولة فاعتبروا يا أولي الألباب.
936
| 03 أبريل 2013
عندما كتبت هذه الخواطر كانت الاستعدادات الحثيثة جارية في الدوحة لإعداد جدول أعمال القمة العربية الرابعة والعشرين وحين ينشر المقال تكون القمة ربما أنهت أشغالها وأصدرت بيانها ودشن القادة العرب عهدا نريده جديدا من التحول إلى صالح الأعمال عوضا عن بليغ الأقوال. ولا أخفيكم ونحن في كواليس القمة في الدوحة نتحاور مع وزراء كرام وسفراء أفاضل حلوا قبل القادة لضبط روزنامة أشغال القمة وكانت ربطتنا ببعضهم علاقات زمالة أو صداقة قديمة أننا سمعنا من أفواه جلهم حديثا عن عقيدة التضامن الجريئة الجديدة حيث تعتزم القمة تفعيل التعاون العربي البيني تماشيا مع التحديات التي تمر بها بلدان عربية معروفة لأسباب منها الدائم ومنها الظرفي وقد تفاقمت فيها البطالة الشبابية وتكرست فيها الفوارق الجهوية واندلعت فيها شرارات اليأس والقنوط من تنمية أبطأت وديون تراكمت وغضب مشروع تحول إلى تمرد. ولا يظنن مواطن عربي مهما ارتفع مستوى الدخل في وطنه الصغير أنه في مأمن أمين من هذه الهزات الاجتماعية التي تتجاوز الحدود وتعبر الجمارك لتصدر مشاكلها ويأسها من خلال شبكات العنف التي لبست عقائد بعض الجماعات المتطرفة والمسلحة التي تشكلت تحت شعارات غريبة وأصبحت إلى الفوضى والعدمية وثقافة الموت أقرب منها إلى الدين والسياسة. لو تبحث قليلا أيها القارئ تحت رماد المطالبات الاجتماعية أو الشعارات الدينية فإنك عاثر على جمر التهميش والفقر وقلة مسالك النجاح وصعوبة الكفاف في بلدان حباها الله من الرزق والموارد ما يمكنها من إعالة شبابها وتطوير أحوالهم لكن الخيارات السياسية الخطأ التي سنها بعض أولي الأمر منا منذ عقود من دون مشورة وبلا وفاق بل في مناخات من قمع الرأي الحر ورفض النصيحة والاستبداد بالفكر والتخطيط هي التي ضلت السبيل بالشعوب حين اختارت الحداثة المستوردة على الحداثة الأصيلة وحين طمحت إلى ما كان الزعماء العرب من جيل مقاومة الاستعمار يسمونه " اللحاق بركب الحضارة" وبهذه العبارة – العقيدة كان بورقيبة وعبدالناصر وبومدين والملك الحسن الثاني والملك الحسين بن طلال وحافظ الأسد يقصدون اللحاق بركب فرنسا وبريطانيا الإمبراطوريتين اللتين كانتا تستعمر بلدانهم ولعل هؤلاء الزعماء تصرفوا غالبا عن حسن نية وعن شعور وطني إلا أن التجارب التنموية أثبتت أنه لا تنمية لأمة إلا بالغرف من منابعها التاريخية وكنوزها الحضارية من لغة ودين ومعمار وطب وفلك ورياضيات وتربية وثقافة. وإذا أردت يا قارئي الكريم أن تتأكد من هذه النظرية فيكفي أن تنظر من حولك كيف انطلقت كوريا الجنوبية سنة 1960 في نفس اللحظة مع العالم العربي نحو الإقلاع الصناعي والتكنولوجي والثقافي وكان لكوريا ولتونس ومصر مثلا نفس الدخل الوطني الخام فاعتمدت كوريا على لغتها ونهلت من مخزونها الحضاري تماما مثل أختها الكبرى اليابان ثم انظر كيف انطلق العالم العربي من "أنموذج" الغرب المنتصر فانتحلنا لغته وقلدناه في ملبسه ومأكله وسائر شؤون حياته من مسكن وتنظيم اجتماعي وتشكيل الإدارة وبرامج التربية والتعليم فالذي حدث اليوم بعد نصف قرن هو أن كوريا تصنع لنا سيارة (كيا) و(هونداي) وكمبيوتر والهاتف الجوال الذكي (سامسونج) وتقنيات الاتصال وحتى التكتك الذي ننوي توريده لحل معضلات النقل في القاهرة وتونس والدار البيضاء. وبقينا نحن العرب نعاني ويلات التخلف الاقتصادي والفقر التكنولوجي ونلثغ بلغة المستعمر القديم ونجدف في بحر الظلمات لا نتبين طريقا للخلاص بعد أن اعتقدنا أن الربيع هلت أنواره بعد شتاء الاستبداد. إنه حري بالقمة العربية أن ترتفع عن ترديد البيانات الشاعرية التي تهز العواطف ولا تقينا العواصف وأن نقلد هذه المرة الاتحاد الأوروبي ونحذو حذوه في مؤسسة التضامن وتفعيل التعاون بين أعضائه (هذه المرة عن جدارة لأننا لم نقلد الغرب من قبل سوى في القشور) فينقذ العرب إخوانهم العرب بالاستثمار المرن السريع وضخ رساميل ناجعة في مشاريع تنموية تشغل الشباب وتعدل موازين دول عربية فقيرة وتضع التضامن العربي في قمة خيارات القمة ولن يخسر العرب الممولون في المراهنة على مشاريع رابحة مدروسة تكون في حماية الشفافية والحوكمة الرشيدة مثلما تتصرف دول الاتحاد الأوروبي اليوم إزاء قبرص واليونان حيث ضخت ألمانيا وفرنسا وبريطانيا مئات المليارات من اليوروات في خزائن هاتين الدولتين لإنقاذهما من الإفلاس وإنقاذ أوروبا من فقدان اليورو وتحصين الاتحاد الأوروبي حتى يكون قطبا قويا بين أقطاب قوية هي أمريكا والصين وروسيا وما يدور في أفلاك هذه الأمم من شعوب انضمت إليها وعززتها واستفادت من التحالف معها. وكما قال الزميل السفير جمال الدين البيومي الأمين العام لاتحاد المستثمرين العرب في سياق حديثه عن قمة الدوحة فإن على الدول العربية المحتاجة للاستثمار أن تؤسس لبورصات وأسواق مال وأن تخفف من القيود البيروقراطية والجمركية وأن توفر الخبراء والكوادر والأيدي العاملة.. وهذه هي الحوافز التي تجلب بها دول الغرب مستثمرينا العرب وأنا أضيف لرأي السيد البيومي الحافز الأهم والأكثر تشجيعا للإخوة أصحاب المال ورجال الأعمال وهو بسط الأمن والأمان وتطبيق القانون بحزم وعدل حتى لا يكون الشارع والفضاءات العامة ومؤسسات الدولة في مهب الرياح نهبا للخارجين عن القانون وقطاع الطرق والمحتالين على المجتمع. وحين نرى الحالة اليوم في بعض البلدان التي مرت بهزات عنيفة وتحولات سياسية عوض أن تجني شعوبها ثمار الديمقراطية والعدالة الاجتماعية نراها تطالب بالأمن وتندد بالعنف وتستقيل تدريجيا من العمل السياسي بسبب الإحباط وسوء الأحوال وفقدان البوصلة. فعسى الله سبحانه يهدينا للتي هي أقوم.
361
| 27 مارس 2013
استعرت هذا التعبير من كلمة الرئيس التونسي د. منصف المرزوقي، قالها يوم الأربعاء بمناسبة حفل أداء اليمين لأعضاء حكومة السيد علي العريض أمام رئيس الجمهورية وهو وصف أمين اختاره المرزوقي لحالة تونس اليوم، لكنه في الواقع ينطبق على عالم عربي ظل منذ عامين في مهب الريح، تلك الريح التي تبلغ حد الزوابع. بل إن تونس أقل عرضة للزوابع من سوريا وليبيا ومصر واليمن والعراق، فالعالم العربي يتعرض لمنطقة زوابع مختلفة القوة والهبوب ومتباينة المخاطر ونذر الحروب لكنها تستدعي منا الحذر واليقظة والتنسيق وتبادل المشورة وتوحيد التوصيف، لأن الغفلة عن هذه الزوابع قد تؤدي بنا إلى ما أدت بنا إليه غفلاتنا السابقة، وهي عديدة، لعل أخطرها حين أعمانا الصراع على الحكم وأكلتنا الفتن فاحتلنا استخراب صليبي منذ 1830 بدءا من الجزائر حتى مصر والشام والخليج وأصابتنا غفلة تاريخية ثانية حين انتهت الحرب العالمية الأولى بتقسيم أرض الإسلام على الإمبراطوريتين المنتصرتين فرنسا وبريطانيا ثم غفلنا بعد استقلال أراضينا إداريا وعسكريا في الخمسينيات فلم ندرك أن الاستخراب الثقافي والعقائدي حين انجلى عن الحقول فإنه استعمر العقول. ولو تأملت الأحداث التي هزتنا عام 2011 وتدبرت أسبابها فإنك لا شك تهتدي للخيوط الموحدة التي تربط بين البلدان العربية التي تنعت ببلدان الربيع، حيث إنها جميعا عانت من حكم الأسرة الواحدة، لا في شكل ملكية مستقرة وعريقة ولكن بلبوس الجمهورية، فجاءت من هناك عبارة الجملكية لتصف أوضاعها اللقيطة بين نظام يدعي الجمهورية وانتخاب الحاكم وبين شكل هجين من تغول عائلة الماسك بالسلطة بجيش من الأبناء والأصهار تحكمت وتصرفت في قوت الناس وتلاعبت بأرزاقهم وأعراضهم، فكان أن تفشت البطالة واستشرى الفساد وعمت الفوضى وتمأسس القهر وضاق العيش، ثم جاء جيل الفيسبوك فكشف المستور وتطاول الشباب على محرمات الظلم فكانت مواقع التواصل الاجتماعي ثورة حقيقية في الأذهان والوجدان وبالطبع تابعت القوى الأجنبية العالمية والإقليمية تلك التغييرات المجتمعية العربية العميقة فحاولت جميعا أن توجه الأحداث نحو خدمة مصالحها الإستراتيجية بلا شك وهو أمر طبيعي ومن السذاجة أن ننكره أو نتناساه. الذي حدث عام 2011 هزة عنيفة، لا على سلم السياسة فحسب، بل على سلم الحضارة وسنرى التوابع على إثر الزوابع تذهب بالأوهام الوردية وأحلام اليقظة لتطرح معضلات التنمية المصحوبة بالعدالة الاجتماعية ومشكلة توزيع الثروة الوطنية بالقسطاس والقضاء الصعب على الفساد وتعويض حكم العائلة المتغولة بحكم القانون وحكم العصابة الفاسدة بسيادة الدستور. وهنا لا بد أن أثني على جهد د. سهيل العلويني الطبيب الجراح الذي أسس مع نخبة من الشباب العربي جمعية للشفافية والحوكمة الرشيدة المفتوحة. إن هذه الغاية المشروعة للخروج من منطقة الزوابع تستحق خطة عقلانية توافقية يشترك في وضعها وفي تنفيذها جميع المواطنين من خلال مؤسسات سياسية ودستورية تؤطرهم وبواسطة منظمات مدنية تمثلهم حتى تكون الخطة شاملة وناجعة لا تقصي خصما سوى من أقصاه القضاء أو صندوق الانتخاب لجرم ارتكبه أو مال أهدره أو دم أهرقه ولذلك وجب التنبيه إلى خطر الإقصاء الانتقامي حسب الوظائف في العهود السابقة، لا حسب الوزر الشخصي فإنه يفتح أبواب إعادة أخطاء العراق بعد 2003 حين تم تدمير الدولة العراقية عوض القضاء على نظام البعث وحده فخسر العراق جيشه العريق ونكب الشعب العراقي في جامعاته وطاقاته العلمية المتقدمة وانهارت مؤسسات الدولة في قطاعات الطاقة والبنية الصناعية وهاجر العلماء والخبراء من وطنهم لاستحالة العيش في كنف الفوضى ثم جاءت الطائفية البغيضة لتملأ الفراغ فالتحق العراق بدول الفوضى التي زعموا بأنها خلاقة. ولنأخذ نموذجا، ما يقع اليوم في وطني تونس بعد أن انفجرت الحناجر بالرأي الحر وكانت مكبوتة وبعد أن انتخب الناس مجلسا لوضع دستور جديد وحكومة لتصريف شؤون البلاد وانظر حولك في الشارع وفي الطريق لتكتشف أن الخروج عن القانون أصبح لعبة وطنية مفضلة بدءا من تجاوز الإشارة الحمراء إلى البناء الفوضوي على أرض الغير وصولا إلى ترويع الأبرياء بالنشل والعنف واستفحل الأمر بانتشار تجارة السلاح خفيفة وثقيلة ومأسسة التهريب لكل أصناف البضاعة مما خرب التجارة وانحرف بالزراعة وهمش العاملين فيهما وجعل الأسعار لا تطاق إلى أن تمت تصفية الشهيد المناضل شكري بلعيد على أيدي مجهولين فانفلت الأمن ثم تحول إلى الهاجس الأول والمطلب الرئيسي للناس وحين استقبلني رئيس حكومة تونس في مايو 2011 نصحته بأن يفرد الأمن بوزارة تسمى وزارة الأمن والأمان، لأن بسط الأمن هو الضامن لكل شيء فلا استثمار ولا سياحة ولا اقتصاد ولا تعليم بلا أمن المواطن وفي حزبنا الاتحاد الوطني الحر وضعنا إنشاء تلك الوزارة في طليعة مطالبنا واليوم يبدو أن جميع النخبة التونسية تبنت هذا المطلب بقدر من التأخير وأكده وزير الداخلية الجديد. وكل هذه الزوابع تهب علينا في تونس رغم أن بلادنا بحمد الله ولطفه لم تبلغ درجات الصراعات المسلحة المفتوحة التي نراها بكل أسف وحزن تزعزع مجتمعات عربية أخرى. ونلاحظ أن ما يجمع أيضا بين هذه المجتمعات هو غياب الدولة القوية العادلة التي كان من المفترض والمتوقع أن تحل محل الدولة المستبدة الجائرة فأصبح المواطن العربي المسكين يعاني ويلات جديدة عوضت الويلات القديمة ولا يرى بصيص أمل ونور في نهاية النفق الطويل المظلم. ثم إننا نشهد هنا وهناك في أرجاء وطننا العربي الكبير ظاهرة التردي الأخلاقي السياسي في اللغة والمصطلحات والسلوكيات حتى كدنا لا نعرف أوطاننا من جراء تراكم الأحقاد وتدافع الأحزاب وتنابز الناس بالألقاب مما حول الحوارات إلى ساحات وغى تبعتها أعمال عنف خارج القانون وخارج الدولة. إن الزوابع التي ذكرها المرزوقي عمت عالمنا العربي ونسأل الله أن ينجو منها أهل الممالك العربية التي تعايش فيها القوم بعيدا عن الصراع المرير حول رأس السلطة والتي تعتبر ملوكها رموز وحدة قلوب وتأليف ضمائر واشتراك في المصير وتعاون على البر والتقوى.
454
| 20 مارس 2013
في كتابي المنشور باللغة الفرنسية في باريس سنة 2002 بعنوان (صورة الإسلام في الغرب وصورة الغرب في الإسلام) تطرقت للحملة الفرنسية التي قادها نابليون بونابرت على مصر والشام (1798-1801) والتي كانت الحدث التاريخي الأبرز في تدشين عهد الاستخراب الغربي الصليبي (المسمى ظلما بالاستعمار) في ديار الإسلام وما تبعه من احتلال الجزائر سنة 1830 ثم باقي الشعوب المسلمة حتى بلوغ الهدف الرئيسي للعنصرية الاستخرابية أي القضاء على الخلافة الإسلامية العثمانية يوم 3 مارس 1924 وبداية اقتسام ما سمي بتركة الرجل المريض بين الإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية بمعاهدة سايكس بيكو (مارس 1916).. وهذه المرحلة أطلقت عليها في كتابي نعت الحملة الصليبية التاسعة بعد طي صفحة آخر الحملات سنة 1270م وهي الثامنة التي انتهت بموت ملك فرنسا لويس التاسع في قرطاج بالبلاد التونسية. ولهذه الأسباب أرى اليوم أن تاريخ عبدالرحمن الجبرتي الذي أرخ لتلك الحملة الفرنسية على مصر والذي أعيد نشره هذه الأيام في القاهرة مختصرا بفضل جهد وجهاد أحد الأبناء العلماء المتألقين، وهو الأستاذ أيمن حسن الدمنهوري حيث قام بعمل أكاديمي متميز تمثل في تسليط الأضواء على عصر الحملة وخفاياها الدولية وعلى شخصية المؤرخ الشيخ عبدالرحمن الجبرتي واختار أصلح وأثرى ما في كتاب (تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار) ليقدم لنا زبدة الزبد من هذا الأثر الأساسي في فهم الصدمة الحضارية بين الإسلام والغرب ومن أروع ما اختاره أيمن تلك التأملات الجبرتية في فلسفة الحكم وشروط الصلاح في ممارسة السلطة ونكتشف أن الجبرتي سبق الكواكبي في إدانة الاستبداد حين قال: "فمن عدل في حكمه وكف عن ظلمه نصره الحق وأطاعه الخلق وصفت له النعمى وأقبلت عليه الدنيا فتهنأ بالعيش واستغنى عن الجيش وملك القلوب وأمن الحروب وصارت طاعته فرضا وظلت رعيته جندا لأن الله تعالى ما خلق شيئا أحلى مذاقا من العدل ولا أروح إلى القلوب من الإنصاف ولا أمر من الجور ولا أشنع من الظلم". لو تقرأ أخبار ثورة القاهرة ضد الاحتلال الفرنسي (22 إلى 24 أكتوبر 1789) من جانبين متضادين عايشا تلك الأحداث وكانا شاهدي عيان عليها أي بقلم الجبرتي المصري العربي المسلم وبقلم المؤرخ الفرنسي المسيحي (فيفان دينان) الذي شارك بسلاحه أيضا في قمع الثورة فهو نفس الجدل القائم اليوم سنة 2013 حول مصطلحات الإرهاب والمقاومة والهوية والعلاقة بين الدين والسياسة. فقد ثار شباب القاهرة وقتلوا الجنرال (ديبويه) وعددا من ضباطه ثم انتقم الجيش الفرنسي بعشوائية فأعدم عشرة علماء من الأزهر الشريف وجاء بعد ذلك اغتيال قائد الحملة الجنرال (كليبر) الذي نفذه أحد شباب الشام (سليمان الحلبي) والذي تم قتله بطريقة وحشية لإعطاء المثل وترهيب الشعب. إنها جدلية دائمة حين تنتفض الجماهير فأقرأ وصف الاستعداد للثورة على لسان عبدالرحمن الجبرتي يقول (ص304): "ولما أشيع في الناس كثر لغطهم واستعظموا ذلك والبعض استسلم للقضاء فانتبذ جماعة من العامة وتناجوا في ذلك ووافقهم على ذلك بعض المتعممين (لاحظوا عبارة الجبرتي: المتعممين لنعت مشايخ الأزهر اليوم يطلق العلمانيون على المتدينين نعت الملتحين!) فتجمع الكثير من الغوغاء (لاحظوا كذلك نعت الجماهير بالغوغاء) من غير رئيس يسوسهم ولا قائد يقودهم". أما المؤرخ العسكري الفرنسي الذي رافق الحملة (فيفان دينون) فكتب عن نفس هذه الانتفاضة فقال: "نجحنا في غزو القاهرة ولكن الفرنسيين في عيون سكان القاهرة ليسوا سوى كفار غزوا دار الإسلام ولذلك تحول التمرد إلى انتفاضة شعبية بسرعة فائقة محركها الأساسي هو التعصب الديني الذي جمع الغوغاء بسبب بعض الإجراءات الإدارية الفرنسية فكانت حركة التمرد دينية بالأساس قادها أعتى المتطرفين واستهدفوا الفرنسيين من أجل تحرير القاهرة". من خلال النقل المباشر (كما يقال اليوم في لغة الفضائيات) لرجلين عاشا تلك الأيام من جانبين متضادين نتبين أنهما اتفقا كل بمنطقه الخاص ومن زاويته القيمية والدينية أن كل احتلال تقابله مقاومة وهذه هي العبرة التي لم يعتبر بها الاستعمار بل نرى اليوم وبعد قرون أن نفس القوى الاستكبارية العنصرية المتطرفة تخطط لفرض وجودها وخدمة مصالحها وسلب ثروات الشعوب المستضعفة بعمليات عسكرية جديدة تعيد نفس سيناريوهات الحملة الفرنسية على الشرق ولكن بتغيير الديكور الدبلوماسي وتبرير التدخل العسكري بشعارات مبتكرة مثل مقاومة الإرهاب (ألم يبرر بونابرت حملته بمقاومة المماليك؟ ولم يبرر ملك فرنسا احتلاله للجزائر سنة 1830 بمقاومة القراصنة وأبعد من ذلك في التاريخ ألم يبرر البابا يوربان الثاني سنة 1095م تجنيد الصليبيين ضد المسلمين بتعلة إنقاذ أكفان السيد المسيح من أيادي المسلمين في القدس؟ وحين نواصل مطالعة مختصر كتاب الجبرتي نكتشف أن مجهود ابننا الفاضل أيمن حسن الدمنهوري كان موفقا بارك الله في قلمه وعقله وبأن هذه الاحتلال الفرنسي لمصر لم يدم سوى ثلاثة أعوام فبدأ مع بونابرت شخصيا ثم غادر مصر ليلتحق بعاصمته باريس ويشارك في مناورات السلطة وترك قيادة جيشه للجنرال كليبر الذي اغتيل على أيدي الإسلامي سليمان الحلبي وأمسك بالقيادة بعده الجنرال مينو الذي تعلم العربية ويقال إنه أسلم وتزوج من امرأة مصرية.(وأرجو من المتخصصين الكرماء أن ينيروا سبيلي في شأن مينو هذا)، ويرمز هذا التاريخ الغريب إلى أن شعب مصر انتصر على الحملة بينما اندحرت جيوش فرنسا بهزيمة حضارية لم يعتبروا بها وقديما قال الإمام علي كرم الله وجهه: "ما أكثر العبر وما أقل الاعتبار".
1289
| 15 مارس 2013
مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب...
10521
| 08 فبراير 2026
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله...
2163
| 04 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة،...
1164
| 10 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م،...
1008
| 04 فبراير 2026
امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على...
756
| 04 فبراير 2026
لم يكن الطوفان حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه مع...
687
| 10 فبراير 2026
انطلاقا من حرصها على أمن واستقرار المنطقة وازدهارها،...
651
| 04 فبراير 2026
تعكس الزيارات المتبادلة بين دولة قطر والمملكة العربية...
621
| 05 فبراير 2026
يشهد الشرق الأوسط منذ سنوات طويلة حالة مزمنة...
531
| 09 فبراير 2026
لم يعد هذا الجهاز الذي نحمله، والمسمى سابقاً...
480
| 09 فبراير 2026
لم يكن البناء الحضاري في الإسلام مشروعا سياسيا...
471
| 08 فبراير 2026
«الآخرة التي يخشاها الجميع ستكون بين يديّ الله،...
420
| 05 فبراير 2026
مساحة إعلانية