رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
اسمحوا لي أن أصحح معنى من معاني العلوم السياسية وأعراف الدولة وهو خطأ شائع في عهد ما بعد ثورات الربيع العربي في كل الأدبيات المتداولة في المجتمعات العربية ففي تونس ومصر وليبيا واليمن نلاحظ في السلوكيات والمواقف وحتى في سن قوانين جديدة خلطا بين من خدم الدولة في العهد السابق ومن خدم نظام استبداد فنجد حشر الوزراء والسفراء وكبار الموظفين في كيس واحد دون ذنب اقترفوه وهو ما يفرغ الدول بعد انتفاضات الشعوب من كوادر خبيرة ومجربة. بينما الحقيقة الدستورية والدبلوماسية إذا ما اعتمدنا النموذج التونسي هي أن لتونس حوالي 80 سفيرا للجمهورية التونسية لدى الدول الشقيقة والصديقة وذلك منذ العصر القرطاجني إلى العصر الإسلامي وصولا إلى الدولة التونسية في عهد الأسرة الأغلبية ثم الحفصية إلى العائلة الحسينية فدولة الاستقلال مع الزعيم بورقيبة إلى الثلاثة والعشرين عاما من حكم زين العابدين بن علي حتى بلغنا عهد الترويكا وهو يشكل مرحلة مؤقتة سوف تستقر بعدها الدولة التونسية الوطنية على أسس أرسخ وأطول عمرا. في كل هذه العهود المتعاقبة يجب الفصل بين الدولة والنظام. والخلط بينهما يفضح إما جهلا بالسياسة والتاريخ أو تحاملا إيديولوجيا موجها لضرب مؤسسات الدولة. فالسفير عندما يقسم أمام الملك (الباي) سابقا أو الرئيس منذ 1957 إلى اليوم فهو يقسم على الإخلاص للوطن وخدمة مصالحه والتفاني في رفع راية البلاد وهو بذلك لا يخدم "نظاما" وفي عهد بن علي كان هناك نظام أشبه بمنظومة فساد عائلية لكن كانت أيضا لدينا دولة بتراثها العريق ومؤسساتها المحايدة وجهازها الإداري وأنا أعتبر أن هذه الدولة هي البطل الأول للثورة التونسية لأنها أدت دورها الوطني كاملا في ظروف انهارت فيها المنظومة الفاسدة وانفلت الأمن فلم يقطع الماء ولا الكهرباء ولا أوصدت البنوك ولا انقطعت الرواتب ولا معاشات التقاعد ولم يغلق المستشفى ولا المدرسة ولا الجامعة ولا تعطلت مؤسسات الجيش والأمن والجمارك ولا الشركات الوطنية ومنها الطيران والسكك والتأمين. هذه هي الدولة التي مثلتها أنا وغيري من السفراء في دول العالم ما عدا قلة قليلة استثنائية من الدخلاء على الدبلوماسية التونسية ربما كانوا أقرب للمنظومة منهم إلى الدولة. وبما أن للدولة رمزا هو ملك أو رئيس فهو الذي يسلم لنا أوراق اعتمادنا كما أني أضرب مثل بطلنا الأولمبي أسامة الملولي الذي رجع بميدالية ذهبية من بيكين فأهداها رمزيا إلى زين العابدين ورجع بعد أربع سنوات من لندن بنفس الميدالية فأهداها رمزيا إلى منصف المرزوقي وأملي أن يعود بعد أربع سنوات بميداليات أخرى فيهديها إلى رئيس أو رئيسة المستقبل في قصر قرطاج. هذه هي الدولة وهي تختلف جذريا عن المنظومة التي شكلها أفراد من بطانة بن علي وأصهاره لكن المنظومة لم تؤثر على سير الدولة إلى درجة انهيارها أو إضعافها أو تغييبها. فالذي وقع في العراق سنة 2003 مع (بريمر) هو القضاء على الدولة العراقية عوض القضاء على منظومة صدام حسين فدمر الأمريكان وحلفاؤهم العراقيون مؤسسات الجيش والتعليم والصحة والمتاحف والمصارف وموارد الطاقة والنتيجة كما نراها اليوم هي حالة اللادولة أي إن العراق انتقل من حالة دولة الاستبداد إلى حالة اللادولة وهو ما أخشاه على وطني وأذكر بما كان نصح به المناضل العظيم نلسن مانديلا حكام تونس ومصر في شهر فبراير 2011 حين قال لهم: لا تبنوا الدولة الجديدة على الفراغ وعلى الحقد والانتقام. ورجل في مثل قامة مانديلا لا ينطق عن عاطفة بل عن تجربته الناجحة في جنوب إفريقيا حين كلف القس إدموند توتو برئاسة لجنة الحقيقة والمصالحة فضمدت الجراح وحاسبت الظالمين بالقضاء العادل لا بالقوانين الاستثنائية والإقصاء الظالم. وأنا حتى في معارضتي لمنظومة الفساد والاستبداد مع قلة من الأصدقاء منذ 1986 لم أقطع الاتصال بالعاملين في مؤسسات الدولة وتحملت نصيبي من التضحيات فنفيت وتشتت أولادي ولوحقت لمدة 13 عاما من قبل الإنتربول ثم حرمت من رؤية بنتي الاثنتين إيناس وسيرين لمدة تسعة أعوام فقد تركتهما سنة 1990 طفلتين ولم أرهما إلا سنة 1999 وهما شابتان وكذلك والدتي الحاجة السيدة رحمها الله فلم ترني ولم أرها لمدة تسعة أعوام أيضا لدرجة أني عندما رجعت إلى تونس في أغسطس 1999 لم تعرفني أمي بين إخوتي وشاركت المناضلين من كل الاتجاهات شرف مقاومة الاستبداد إلى غاية مارس 2006 حين شاركت في برنامج الجزيرة (ما وراء الخبر) وانتقدت تواصل سجن الإسلاميين فأطلق بن علي يوم الغد سراح 70 سجينا لكن الآلة الدعائية الرهيبة أكلت لحمي حيا وهتكت عرضي بالأراجيف من الغد كما فعلت صحافة المجاري معي ومع غيري لمدة عقدين وصودرت جوازاتي أنا وأولادي عام 2006 وحرموني من حضور زفاف بنتي سيرين حيث أسمعوني الزغاريد بالهاتف وأنا في باريس ثم إني أصدرت كتابي (ذكريات من السلطة إلى المنفى) في مارس 2005 وفيه انتقاد وتنديد بسياسات وتسلط بن علي وهو ما يزال في السلطة أي أني نشرت كتابي في حضرة السلطان الجائر لا بعد سقوطه كما فعل الكثيرون من "أبطال" 14 جانفي الساعة 6 وربع. أما قبولي للسفارة في قطر فأنا لم أتردد لحظة لأني أدرك أهمية علاقاتنا مع قطر ولأني عشت فيها 15 سنة وأسهمت بدوري المتواضع في مجتمعها المدني وسمو الشيخ حمد أكرمني وأواني سنة 1990 عندما كنت مطاردا من الإنتربول وكنت أعرف أن قطع علاقاتنا بقطر يتضرر منه الشعب التونسي فقمت بما أملاه علي ضميري بتسليم جوازات سفر للمحرومين منه (ومنهم أعضاء في قيادات بعض الأحزاب اليوم) وسلمت تأشيرات دخول تونس لقناة الجزيرة فحضرت تلك القناة الشهيرة وغطت أغلب مراحل الثورة وقمت بعقد 16 اتفاقية بين الوزارات التونسية والقطرية وازداد عدد المواطنين التوانسة العاملين في قطر والحمد لله فقد كنت سفير دولة راسخة عريقة وواصلت بطريقتي ومبادئي مناهضة الفساد والاستبداد من ذلك الموقع. ونحن في تونس أرجو ألا ينجرف مضطهدو الأمس إلى اضطهاد مسؤولي الأمس دون حكم قضاء وأنا أعرف العديد ممن كانوا وزراء بن علي أو رؤساء خلايا دستورية في الأرياف خاصة وخدموا مصالح مواطنيهم بما توفر لهم من إمكانات وكانوا يتقون الله في مواطنيهم. إن الدولة تبقى دولة ومنظومة الفساد زائلة بزوال أسباب الفساد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هو الأكثر إدراكًا لحجم التباين بين الزمنين فيما يتعلق بالسلام النفسي، بين زمن كان الإنسان يقترب من حقيقة نفسه بلا زينة مصطنعة، وزمن تصطاد هذه الشبكة روحه ووقته وسكينته وتبعده عن ذاته كما بين المشرقين. على الرغم من محاسنها التي لا يستطيع أحد إنكارها، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا بديلًا للإنسان، فالحياة فيها، والرضا من خلالها، والتعاسة أيضًا، والإشباع الروحي يتحقق بعلامات الإعجاب ويُستجدى بتعليقات المتابعين. لقد أصبحت صفحات المرء وعدد متابعيه هي هويته المعبرة عنه، بطاقته التعريفية بصرف النظر عن تقييم المحتوى الذي يقدمه، فانقلب تعريف الإنسان من جوهره إلى ظاهره. مواقع التواصل آخر عهده بالليل، وأول عهده بالصباح، وبينهما نوم قد يعرض له انعكاساتها على نفسه التعسة، تتدفق فيه الأسئلة: كيف أبدو أمامهم، كيف أرضي أذواقهم، كيف أزيد من الإعجابات والتعليقات، كيف أبرز نفسي وألمعها، كيف أتخطى بأعداد المتابعين فلانًا وفلانًا، بل ويجعل تفاعل الجماهير هي الميزان الذي يزن بها نفسه، فإن قل اضطرب قلبه وتوهم النقص في قيمته وأنه خسر شيئًا من ذاته. أصبح هناك ولع غير مبرر بعرض التفاصيل اليومية من المطبخ، وبيئة العمل، والمواصلات، وأماكن التنزه والسفر، واللحظات الرومانسية بين الأزواج كأنهم يقومون بتمثيل عمل درامي، وقد يكون بينهما من الأزمات ما الله به عليم. غدت تلك الصفحات سوقًا للمتاجرة بالأحزان والأزمات، وأضحت ميدانًا للنقاشات والجدل العقيم الذي لا يراد من خلاله إلا إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي خلقت للإنسان بيئة صورية يصنع مفرداتها كما يحب، على حساب الانسحاب من بيئته في الواقع، فأصبح تواصله محصورًا مع عناصر هذه البيئة الجديدة، في الوقت الذي ينقطع عن أهل وذويه في البيت الواحد. وإن من المشاهد المضحكة المبكية، أن ترى أفراد الأسرة كل منهم يجلس على هاتفه دون أن يشعر بالآخر على مدى ساعات، بينما تجده غارقا في عالمه الافتراضي يتفاعل مع المتابعين بعلامات الإعجاب والتعليقات. ومن أشد مثالبها استلاب الرضا من القلوب، فعندما يعرض الناس أجمل لحظاتهم وألوان النعم التي يعيشون فيها وأحسن ما في حياتهم، يرى الناظر هذه الصورة البراقة، فيحسب أن الناس جميعا سعداء إلا هو، وأنهم بلغوا القمم بينما لا يزال هو قابعًا في السفح، فتولد لديه هذه المقارنة شعورًا بالمرارة ومنها ينبت الحسد أو اليأس، وكلاهما نار تأكل السلام النفسي أكلًا. مواقع التواصل عودت النفس على العجلة، فالإيقاع سريع، وكل شيء فيها يجري جريًا، الخبر، الصورة، والرأي، لا تدع للإنسان فرصة للتأمل الذي يستلزم حضوره السكون، فالسلام النفسي لا يولد في الضجيج والصخب والزحام، بل ينشأ في لحظات الصمت عندما يجلس المرء مع نفسه للمصارحة والمكاشفة. لقد جعلت هذه المواقع الإنسان في حال دائم من التمثيل والتصنع والتكلف، يختار كلماته وصوره وأطروحاته ليس على أساس الصدق والفائدة المرجوة، بل على أساس تحقيق القبول لدى الناس، فيطول عليه الأمد فينسى وجهه الأول، ويعيش بشخصيتين إحداهما على الشاشة والأخرى في الخفاء، وهذا الانشطار لا شك يصيبه بالاضطراب. الرضا لا ينال بالتصفيق ولا يشترى بعدد المتابعين، لكنه ثمرة معرفة الإنسان لنفسه وقبوله بعيوبها ومحاسنها، وسعيه إلى إصلاحها لا تجميل صورتها. وأنا ها هنا لا أرمي إلى إظهار مواقع التواصل كآلة آثمة، لأن العيب في اليد التي تسيء استخدامها، فهي كالسيف يكون أداة عدل أو أداة ظلم، بحسب من يحمله. وحتى يسترد المرء سلامه النفسي في زمن الشاشات، فعليه أولًا أن يدرك أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن الحياة أوسع بكثير من هذه الصورة، وأعمق من سطر في منشور. عليه أن يفتش عن قيمته الحقيقية في إنجازه الحقيقي لا في حضوره الافتراضي. عليه أن يدرك أنها مجال لا حياة، حيّز للزيارة لا للإقامة، فمن ثم يضع لها حدًا معلومًا من وقته، فلا يتركها تأكل يومه، ويقتل لهفته تجاه التعرف على الإعجابات والتعليقات الجديدة كل دقيقة، فيجدر به أن يدرب نفسه على الفصام الجزئي مع هذه المواقع، ويصغي إلى نفسه حتى لا تذوب في أصوات الخارج.
6570
| 15 فبراير 2026
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم المنتشر في معظم مناطق قطر، حيث يرتاده كثيرٌ من أبناء الجاليات الآسيوية الكريمة، كان “راشد بن علي” يجلس مع صديقه الهندي “رفيق سراج”. عشرون عاماً ورفيق يعمل “سائقاً”، واليوم حانت لحظة الوداع. قبل أن يحزم حقائبه عائداً إلى بلاده، أراد أن يودّع “مديره السابق” بلمسة وفاء، فدعاه إلى قهوة على حسابه في هذا المجمع المعروف. راشد (مبتسماً): “رفيق، أنت يعرف، أنا ما في يجي هذا مكان، هذا كله عشان خاطر مال أنت.” رفيق (يهز رأسه): “شكرا، ما شاء الله نفر قطري كل زين، كل في طيب،… بابا راشد في سؤال: أنت وين روح اشتري أغراض بيت مال أنت؟” راشد: “أنا روح دايم (الميرة)، هذي شركة مال دوحة، لازم أنا سوي دعم.” رفيق: “أنت نفر واجد سيده، لازم يسوي دعم بلاد مال أنت.” غرق الاثنان في بحر الكلام والذكريات. وعند الوداع، غادر رفيق بدموع الوفاء، وبقي راشد وحيداً يتصفح رسائله على هاتفه. وفجأة… تيت تيت… بيب بيب… وصل “أمر العمليات” من القيادة العليا؛ “أم علي” نصيرة “الميرة”، والمنتج الوطني، قائمة طويلة من طلبات البيت لا أول لها ولا آخر، تبدأ بنص الرسالة: “إذا رحت (الميرة) جيب لنا ونبي………” نظر راشد حوله؛ الوقت ضيق والساعة متأخرة ليلاً، وهذا المجمع الذي يجلس فيه يوفر كل شيء. لكنه كان يتلفت يمنةً ويسرةً يخشى أن يُضبط متلبساً بـ”خيانة تموينية”. تلثم بغترته وقال في نفسه: “سامحيني يا أم علي يا أم الخير”. أخذ عربة التسوق متلثماً، وعند “الكاونتر” وضع الأغراض، فظهر المبلغ: 1500 ريال. ابتسم المحاسب الآسيوي وبدأ الحوار: المحاسب: “بابا، أنت في قطري؟” راشد (مستغرباً): “نعم، قطري، ليش رفيق…؟” المحاسب: “أنت في متقاعد؟” راشد: “نعم، Why…؟” المحاسب: “بابا، جيب بطاقة مال تقاعد.” أخرج راشد البطاقة متردداً وهو يتساءل، مرّرها المحاسب، وفجأة انخفض الرقم على الشاشة! المحاسب: “ما شاء الله بابا، واجد زين! أنت في خصم 5%.” توقف راشد لحظة صمت ودهشة وتلعثم… 75 ريالاً خُصمت في عملية واحدة فوراً تقديراً للمتقاعد القطري! فكّر في هذا المجمع التمويني التسويقي الخارج عن حسابات “أم علي” وتقديراتها، وكيف وجد فيه ترحيباً وتكريماً وتقديراً لم يتوقعه أبداً للمتقاعد القطري، وهو الذي لم يدخله يوماً من باب الولاء للمنتج الوطني. رفع يده للسماء وقال: “الله يسهّل عليك في حلالك يا يوسف بن علي… وجزاك الله ألف خير نيابةً عن كل المتقاعدين القطريين… عز الله إنك شنب ”. خرج راشد متلثماً ومعه “ماجلة أم علي ” إلى البيت، وهو “يحنحن” ويهوجس: أحياناً تسوقنا الأقدار إلى أماكن نتجاهلها ولم نعتدها، لنكتشف أن التقدير قد يأتي من حيث لا نحتسب… ومن “الغريب” قبل “القريب”. الأرض واسعة والناس شتى، والرزق عند الله لا عند البشر.
987
| 16 فبراير 2026
مرحبًا رمضان، رابع الأركان وطريق باب الريان. فالحمد لله الذي بلغنا شهر الصيام والقيام، يحلّ علينا ونحن في شوق كل عام لهذا الضيف العزيز، الذي جعله الله محطة لتزودنا بالتقوى والزهد، والسكينة تعلو فيه الهمم، وتنكسر فيه حدة الشهوات والتعلق بملذات الحياة. وهذا كله من الحكم التي من أجلها فُرض الصيام تصديقًا لقوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) [البقرة] وضع الله سبحانه وتعالى التقوى غاية للمسلم، التي من أجلها فُرض الصيام، فهي ثمرته الحقيقية التي يصل بها إلى بلوغ المرام، وبها يتعلم الإنسان ويتدرب ويتعوّد على ضبط شهواته، ومراقبة ربه في السر والعلن. في رمضان فرصة عظيمة لنجدّد العهد مع الطاعة، ونقوي تواصلنا وعلاقتنا بالخالق سبحانه وتعالى. فعلى الرغم من أن فريضة الصيام لا تتكرر إلا مرة في العام، إلا أن لها أثرًا عظيمًا في القلوب، وتغييرًا عميقًا في السلوك لمن أحسن استغلال هذه الأيام واغتنام نفحاتها. والصيام في المجمل من أجل الأعمال، وأعظمها أجرًا، ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به) رواه البخاري. فإبهام جزاء الصوم من الله تعالى يعد تشريفًا لهذه العبادة لم تنله عبادة أخرى. كل هذا الفضل والرفعة في الصيام على إطلاقه، فكيف بصيام الفريضة، الذي أوضح لنا النبي الكريم ﷺ ثوابه العظيم، فقال: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه. فاللهم وفقنا لصيام هذا الشهر الكريم احتسابًا، وأعنّا فيه على بلوغ التمام، وارزقنا في هذا الركن الثمين العفو والمغفرة، وزودنا يا الله بالتقوى والإخلاص في القول والعمل، يا رب العالمين.
846
| 18 فبراير 2026