رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أول من أثار انقلاب الموازين بين إسرائيل والعرب هم المفكرون والخبراء الإسرائيليون أنفسهم وقبل سواهم لأنهم يخافون شيئا قادما اسمه زوال إسرائيل من خارطة الشرق الأوسط وهذه الفرضية ليست وهما أو ضربا من الخيال السياسي بل هي توقع يكاد يكون (أريطماطيقي) أي حسابي علمي كما تؤكده حقائق الديمغرافيا والجغرافيا ومسار الأزمات الكبرى منذ الحربين العالميتين إلى اليوم ونواميس لعبة الأمم. وعلى رأس هؤلاء نجد أشهر الفلاسفة الفرنسيين من الدين اليهودي (ستيفان هيسيل) الذي أدان بشدة العدوان الراهن على غزة والذي تسلم مفاتيح القدس الرمزية من أيدي سفارة فلسطين بباريس وكذلك الكاتب الإسرائيلي المعروف (شلومو صاند) صاحب كتاب (كيف اخترعت أرض إسرائيل؟) ونجد الكاتب الفرنسي اليهودي (إيريك رولو) والنائب بالبرلمان الأوروبي المواطن الفرنسي الألماني من أصول يهودية (دانيال كوهن بانديت) كل هؤلاء يشكلون ضميرا جديدا للشعب اليهودي ليذكروا قادة الهمجية الإسرائيلية وينذروهم بأنهم بمواصلة سياسات القمع والاغتيال وقتل الأبرياء إنما يسارعون بالدولة العبرية نحو حتفها وأنه إذا رغب اليهود في أن تكون لهم دولة فلا بد من الاعتراف للشعب الفلسطيني بحقوقه المشروعة على ضوء قرارات الأمم المتحدة وحسب مواد القانون الدولي. وبالطبع فرغم اعتدال وتوازن هذه المواقف اليهودية النادرة فإن لا بنيامين ناتنياهو ولا إيهود باراك يعيران اهتماما لها لأسباب انتخابية وحزبية تجعل من كل مناسبة سياسية إسرائيلية داخلية فرصة لمزيد إبادة شعب فلسطين بأطفاله ونسائه بمرأى ومسمع من العالم الأصم الأخرس.
أما الحجة الجديدة التي أصبح هؤلاء العقلاء اليهود نسبيا يلوحون بها فهي الحقيقة الساطعة التي غيرت قواعد السلم والحرب وحورت بعمق أسس العلاقات الدولية في الأحداث الراهنة عربيا وإقليميا وعالميا ألا وهي حجة الربيع العربي الذي مرت أزهاره وثماره من هنا وأطاحت بأساطين التعايش مع المذلة الصهيونية والقهر العنصري فهذا الربيع أوصل نخبا عربية منتخبة إلى السلطة وأصبحت جماهير الناس هي التي تفرض إرادتها وتدافع عن حقوقها وتحاسب مسؤوليها وكما رأينا هذه الأيام في عقر ديار غزة العزة وتحت قنابل العدو الغاشم وأمام جرحى غزة في مشفى غزة هذه الثلة من الرجال الجدد أمثال هشام قنديل رئيس حكومة مصر ورفيق عبدالسلام وزير خارجية تونس وأبو الوليد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس فإن فلسطين ما قبل الربيع العربي ليست هي فلسطين ما بعده.
مياه جارفة وثائرة جرت كالأنهار من تحت جسور الشرق الأوسط تضطر اليوم زعماء الدولة العبرية إلى مواقف أخرى غير العنجهية والبلطجة بلا حسيب أو رقيب. بل تضطر الدولة الأمريكية الراعية لإسرائيل أن تعيد حساباتها تدريجيا وأن تشعر بأن ممارسات إسرائيل الضاربة بالقانون الدولي وبمجلس الأمن عرض حائط المبكى أصبحت عبئا ثقيلا قد لا تتحمله ظهور الأمريكان والأوروبيين على المدى البعيد. فالذي كان متاحا مباحا لإسرائيل قبل 2011 لن يكون كذلك بعده لأن الشعوب العربية هي التي اكتشفت نفسها سنة 2011 وأدركت ما لديها من مخزون حضاري وبطولي عربي إسلامي كان طيلة نصف قرن مكبوتا بقمع آلة الإذلال والتذييل التي عملت عملها عندما كان الرؤساء لا يرتقون سدة الحكم إلا حين تؤيدهم القوى الغربية الخارجية وتأخذ منهم صكوك التعاون مع العدو الغاشم المعربد في الشرق الأوسط وحين تضمن وتؤمن خضوعهم للنظام العالمي الجائر ومنظومة بريتن وودس المالية والاقتصادية الناهبة لثروات أممهم.
في غزة اليوم تغير مشهد الرعب بل قل توازي الرعب لدى الشعب الإسرائيلي ولدى الشعب الفلسطيني مع هطول الصواريخ على القدس الغربية وعلى تل أبيب لكن بفارق عظيم هو أن رعب أطفالنا وأبريائنا رعب نعيش معه منذ 65 سنة نتوارثه جيلا بعد جيل ونصمد ونقاوم في حين أن رعب الصهاينة هو رعب السارق المغتصب لأرض الغير ورعب المتجبر المحتاج لغطاء حلفائه ومالهم وسلاحهم. كنا نتابع اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة يوم السبت الماضي 17 نوفمبر وتمنينا لو أشار أحد الوزراء إلى تزامن هذا اللقاء مع ذكرى وعد بلفور سنة 1917 حين بدأت تتجسد أشباح مخطط إجرامي غير مسبوق في التاريخ الحديث أحل شتات شعب يهودي دخيل محل شعب فلسطيني أصيل في أكبر عملية تزوير للتاريخ وللجغرافيا وللحضارة في هذا العصر.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2115
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
897
| 04 فبراير 2026
امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على حالها، إن وجدتَها. ستلاحظ شيئاً غريباً في التصميم: الجدران قصيرة، والأبواب تكاد تكون متقابلة، و»السكيك» ضيقة وكأنها صُممت لتجعل الناس يصطدمون ببعضهم البعض فيلقون السلام. كان العمران هناك «خادماً» للوصل. وكانت روح الفريج حاضرة في كل تفصيلة معمارية. كان الحجر يُجبر البشر على التلاقي. ثم انتقل بسيارتك إلى أحيائنا السكنية الحديثة. شوارع فسيحة، وفلل تشبه القلاع الحصينة. كل بيت يحيط نفسه بسور عالٍ، وبوابات إلكترونية، وكاميرات مراقبة. لقد حصلنا على «الخصوصية» التي كنا نحلم بها، ولكن، هل سألنا أنفسنا عن الثمن؟ المعادلة بسيطة ومؤلمة: كلما ارتفعت الجدران الإسمنتية بين البيوت، ارتفعت معها الجدران النفسية بين القلوب، وتآكلت روح الفريج شيئًا فشيئًا. في زمن «الفريج»، كان الجار هو «خط الدفاع الأول»، وهو «الأهل» الأقرب. كانت الأمهات يتبادلن الأطباق، والأطفال يركضون من بيت لآخر وكأن الحي كله بيت واحد كبير. كانت «عين الجار» حماية، وصوته أنساً. لم يكن الفريج مجرد مكان للسكن، بل كان «نظاماً اجتماعياً» متكاملاً للتكافل والتربية المشتركة. اليوم، تحت ذريعة «الخصوصية» و»الاستقلالية»، عزلنا أنفسنا. أصبحنا نعيش لسنوات بجانب شخص لا نعرف إلا نوع سيارته. قد يمرض الجار، أو يحزن، أو يفرح، ولا نعلم عنه شيئاً إلا إذا رأينا خيام العزاء أو الزفاف صدفةً عند الباب. تحول الجار من «سند» إلى «غريب»، وأحياناً إلى مصدر إزعاج نشتكي منه إذا أوقف سيارته أمام سورنا. لقد قتلنا «روح الفريج» بدم بارد، واستبدلناها بـ «ثقافة العزلة». نحن لا ننكر أن التطور العمراني ضرورة، وأن الخصوصية حق. لا أحد يطالب بالعودة إلى بيوت الطين وضيق المكان. ولكننا نطالب بـ «أنسنة» مدننا الحديثة. المشكلة ليست في «الحجر» وحده، بل في «البشر» الذين سمحوا لهذه الأسوار أن تتسلل إلى نفوسهم. لقد استوردنا تصاميم هندسية غربية تقدس الفردية، ونسينا أننا مجتمع «جمعي» يتنفس الوصل. صممنا مدناً للسيارات لا للمشاة، وللأبواب المغلقة لا المشرعة. هل يمكننا استعادة ما فقدناه؟ نعم، ولكن البداية ليست بـ «هدم الأسوار» الإسمنتية، بل بهدم «الأسوار النفسية». أن نمتلك الشجاعة لنطرق باب الجار ومعنا «طبق حلو» وابتسامة، بلا مناسبة. أن نُحيي «مجلس الحي» ولو مرة في الشهر. أن نعلم أطفالنا أن «حق الجار» ليس مجرد كف الأذى، بل هو بذل الندى، والسؤال، والاهتمام. وهو جوهر روح الفريج. إن «الوحشة» التي نشعر بها في أحيائنا الفارهة لا يعالجها المزيد من الرخام والزجاج، بل يعالجها «دفء» القلوب المتواصلة. فلنجعل بيوتنا قلاعاً تحمينا من الخارج، نعم، ولكن لا تجعلها سجوناً تعزلنا عمن هم أقرب الناس إلينا جغرافياً، وأبعدهم عنا شعورياً.
696
| 04 فبراير 2026