رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما أروع عبارات القرآن الكريم الذي أنزل على أشرف الأنبياء والمرسلين حين ينير دروب المؤمنين بالحكمة الكامنة في كل كلمة وإني منذ طفولتي رسخت في ذاكرتي بفضل مؤدبنا الشيخ البشير بن غانم رحمه الله الآية 214 من سورة البقرة والتي كان يفسرها لنا إمامنا ومربينا الشيخ عبد الرحمن خليف رحمه الله في حلقات الزيتونة بجامع عقبة بن نافع بالقيروان وهي:
"أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب" (214)
فاتفق العلماء على أن معنى البأساء هو شدة الابتلاء بالقتل والجرح والأسر والجوع والعطش وأن الضراء هي ترك الأهل في أيدي المشركين وضياع الرزق والخوف من أذى الكفار أما فعل (زلزلوا) فهو امتحان المسلمين (في هذه الآية يرجح المفسرون أنها غزوة الخندق) امتحانهم بمحنة نفاذ الصبر حين تدلهم السبل ويتلاشى الأمل ويبدو النصر بعيد المنال إلى أن اكتملت الآية الكريمة باستغاثة المؤمنين (تذكروا أيضا عبارة بلغت القلوب الحناجر) ثم بالوعد الرباني الصادق العظيم بقوله (ألا إن نصر الله قريب).
إن معنى الزلزال الذي ذكره سبحانه في هذه الآية هو الذي أستعيره لنعت الأحوال العربية والإسلامية كما تظهر اليوم للرأي العام الدولي مبعث أمل ومبعث قلق في الوقت نفسه وللربيع العربي هنا التأثير العميق على وضعنا الراهن حين اهتزت أركان أنظمة حكم لم تستطع مواكبة السيل الجارف من طموحات الشعوب بل استفرد بعض الطغاة وعائلاتهم بمقدرات شعوبهم وبلغت التحولات السياسية فيها درجات غير متوقعة تراوحت بين العنف وانحباس الاستثمار وضياع البوصلة وربما لم تشعر الجماهير فيها بأهم وأبرز إنجازات تلك التحولات المباركة وهي استعادة الإنسان لإنسانيته المتمثلة في الحرية وصون الحقوق واسترداد الكرامة.
الخطايا العشر التي تعيق اليوم انعتاق الأمة هي 1- الخلط بين الدولة ومنظومة الحكم البائد فالمواطن اعتقد أن تصفية منظومة الفساد القديمة تستدعي التمرد على القوانين (حتى المرورية منها!) وأن كل من عمل في وظيفة هو من فلول النظام السابق. 2- تيسير استعمال العنف للتعدي على حقوق الناس بدعوى أن الثورة مرت من هنا (نذكر مثال الاستحواذ على أراضي الناس وبناء بيوت فوضوية عليها ومثال الانتقام من الخصوم شخصيا ومن دون الرجوع إلى محكمة). 3- الانفلات الأمني الذي يروع المواطن جعل الناس يربطون بين الثورة وبين الفوضى وأصبحت المطالبة بالأمن أولوية الأولويات بل شرع الناس ينزلون إلى الشارع متظاهرين مطالبين بحقهم في الأمن 4- تراكم المطالبات الاجتماعية بشكل يتجاوز مقدرات الدولة وموازين المؤسسات الصناعية مما أجبر أصحاب هذه المؤسسات على الهرب والاستقرار في بلدان أخرى. 5- اتساع رقعة العنف السياسي بأشكال مبتدعة بلغت حدود القتل والاختطاف والاعتداء على ممثلي الدولة ومطبقي القانون والخصوم السياسيين واتسع خرق القانون على راقع الدولة بل أصبح الأمن يحتاج إلى أمن. 6- انفجار العنف اللفظي والتحريضي واستعمال لغة السب والشتم والتنكيل في المنابر دون رادع (والحجة ألسنا في ثورة؟). 7- انتشار مناخ التخوين والكيد والتشويه على صفحات المواقع الاجتماعية بسبب التخفي وعدم تحمل المسؤولية القانونية ونتج عن هذه الفتنة تقسيم جائر للمواطنين في مصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا إلى مسلمين وعلمانيين (أو كفرة) وإلى ثوريين وثورة مضادة وإلى أبطال مستقبل وفلول نظام بائد وهذه الاختزالات الظالمة فتحت أبواب العنف والاستئصال والإقصاء. 8- فتح أبواب التدخلات الأجنبية بمخابراتها وأعوانها لتزيد النار زيتا وتورط الشعوب في مؤامرات ضد مصالحها وإقحامها في أجندات أعدائها. 9- ضياع النخبة السياسية قليلة الخبرة بين خدمة أحزابها وخدمة الوطن. 10- تخبط النخبة أمام استفحال الملفات المطروحة للحل العاجل بفقدان سلم أولويات وفاقية وطنية تحدد لها الآجال وتوفر لها الموارد المالية والمخططات العقلانية والمعالجات الشفافة مثل ملف تشغيل الشباب وإعادة النظر كليا في برامج التعليم التي تنتج لنا جيوش عاطلين وكذلك تقسيم تراب البلاد بشكل مختلف يلغي تدريجيا الفوارق في النمو وفرص الاستثمار وتوفير أقطاب الصناعة والزراعة والسياحة بالعدل والقسطاس.
تلاحظون أن هذه الخطايا العشر أو الجراح العشر التي لا تزال تنزف في بلداننا العربية مهما كان ربيعها أي تلك التي مرت بثورة أو تلك التي صنع قادتها ربيعا هادئا وديعا بلا هزات عنيفة. فالعالم العربي في هذا المنعرج من تاريخه يعاني زلازل من الحجم الكبير (سبعة على سلم الحضارة...الشبيه بسلم ريشتر) ولعلنا لا نزال في مرحلة نقاهة بعد تعافينا من أمراض الاستبداد كمن يصحو تدريجيا بعد إجراء عملية جراحية وهو تحت تأثير التخدير فينظر من حوله ليرى الأشياء والناس يلفهم الضباب غير واضحي المعالم ويبدأ في استرداد وعيه المفقود شيئا فشيئا حتى تتضح الرؤية وتستقيم أمامه الخطوط ويعي الحياة من حوله كما هي بعسر مشاكلها وتعقيد أوضاعها واستحالة حل معضلاتها من دون وفاق واسع ومن دون ترفع عن توافه الأحقاد ومن دون استعادة هيبة دولة عادلة قوية آمنة. ذلك هو التحدي الأكبر لمواجهة الزلازل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4626
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1167
| 01 أكتوبر 2026