رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

لمصلحة مَنْ ترسم خارطة الشرق الأوسط الجديد؟

حينما نقول الشرق الأوسط اليوم سنة 2012 فنحن نعني ما تعنيه مراكز البحث والتحليل واستشراف المستقبل المبثوثة في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان والصين واتحاد الجمهوريات الروسية أي البلدان العربية والإسلامية بما فيها إيران وباكستان وأفغانستان وتركيا ينضم إليها جميع العرب مشرقا كمصر والشام الكبرى والعراق وفلسطين والأردن والجزيرة العربية الأصلية التي كانت تسمى الحجاز واليمن ومغربا ما يسمى اليوم بالمغرب العربي أي الشمال الإفريقي. وكل هذه المنطقة التي ترتبط حضاريا بالإسلام والعروبة رغم أن بعض أقلياتها غير مسلمة أو هي منحدرة من أعراق غير عربية لكنها منطقة تقع في الفضاء الحضاري الإسلامي لغة وتقاليد تعايش سكانها على مدى قرون طويلة في سلام ووفاق ثم إن الغزوات الأجنبية من مغولية وإفرنجية وقبلهما الرومانية زادت أهلها تلاحما وتماسكا وتشبثا بالهوية الحضارية الجامعة والمانعة. وأذكر أنه حين تجمعني بعض المؤتمرات الإقليمية والدولية مع ساسة غربيين وأصحاب قرار أمريكان أو أوروبيين أبادرهم بسؤالي الذي يشغل فكري وهو: من الذي يرسم خارطة هذا الشرق الأوسط الجديد وكيف ترسم ولمصلحة أي أمة من الأمم؟ وحين أطرح هذا السؤال أتلقى أجوبة قد تختلف في تفاصيلها لكنها تتفق جميعا في منطلقاتها وفي جوهرها وأستخلص أنا بما كتب الله لي من موهبة الاعتبار ونعمة التفكر والتدبر بأن سابقة اتفاقية (سايكس بيكو) التاريخية والتي وقعها الوزيران المذكوران لخارجية كل من الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية يوم 16 مارس 1916 هي التي حددت على الميدان ملامح خارطة الشرق الأوسط القديم والراهن حيث تم تقاسم تركة الرجل المريض (الخلافة الإسلامية) بين الدولتين الاستعماريتين الأقوى في ذلك التاريخ وهما خارجتان منتصرتين في الحرب العالمية الأولى أو في عداد المنتصرتين لأن الحرب انتهت سنة 1918 بعد أن اندلعت عام 1914 وبادرت بنت أوى البريطانية من لندن سنة 1917 بإعطاء يهود العالم وعد بلفور المعروف كما بادرت فورا وعام 1918 بإيفاد الجاسوس العبقري لورانس العرب إلى الشريف حسين وأولاده في مكة من أجل القضاء على السلطان العثماني وبداية رسم الخارطة الحالية للشرق الأوسط. هذه المقدمة التاريخية ضرورية لفهم وتحليل الواقع الراهن للشرق الأوسط لأنها تنير الجوانب الغامضة من لعبة الأمم وتكشف خفايا ما يخبئه لنا العالم المتحرك من مصير. ولنبدأ بتسليط الضوء على بؤر الأزمات الشرق أوسطية التي تعالجها الإمبراطوريات الدولية التقليدية والناشئة في هذه الظروف الصعبة وهذه المنعطفات الخطيرة من زمن الربيع العربي والصحوة الإسلامية. أول هذه البؤر هي الحالة السورية لأنها تطرح محاذير أمنية وجغراسترتيجية تتجاوز الإقليم إلى رحابة العالم. فقد تحولت المطالبات الشعبية السورية من مجرد مظاهرات تستعجل إصلاحات دستورية وسياسية واجتماعية بشكل سلمي إلى حرب أهلية مسلحة قد تطول وهذه أكبر غلطة سياسية ارتكبها نظام بشار الأسد حين واجه مظاهرات شبابية باجتماع برلمانه المهزلة وتلاوة قصائد المديح للقائد المنقذ من الضلال وهو تكتيك قديم عديم الجدوى في عصر الإنترنت وسرعة انتقال المعلومات وتشاركية الحشد والتجنيد الشعبي بفضل مواقع الاتصال الاجتماعية. أما البؤرة الثانية فهي القضية الفلسطينية التي تغيرت معطياتها بوصول نخب عربية منتخبة إلى السلطة كليا أو جزئيا مما بوأ الشعوب منزلة المتابع للشأن الفلسطيني والمؤيد لحقوق الشعب الفلسطيني وهو ما سيعجل بالتجاء الجانب الإسرائيلي لأخف الضررين أي للاعتراف بدولة فلسطينية تتعايش مع دولة إسرائيل ضمن حدود وضعها القانون الدولي وبصمت عليها قرارات مجلس الأمن. وقد استثمر الفلسطينيون هذا التحول المبارك بما فيهم حماس وسلطة رام الله للعودة ربما لنوع مختلف من مسيرة السلام لا علاقة لها باتفاقية أوسلو وفك فتيل الاشتعال الذي سيؤدي بالمنطقة إلى حقل ألغام جديد. أما مربط الفرس والبؤرة الرئيسية في المنطقة فهي ملف النووي الإيراني الذي يهدد توازنا قديما للقوى وينذر بتغيير عميق وجذري في معادلات القوة والحرب ومناطق النفوذ. ولا مناص من الإقرار بأن غاية القوى العظمى والمتعاظمة اليوم هي أخذ نصيبها في إدارة الملف النووي الإيراني بشكل يخدم مصالحها ويؤمن لها موطئ قدم في الشرق الأوسط. ونحن أمام خيارات ليست مختلفة فحسب بل متناقضة على حدود الخارطة الجديدة للإقليم فالولايات المتحدة في الولاية الثانية لباراك أوباما تريد إيرانا منزوعة السلاح النووي بينما تريد روسيا والصين الحفاظ على حليف إيراني له أسنان وأنياب لكن تحت السيطرة. ومصر تتبدل بسرعة والحكم الإخواني الجديد يرتكب هفوات قد تغير موازين القوى الداخلية المصرية وتبقى تركيا الصاعدة تتربص بعدة ملفات شرق أوسطية سوف تعيد لإسطنبول (وليس لأنقرة) ما كان عليه حال السلطان العثماني. إننا على شفا تحولات كبرى لا بد أن نجتمع كعرب أولا ثم كمسلمين ثانيا حولها لنقي أنفسنا مخاطر الخروج من التاريخ ولا ننسى أننا تم طردنا من التاريخ منذ قرن ولم نعد إليه إلا هذه الأيام بفضل تضحيات شباب عربي مسلم جلس أبناؤه أمام شاشات حواسيبهم وشرعوا يتواصلون من أجل اليقظة الحضارية من رقدة أهل الكهف.

450

| 28 نوفمبر 2012

فلسطين ما قبل وما بعد الربيع العربي

أول من أثار انقلاب الموازين بين إسرائيل والعرب هم المفكرون والخبراء الإسرائيليون أنفسهم وقبل سواهم لأنهم يخافون شيئا قادما اسمه زوال إسرائيل من خارطة الشرق الأوسط وهذه الفرضية ليست وهما أو ضربا من الخيال السياسي بل هي توقع يكاد يكون (أريطماطيقي) أي حسابي علمي كما تؤكده حقائق الديمغرافيا والجغرافيا ومسار الأزمات الكبرى منذ الحربين العالميتين إلى اليوم ونواميس لعبة الأمم. وعلى رأس هؤلاء نجد أشهر الفلاسفة الفرنسيين من الدين اليهودي (ستيفان هيسيل) الذي أدان بشدة العدوان الراهن على غزة والذي تسلم مفاتيح القدس الرمزية من أيدي سفارة فلسطين بباريس وكذلك الكاتب الإسرائيلي المعروف (شلومو صاند) صاحب كتاب (كيف اخترعت أرض إسرائيل؟) ونجد الكاتب الفرنسي اليهودي (إيريك رولو) والنائب بالبرلمان الأوروبي المواطن الفرنسي الألماني من أصول يهودية (دانيال كوهن بانديت) كل هؤلاء يشكلون ضميرا جديدا للشعب اليهودي ليذكروا قادة الهمجية الإسرائيلية وينذروهم بأنهم بمواصلة سياسات القمع والاغتيال وقتل الأبرياء إنما يسارعون بالدولة العبرية نحو حتفها وأنه إذا رغب اليهود في أن تكون لهم دولة فلا بد من الاعتراف للشعب الفلسطيني بحقوقه المشروعة على ضوء قرارات الأمم المتحدة وحسب مواد القانون الدولي. وبالطبع فرغم اعتدال وتوازن هذه المواقف اليهودية النادرة فإن لا بنيامين ناتنياهو ولا إيهود باراك يعيران اهتماما لها لأسباب انتخابية وحزبية تجعل من كل مناسبة سياسية إسرائيلية داخلية فرصة لمزيد إبادة شعب فلسطين بأطفاله ونسائه بمرأى ومسمع من العالم الأصم الأخرس. أما الحجة الجديدة التي أصبح هؤلاء العقلاء اليهود نسبيا يلوحون بها فهي الحقيقة الساطعة التي غيرت قواعد السلم والحرب وحورت بعمق أسس العلاقات الدولية في الأحداث الراهنة عربيا وإقليميا وعالميا ألا وهي حجة الربيع العربي الذي مرت أزهاره وثماره من هنا وأطاحت بأساطين التعايش مع المذلة الصهيونية والقهر العنصري فهذا الربيع أوصل نخبا عربية منتخبة إلى السلطة وأصبحت جماهير الناس هي التي تفرض إرادتها وتدافع عن حقوقها وتحاسب مسؤوليها وكما رأينا هذه الأيام في عقر ديار غزة العزة وتحت قنابل العدو الغاشم وأمام جرحى غزة في مشفى غزة هذه الثلة من الرجال الجدد أمثال هشام قنديل رئيس حكومة مصر ورفيق عبدالسلام وزير خارجية تونس وأبو الوليد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس فإن فلسطين ما قبل الربيع العربي ليست هي فلسطين ما بعده. مياه جارفة وثائرة جرت كالأنهار من تحت جسور الشرق الأوسط تضطر اليوم زعماء الدولة العبرية إلى مواقف أخرى غير العنجهية والبلطجة بلا حسيب أو رقيب. بل تضطر الدولة الأمريكية الراعية لإسرائيل أن تعيد حساباتها تدريجيا وأن تشعر بأن ممارسات إسرائيل الضاربة بالقانون الدولي وبمجلس الأمن عرض حائط المبكى أصبحت عبئا ثقيلا قد لا تتحمله ظهور الأمريكان والأوروبيين على المدى البعيد. فالذي كان متاحا مباحا لإسرائيل قبل 2011 لن يكون كذلك بعده لأن الشعوب العربية هي التي اكتشفت نفسها سنة 2011 وأدركت ما لديها من مخزون حضاري وبطولي عربي إسلامي كان طيلة نصف قرن مكبوتا بقمع آلة الإذلال والتذييل التي عملت عملها عندما كان الرؤساء لا يرتقون سدة الحكم إلا حين تؤيدهم القوى الغربية الخارجية وتأخذ منهم صكوك التعاون مع العدو الغاشم المعربد في الشرق الأوسط وحين تضمن وتؤمن خضوعهم للنظام العالمي الجائر ومنظومة بريتن وودس المالية والاقتصادية الناهبة لثروات أممهم. في غزة اليوم تغير مشهد الرعب بل قل توازي الرعب لدى الشعب الإسرائيلي ولدى الشعب الفلسطيني مع هطول الصواريخ على القدس الغربية وعلى تل أبيب لكن بفارق عظيم هو أن رعب أطفالنا وأبريائنا رعب نعيش معه منذ 65 سنة نتوارثه جيلا بعد جيل ونصمد ونقاوم في حين أن رعب الصهاينة هو رعب السارق المغتصب لأرض الغير ورعب المتجبر المحتاج لغطاء حلفائه ومالهم وسلاحهم. كنا نتابع اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة يوم السبت الماضي 17 نوفمبر وتمنينا لو أشار أحد الوزراء إلى تزامن هذا اللقاء مع ذكرى وعد بلفور سنة 1917 حين بدأت تتجسد أشباح مخطط إجرامي غير مسبوق في التاريخ الحديث أحل شتات شعب يهودي دخيل محل شعب فلسطيني أصيل في أكبر عملية تزوير للتاريخ وللجغرافيا وللحضارة في هذا العصر.

363

| 21 نوفمبر 2012

الخطايا العشر لزلازل التاريخ

ما أروع عبارات القرآن الكريم الذي أنزل على أشرف الأنبياء والمرسلين حين ينير دروب المؤمنين بالحكمة الكامنة في كل كلمة وإني منذ طفولتي رسخت في ذاكرتي بفضل مؤدبنا الشيخ البشير بن غانم رحمه الله الآية 214 من سورة البقرة والتي كان يفسرها لنا إمامنا ومربينا الشيخ عبد الرحمن خليف رحمه الله في حلقات الزيتونة بجامع عقبة بن نافع بالقيروان وهي: "أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب" (214) فاتفق العلماء على أن معنى البأساء هو شدة الابتلاء بالقتل والجرح والأسر والجوع والعطش وأن الضراء هي ترك الأهل في أيدي المشركين وضياع الرزق والخوف من أذى الكفار أما فعل (زلزلوا) فهو امتحان المسلمين (في هذه الآية يرجح المفسرون أنها غزوة الخندق) امتحانهم بمحنة نفاذ الصبر حين تدلهم السبل ويتلاشى الأمل ويبدو النصر بعيد المنال إلى أن اكتملت الآية الكريمة باستغاثة المؤمنين (تذكروا أيضا عبارة بلغت القلوب الحناجر) ثم بالوعد الرباني الصادق العظيم بقوله (ألا إن نصر الله قريب). إن معنى الزلزال الذي ذكره سبحانه في هذه الآية هو الذي أستعيره لنعت الأحوال العربية والإسلامية كما تظهر اليوم للرأي العام الدولي مبعث أمل ومبعث قلق في الوقت نفسه وللربيع العربي هنا التأثير العميق على وضعنا الراهن حين اهتزت أركان أنظمة حكم لم تستطع مواكبة السيل الجارف من طموحات الشعوب بل استفرد بعض الطغاة وعائلاتهم بمقدرات شعوبهم وبلغت التحولات السياسية فيها درجات غير متوقعة تراوحت بين العنف وانحباس الاستثمار وضياع البوصلة وربما لم تشعر الجماهير فيها بأهم وأبرز إنجازات تلك التحولات المباركة وهي استعادة الإنسان لإنسانيته المتمثلة في الحرية وصون الحقوق واسترداد الكرامة. الخطايا العشر التي تعيق اليوم انعتاق الأمة هي 1- الخلط بين الدولة ومنظومة الحكم البائد فالمواطن اعتقد أن تصفية منظومة الفساد القديمة تستدعي التمرد على القوانين (حتى المرورية منها!) وأن كل من عمل في وظيفة هو من فلول النظام السابق. 2- تيسير استعمال العنف للتعدي على حقوق الناس بدعوى أن الثورة مرت من هنا (نذكر مثال الاستحواذ على أراضي الناس وبناء بيوت فوضوية عليها ومثال الانتقام من الخصوم شخصيا ومن دون الرجوع إلى محكمة). 3- الانفلات الأمني الذي يروع المواطن جعل الناس يربطون بين الثورة وبين الفوضى وأصبحت المطالبة بالأمن أولوية الأولويات بل شرع الناس ينزلون إلى الشارع متظاهرين مطالبين بحقهم في الأمن 4- تراكم المطالبات الاجتماعية بشكل يتجاوز مقدرات الدولة وموازين المؤسسات الصناعية مما أجبر أصحاب هذه المؤسسات على الهرب والاستقرار في بلدان أخرى. 5- اتساع رقعة العنف السياسي بأشكال مبتدعة بلغت حدود القتل والاختطاف والاعتداء على ممثلي الدولة ومطبقي القانون والخصوم السياسيين واتسع خرق القانون على راقع الدولة بل أصبح الأمن يحتاج إلى أمن. 6- انفجار العنف اللفظي والتحريضي واستعمال لغة السب والشتم والتنكيل في المنابر دون رادع (والحجة ألسنا في ثورة؟). 7- انتشار مناخ التخوين والكيد والتشويه على صفحات المواقع الاجتماعية بسبب التخفي وعدم تحمل المسؤولية القانونية ونتج عن هذه الفتنة تقسيم جائر للمواطنين في مصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا إلى مسلمين وعلمانيين (أو كفرة) وإلى ثوريين وثورة مضادة وإلى أبطال مستقبل وفلول نظام بائد وهذه الاختزالات الظالمة فتحت أبواب العنف والاستئصال والإقصاء. 8- فتح أبواب التدخلات الأجنبية بمخابراتها وأعوانها لتزيد النار زيتا وتورط الشعوب في مؤامرات ضد مصالحها وإقحامها في أجندات أعدائها. 9- ضياع النخبة السياسية قليلة الخبرة بين خدمة أحزابها وخدمة الوطن. 10- تخبط النخبة أمام استفحال الملفات المطروحة للحل العاجل بفقدان سلم أولويات وفاقية وطنية تحدد لها الآجال وتوفر لها الموارد المالية والمخططات العقلانية والمعالجات الشفافة مثل ملف تشغيل الشباب وإعادة النظر كليا في برامج التعليم التي تنتج لنا جيوش عاطلين وكذلك تقسيم تراب البلاد بشكل مختلف يلغي تدريجيا الفوارق في النمو وفرص الاستثمار وتوفير أقطاب الصناعة والزراعة والسياحة بالعدل والقسطاس. تلاحظون أن هذه الخطايا العشر أو الجراح العشر التي لا تزال تنزف في بلداننا العربية مهما كان ربيعها أي تلك التي مرت بثورة أو تلك التي صنع قادتها ربيعا هادئا وديعا بلا هزات عنيفة. فالعالم العربي في هذا المنعرج من تاريخه يعاني زلازل من الحجم الكبير (سبعة على سلم الحضارة...الشبيه بسلم ريشتر) ولعلنا لا نزال في مرحلة نقاهة بعد تعافينا من أمراض الاستبداد كمن يصحو تدريجيا بعد إجراء عملية جراحية وهو تحت تأثير التخدير فينظر من حوله ليرى الأشياء والناس يلفهم الضباب غير واضحي المعالم ويبدأ في استرداد وعيه المفقود شيئا فشيئا حتى تتضح الرؤية وتستقيم أمامه الخطوط ويعي الحياة من حوله كما هي بعسر مشاكلها وتعقيد أوضاعها واستحالة حل معضلاتها من دون وفاق واسع ومن دون ترفع عن توافه الأحقاد ومن دون استعادة هيبة دولة عادلة قوية آمنة. ذلك هو التحدي الأكبر لمواجهة الزلازل.

528

| 14 نوفمبر 2012

للأمم هندسة وراثية كما للبشر

على ضوء الأحداث المثيرة التي هزت العالم العربي في السنوات الأخيرة وعلى خلفية التجاذبات والصراعات المهددة بالفتنة والعنف ما بعد الربيع أقرأ هذه الأيام الكتاب الأخير الذي صدر عن مؤسسة (غراسيه) الباريسية للنشر في مطلع هذا الخريف وهو لأبرز المفكرين الفرنسيين (ألن مينك) مستشار العديد من رؤساء الجمهورية الفرنسية ومؤلف 30 كتابا في الاقتصاد المعولم والعلاقات الدولية. وهذا الكتاب يحمل عنوان (روح الأمم) L'AME DES NATIONS يستعرض فيه المفكر نظرية جديدة في العلوم السياسية وهي نظرية تقول إن للأمم هندسة جينية (أو وراثية) كما للبشر وهذه الهندسة الجينية الخاصة بكل أمة تؤهلها بإرادة منها أو من دون إرادتها إلى أن تسلك هذا المسلك التاريخي أو ذاك وإلى أن تكون ردود أفعالها بإزاء الأحداث بهذا الشكل أو ذاك حسب إملاءات خفية لجينات تشبه جينات البشر التي تهيئه لأمراض معينة وتخضعه لسلوكيات نفسية وبدنية محددة وحين تفطنت البحوث الطبية لوجود الهندسة الجينية الوراثية لدى الإنسان والحيوان والنبات عام 1974 بدأت الأبحاث تستعمل هذا المجال الجديد لتطوير الطب الوراثي (أو الجيني) لمعالجة بعض الأمراض المستعصية مثل إنتاج مادة الأنسولين وتحوير الكروموزومات وتحسين الإنتاج الحيواني والنباتي بالتعديل المثير للجدل. وقد نتجت عن هذه الاكتشافات حركات مناهضة للتعديلات الجينية ورفض الاستنساخ منذ قضية النعجة (دوللي) المعروفة ومنذ إباحة بعض الدول الأوروبية والأمريكية إنتاج وترويج حبات الذرة المعدلة جينيا للاستهلاك البشري. أما الأمم فقد اهتدى المفكر (ألن مينك) إلى تفسير مساراتها التاريخية بوجود هندسة وراثية تتشكل من التفاعل بين تركيبتها السكانية ونوعية أنظمة الحكم فيها وعلاقاتها مع محيطها الإقليمي وبيئتها الجغرافية فيصنف الأمة البريطانية في خانة الأمم المحاطة بالبحر (أي أنها جزيرة) وحاجتها للتوسع بالتجارة والحرب واحتلال أمم أخرى بعيدة عنها وأكثر عددا وأعرق حضارة (كالهند) وبناء على هذه العناصر يقول (ألن مينك) إن تاريخ بريطانيا الاستعماري هو نتاج طبيعي لهذه الهندسة الوراثية. ويؤكد المؤلف أن سياسات بريطانيا اليوم تستمد ثوابتها من كونها أمة عظيمة يطمس الواقع الجديد عظمتها تدريجيا لكنها تحرك العملاق الأمريكي بذكاء ودهاء فهي تعتبر نفسها أم الولايات المتحدة. أما ألمانيا فهي أمة- شعب ترتكز على اللغة وحق الدم (ومع النازية الهتلرية حق العرق العنصري) تطورت منذ المستشار (جيرهارد شرويدر) إلى استعمال حق الأرض في منح الجنسية الألمانية وتطور تاريخ هذه الأمة من الإمبراطورية البروسية المجرية إلى الوحدة بين جزئي ألمانيا منذ انهيار الشيوعية وجدار برلين عام 1989. وتفرض ألمانيا اليوم غلبتها على كل دول الاتحاد الأوروبي بل تعتبر برلين هي قاطرة الاتحاد وصاحبة القرارات الاقتصادية الحاسمة فيه. أما إيطاليا فهي الأمة التي عانت من ثقل تاريخها الإمبراطوري الروماني ومن خوفها من التمزق والتشرذم إلى دويلات جهوية وعرقية لا تزال مخاطرها ماثلة إلى اليوم كما أن إيطاليا كانت فاشية مع زعيمها الذي لوح بوحدتها وهو (موسوليني) في مرحلة الحرب العالمية الثانية. وإسبانيا أمة تأسست على القوة البحرية بأسطولها (الأرمادا التي لا تغلب) وعلى أطلال ماضيها الإسلامي الذي تغلغل في كل مفاصلها الاجتماعية والثقافية من لغة وعادات ومعالم أثرية إلى اليوم وقد هيأتها جيناتها لتقود في الماضي محاكم التفتيش ضد المسلمين واليهود كرد فعل ضد دورها الإسلامي لمدة سبعة قرون ثم إنها استسلمت للنازية ودكتاتورية الجنرال (فرانكو) إلى أن هبت عليها رياح الديمقراطية فغيرت من لباسها وانخرطت في الاتحاد الأوروبي باقتصاد السوق الحرة والمبادئ الديمقراطية. بالطبع لن أستطيع تلخيص كل أبعاد هذا الكتاب القيم في مقالي الموجز هذا لأنه يشمل أيضا فرنسا وأمريكا والغرب عموما لكنه لا يتطرق لا إلى الصين ولا اليابان وقليلا ما تعرض لروسيا لأنها الجزء الأكبر من القارة الأوروبية رغم نصفها الآسيوي. والذي يهمني ككاتب عربي هو تطبيق نظريات (ألن مينك) على العالم العربي وهنا أتوجه لعلمائنا المختصين وخبرائنا المتميزين حتى يقولوا لنا ما هي الهندسة الوراثية للعرب إذا ما اعترفوا أن لأمة الضاد خصوصيات وراثية وإلى أي مصير تقودنا وكيف على ضوئها نفسر تخلفنا وانقساماتنا وبلاوينا وأيضا ثوراتنا وطموحاتنا في زمن الربيع الصعب الذي أبطأت أزهاره وتعطلت ثماره لعلنا نفقه أزماتنا وندرك هندستنا الوراثية كسائر الأمم. لكن الأكيد عندي وأنا أرصد تحولاتنا منذ نصف قرن هو أننا نحمل أثقال تاريخنا الحضاري المجيد والطويل أسفارا وأوزارا على أعناقنا فتتحول هذه الأثقال بسبب هزالنا الثقافي الراهن إلى أعباء ننوء تحتها ونستغيث من ثقل الأمانة التي نحملها ونحن عاجزون عن بلوغ نهاية الطريق بحملنا فلا نحن قادرون على حطه من ظهورنا ولا نحن مخولون لإعارته لسوانا يحمله عنا. ولا أقدر عن التعبير عن حالنا العربية العجيبة هذه من عبارة قالها الممثل المصري الراحل يوسف وهبي في أحد أفلامه القديمة وهي عبارة: يا للهول!

1384

| 07 نوفمبر 2012

ماذا يخبئ (ميت رومني) للربيع العربي ؟

كلما حل موعد الانتخابات الأمريكية إلا وتساءل الستة مليارات من البشر عن مواقف الرئيس الجديد أو الجديد القديم من هذه القضية أو تلك لأن ما يمس أمريكا يمس العالم بأسره إلى درجة أن المفكر السياسي الفرنسي (ألن مينك) طالب بأن يقع انتخاب الرئيس الأمريكي من قبل كل سكان الدنيا لا من قبل الأمريكان فقط. وفي الحقيقة رغم المبالغة فإن التأثير الأمريكي على مسيرة العلاقات الدولية تأثير عميق وحاسم لأسباب قد ترفضها الأيديولوجيات ولكن يقر بها الواقع والواقعيون لا للرضوخ الآلي لخيارات وضغوط واشنطن ولكن للتعامل مع السياسات الأمريكية بحذر وذكاء وإرادة. ولدينا في التاريخ السياسي الحديث أنموذجان عربيان من هذا التعامل العقلاني مع العملاق الأمريكي: الأول هو توظيف الزعيم بورقيبة لبعض اللقاءات مع كاتب الدولة الأمريكي (دين أتشيسن) في الأربعينات ليحرج القوة الاستعمارية الفرنسية أمام حليفها وولي نعمة تحريرها فيكسب لحركة التحرير التونسية صديقا مؤثرا وفاعلا، أما الثاني فهو الزعيم عبد الناصر أثناء العدوان الثلاثي على مصرفي أكتوبر 1956 حين أقنع الرئيس الأمريكي (دوايت إيزنهاور) بأن فرنسا وبريطانيا وإسرائيل تتحدى واشنطن وتريد زعزعة مصالح أمريكا في الشرق الأوسط فهدد (إيزنهاور) الحلفاء الثلاثة وأمرهم أن يغادروا أرض مصر. أما النماذج الفاشلة والمدمرة فكثيرة أبرزها (الطز في أمريكا) التي رفعها القذافي شعارا أجوف انتهى به منذ حادثة (لوكربي) إلى التفريط في كل ثروات ليبيا للغرب وتبني شعار (طز في العرب) إلى آخر المسرحيات الهزلية المأساوية المعروفة. واليوم نقف أمام حدثين لا بد أن نربط بينهما وهما: تداعيات الربيع العربي على طبيعة العلاقات الدولية واقتراب موعد 18 نوفمبر الذي سيحدد فيه الناخب الأمريكي مصير البيت الأبيض. وحتى أدرك خفايا تحول متوقع في الاستراتيجيات الأمريكية تجاه العرب استطلعت آراء صديقي القديم (ليندن لاروش) وهو المستشار الأسبق للرئيس ريغن وأبو برنامج حرب النجوم ثم آراء صديقي الحميم (جاك شوميناد) المرشح للرئاسيات الفرنسية 2012 والمحلل الاستراتيجي القيم واتفق الرجلان بأنه في حال فوز (ميت رومني) بالرئاسة فإن موقف واشنطن من العالم العربي سوف تعاد صياغته على أسس مختلفة تفرضها فلسفة الحزب الجمهوري الجديدة إزاء الحفاظ على المصالح العليا للشعب الأمريكي وهي فلسفة مناقضة تماما للرؤية (الأوبامية) للعالم العربي والإسلامي عموما والتي عبر عنها في خطاب جامعة القاهرة يوم 6 يونيه 2009 وهي رؤية بدأت بالسلام عليكم ورسم خطة أمريكية عربية لمقاومة الإرهاب (بالمعنى الأمريكي والإسرائيلي) لا بالمعنى اللغوي للكلمة وخطة للتعاون الاقتصادي واعتراف بأن لا دولة يمكن أن تفرض الديمقراطية على دولة أخرى (هنا كان أوباما يريد طمس معالم بوش الابن) وخطة لمعالجة الملف النووي الإيراني بجعل العرب يعوضون العداء لإسرائيل بالعداء لإيران. ويأتي اليوم (ميت رومني) في صورة فوزه بنظرة مختلفة لنفس القضايا العالقة فيرى أن أوباما لم يحم القنصلية الأمريكية بليبيا وأن مصرع أسامة بن لادن ليس عملا بطوليا لأن استفحال القاعدة في شمال مالي وجنوب اليمن وعلاقات الأحزاب الإسلامية العربية بالقاعدة والسلفيين عموما بعد وصولها للسلطة ما تزال تطرح أسئلة مقضة لمضاجع ومصالح الأمريكان ولأن واشنطن عاينت قلة خبرة النخب الحاكمة وتلعثمها الأمني بعد الربيع العربي من خلال مقتل السفير (كريستوفر جونز) في ليبيا والهجوم على السفارات الأمريكية في تونس ومصر وصنعاء وحللت بطانة (رومني) من الخبراء الوضع في سوريا لا على ضوء المسيرة الديمقراطية العربية (كما تعلن الوزيرة هيلاري كلنتن) بل على ضوء العلاقات الأمريكية الروسية والصينية لأن (رومني) يعتقد أن أوباما يزج بالولايات المتحدة في أتون حرب باردة جديدة تقترب جدا من نشوب حرب عالمية نووية بسبب انتشار درع صاروخي أمريكي – أطلسي على تخوم روسيا وهو أمر يرفضه (بوتين) وهو بصدد مراجعة قواته بتعزيز قدرات روسيا النووية في البر والبحر والجو. إننا في العالم العربي نرتكب أخطاء استراتيجية فادحة لأن نخبنا تنقسم إلى قسمين وهميين: قسم يؤله الدور الأمريكي ويضخمه وينفخ فيه لأسباب عقائدية وقسم يهون منه ويستصغره بل أحيانا لا يعترف به أصلا. وكلا الفريقين على ضلال مبين وتدرك واشنطن من خلال مراكزها البحثية هذه الحقيقة فلا تعول على رأي عربي عام له توجهات عقلانية ومصالح دائمة ومخططات مسؤولة بل تتعامل مع العالم العربي مع الأسف كأنه شظايا دول غير مكتملة وتحكمه نخب مزاجية عاطفية لا تجتمع على رأي ولا تحترم الاختلافات بينها. هذه عقيدة (رومني) التي سيواجه بها شعوبنا لو انتصر في الرئاسيات القادمة وهي مرحلة دقيقة لست مقتنعا شخصيا أننا استوعبناها وقيمناها وأعددنا لها ما استطعنا من الحكمة والترفع. الأمر المجهول في سلوك (رومني) تجاه المسلمين ربما يكون نوعا من التعاطف السري وغير المعلن مع تعاليم الإسلام الذي يبيح تعدد الزوجات لأن (رومني) كما نعلم ينتمي إلى طائفة المرمون (7 ملايين أمريكي) وهي الطائفة التي تبيح التعدد بل تدعو إليه لأنه حسب منشورات المرمون يصون المرأة والأسرة والمجتمع.

543

| 30 أكتوبر 2012

يا كاسر الحصار يا حاضن الأحرار

يوم الثلاثاء 23 أكتوبر سيبقى منارة في تاريخ العرب والمسلمين، لأنه يوم تجرأ فيه زعيم عربي مسلم على إخضاع العالم للحق: حق الشعوب العربية المسلمة في أن تكون حرة وأن تؤدي أمانة المقاومة ضد الطاغوت وأن تستقل بقرارها عن طغيان الأمم القوية الظالمة العاتية. إنها معجزة سياسية وحضارية تحققها قطر على أيدي أميرها وقائد مسيرتها الشيخ حمد حفظه الله. كل هذه المعاني الجليلة عشناها ونحن نتابع مباشرة زيارة صاحب السمو أمير قطر لفلسطين الثائرة من خلال بوابتها التي كانت ممنوعة بالقهر والجور: بوابة غزة العزة. لا أريد أن أعيد ما قاله المناضل إسماعيل هنية باسم شعبه الفدائي فهو قد وفى وكفى ولكن أريد أن أعطي لهذا الحدث أبعاده الجيوستراتيجية الكبيرة التي ربما غابت عن الأذهان. إن الإقدام على فك الحصار وتحطيم الجدار حول شعب فلسطين هو عمل سياسي جبار سيكتبه المستقبل بحروف من ذهب لأنه يدشن عهدا جديدا من رفع التحديات، هذه التحديات التي طالما تغنى بها القادة العرب والمسلمون ولكن لم يحققوا منها شيئا ولم يغيروا من باطلها شيئا حتى جاء كاسر الحصار وحاضن الأحرار ومؤيد الثوار أمير قطر المفدى ليعطي للتحدي معنى ويجسد حلم الأجيال فيكتسح السدود ويتجاوز العقبات ويصنع تاريخا جديدا للعرب والمسلمين بعد أن هبت رياح الربيع العربي على أغلب مجتمعات العرب والمسلمين مبشرة بالصبح القريب. التهاني والتبريكات من قلب رجل مثلي احتضنه الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني سنة 1990 حين كان الشيخ بيض الله وجهه وليا لعهد قطر وكنت أنا مجرد مثقف وطني تونسي معارض ملاحق من أنتربول في كل مطارات الدنيا مشرد في أرض الله لم تعترف بكفاحي سوى الدولة الفرنسية التي ضمنت لي ولعيالي حق اللجوء السياسي. فكان أن تشرفت في ديسمبر 1990 بزيارة الدوحة التي أعرف فيها منذ السبعينيات العبادلة الثلاثة رحمهم الله تعالى (بن محمود والأنصاري والسبيعي) وكانت الكويت سنة 1990 ما تزال تحت الغزو الصدامي لا العراقي حاشا العراق وكانت لي مع صديق العمر رئيس حكومة تونس المضطهد أنذاك محمد مزالي رحمه الله جولة في قطر وضيافة من سمو ولي عهدها الشيخ حمد الذي سألني بمروءته المعروفة: ماذا تعمل في فرنسا يا دكتور؟ فقلت له يا سمو الشيخ أنا عاطل ونعيش من راتب زوجتي هناك وهي صيدلانية. فقال لي تعال يادكتور ودرس في جامعة قطر فقلت له إني ملاحق من نظام تونس ومطلوب في أنتربول فلعل وجودي في الدوحة يحرج حكومتكم، فقال حفظه الله: إنك ضيفي وهذا وطن من لا وطن له. وبالفعل بدأت رحلتي القطرية وكنت من مؤسسي قسم الإعلام بالجامعة سنة 1996 وفي نفس العام واكبت تأسيس قناة الجزيرة وكنت المعلق فيها مباشرة على الأحداث التي هزت العالم يوم 11 سبتمبر 2001 ثم شاركت في إنشاء عديد المنظمات في المجتمع المدني القطري الرائد بتشجيع من سمو الشيخة موزا رعاها الله وأخلصت لأجيال الشباب القطري من بنين وبنات الذين تخرجوا على يدي وعلى أيدي الزملاء الأفاضل في مجال الإعلام وشرعت أكتب على صفحات الشرق الغراء منذ 1990 إلى يوم الناس هذا بإصرار وثبات ساعدني فيه رؤساء تحرير كرام تعاقبوا على الشرق أخرهم ابني الفاضل جابر الحرمي بعد عبد اللطيف آل محمود وعبد العزيز آل محمود وأحمد عبد الملك وبعد عميدهم جميعا صديقي الكبير محمد ناصر العثمان الذي شاركني في منفاي بكلماته الطيبة جزاه الله عني ألف خير. فصاحب السمو هو الذي أواني وأكرمني كما أكرم عددا لا يحصى من المناضلين والأحرار وهو اليوم يتوج هذا السلوك الأخلاقي العظيم بكسر الحصار عن شعب فلسطين بشجاعة نادرة وهمة عالية ومروءة سامية. فالله معك يا كاسر الحصار وحاضن الأحرار ووفق الله وطنك ورعى مساعيك ومساعي سمو ولي عهدك وسمو الشيخة موزا إلى ما فيه خير هذا الوطن وخير العرب والمسلمين. اللهم جاز المحسنين واجعلهم منارة للطيبين وانصرهم بنصرك يا رب العالمين.

430

| 24 أكتوبر 2012

سترة النجاة تحت المقعد

تتعالى أصوات الناعقين غربان السوء السياسي في فضاء بلدان الربيع العربي كأن القدر نفخ في صور الطموحات الشعبية لتتراجع وتندثر أمام بعض العراقيل الظرفية الطبيعية بعد كل تغيير عميق. والمطلوب من النخب العربية اليوم هو الصمود وعدم اليأس من إعادة التاريخ إلى مجراه بعد أن حوله الطغاة إلى مسرح هزلي مأساوي أقصى فيه الشعوب عن التفكير والمسؤولية واستفرد بالقرار والخيار وسار بالبلاد نحو الكارثة. أما وقد استعادت الشعوب حريتها وكسرت أغلالها واستجاب القدر لإرادة الحياة كما قال شاعر تونس أبو القاسم الشابي فإن الزمن أصبح يسارع بعده العكسي أمام النخب الحاكمة والمعارضة لتخرج بالمجتمعات من حالة فقدان البوصلة إلى حالة الوفاق من أجل مصلحة الوطن. ولنأخذ تونس مثلا لما يمكن أن يصيب بلداننا من انحراف سياسي عن أهدافها السامية فنسجل حالة احتقان دستورية أسبابها اصطدام تعنت بتعنت: تعنت أقلية من أهل السلطة الشرعية بإصرارها على استبعاد جزء أو أجزاء من الطيف المقابل باستعمال آليات القانون تعسفا ضد من أجرم وضد من لم يجرم على السواء وهو ظلم قامت الثورات لمقاومته وإنهائه وتعنت أقلية من المعارضة بتهويل المخاطر وإشاعة رهاب الفوضى وإيقاظ أشباح الماضي والتلويح بالفراغ الدستوري وهي مواقف من الجانبين مجانبة للصواب وتصب في خانة المعادين لكل تغيير ولا تخدم مصير تونس ومصير الربيع العربي. وفي هذه المطبات السياسية الشبيهة بالمطبات الهوائية بالطائرات لا بد من الإشارة إلى أن سترة النجاة تحت المقعد أي في متناول اليد وهذه السترة المنقذة من الضلال هي الجلوس حول مائدة مستديرة للحوار الوطني وهي البادرة التي اقترحها الاتحاد العام التونسي للشغل وهو المنظمة العتيدة المجاهدة التي دفعت ثمن استقلال الوطن غاليا وهذه المبادرة يبدو أن أغلب الفرقاء السياسيين في بلادنا قبلوا بها لكن لكل فريق شروطا لم تعد مقبولة بالنظر إلى أولوية الملفات المطروحة ولا بد أن يتخلى كل فريق عن شروط الإقصاء لأن الحوار الوطني في مفهومه الأصيل هو الاستماع للآخر المختلف عنك لا التحاور مع المتفق معك. عوض الخلاف بين تضاد أيديولوجيات ومصالح أحزاب يمكن أن يكون الحوار استكمالا للحوار الجاري بالمجلس التأسيسي المنتخب وسندا وتعميقا وتحيينا وتأصيلا له لأن المجلس يضم جميع الحساسيات السياسية ويقوم برسالته لكن بتعثر وبطء يحسبان على عدم التجربة وضعف الدربة لا على سوء النية وبإمكان الحوار الوفاقي الوطني أن يستكمل تلك الرسالة لتبلغ البلاد شاطئ النجاة والملفات المستعجلة معروفة ومتفق عليها وهي: 1) الاتفاق على الهيئة التي ستنظم الانتخابات القادمة وعلى القانون الانتخابي. 2) الاتفاق على الهيئة التي ستشرف على القضاء وتضمن استقلاليته وحياده. 3) الاتفاق على الهيئة التي ستدير قطاع الإعلام والاتصال وتؤمنه ضد التسييس الحزبي واستغلال المال السياسي. 4) الاتفاق على إنشاء وزارة للأمن والأمان تكون الذراع القوية العادلة لدولة الحق والقانون. 5) الاتفاق على روزنامة محددة واضحة للمواعيد الانتخابية المنتظرة أي في النهاية الاستعداد لإنشاء الدولة بسلطاتها الثلاث المستقلة عن بعضها البعض: التنفيذية والتشريعية والقضائية. إن هذه الملفات الخمسة هي ذات الأولوية والاستعجال ولا أعتقد أن واحدا من الفرقاء مهما كان انتماؤه يعترض على حيويتها بالنسبة لمصالح الناس ومستقبل الوطن. كما لا أعتقد أن واحدا من الفاعلين السياسيين يفكر في إرجاء حلها لأنها تشكل آلية الدولة المنشودة وتأسيس العمران بعد انتشار الخراب إلى جانب الأمانة التي انتخبنا المجلس التأسيسي لأدائها وهي تحرير دستور جديد للبلاد يكون الضامن للحقوق والحريات والمؤتمن على مصير البلاد وهي أمانة ثقيلة لم يتوفق المجلس بعد عام من انتخابه لإنجازها مما أدى إلى بعض الإرباك وتأجيل القضايا الخمس التي عددناها إلى مواعيد قادمة نأمل ألا تطول. الوطن أمانة في أعناق الجميع أيا كانت مواقع أقدامهم ومهما اختلفت رؤاهم وكيفما تصوروا أداءها إنها أمانة استخلاف حقيقية نتحملها أمام الله والشعب والتاريخ حتى لا نضيع بأيدينا ما أراد الله لنا من سلام وأمان وتقدم وكرامة وعدالة.

487

| 17 أكتوبر 2012

الشعب يريد وزارة للأمن والأمان

مرت بلادنا في تاريخها العريق الممتد على ثلاثة آلاف سنة بأنظمة لا تحصى ولا تعد تداولت على تونس منذ الفينيقيين والرومان والبربر والعرب وفرضتها منزلة هذه البلاد الجغرافية وموقعها على سواحل البحر الأبيض وارتباطها بالجنوب الإفريقي والشمال الأوروبي وكانت تونس سيدة البحر الأبيض بعاصمتها قرطاج ومنافسة روما بإمبراطوريتها الواسعة إلى أن قيض الله لها إسلامها على أيدي الفاتحين العرب فكانت القيروان منذ سنة 50 هجريا منطلق الفتوحات نحو الأندلس ونحو القارة السمراء. ثم بلغت بلادنا شأنا عظيما من القوة والإشعاع على أيدي دولها المسلمة من القيروان إلى تونس إلى المهدية وتعاقبت عليها أسر حاكمة عديدة ومذاهب دينية وفكرية متباينة وأحيانا متناقضة وقامت بدور تاريخي حاسم في وضع حد للحملات الصليبية التي دامت قرنين حين مات ملك فرنسا لويس التاسع الملقب بالقديس لويس على مرتفعات قرطاج سنة 1270 م ثم أصيبت بلادنا بالخراب الفرنسي الذي احتلنا لأننا فرطنا في الدولة وتمسكنا بالأنظمة وتشتت عصبيتنا الخلدونية ويعرف جيلنا من خلال ما درسوه من كتب التاريخ كيف قاوم شعبنا الخراب واستعاد هويته وحقوقه واستكمل سيادته ومضت علينا في تاريخنا الحديث مراحل من العزة والهوان وفترات من الوعي والغفلة ولحظات من القوة والضعف إلى أن هبت علينا رياح العولمة الاتصالية كما هبت على الأمم جميعا فأيقظت المارد العبقري من رقدة أهل الكهف وأفقنا على مطالب الحرية والهوية والشرعية وهي الفرائض الغائبة على مدى تاريخنا المعاصر لنبلغ اليوم سنة 2012 حالة شعب يؤسس دولة بالمعنى الخلدوني للكلمة أي يرتفع المواطن عن مصالحه الشخصية وانتمائه الضيق ليشكل مع غيره من المواطنين دولة الحق والقانون والعدالة والنمو بعيدا عن الفوضى والاحتقان والانتقام، لن يكون لنا مستقبل إلا في كنف دولة لا في تواصل صراع الأنظمة. إن هذه الخواطر راودتني وألحت عليّ حين لاحظت لدى بعض التوانسة وحتى من النخبة خلطا عجيبا بين الدولة والنظام لأن الدولة هي القاعدة الإدارية والقانونية التي تنظم حياة المجتمع وتمنع القوي من أن يظلم الضعيف وتباشر تسيير شؤون الناس اليومية الضرورية في جميع حاجياتهم المادية والمعنوية بأدوات الوزارات والإدارات والدواوين والجيش والشرطة والمصارف والرقابة والأمن وتطبيق القانون أما النظام فهو ما يعبر عنه بالإنجليزي والفرنسي بـ(السيستم) أي منظومة علاقات أسرية ومهنية علنية وسرية تفرض خدمة مصالحها بواسطة التلاعب بأجهزة الدولة وتحويل القانون عن أهدافه بغرض مصادرة الدولة للغايات الدنيئة وتمكين المتنفذين من سلب ثروات البلاد وهدر طاقاتها ونهب خيراتها ومثل هذه (السيستمات) هي التي كادت تأذن بخراب الدولة في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا وهي التي تهدد مجتمعاتنا بأزمات أهلية نحن في غنى عنها لنحقق أهداف ثورات شعبية لم يقدها منا أحد ولم يتقدمها بل سرنا وراءها بتواضع وحاول كل منا أن يكون في مستوى قامة شبابها الجسور. إن بقاء الدولة العادلة القوية هو الدرع التي تقي البلاد من الهزات وتجنبها المكاره وتشكل نواة بناء المستقبل المشترك وقد نصح المناضل الكبير نيلسن مانديلا نخب تونس ومصر بعد نجاح ثورتيهما بأن يؤسس الجميع الدولة الجديدة على استمرار الدولة القديمة لا على الأنظمة التي زالت بسبب فساد بعض عناصرها لأن الدولة بعد الثورة لابد أن تؤسس على دولة دائمة منذ عصور مع القطع مع السيستم لا مع الإدارة ولهذا السبب لا أوافق الذين يريدون إقصاء كل من تحملوا مسؤوليات في الدولة في عهود سابقة، وإقصاؤهم بقوة القانون لا بقوة صندوق الانتخاب وهو ظلم لنخبة من المواطنين لم يتهمهم قضاء مستقل ويقرر حزب سياسي أن يحشرهم في سلة واحدة جائرة لتكرار تجربة العراق على أيدي (بريمر) حين دمر الدولة العراقية بحل حزب وشل دولة وتفكيك جيش. إن الدولة الجديدة العادلة لن تؤسس على فراغ وإن الحقد لا يبني دولة بل يعيق حركة التاريخ ويعطل عبقرية شعب تونسي (أو مصري أو ليبي أو يمني أو سوري) نحو الاستقرار والتنمية والتكافل وتجاوز الكراهية إلى الأفق الأبعد والأسعد. والله سبحانه الموفق لما فيه الصلاح والخير.

352

| 10 أكتوبر 2012

طبائع الاستبداد صيحة في واد

مائة عام تزيد عشرا تكتمل اليوم على وفاة المصلح العربي الشامي صاحب الكتاب ـ الحدث طبائع الاستبداد عبد الرحمن الكواكبي ـ رحمة الله عليه ـ سنة 1902 والأمة العربية بربيعها أنجزت سنة 2012 بعضا من أفكاره النيرة لكنها مهددة بالسقوط في أنواع أخرى من طبائع الاستبداد. مائة وعشرة أعوام كذلك تقريبا على صدور ذلك الأثر العظيم الذي نظر قبل كتب أوروبا لأسباب التخلف وجذور التقهقر وحللها واقترح على المسلمين علاجها. مائة وعشرة أعوام تمر ولا حياة لمن تنادي، لا الحكومات العربية ولا جامعة الدول العربية ولا الجامعات العربية ولا مراكز البحوث الإستراتيجية اغتنمت هذه الذكرى لإحياء هذا التراث العربي المتميز وقول كلمة حق في ذلك الرجل الأمين الذي دفع حياته ثمنا لقول الحق.. لا شيء كما قال عبد الرحمن الكواكبي نفسه في توطئة كتابه: (وهي كلمات حق وصيحة في واد، أن ذهبت اليوم مع الريح، فقد تذهب غدا بالأوتاد..). إن مجتمعات العالم كلها تحتفي بذكريات رجال أقل شأنا من الكواكبي وأقل تأثيرا بل إن مجتمعات أوروبا وأمريكا واليابان والصين تقتنص كل ذكرى لإحياء أمجادها بحق أو بباطل.. ونحن العرب غافلون كأنما فقدنا ثقتنا في أمجادنا وكنوز ماضينا البعيد والقريب وقطعنا الصلة مع ذلك الفيض الرائع من الفكر الحر وأصبحنا أيتام حضارة بإرادتنا! ولد عبد الرحمن الكواكبي عام 1854 لأسرة عربية كريمة في مدينة حلب الشامية التي تقصف اليوم بالطائرات والدبابات وتلقى علومه في المدرسة الكواكبية وعمل في الصحافة والمحاماة كما تقلد بعض المناصب الوظيفية وبدأ يجلب لنفسه السجون والاضطهاد ومصادرة المال والدار عندما كتب عن الاستبداد في الصحف. هاجر من حلب سنة 1900 وطاف الجزيرة العربية وشرقي إفريقيا والهند وأقصى الشرق ثم استقر في مصر، وفيها كتب (طبائع الاستبداد) كما كتب (أم القرى) وتوفي بالقاهرة عام 1902 ضحية سم دُس له في فنجان قهوة.. معيدا قصة أرسطو فيلسوف الإغريق وضحية الدفاع عن الحرية هو أيضا. من الغريب ـ بل من العار على العرب ومؤسساتهم الثقافية ـ أن صدور الكتاب وطبعاته المتلاحقة كانت دائما بسعي نجله أسعد الكواكبي في الثلاثينيات ثم بسعي حفيده د.عبد الرحمن الكواكبي في السبعينيات واليوم بجهد الزميل د. سلام كواكبي وكانت تنفد حال نزولها للسوق وعنيت الجامعات الأوروبية والأمريكية بالكتاب وأدرجته في برامج دراساتها السياسية والاجتماعية كأحد أبرز آثار الفكر العربي الإصلاحي بل تتلمذت على الكواكبي ثلة من منظري علم الاجتماع السياسي في الغرب وأبرزهم الأستاذة (هانا ارندت) صاحبة كتاب الاستبداد الذي أصبح المرجع الأساسي للعلوم السياسية وهو المؤلف بعد ثمانين عاما من كتاب الكواكبي الذي تجاهلته المؤسسات الرسمية العربية للأسباب التي نعرفها جميعا ولم يعد بالإمكان إخفاؤها بعد الربيع. وإن تأملنا في عصر الكواكبي وجدناه عصر نهضة عربية مباركة بحيث لم يأت كتاب طبائع الاستبداد من فراغ بل كأنما هو حلقة ضرورية إلى جانب حلقات نهضوية تشكل سلسلة تمهيد لانطلاقة عربية شاملة فقد صدر عام 1901 كتاب الشيخ محمد عبده (الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية) وكتابه (الإسلام والرد على منتقديه) وأصدر مصطفى كامل صحيفة اللواء وفي المغرب العربي بدأت حركة علي باش جانبه الإصلاحية تنشط ضد الاستعمار كما كتب قاسم أمين كتابه (المرأة الجديدة).. كان ذلك المناخ الفكري كالتربة الصالحة لبذرة الكواكبي.. وهي البذرة الوحيدة التي لم تتحول إلى سنبلة طيلة القرن.. لأن حركات الإصلاح تمكنت من طرد الاستعمار والإبقاء على جذوة الإسلام السليم حية لكنها فشلت فشلا ذريعا في تطوير الفكر الشوروي ـ أي الديمقراطي ـ في بلاد العرب جميعا مما تسبب في نكبات وكوارث عربية قديمة وحديثة لانزال نحمل أوزارها إلى اليوم فغياب الديمقراطية هو الذي أدى على الأقل إلى الهزيمة العربية يوم 5 يونيو 1967 وتوسع الاحتلال الإسرائيلي ثم احتلال الكويت ثم حروب الخليج وفتنة 11 سبتمبر 2001 ثم انتشار أنظمة الأسر "الجمهورية" والقمع الممنهج الذي أدى إلى انتفاضات عربية لم تنضج بعد. يقول حفيده. د. عبد الرحمن الكواكبي: "إنه الاستبداد الذي يظل يرافق الحياة كلها بوجه عام والحكم بوجه خاص، على تباين أثره وتفاوت شره، فهو يشتد أو يضعف، وبقدر ما يخبو الوعي السياسي أو ينمو، وبقدر ما يمحى التخلف أو يزداد، وبقدر ما يصفو الفكر أو يتعكر، وبقدر ما تظهر النزعات الوجدانية والمراحم الإنسانية ومكارم الأخلاق أو تضمر". لهذه الأسباب سيظل الكتاب أثرا خالدا فريدا في صنفه، نوعا من أنواع إيقاظ الموتى من رقدة العدم ويكفي أن تلقي نظرة على فهرست الكتاب لتعلم أيها القارئ العربي أن الكواكبي أنار بشعلته الوقادة كافة جوانب الاستبداد وعلاقته بحياتنا فنجد الفهرست كما يلي: ما هو الاستبداد؟ والاستبداد والدين الذي أوضح فيه أصول الإسلام وبعدها عن الطاغوت، وكذلك الاستبداد والعلم لينفذ نظريات فطرة الناس على قبول الاستعباد، وأيضا الاستبداد والمجد لزرع الثقة في نفوسنا حتى لا يستبد علينا أحد. ثم يتطرق المؤلف إلى موضوع العلاقة بين الاستبداد والمال، فيكون الكواكبي سباقا لعصرنا الراهن، مستطلعا آفاق ارتباط الاستبداد كسلوك سياسي وثقافي بالمال كعصب محرك للمجتمعات وبعد ذلك يحلل الكواكبي محور الاستبداد والأخلاق من منظور فلسفي عميق قل أن يدركه عالم متخصص ثم يحلل علاقة الاستبداد بالتربية، فالتربية لديه هي خميرة المجتمع وأساسه وعليها مسؤولية تخريج جيل رافض للاستبداد. ثم هو في فصل الاستبداد والترقي وبعده في فصل الاستبداد والتخلص منه يقدم وصفة الحكيم المتمرس الأمين لتحقيق نهضة عربية وإسلامية ديمقراطية تعتمد احترام رأي الأغلبية والحكم بفضائل الأخلاق وتجسيد المحاسبة والمراجعة والعزل كأدوات لمراقبة الحاكم حتى لا يستبد وقد ختم الرجل كتابه بحكمة لا بد أن نوردها: (إن الله جلت حكمته قد جعل الأمم مسؤولة عن أعمال من يحكمه عليها وهذا حق فإذا لم تحسن أمة سياسة نفسها أذلها الله لأمة أخرى تحكمها كما تفعل الشرائع بإقامة القيم على القاصر أو السفيه وهذه حكمة ومتى بلغت أمة رشدها وعرفت للحرية قدرها استرجعت عزها وهذا عدل). فكيف نعذر العرب على نسيان هذا الرجل وكتابه ونحن لم نجب بعد قرن ونيف على الأسئلة التي طرحها الكواكبي منذ قرن؟ وظللنا نعاني نفس العلل بدرجات متفاوتة.. إلى يوم الناس هذا.

2991

| 28 سبتمبر 2012

أية هيبة لأية دولة؟

من غرائب المسارات السياسية في العالم العربي نسجل هذا التحول السريع العجيب لمصطلح (هيبة الدولة) من مضمونه القديم الذي أراده الطغاة ترويعا وقمعا لشعوبهم إلى مضمونه الجديد بعد الربيع العربي الذي أصبح يعني إجماعا شعبيا على ضرورة استتباب الأمن وإيقاف الانفلات وأولوية تأمين الناس وحياتهم وأملاكهم وأعراضهم وعيالهم من الصعاليك وقطاع الطرق والخارجين عن القانون. هكذا بقدرة قادر كريم تحول شعار الأنظمة المستبدة إلى مطلب شعبي (مع تغيير مفهومه طبعا) فقد كانت أنظمة القمع "أمنوقراطيات" هشة ونحن نريد أنظمتنا الراهنة ديمقراطيات آمنة (والفرق كبير). ففي كل من القاهرة وتونس وطرابلس وصنعاء نلمس نفس التوق للأمان والخوف من غياب السلطة وتلاشي القانون. ولعلي أفيد قرائي حين أكشف عن بعض محتوى حديثي مع كل من السيد الباجي قايد السبسي حين استقبلني مشكورا في قصر الحكومة وهو رئيس للوزراء ومع السيد حمادي الجبالي في فندق شيراتون الدوحة في جوان- يونيو 2011 قبل الانتخابات ومع عديد أقطاب حركة النهضة حين كانوا في مرحلة الانتخابات قبل تشكيل الحكومة وكنت مع هؤلاء جميعا أنصح بتقسيم وزارة الداخلية إلى وزارتين الأولى للحكم المحلي من محافظات وعمادات وبلديات والثانية اقترحت عليهم جميعا تسميتها بوزارة الأمن والأمان لأنني كنت مسكونا بهاجس من جرب قليلا من السلطة وخبر ويلات الهزات الاجتماعية بل وراح ضحيتها من جملة الضحايا فأدرك بأنه لا تنمية ولا عدالة اجتماعية ولا تعليم ولا صحة ولا سياحة ولا استثمارات بل لا تعايش ولا وفاق من دون أمن وأمان. وكنت دائما أضع نصب عيني الآية الكريمة (من سورة قريش) التي استعرضت أولويات رحلتي الشتاء والصيف فأكد الله جل وعلا أن إطعام الناس من جوع وتأمينهم من خوف هما الشرطان لحياة كريمة لقريش وللناس أجمعين من وراء قريش. تلك نواميس القرآن المجيد وتلك سنن السياسة في أعمق معانيها بالأمس واليوم وغدا. ولا أدري لماذا لم يعمل أحد حكامنا بنصيحتي المتواضعة الصادقة ولم تنشأ أية حكومة من حكوماتنا وزارة للأمن والأمان وأحسب والله أعلم أن الريبة من وصمهم بالأمنيين ونعتهم بالقمعيين هي التي صرفت أنظارهم عن هذا العمل الصالح وربما خافوا من أن يقال عنهم (إنهم يعيدون إنتاج الاستبداد!) ولكن الحقيقة وتطور أحداث الربيع العربي أثبتت بأن الخلل الأمني الناتج عن التجاذبات السياسية وانعدام الرؤية الواضحة وغياب الوفاق هو الخلل الأكبر والأخطر الذي شل حركة الإصلاح وعطل تحقيق أهداف الثورات وفتح أبوابا ونوافذ للمتسللين من أعداء الشعوب ليصولوا ويجولوا فيدمروا السفارات ويحرقوا المرافق العامة ويهددوا الحريات الأساسية بل ويملأوا الفضاءات الإعلامية والمدنية والإلكترونية بما ابتكروا من وسائل الاندساس وقلب الأوضاع لمصالحهم دون رادع من قانون ولا أخلاق. فالأمن كما تعلمنا في الحياة وعلى مقاعد الجامعات هو الدرع الواقية للدولة التي هي الدرع الواقية للمواطن وحصرية استعمال القوة العامة في يد الدولة هو الضامن لتطبيق القانون بعدل واستقلالية وكفاءة وابتعاد عن الأحزاب. وإذا ما حللنا ظاهرة مهاجمة السفارات الأمريكية في العديد من العواصم العربية كنموذج ساطع لضعف الدولة الجديدة وخاصة في ليبيا ومصر وتونس وتلاشي هيبتها فإننا نجد أنفسنا حيال امتحان عسير لقدرة السلطة على تطبيق القانون. فمصالح الأمن بعد الربيع العربي في كل من مصر وتونس وليبيا واليمن لا تدرك بالضبط طبيعة العلاقة بين الأحزاب الإسلامية الحاكمة أو المشاركة في الحكم وبين السلفيين (مع العلم أن السلفية تيار متواجد في كل المجتمعات المسلمة لكن اختراقها من قبل مجموعات ذات أجندات مغايرة هو الذي أخل بتحركاتها) فتصاب هذه المصالح الأمنية بالتذبذب وعدم اتخاذ القرارات الميدانية الملائمة بالإضافة إلى الخوف من المساءلة عند استعمال القوة أو الدفاع عن النفس ويتاح للمندسين من كل الاتجاهات أن يحولوا وجهة أية مظاهرة ويشوهوا بالتالي صورة بلادهم وسمعة مؤسساتها ويتحمل الشعب هذه الثغرة الأمنية بشكل يصعب علاجه. إن الشعوب العربية في البلدان التي عوضت أنظمة التسلط والفساد بأنظمة الأحزاب لم تعد في أغلب مكوناتها تلمس إيجابيات التغيير الديمقراطي وهبوب رياح الحريات أمام تقلص تدريجي وخطير لهيبة دولة جديدة منتخبة وديمقراطية ذات مؤسسات دستورية تصون حقوق المواطن وتؤمن حياته وتخدم مصالحه اليومية وتوفر له ولأولاده الأمان والصحة والشغل والأمل. وبدأت شرائح عريضة من الناس تحمي نفسها بنفسها في ظل انسحاب غير مبرر لهياكل الدولة لحساب تدافع سياسوي انتخابوي يضع الأحزاب فوق الوطن ويضع تقاسم الكراسي فوق تقاسم ثمار التنمية. إنه درس قاس في كل من مصر وليبيا وتونس حتى تعي النخبة حاكمة كانت أو معارضة أن هيبة الدولة تجب إعادة تركيبها على أسس القوة المشروعة المسنودة إلى قانون توافقي عادل وإلى ضمان مسار الشعب نحو التقدم والمناعة بلا تردد أو تلعثم أو تحزب. ولم أجد لأختم مقالي هذا أفضل من رأي قرأته للزميل المفكر التونسي العجمي الوريمي وهو عضو في حركة النهضة قال: "هناك معادلة صعبة هي كيف يتم فرض القانون وهيبة الدولة دون العودة إلى الديكتاتورية وكيف يتم ضمان الحرية لكافة التونسيين دون الانزلاق في الفوضى حتى الفتنة. ولعل مسؤولية الأحزاب والمجتمع المدني أساسية في تأطير المواطنين خاصة الشباب وتشجيعهم على المشاركة في الحياة السياسية والثقافية والتعامل الإيجابي مع المسار والنأي بأنفسهم عن العنف ونحن نتفهم حالة القلق والإحباط والامتعاض والتشاؤم التي تنتاب شرائح معينة من المجتمع في مراحل التحول والانتقال ولكن ذلك لا يعطي مشروعية للفوضى والتسيّب والتخريب ولا مفر للدولة كي تقوم بواجبها في حفظ الأمن وحماية الحريات وقد انتخبت الحكومة للقيام على ذلك وهي تجد نفسها أحيانا إذا تسامحت تتهم بالتقصير وإذا تشددت تتهم بالاستبداد وكل فريق يزعم بأنها متساهلة مع الفريق الآخر".

502

| 26 سبتمبر 2012

الثورات الشعبية تلد الحرية لا الهمجية

من ليبيا التي اغتيل فيها بدون وجه حق السيد (كريز ستيفنس) الدبلوماسي الأمريكي الذي اشتهر بتقديره للإسلام والمسلمين وعوقب على ذلك في عهد بوش الابن وهو على كل حال في حماية دولة ليبيا إلى مصر التي هجم فيها نفر غفير على سفارة الولايات المتحدة وسقط بعض المهاجمين ضحايا إلى تونس حيث أحرق متظاهرون بعض مصالح السفارة الأمريكية وتسلل بينهم لصوص نهبوا حواسيب المدرسة الأمريكية (وهنا تكمن الهمجية) وتم إحصاء 4 ضحايا و30 جريحا إلى اليمن والعراق بعد أن كانت عاصمتاهما أيضا مسرحا لأعمال عنف واعتداء على البعثة الدبلوماسية الأمريكية إلى الخرطوم وإلى عواصم أخرى في العالم العربي والإسلامي. كل هذه الأحداث تؤكد في جانبها الإيجابي أن العربي المسلم لم يعد يتحمل الإهانة التي كان الطغاة لا يجدون فيها حرجا بل يطأطئون لها الرؤوس وتؤكد في جانبها السلبي الخطير ضياع الجماهير أمام إهانة حقيقية وإساءة بالغة وتحامل خطير ضد نبي الإسلام المصطفى الأمين والنور المبين صلى الله عليه وسلم ارتكبته مجموعة صغيرة وحقيرة من غلاة أقباط مصر المتأمركين وغلاة الصهاينة وليس للإدارة الأمريكية فيه ذنب مباشر سوى التسامح مع المعتدين على حضارة الإسلام والتشدد مع مناهضي العنصرية الإسرائيلية وهو ما لا يبرر اتخاذ السفارات وهي أمانة في رقابنا وليست أهدافا لأعمال عنف يذهب ضحيتها أحيانا من يساندنا ويؤيد ثوراتنا! وكنت في تونس الأسبوع الماضي ولاحظت أن هناك وعيا بتدارك الأخطاء من قبل النخبة الحاكمة حيث قال وزير من حركة النهضة حرفيا في صحيفة (لابريس):"إننا لم نكن في مستوى ثقة الشعب" مضيفا بأن العناية اتجهت لاحتلال الكراسي عوض إعطاء الأولوية لحل معضلات الشعب" لكن تفاؤلي بهذا الإدراك تراجع حين سمعت أحد أبرز المناضلين الحقوقيين وهو اليوم مسؤول في حزب من أحزاب السلطة يهدد معارضيه بفصل من فصول القانون الجنائي القاضي بالإعدام شنقا للمعارضين المتهمين بجريمة الانقلاب على النظام. ولعل الأمر يتعلق بكلام رجل غاضب سريع الانفعال. أما في اليمن فقد اتفق القاصي والداني بأن القبليات والعشائريات التي كانت الثورة أعلنت نهاية حقبتها إنما ازدادت ثباتا وانغراسا وهي التي تقود المسارات وتوجه السياسات بعيدا عن تحقيق طموحات الشباب اليمني. وهذه الحقائق هنا وهناك في العالم العربي هي التي ربما أجلت نهاية المأساة السورية حيث يستمر سفك دماء السوريين منذ عام ونصف وحجة أعداء التغيير الديمقراطي هي الإشارة إلى ما منيت به شعوب أخرى من عسر ولادة الحريات وصعوبة التحديات واستفحال الانفلات الأمني وبالطبع تغول سدنة الثورات المضادة في الداخل أما في الخارج فاحتمال حلول المارينز بعدة بلدان تحت ذريعة حماية الدبلوماسيين من القتل بقصد إجهاض حلم الجماهير العربية في حكم رشيد وشرعي وعادل بلا فساد وبلا استبداد. إنه الخطر الأكبر منذ 17 ديسمبر 2010 يوم احترق جسد الشهيد محمد بوعزيزي رحمة الله عليه في سيدي بوزيد. وأعتقد والله أعلم بأن هذه الأوطان تحتاج اليوم لرفع شعار الماهاتما غاندي الزعيم الهندي حين قال (كثيرون حول السلطة وقليلون حول الوطن) فالجراح التي تنزف في هذه البلدان من جراء عقود من القمع والتهميش لا تزال مفتوحة ولم تضع النخب الحاكمة والمعارضة أمامها خارطة طريق سوية تحدد فيها بالوفاق قائمة الأولويات وسبل مواجهتها بإعادة توزيع الثروة وبالإدارة الصالحة فالمطلوب هو أولا إكرام شهداء وجرحى الثورات بالتعويض والتبجيل والعلاج ثم التصدي بحزم استثنائي لمواجهة بطالة الشباب بإحداث أقطاب زراعية وصناعية تشغل منهم الكفاءات حتى يشعر هؤلاء الشباب الذي ضحى بالنفس والنفيس أن بلاده تسعى لتغيير حقيقي يكون له في بنائها دور رائد ثم التوافق حول خطة تنموية تصحيحية يعود فيها للقطاع العام دوره الأساسي كقطاع حكومي يعطي المثل للقطاع الخاص ويوفر حاجيات الناس في الميادين الثلاثة الحيوية أي الصحة والتعليم والنقل. فالظاهرة الاقتصادية والاجتماعية التي هبطت بمستوى المرافق والخدمات في كل من مصر وتونس واليمن وليبيا وسوريا والسودان والأردن هي ظاهرة الليبرالية المتوحشة التي قسمت الشعب إلى طبقتين: الطبقة الغنية التي تعالج مرضاها في المصحات الخاصة وتدرس أولادها في المدارس الحرة وتستعمل وسائل النقل المستقلة المرفهة بإزاء الطبقة الوسطى التي انحدرت إلى الأسفل وتضطر للعلاج في المشافي الحكومية والتعلم في المدارس الرسمية وتركب حافلات النقل الريفي. وذلك بدعوى تشجيع المبادرات الاستثمارية الخاصة مما أدى إلى تأسيس مجتمعات ظالمة وإلى حفر خنادق طبقية عوض أن تكون المؤسسات الخاصة تكملة طبيعية للمؤسسات الحكومية مثلما هو الحال اليوم في بلدان الاتحاد الأوروبي بفضل سياسات اجتماعية وخيارات شعبية يلتزم بها كل متقدم للاقتراع مهما كانت انتماءاته السياسية. وأنا أعيش في فرنسا منذ سنوات المنفى ولا أحتاج لمصحة خاصة أو مدرسة حرة أو نقل مستقل إلا عندما لا أجد مكانا في القطاع العام الذي يبقى الأفضل ويبقى المنارة والمثل الأعلى. اللهم اهدنا إلى صراطك المستقيم.

456

| 19 سبتمبر 2012

ليلة انقلاب القذافي العجيب على الزعيم بورقيبة

منذ ثلاثين سنة وبالأخص في ليلة من ليالي شهر مارس 1982 حدث لنا في تونس أمر غريب كنت دون إرادتي أحد شهوده و"لاعبيه" وإلى يوم الناس هذا أعتقد أن لا أحد لا في بلادي ولا في ليبيا الشقيقة يعرفه أو حتى سمع عنه. واليوم ونحن نعيش مرحلة الربيع العربي وتغيير مفهوم "أسرار الدولة" التي كان يمكن أن تضر بمصالح تونس لو أننا كشفناها في عز عهد العقيد الليبي وعهد الزعيم التونسي فالرجلان اليوم في ذمة الله ورحمته ولا بأس من أميط بعض الستائر عن محطات تاريخية مجهولة ليعتبر بها الشباب العربي حين يدرك كيف كانت تدار دولهم في لحظات من الزمن القديم وهي دول مشخصنة يلبسها رجل واحد يحيط به حزب واحد يحملها أمراضه البدنية والنفسية ويتحصن برهط غريب من البطانة الفاسدة القوية والبطانة الصالحة المستضعفة. وإليكم أسرد هذه الواقعة التي ظللنا في منافينا الطويلة نتذكرها ونتندر بتفاصيلها. في مارس 1982 أدى العقيد القذافي زيارة إلى تونس نسميها نحن رسمية ويصر "قائد الثورة" على تسميتها بالشعبية. وهو ليس مجرد اختلاف في التسميات الدبلوماسية لأن بورقيبة كان يعتبر القذافي مجنونا وكان القذافي يعتبر بورقيبة مريضا بالخرف (وهذا سمعته شخصيا من الرجلين بالطبع كل على حدة) وكان العقيد يعلن لنا فجأة بأنه سيزور "مقام والده الزعيم بورقيبة" فيشكل بورقيبة لجنة استقباله في المطار وتنتظر اللجنة لكن العقيد يحل ببلادنا عن طريق البر من معبر رأس جدير! وفي المرة الثانية حين دعا القذافي نفسه لزيارة تونس شكل بورقيبة لجنتين لاستقبال الضيف واحدة في المطار والثانية في رأس جدير تحسبا للمقلب الأول فكانت المفاجأة! وهي أن "القائد" وصل إلى ميناء صفاقس عبر البحر وعادت اللجنتان بخفي حنين! السبب هو أن العقيد يفضل الوصول إلى تونس متسللا للالتحام مع الشعب معتقدا أن الجماهير التونسية ستهب لاستقبال "زعيم الجماهيرية" بتلقائية وحماس بل وربما نصبته قائدا لثورتها الشعبية وهو ما لم يحصل أبدا. أما في مارس 1982 فقد حل الضيف مبجلا (مع خمسين فتاة عسكريات في غاية الجمال والأنوثة يحملن إشارات على زنودهن كتبت عليها عبارة النصر أو الشهادة) حتى أن بورقيبة سأل ضيفه مداعبا: النصر في أي معركة والشهادة من أجل أي غاية؟)، وقرر بورقيبة إسكانه في قصر السعادة بالمرسى وكلف وزير الدفاع صلاح الدين بالي "بالعناية بالضيف" أي في الحقيقة بالطبع ضمان سلامة العقيد ولكن أيضا إحاطة وحداتنا وأجهزتنا الخاصة بتحركاته والحذر من مكالماته واتصالاته والتحسب لكل مبادرة قذافية غير متوقعة. وفي اليوم الثاني من تواجد قائد الفاتح بيننا اتصل برئيس الحكومة محمد مزالي وطلب منه أن يبعث بصحفي تونسي يحاوره على قناتي تونس وليبيا مباشرة.. فتصرف مزالي أمام هذه المفاجأة بحكمة واتصل بي هاتفيا ليعلمني بالأمر وكنت آنذاك رئيس تحرير لسان الحزب الحاكم وقال لي: حاوره أنت يا أحمد مع مدير الإذاعة عبدالعزيز قاسم وستكتفي قناتنا بالتسجيل لتبث الحديث قناة ليبيا وحدها مباشرة لأن القذافي سوف لا يتردد عن كيل الشتائم لبورقيبة والهادي نويرة رئيس الحكومة السابق. وحللت مع عبدالعزيز قاسم بقصر السعادة حيث استقبلنا العقيد ورحب بنا وأخذني بالحضن مؤكداً لي أن عائلة القديدي من أخواله المقربين وأجرينا معه الحديث وهو خطاب العقيد المعروف والمكرر عن الكتاب الأخضر والنظريات العالمية الثالثة وبالفعل كال بعض التهم لمن عطلوا مشروع الوحدة بين تونس وليبيا وشتم "أمريكا" وانصرفنا شاكرين وكان يعتقد أن قناة تونس بثت كلامه مباشرة. وعندما هممنا بالمغادرة اقترب مني الرائد العواني وهو الضابط المكلف من وزارة دفاعنا بتأمين العقيد وهو من نفس مدينتي القيروان ليقول لي إن القذافي دعاه لتناول الشاي معه منتصف الليل وكلفني أن أستشير له وزير الدفاع ليأذن أو لا يأذن. فالرائد العواني وطني منضبط ويدرك خلفيات سلوك العقيد. وبالفعل اتصلت بصلاح الدين بالي وبمحمد مزالي فكلفاني بإبلاغ الرائد الأمر بأن يستجيب لدعوة العقيد ويتصل بوزير الدفاع مباشرة بعد المقابلة ويعلمه بتفاصيلها. وذهب الرائد يتناول الشاي مع العقيد فإذا بالقذافي يقول له: "ما شاء الله أنت عليك سمات الضباط الأحرار فلماذا لا تقوموا بإكرام والدنا الزعيم بورقيبة أمد الله في أنفاسه وتعفوه من أتعاب ومشقة السلطة وتضعوه على أريكة من ريش يستريح بعد سنوات المنافي والسجون والكفاح ونحن في الجماهيرية سنتكفل بكل شيء لمساعدتكم على هذا العمل الوطني الصالح". كانت هذه رسالة العقيد الغريبة التي قرأناها على حقيقتها أي تدبير انقلاب على بورقيبة في عقر داره ولم يخبر بها أحد الزعيم الذي كان في الحقيقة يدشن مرحلة أرذل العمر ولكن تونس لم تكن في حاجة إلى هزات من هذا الصنف غير مأمون العواقب وإلى مغامرات قذافية مجهولة التداعيات في منطقة مغاربية مستقرة تبحث عن وحدتها وأخذ نصيبها من التنمية ونعرف جميعا ما آلت إليه الأمور في تونس وليبيا منذ ذلك التاريخ إلى اليوم. اللهم اهدنا إلى صراطك المستقيم أنت الهادي وأنت الرحمن الرحيم.

1219

| 12 سبتمبر 2012

2919

| 28 يناير 2026

alsharq
«السنع».. ذكاؤنا العاطفي الذي لا يُدرّس في هارفارد

تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل...

2121

| 28 يناير 2026

alsharq
الشيخ جوعان.. قامة وقيمة و«قيم أولمبية»

-«الأولمبي الآسيوي».. موعد مع المجد في عهد «بوحمد»...

1065

| 29 يناير 2026

alsharq
أثرٌ بلا ضجيج.. أم ضجيجٌ بلا أثر؟

ليس كل من ارتفع صوته في بيئة العمل...

618

| 26 يناير 2026

alsharq
العربي اليهودي: سيرة هوية لا تقبل القسمة 2-2

..... نواصل الحديث حول كتاب « Three Worlds:...

579

| 30 يناير 2026

alsharq
التغيير المقبل في إيران

لا يمكن فهم التوتر الإيراني–الأمريكي بمعزل عن التحول...

522

| 01 فبراير 2026

alsharq
عنق الناقة وعنق الكلمة

لم أكتب عن النّاقة مصادفة، ولكن؛ لأنها علّمتني...

519

| 27 يناير 2026

alsharq
من الدوحة إلى آسيا.. رؤية قطرية تعيد رسم مستقبل الرياضة القارية

في محطة تاريخية جديدة للرياضة العربية، جاء فوز...

486

| 29 يناير 2026

alsharq
الشخصيات الصعبة في العمل

في بيئات العمل المتنوعة، نصادف شخصيات مختلفة في...

438

| 01 فبراير 2026

alsharq
العمل حين يصبح إنسانيًا

بعد سنوات من العمل في مناصب إدارية متعددة،...

429

| 28 يناير 2026

alsharq
الطاقة والبيانات: معادلة القوة الجديدة

تقع دول الخليج تقريبًا في منتصف المسافة بين...

384

| 26 يناير 2026

alsharq
قطر في قلب آسيا.. طموحات تلامس السماء

-الثقة بالشيخ جوعانتقدمت على المنافسة لينتخب بالإجماع -آسيا...

372

| 27 يناير 2026

أخبار محلية