رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تدور هذه الأيام أحداث غريبة عن أرض وطبيعة تونس في جبل الشعانبي أعلى قمة في البلاد ووجه الغرابة في هذه الأحداث أنها تقدم للرأي العام في بلادنا وخارجها صورا قادمة من جبال أفغانستان وضواحي قندهار لأنه لا عهد للتونسي بألغام متفجرة في وجوه رجال الأمن والجيش ولا عهد له كذلك بعصابات مجهولة مسلحة ومدربة تتخذ من الكهوف مكامن لها وتستعد على ما يبدو لشن عمليات تخريبية أو لارتكاب جرائم ضد من؟ ولمصلحة من؟ وكيف طلعت على هذا المجتمع الآمن الطيب دون سابق إنذار؟ وأنا على يقين مهما كانت التنديدات بأي شكل من أشكال الخروج عن القانون بأن هذه الحركات وليدة أرحام تونسية وخارجة من صلب مجتمع لم يتحصن من العنف ولم يدرك أن سياسات التهميش الاجتماعي والاقتصادي وخيارات الإقصاء وغلق باب الحوار وسن سبيل إرهاب الدولة على مدى ربع قرن في ظل ما كان يسمى بتجفيف المنابع الدينية في برامج التعليم والثقافة السطحية السائدة كان لابد أن يؤدي إلى تصحر أخلاقي وانعدام توازن أسري تساقطت علينا ثماره المرة بعد خلخلة مؤسسات الدولة لتعلن عن تشابه بين جبل الشعانبي وجبال تورا بورا وأن محافظة القصرين توشك أن تتحول إلى ممر خيبر. فالديكور لا يختلف بالمغارات والكهوف والسبل المرتفعة ولباس الشباب المجند وأشكالهم هي ذاتها وأنواع أسلحتهم وعتادهم وعبارات خطابهم هي نفسها لأننا بكل بساطة نعيش منذ ثلث قرن في عالم بلا حدود جعلت شباب تونس وشباب باكستان وشباب ليبيا وسوريا وأبناء الجيل الثالث من المقيمين المسلمين في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يكرعون من منهل واحد عبر تلك الفضائيات الطائفية والحاشدة والمختصرة للتاريخ الإسلامي في الغزوات. ونحن لم نلمس فرقا بين الشابين أصيلي الشيشان اللذين فجرا قنابلهما في ماراثون بوسطن منذ أيام وبين الشباب التونسي الذي فجر ألغاما في وجوه جنودنا البواسل في جبل الشعانبي رغم تباعد المسافة واختلاف اللغة وتباين المجتمعات التي فرخت هؤلاء وأولئك. أما الخلل البنيوي الفوقي الذي قاد المجتمعات العربية والمسلمة إلى هذا النفق المسدود فهو فساد التعليم الذي لم يرتق للتربية وخلو برامجه من الشحنة التاريخية والفكرية والأخلاقية التي تؤسس نفس الإنسان على منظومة قيمة قبل أن تعلمه خبرة أو تلقنه صنعة. وتأتي بعد ذلك قوانين تنظيم المجتمع والأسرة التي سيستها الدول والأحزاب بمخاطبة الغرب بلغة الحداثة المزورة تقربا له وحفاظا على المواقع في السلطة فتحولت بعض المجتمعات بعمليات التغريب والتشويه إلى مسوخ من المجتمعات الغربية المسيحية وبعد أن كانت بعض المجتمعات ذكورية بامتياز أصبحت نسوية بامتياز وأهين الرجل في أسرته بدعوى تحرير المرأة ولم يعد أولاده يقدرونه بدعوى المساواة بينما هذه القوانين جعلت لغاية تحصين الأسرة وتحميل المرأة مسؤوليتها إلى جانب الرجل فحدث خلل عميق وحفر شرخ واسع في صلب الأسرة. وبصراحة فإن خروج كل النساء بلا استثناء وبلا داع حقيقي للعمل خارج البيت أحدث زعزعة في تربية الأطفال وتماسك العائلة بينما العقل يحتم ألا تخرج للعمل سوى المرأة التي تحتاج بالفعل إلى دخل وتعول أسرة أو لديها معرفة وخبرة لا غنى عنهما للمجتمع أما اعتبار عمل المرأة مجرد عنوان "تحرر" وهي خاسرة هي وعائلتها والمجتمع على كل الأصعدة فهو انحراف لا يليق ببلداننا التي تعاني من معضلات اجتماعية لم تعد خافية مثل المخدرات وارتفاع نسبة الطلاق وضياع الأجيال الصاعدة وتفشي البطالة وازدحام الشوارع والنقل والحط من قدر المرأة وكرامتها في دوامة مجتمع سريع التحولات متعدد المخاطر.
من مصائب الدهر وتقلب الأيام أن نسجل بعد تحولات ما يسمى الربيع العربي انحرافات خطيرة تهدد لا فقط أمن بلداننا بل هويتها الحقيقية وتبدل وداعة أهلها عنفا ووفاق مواطنيها شراسة وفي هذه الأحداث التي تغير ملامح تونس ومصر وليبيا نقرأ إخلالات عميقة بالتوازن التاريخي الذي ساد قرونا مجتمعاتنا ونحت بصبر وأناة نماذج من التعايش السلمي بين المواطنين حين جمعهم حماس مقاومة المستعمر الدخيل ونخوة بناء الدولة الحديثة المستقلة والميل لحل المشاكل بالحوار. ولعل المعضلة التي تجمع بين مجتمعات البلدان العربية التي مرت بتجارب الانتفاضات والثورات هي تقلص دور الدولة في حماية الأنفس والأرزاق والأعراض بسبب الخلط الإيديولوجي بين الدولة والنظام والذي يجري في كل من ليبيا ومصر وتونس من جدل عقيم حول عزل وتحييد كبار موظفي الدولة في العهود السابقة دون ذنب اقترفوه ودون تحميلهم وزرا شخصيا ودون حكم قضائي يدينهم في فساد أو ظلم وهو عين الظلم يذكرنا بما انحرفت إليه الثورة الفرنسية لسنة 1789 حين شرع "الثوار" يقطعون رؤوس بعضهم البعض بأحكام عدالة انتقامية ليس فيها أي عدل. فالمعتصمون المسلحون الليبيون حول الوزارات ينادون بعزل من سموهم (كل من خدم النظام السابق) والسياسيون التونسيون الذين يريدون سن قانون ما سموه (تحصين الثورة) وجماعة الإخوان المصرية التي تلجأ للانتقام ممن تعتبرهم فلولا هؤلاء جميعا يسيئون لأوطانهم ويفتحون أبوابا مشرعة لردود الفعل وتفشي الحقد وتوسيع دوائر الضغينة عوض تضميد الجراح ولم الشمل وطي صفحات الماضي الأليمة. وأذكر أن من أرادتهم الظروف في مناصب السلطة منذ سنة 2011 لم يستمعوا لنصيحة البطل الحكيم نيلسون مانديلا الذي نبههم إلى أن دولة جنوب إفريقيا لم تحقق معجزات نهضتها إلا بالبناء على دولة قائمة والاعتماد على كوادر خدموها وعلى التسامح والمصالحة ورأب الصدع. فالذي يدور اليوم في جبل الشعانبي هو انحراف خطير لكنه نتيجة انحرافات خطيرة منذ ثلث قرن من تراكم الأخطاء وسوء التقدير. فتونس ومصر وليبيا وغدا سوريا ليست دار جهاد بل دار إصلاح ووفاق. وفقنا الله إلى ما يحبه ويرضاه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
15147
| 08 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1623
| 10 فبراير 2026
لم يكن الطوفان حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه مع مرور الوقت، ولا مجرد فصل جديد في صراع اعتدنا على تكراره. ما جرى كان لحظة فاصلة، كشفت الكثير مما كنا نفضّل تجاهله، ووضعت الجميع أمام واقع لم يعد من السهل الهروب منه. بعد الطوفان، لم تعد اللغة القديمة صالحة للاستخدام. لم يعد من الممكن ترديد العبارات نفسها، أو التظاهر بأن الصورة غير مكتملة. الصورة كانت واضحة، وربما كانت هذه أوضح لحظة شهدها هذا الجيل. أول ما سقط بعد الطوفان هو وهم الجهل. لم يعد أحد يستطيع الادعاء بأنه لا يعرف، أو أن الأمور بها لبس. كما سقطت فكرة النظام الدولي العادل. القانون الذي يعمل بانتقائية، وحقوق الإنسان التي تُفعّل حين تخدم المصالح وتُعطَّل حين تكون ضدها. والأهم انتهت اخطر كذبة كنا نكررها "ما باليد حيلة". وسقط أيضًا خطاب العجز الذي اعتدنا ترديده. ذلك الخطاب الذي يبرّر الصمت بحجة غياب القدرة، ويتعامل مع المأساة وكأنها قدر لا يمكن الاقتراب منه. ان تكون عاجزاً بعد الطوفان فهذا ليس بسبب الاوضاع بل بسبب اختيارك ان تكون عاجزاً. الطوفان لم يخلق قسوة العالم، لكنه كشفها بوضوح. كشف ازدواجية المعايير، وصمت المؤسسات، وبرود الخطاب السياسي أمام مشاهد لا تحتمل البرود. لكنه في الوقت نفسه كشفنا نحن، بطريقة ربما كانت مؤلمة أكثر. كشف سرعة انفعالنا، وسرعة تراجعنا. كشف كيف نغضب، ثم نتعب ثم نعتاد. كيف تتحول المأساة إلى صور، ثم إلى مقاطع، ثم إلى ذكرى بعيدة. كشف عدم قدرتنا على تحمل المناظر المؤلمة التي نراها في غزة عبر الفيديوات.. بينما اهل غزة يعيشون هذه المناظر فعلياً كل يوم ترك الطوفان أثرًا نفسيًا ثقيلًا. تعب عام، شعور بالعجز، وتقلّب مستمر بين الأمل واليأس. هذا التعب لا يُقاس بالأرقام، لكنه ينعكس في طريقة التفكير، وفي قبول الظلم باعتباره جزءًا من المشهد المعتاد. الخطر هنا ليس في الغضب، بل في الاعتياد. أن نصبح أقل دهشة، أقل صدمة. وضوح العدو لا يُعفي من مراجعة الذات. فالطوفان كشف ضعفنا في البناء الطويل، واعتمادنا المفرط على ردود الفعل. الغضب حاضر، لكن تحويله إلى مشروع مستمر، ما زال محدودًا. كما كشف تردّد النخب في تحمّل كلفة المواقف، وارتباك الجمهور بين الرغبة في الحقيقة والخوف من تبعاتها. النخب التي قال عنهم ابوعبيدة رحمه الله: انتم خصومنا امام الله. ما بعد الطوفان ليس مرحلة شعارات ولا خطابات حماسية. هو مرحلة أسئلة ثقيلة: كيف نفهم القوة؟ كيف نبني وعيًا ينهض بنا؟ إما أن يكون الطوفان نقطة تحوّل حقيقية، أو مجرد محطة أخرى في سلسلة صدمات اعتدنا أن نمرّ بها دون أن نتعلّم منها ما يكفي. ما بعد الطوفان يفرض مسؤولية أبعد من الغضب وأثقل من التعاطف. يفرض انتقالًا من حالة المشاهدة إلى موقع الفاعلية، ومن رد الفعل إلى الفعل الواعي طويل النفس. لم يعد السؤال: ماذا نشعر؟ بل ماذا سنفعل بهذا الشعور؟ لأن المشاعر التي لا تتحول إلى وعي، والوعي الذي لا يتحول إلى سلوك، ينتهي بهما الأمر وقودًا لجولة إحباط جديدة. أخطر ما قد يحدث بعد الطوفان ليس أن نُقهر، بل أن نقتنع أن أقصى دورنا هو أن نتألم ثم نعود إلى حياتنا كما كانت، وكأن الدم الذي رأيناه لم يكن اختبارًا أخلاقيًا مباشرًا لنا نحن، قبل أن يكون إدانة للعالم. بعد أن وقف اطلاق النار "الوهمي" حيث ان القصف لازال موجودا والقتل لازال موجودا ولكن الفرق هو ابتعاد الكاميرات عن غزة، بقيت الأسئلة بلا إجابات سهلة، يظل السؤال الأهم قائمًا: هل تغيّر العالم فعلًا، أم أنه كشف فقط حدود قدرتنا على التغيير؟ والأهم من ذلك.. هل تغيّرنا نحن بما يكفي؟ أم أننا ننتظر طوفانًا ودماء اكثر كي نتحرك فعلياً؟
822
| 10 فبراير 2026